النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ كتاب الجنائز ٤٣٧ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالاَ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَ ظله: ((لَقُّنُوا مَوْتَاكُمْ: لاَ إِلهَ إِلَّ اللهُ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ ٠٠٥﴾(١) وَالأَرْبَعَةُ(١) . * مفردات الحديث: - لقّنوا: فعل أمر من: التلقين؛ وهو التذكير. قال في ((المصباح)): لقنته الشيء فتلقنه، إذا أخذه من فيك مشافهة، فمعناه: أنَّ الإنسان يقول الشيء ويتبعه غيره. - موتاكم: يعني: الذي ظهرت عليه علامات الموت؛ وذلك عند الاحتضار، و تسمیتهم موتی باعتبار ما سيكون. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - استحباب تلقين المحتضر كلمة الإخلاص: ((لا إله إلاَّ الله))، وبقية الحديث عند ابن حبان: ((فمن كان آخر قوله: لا إله إلاَّ الله، دخل الجنة)). ٢ - قال المُنَاوي عن حديث الباب: إنَّه متواتر، والتلقين المذكور سنة مأثورة؛ لههذا الخبر، والمسلمون أجمعوا عليها. ٣- قال الفقهاء: يلقنه مرة واحدة، ولا يزيد لئلا يضجره، إلاَّ أن يتكلم بعد تلقينه فيعيد عليه التلقين؛ ليكون آخر كلامه: لا إله إلاّ الله. ٤- عظم هذه الكلمة الجليلة بكبر فائدتها، وأنَّ قولها بإخلاص، والعمل بها سبب للنجاة من النار ودخول الجنة. اللهم أحينا عليها، وأمِتنا عليها . (١) مسلم (٩١٦)، أبوداود (٣١١٧)، النسائي (٥/٤)، الترمذي (٩٧٦)، ابن ماجه (١٤٤٥). ١٤٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥- قال ابن القيم: يستحب التأذين في أذن المولود اليمنى، والإقامة في اليسرى؛ ليكون أول ما يقع في سَمْع الإنسان كلمات الأذان، كما يلقن عند خروجه من الدنيا، فتكون دعوته إلى الله تعالى، وإلى دينه الإسلام سابقة على دعوة الشيطان . ١٤٣) كتاب الجنائز ٤٣٨ - وَعَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ - رَضِيَ اللهُ عنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ ◌َه قَالَ: ((اقْرَءُوا عَلَىُ مَوْتَاكُمْ يُس)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ والنَّسَائِيُّ، وصَخَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيف . أخرجه أحمد (١٩٧٩٠)، وأبوداود، وابن أبي شيبة (٤٤٥/٢)، وابن ماجه (١٤٤٨)، والحاكم (٧٥٣/١)، والبيهقي (٣٨٣/٣)، والضياء المقدسي. قال الحاكم : أوقفه یحیی بن سعيد وغيره. وقال النووي في ((الأذكار)): إسناده ضعيف، ففيه مجهولان، للكن لم يضعِّفه أبوداود، وقال ابن حجر: أعله ابن القطان بالاضطراب، وبالوقف، وبجهالة حال أبي عثمان وأبيه، المذكُورَين في إسناده. وقال الدارقطني: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن، ولا یصح في الباب حدیث. * ما يؤخذ من الحديث: الحدیث صححه طائفة من العلماء، وضعّفه طائفة أخرى، ومعناه يحتمل أمرين : الاحتمال الأول: أن يراد به قراءة السورة المذكورة عند المحتضر، ويسمى المحتضر ميتًا باعتبار ما سيكون؛ قال تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم [الزمر] فتستحب قراءتها عند المحتضر. مَّيِّتُونَ (١) أبوداود (٣١٢١)، النسائي في الكبرى (٢٦٥/٦)، ابن حبان (٣٠٠٢). ١٤٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال الإمام أحمد (١٦٥٢١) حدثنا: صفوان قال: كانت المشيخة يقولون: إذا قرئت یلس عندالموتى، خُفُّف عنهم بها، وصحّح إسناده ابن حجر في ((الإصابة)). وأسند صاحب ((الفردوس)) عن أبي الدرداء وأبي ذر قال: قال رسول الله الله: (ما من میت یموت، فیقرأ عنده یلس، إلاَّ هون الله علیه)). قال شيخ الإسلام: تستحب قراءة يلس، عند المحتضر، وقيل: الحكمة في قراءتها: اشتمالها على تغيير الدنيا وزوالها، والوعد بالبعث والقيامة، ونعيم الجنة وما أعدَّ الله فيها، ويتذكر بقراءتها تلك الأحوال التي توجب زهده في الدنيا المنتقل عنها إلى الآخرة المقبل عليها، فتسهل عند ذلك خروج روحه، ففي السورة طائفة من الأدلة النقلية والعقلية على إمكان البعث والحياة الأخرى. الاحتمال الثاني: أن يراد بقراءتها على الموتى يعني بعد موتهم، ويكون المراد: إهداء ثواب قراءتها إليهم. خلاف العلماء: القُرب التي تهدى إلى الميت، أو الحي على نوعين: متفق عليه، ومختلف فيه، فمن الأول : ١- الدعاء والاستغفار: ودليله نحو: قوله تعالى: ﴿وَأَلَّذِينَ جَآَمُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَيْنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَنِ﴾ [الحشر: ١٠]. ٢ - الصدقة: لما جاء في البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤) عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ سعد بن عبادة قال: ((يا رسول الله، إنَّ أمي اقْتُلِتَتْ نفسها، ولم توصٍ، فلها أجر، إن تصدّقت عنها؟ قال: نعم)). ٣- الحج والعمرة: لما جاء في البخاري (١٨٥٢) عن ابن عباس: ((أنَّ امرأة من جهينة قالت: يا رسول الله، إنَّ أمي نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: نعم حجي عنها، أرأيتٍ لو كان على أمك دين أكنت ١٤٥ كتاب الجنائز قاضیته؟! اقضوا الله ؛ فالله أحق بالوفاء)). ٤- الصيام: لما في البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧)، عن عائشة - رضي الله عنها - أنَّ النَّبيَّ وَِّ قال: ((من مات وعليه صيام صام، عنه وليه)). فهذا النوع مما اتُّفق على جوازه. قال شيخ الإسلام: اتَّفق أئمة الإسلام على انتفاع المیت بالدعاء له، وما يُعمل عنه من البر، وهذا مما يعلم بالضرورة من دين الإسلام، وقد دلَّ عليه الكتاب والسنة، والإجماع، فمن خالف ذلك، كان من أهل البدع، ولم يخالف في هذه الأحاديث الصحيحة الصريحة من بلغته، وإنما خالفها من لم تبلغه، وإنما اختلفوا في العبادات البدنية المحضة؛ كالصلاة وتلاوة القرآن: الثاني: ذهب الحنفية والحنابلة ومتأخرو الشافعية والمالكية إلى وصول ثوابها من الحي إلى الميت والحي. وذهب متقدمو الشافعية ومتقدمو المالكية إلى عدم وصول ثواب العبادات البدنية المحضة لغير فاعلها . استدلَّ المانعون وهم متقدمو الشافعية بأدلةٍ، منها قوله تعالى: ﴿ وَأَنْ [النجم]. ٣٩ لَيْسَ لِلإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى ل! قال ابن كثير في تفسيره: أي: كما لا يحمل وزر غيره، كذلك لا يحل له من الأجر إلاَّ ما كسب هو لنفسه، ومن هذه الآية استنبط الشافعي - رحمه الله - ومن تبعه أنَّ القراءة لا يصل إهداء ثوابها إلى الموتى، لأنَّه ليس من عملهم، ولا کسبھم. كما استدلوا: بما أخرجه مسلم (١٦٣١) عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َله: ((إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلاّ من ثلاث: ولد صالح يدعو له، أو صدقةٍ جارية، أو علم يُنتفع به من بعده)) . ١٤٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وهذه الثلاثة في الحقيقة هي من سعيه وجده وعمله؛ كما جاء في الحديث: ((إنَّ أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولده من كسبه، والصدقة الجارية)) [رواه أبو داود (٣٥٢٨)] كما أنَّ الوقف ونحوه من أثر عمله، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحِى الْمَوْقَ وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُواْ وَءَاثَرَهُمْ﴾ [يس: ١٢]. والعلم الذي نشره في الناس، إذا اهتدى به الناس من بعده هو أيضًا من سعيه وعمله، وجاء في صحيح مسلم (٢٦٧٤) أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قال: ((من دعا إلى هدى، كان له من الأجر مثل أجور مَن تبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أفضل العبادات ما وافق هدي النبي وَل وهدي أصحابه . قال ابن مسعود: من كان منكم مستنًّا، فليستن بمن مات، أولئك أصحاب رسول الله ◌َالاته . والذي كان معروفًا عند القرون المفضلة أنَّهم كانوا يعبدون الله تعالى بأنواع العبادات المشروعة فرضها ونفلها، ويدعُون للمؤمنين والمؤمنات - كما أمر الله بذلك - لأحيائهم وأمواتهم. ولم يكن من عادتهم إذا صلوا تطوعًا، أو صاموا تطوعًا، أو حجوا، أو قرأوا القرآن - يُهدون ذلك لموتاهم المسلمين، بل كان عادتهم الدعاء لهم، فلا ينبغي للناس أن يَدَعو طريق السلف؛ فإنَّه أفضل وأكمل. أما الفريق الذين يرون وصول ثواب الأعمال البدنية المحضة، فيقولون، ومنهم: ابن قدامة في ((المغني)) لما ذكر الأحاديث الدالة على وصول الدعاء، والصدقة، والحج ونحوها - قال: وهذه أحاديث صحاح، فيها دلالة على انتفاع الميت بسائر القُرب؛ لأنَّ الصوم والدعاء والاستغفار عبادات بدنية، وقد أوصل الله نفعها إلى الميت، فكذلك ما سواها. ١٤٧ كتاب الجنائز قال في ((شرح الزاد)) وغيره، من كتب الحنابلة: وأي قُربة من دعاء واستغفار وصلاة وصوم وحج وقراءة وغير ذلك فعلها مسلم، وجعل ثوابها لمیت مسلمٍ، أو حيٍّ ـ نفعه ذلك. قال الإمام أحمد: الميت يصل إليه كل شيء من الخير؛ للنصوص الواردة فيه . قال ابن القيم: من صام أو صلَّى أو تصدق وجعل ثوابه لغيره من الأموات والأحياء - جاز ثوابها إليهم عند أهل السنة والجماعة، ويحصل له الثواب بنيته له، ولكن تخصيص صاحب الطاعة نفسه أفضل، ويدعو كما ورد في الكتاب والسنة . وبحثها ابن القيم في كتاب ((الروح)) بحثًا وافيًا مستفيضًا، وصحَحَ وصول ثواب جميع القُرب والأعمال الصالحة إلى الميت، ودلل عليها، وردًّ حجج المعارضين، وننقل خلاصة قليلة منها فيما يأتي، تتميمًا للفائدة: اختلف العلماء في العبادات البدنية؛ كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر : فمذهب الإمام أحمد وجمهور السلف وصولها . ومذهب مالك والشافعي أنَّ ذلك لا يصل. والدليل على انتفاع عنه بغير ما تسبب به: ١ - حديث: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلاّ من ثلاث ... )) إلخ [رواه مسلم (١٦٣١)]. حديث: ((من سنَّ سنة حسنة، فله أجرها وأجر من عمل بها، ومن سنَّ سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده ... )) إلخ [رواه مسلم (١٠١٧)]. ٢- انتفاعه بغير ما تسبب به في القرآن والسنة والإجماع وقواعد الشرع: ١٤٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أما القرآن: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُو مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا﴾ [الحشر: ١٠] إلخ. وفي سنن أبي داود (٣١٩٩) عن أبي هريرة؛ أنَّ النَّبِي وَّقال: ((إذا صليتم على الميت، فأخلصوا له الدعاء)). وفي حديث صحيح مسلم (٩٧٤): ((كان ◌َّ يعلمهم؛ إذا خرجوا إلى المقابر يقولون: السلام عليكم ... )) إلخ. ٣- وصول ثواب الصدقة؛ كما في البخاري (١٣٨٨)، ومسلم (١٠٠٤) من حديث عائشة - رضي الله عنها - في الرجل الذي قال للنبي وَليهِ: ((إنَّ أمي ماتت ولم توصٍ، أفلها أجر إن تصدقت عنها؟ قال: نعم)). ٤- وصول ثواب الصوم؛ كما في حديث عائشة عند البخاري (١٩٥٢) ((من مات وعليه صوم، صام عنه وليه)). وفي البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨)، عن ابن عباس قال: ((جاء رجل إلى النبي وَلِّ فقال: يا رسول الله، إنَّ أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: نعم، دين الله أحق أن يقضى)). ٥- وأما وصول ثواب الحج: ففي صحيح البخاري (٧٣١٥) عن ابن عباس: ((أنَّ امرأة قالت: يا رسول الله إنَّ أمي نذرت أن تحج فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: حجي عنها، فالله أحق بالقضاء)) قال - رحمه الله تعالى -: هذه نصوص متظاهرة على وصول ثواب الأعمال إلى الميت، إذا فعلها الحي عنه، فأي نص أو قياس أو قاعدة من قواعد الشرع يوجب وصول أحدهما، ويمنع وصول الآخر، فوصول الجميع محض القياس، فإنَّ الثواب حق للعامل ، فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يمنع ذلك، كما لم يمنع من هبة ماله في حياته، وإبرائه منه بعد. ١٤٩ كتاب الجنائز أدلة المانعين : ١ - قال تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّ مَا سَعَى [النجم]، وقوله: ﴿ لَهَا مَا ٣٩ كَسَبَتْ وَعَلَيَّهَا مَا أَكْتَسَبَتْ﴾ [البقرة: ٢٨٦]. ٢- ((إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلاَّ من ثلاث)). ٣- العبادات نوعان: نوع تدخله النيابة؛ كالصدقة والحج، فهذا يصل ثوابه إلى الميت، ونوع لا تدخله النيابة بحال؛ كالإسلام والصلاة والقراءة والصيام، فهذا النوع يختص بفاعله لا يتعداه، ولا ينتقل عنه، كما أنَّ في الحياة ما لا يفعله أحد عن أحد. ٤- وقد جاء في ((سنن النسائي الكبرى)) (١٧٤/٢) عن ابن عباس عن النبي وَّل قال: ((لا يصلين أحد عن أحد، ولا يصومن أحد عن أحد، ولكن يُطعِمُ عنهُ)). ٥ - معارض بالقياس الجلي على الصلاة والإسلام والتوبة؛ فإنَّ أحدًا لا يفعلها عن أحد. أجاب الذين يرون وصول الثواب بما يلي: قال ابن القيم: ليس فيما ذكرتم ما يعارض الكتاب والسنة، واتفاق السلف، ومقتضى قواعد الشرع. وأما قوله تعالى: ﴿ وَلَا نَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أَخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]، وقوله: ﴿ وَأَنْ [النجم] - فيبين مقتضى عدل الرب أنَّه لا يعاقب أحدًا ٣٩ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى بجُرم غيره، وأنَّ الإنسان لا يفلح إلاّ بعمله وسعيه، فالآية الأولى تؤمن من أخذ العبد بجريرة غيره، كما يفعله ملوك الدنيا، والآية الثانية تقطع طمعه من نجاته، بعمل آبائه وسلفه ومشايخه، كما عليه أصحاب الطمع الكاذب، فتأمل حُسن اجتماع هاتين الآيتين. والآية لم تنف انتفاع الرجل بسعي غيره، وإنما نفت ملكه لسعي غيره، وبَينَ الأمرين من الفرق ما لا يخفى، وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه، فإن شاء ١٥٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام أن يبذله لغيره، وإن شاء يُبْقيه لنفسه، وكان شيخنا يختار هذه الطريقة ویرجحها . وأما الاستدلال بحديث: ((إذا مات ابن آدم))، فاستدلال ساقط؛ فإنَّه وَلـ لم يقل: انقطع انتفاعه، فالمنقطع شيء، والواصل إليه شيء آخر. وأما القول بأنه لو نفعه عمل غيره، لنفعه توبته عنه وإسلامه عنه - فالجواب: أنَّ هذا جمع بين ما فرق الله بينه؛ كما يقاس الربا على البيع، والميتة على المذكى. وأما العبادات فنوعان: نوع تدخله النيابة، ونوع لا تدخلها، فمن أين لكم هذا الفرق؟ وقد شُرِع الصوم عن الميت، مع أنَّ الصوم لا تدخله النيابة، وشرع في فرض الكفاية أنه إذا فعله مَن يكفي سقط عن الباقين. وقد أطال البحث والنقاش، وصحح وصول ثواب جميع الأعمال من الحي إلى الميت والحي، رحمه الله تعالى. ١٥١ كتاب الجنائز ٤٣٩ - وَعَنْ أُمَّ سَلَمَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((دَخَلَ رَسُولُ اللهَِّهِ عَلَىْ أَبِي سَلَمَةَ، وَقَدْ شَقَّ بَصَرُهُ، فَأَغْمَضَهُ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّ الرُّوحَ إِذَا قُبِضَ. أَتَّبَعَهُ البَصَرُ. فَضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ، فَقَالَ: لاَ تَدْعُو علَى أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ بِخَيْرٍ، فَإِنَّ المَلاَئِكَةَ تُؤَمِّنُ عَلَى مَا تَقُولُونَ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ، اغْفِرْ لأَّبِي سلَمَةَ، وَارْفَعْ دَرَجَتَهُ فِي المَهْدِيِّينَ، وافْسَحْ لَهُ فِي قَبْرِهِ، وَنَوِّرْ لَهُ فِيهِ، وَاخْلُفْهُ فِي عَقِهِ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - شقَّ بَصَرُهُ : - بفتح الشين المعجمة -: رفع وشخص وبصره، وهو فاعل ((شق)). قال النووي: وضبط بعضهم ((بصرَ)) بالنصب، وهو صحيح أيضًا، والشين مفتوحة بلا خلاف. - الروح: بضم الراء، جمعه: أرواح، وهو مخلوق، وهو من أمر الله تعالى يكون في وجوده في البدن الحياة، وبفقده الممات، يذكَّر ويؤنَّث، وسيأتي بحثه إن شاء الله تعالى . ـ اتبعه البصر: همزته همزة وصل، ومعناها ما جاء في رواية مسلم ((تبعه)) بحذف الهمزة، ومعناه: أنَّ الروح إذا خرج من الجسد تبعه البصر، ناظرًا أين يذهب، قاله النووي. - فضجَّ ناسٌ من أهله: يقَال: ضجَّ فُلانٌ يضُج ضجيجًا، بمعنى: صاح، وقال في ((النهاية)): الضجيج: الصياح عند المكروه والمشقة والجزع، والمعنى: (١) مسلم (٩٢٠). ١٥٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام صاحوا، أو صوّتوا من شدة المصيبة، والفاء للتعقيب. - إنَّ الروح إذا قبض، اتبعه البصر: للجسد تعلق شديد في الروح في حال الحياة، ثم بعد الموت يظل البصر يتبع الروح؛ لينظر أين ذهبت. - الملائكة تؤمن: تدعو معكم، وتقول: ((آمين)) على دعائكم، ومعنى («آمين)): اللهم استجب . - المهديين: الذين هداهم الله تعالى، ودلَّهم على طريق الرشد، والسداد في حیاتهم ومماتهم. ـ افسح لهُ في قبره: وسِّع له ومدَّ له في قبره؛ بحيث يكون عليه روضة من رياض جنَّتك. - نوِّر له فيه: فدعاء الصالحين من أسباب نور القبر؛ ففي البخاري (٤٥٨) ومسلم (٩٥٦)؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّهِ قال: ((إنَّ هذه القبور ظلمة على أهلها، وإنَّ الله ينوِّرها بصلاتي عليهم)). - واخلفه في عقبه: واجعل لمن ترك بعده من الأهل والذرية خليفة صالحًا في أحوال دينهم ودنياهم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز النظر إلى وجه الميت. ٢-استحباب تغمیض عیني الميت بعد وفاته. ٣- أنَّ الوفاة تكون بمفارقة الروح البدن. ٤- النهي عن الضجيج والصراخ ورفع الصوت عند مصيبة الموت أو غيره، ولعلَّ بعض آل أبي سلمة أتَوْا عند وفاته، وفعلوا ما اعتادوا أن يفعلوه في الجاهلية من قولهم: ((واويلاه واثبوراه))، ونحوه؛ فقال: ((لا تدعوا على أنفسكم إلاَّ بخیر)). ٥- استحباب الدعاء بالخير عند الوفاة بالاسترجاع، وسؤال الرحمة للميت، ١٥٣ كتاب الجنائز ونحو ذلك. ٦- من رحمة الله تعالى بخلقه أن جعل ملائكته يواسون المسلمين عند مصائبهم، فیؤمنون على دعائهم، ويحضرون عندهم. ٧- استحباب الدعاء للميت بالرحمة والمغفرة، ورفع الدرجات في الجنة، وحشره مع أولياء الله تعالى المهديين من النبيين والصديقين، والشهداء والصالحين. ٨- ثبوت نعيم القبر من اتساعه له وتنويره، فيكون فيه روضة من رياض الجنة، فهو أول منازل الآخرة. ٩ - استحباب الدعاء لأهل الميت وعقِبه؛ بأن يخلفهم عنه خيرًا، وأن يعوِّضهم عن فقْده أجرًا. ١٠- الفضيلة العظيمة والمنقبة الكبيرة لأبي سلمة - رضي الله عنه - بهذا الدعاء النبوي المبارك، الذي نعلم أنَّه قبل منه ما كان في الدنيا، حيث صار عقبه في أهله هو أنَّ رسول الله وَ له تزوج امرأته، فصارت من أمهات المؤمنين، وتشرف أولاده، فصاروا ربائب للنبي وَّ، رُبوا في بيته، وعاشوا في كنفه، وصاروا في كفالته، ونظن الظن القوي أنَّ الله تعالى استجاب دعاء النبي گآڵ، فغفر له ذنوبه، ورفع درجته في المهدیین. وأبو سلمة المخزومي القرشي من السابقين إلى الإسلام، وممن هاجر الهجرتين: الحبشة والمدينة، وشهد بدرًا وأَحْدًا، وجرح فيه واندمل جرحه، ثم انتقض علیه، ومات منه بعد أشهر، رضي الله عنه. وهنا بحثان يتعلقان بهذا الحديث : البحث الأول: ما هي حقيقة الوفاة؟ قال الأطباء: جذع الدماغ هو المتحكم في جهازي التنفس، والقلب، والدورة الدموية، ولذا فإنَّ توقف جذع الدماغ وموته يؤديان لا محالة إلى توقف ١٥٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام القلب، والدورة الدموية، والتنفس، ولو بعد حين. ولذا فإنَّ لجنة ((مجمع الفقهي الإسلامي في جدة)) المكونة من أعضائها الشرعیین والأطباء، وهم كلٌّ من: ١ - الشيخ مختار السلامي، مفتي تونس. ٢- الشيخ مصطفى الزرقا، من كبار فقهاء حلب. ٣- الطبيب أشرف الكردي، أخصائي الأمراض العصبية. ٤ - الطبيب محمد علي البار، أخصائي الأمراض الباطنية. قرروا في ((١١ صفر عام: ١٤٠٧ هـ رقم: ١٧)) ما يلي: بحكم النظرين الشرعي والطبي؛ بأنَّ الشخص قد مات، إذا تبينَ فيه إحدى العلامتين : الأولى: إذا توقف قلبه، وتنفسه، توقفًا تامًّا، وحَكَمَ الأطباء بأنَّ ههذا التوقف لا رجعة بعده . الثانية: إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائيًّا، وَحَكَمَ الأطباء. الاختصاصيون الخبراء بأنَّ هذا التعطل لا رجعة فيه، وأخذ الدماغ في التحلل، ففي هذا الحال يسوغ رفع أجهزة الإنعاش المركبة على المحتضر، وإن كان بعض الأعضاء كالقلب - مثلاً - لا يزال يعمل آليًّا بفعل الأجهزة المذكورة. أما مجلس المجمع الفقهي الإسلامي، ففي دورته العاشرة المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة في يوم السبت ١٤٠٨/٢/٢٤ هـ إلى يوم الأربعاء الموافق ١٤٠٨/٢/٢٨ هـ فنص قراره ما يلي : وبعد المداولة في الموضوع، نتهى المجلس إلى القرار الآتي: المريض الذي ركبت على جسمه أجهزة الإنعاش، يجوز رفعها إذا تعطلت جميع وظائف دماغه تعطلاً نهائيًّا، وقررت لجنة من ثلاثة أطباء اختصاصيين خبراء أنَّ العطل لا رجعة فيه، وإن كان القلب والتنفس لا يزالان ١٥٥ كتاب الجنائز يعملان آليًّا بفعل الأجهزة المركبة، لكن لا يحكم بموته شرعًا إلاَّ، إذا توقف التنفس والقلب توقفًا تامًّا، بعد رفع هذه الأجهزة. وصلَّى الله وسلمّ على نبينا محمد. قال محرره - عفا الله عنه -: ما دمنا علمنا من الأطباء أنَّ موت الدماغ هو موت حقيقي، لا رجعة بعده، وأنه إذا مَات الدماغ، مات القلب لا محالة، وإن استمرَّ نبضه وضخه بفعل أجهزة الإنعاش، فيعتبر نزع أجهزة الإنعاش عن المحتضر ليس قضاء عليه، وتعجيلاً بموته؛ لأنَّه في عداد الموتى طبيًّا، فيكون نزعها جائزًا شرعًا. البحث الثاني في الروح: قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِى وَمَآ أُوْتِبِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا [الإسراء]. ٨٥ قال الدكتور الطبيب محمد بن علي البار: الروح أمر مجهول، لا نقول فيه إلاَّ أنَّه من أمر ربنا، وما أُوتي البشر من العلم إلاّ قليلاً، والرسول ێ يوضح لنا متى تنفخ الروح في الجنين، وأنَّ ذلك بعد مروره في مراحل وأطوار مختلفة، حتى إذا تكونت أعضاؤه، بدأت في الجنين حركات إرادية، وترتسم على وجهه علامات الرضا والضيق، كل ذلك يدل على نفخ الروح. قال الرازي: الروح موجود، وهو مغاير لههذه الأجسام والأعراض، ذلك أنَّ الأجسام أشياء تحدث من العناصر، أما الروح فإنَّه ليس كذلك، بل هو [البقرة] ولا يلزم من جوهر بسيط، مجرد يحدث بقوله تعالى: ﴿كُنْ فَيَكُونُ إِ عدم العلم بحقيقته نفيه؛ إنَّ أكثر حقائق الأشياء وماهيتها مجهولة. وقال ابن القيم: الصحيح أنَّ الروح جسم مخالف بالماهية لهذا الجسم المحسوس، فالروح جسم نوراني علوي خفيف متحرك، ينفذ في الأعضاء، ويسري فيها سريان الماء في العود، وسريان الدهن في الزيتون، والنار في ١٥٦ ( توضيح الأحكام من بلوغ المرام الفحم، فما دامت هذه الأعضاء صالحة لقبول الآثار الفائضة عليها من هذا الجسم اللطيف، بقي هذا الجسم اللطيف متشابكًا بههذه الأعضاء، وأفادها هذه الآثار من الحس والحركة والإرادة، وإذا فسدت هذه الأعضاء، وخرجت عن قبول تلك الآثار- ارق الروح البدن، وانفصل إلى عالم الأرواح. وهذه هو الصواب، وكل الأقوال سواه باطلة، وعليه دلَّ الكتاب والسنة، وإجماع الصحابة، وأدلة العقل والفطرة. فالروح هي مناط التكليف، ومدار الأمر والنهي، والصلاح والفساد، وما الجسم إلاَّ لباس لها، وشكل ظاهر، فهي اللب والجوهر. اهـ كلامه. قال محرره - عفا الله عنه -: وهذا الارتباط بين الروح والجسد، الذي ذكره العلامة الإمام ابن القيم يشير إليه الحديث الشريف الذي معنا. قال ◌َله: ((إنَّ الروح إذا قبض، اتبعه البصر)) فشق بصر الميت، وسبحان المحيط علمه بكل شيء. فقوله: ((إذا قبض))، قوله: ((اتبعه البصر)) - دليلٌ قاطعٌ على أنَّ الروح جسم، فالقبض لا يكون إلاَّ لجسم، والبصر لا يتبع إلاَّ شيئًا مرئيًّا، هو الجسم. وقال الدكتور حسن الشرقاوي: ويخلط علماء الروح الحديث خلطًا شديدًا، فيندفعون في دعاواهم الزائفة، فيستجلبون أجسامًا عن طريق الوسطاء، زاعمين أنَّهم أحضروا الروح، ويستخدمون لذلك وسائل مادية. ويمكن القول بأنَّ هذا النوع من الاتصال يتم بين الإنس والجن، وليس للروح أي علاقة بهذه التجارب المادية؛ لأنَّ الروح من اختصاص الله، وليست في مقدور الإنسان، ومهما تقدم العلم، فإنه سيظل عاجزًا عن إدراك كُنْهِ الروح، وأصحاب هذه التجارب خلطوا بين عالم الجن وعالم الروح، فتجاربهم نوع من العبث، والله أعلم. ١٥٧ كتاب الجنائز ٤٤٠ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَلَهُ حِيْنَ صيل الله تُوُفِّيَ، سُجِّي بِيُرْدِ حِبَرَةَ)). مُتَّفَقٌ علَيْهِ (١). مفردات الحديث: - سُجِّيَ: بضم السين - مبني للمجهول - وبعد السين جيم معجمة تحتية، بمعنى: غطي . - بُرد : - بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة ثم دال مهملة -: كساء له أعلام، جمعه: أبراد وبرد. - حِبَرَة : - بكسر الحاء المهملة وفتح الباء الموحدة وفتح الراء المهملة وتاء التأنيث -: ثوب من قطن أو كتان، مخطط يصنع باليمن. يقال: برد جبير، وبرد حِبرة، على الوصف والإضافة، والجمع: حُبُر وحُبرات. * ما يؤخذ من الحديث: ١- استحباب تغطية جسد الميت كله، فهو أفضل من بقائه مكشوف الوجه والأطراف، فالإنسان بعد وفاته عورة، يستحب مواراتها قبل الدفن بالتسجية بما يخفى سوأتها؛ قال تعالى حكاية عن ابن آدم: ﴿يَوَيْلَتَ أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَبِ فَأُوَرِىَ سَوْءَةَ أَخِىّ﴾ [المائدة: ٣١] والسوأة: الجيفة. ٢ - قال النووي: إنَّ هذه التسجية مجمع عليها، وحكمة ذلك صيانة الميت عن الانكشاف، وستر صورته - المتغيرة بوفاته - عن الأعين. (١) البخاري (٥٨١٤)، مسلم (٩٤٢). ١٥٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤٤١ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ أَبَابَكْرِ الصِّدِّيقَ. - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَبَّلَ النَّبِيَّ بَعْدَ مَوْتِهِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ(١). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - جواز تقبيل الميت لمن يجوز له تقبيله في حال الحياة، والنظر إلى وجهه. ٢ - شدة محبة أبي بكر الصديق - رضي الله عنه - للنبي وَّل، وثباته عند وفاته، مع أنّه أشد الصحابة مصيبة بوفاته وفَقْده، قال كثير من المؤرخين: إنَّ سبب وفاة أبي بكر؛ كمدٌ على فقد النبي وَل . ٣- قصة أبي بكر عند وفاة النبي ◌َّ، وثباته وتهدئته المسلمين في تلك الساعة الصعبة الشديدة، ورباطه جأشه، وخطبته ينعي النبيَّ وَّ، ويعزِّيهم ويثبتهم - أمرٌ مشهور، وموقفٌ فريدٌ، لا يقفه إلاَّ أولو العزم من الرجال، فرضي الله عنه وأرضاه. ١٥٩ كتاب الجنائز ٤٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: (نَفْسُ المُؤْمِنُ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ، حَتَّى يُقْضَى عَنْهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْ مِذِيُّ وَحَسَّنَهُ(١) . * درجة الحديث: قال صاحب ((المحرر)): رواه أحمد وابن ماجه (٢٤١٥) وأبويعلى (٤١٨/١٠)، والترمذي وحسنه. قال الشوكاني: رجال إسناده ثقات، إلاَّ عمر بن أبي سلمة بن عبدالرحمن، فهو صدوق يخطىء، وقد تابعه الزهري عن أبي سلمة عن ابن حبان في صحيحه، وقد صححه الحاكم، ووافقه الذهبي، کما صححه ابن حبان وأبو نعيم. * مفردات الحديث: - نفْس المؤمن: قال ابن القيم: مذهب جمهور العلماء: أنَّ النفس والروح مسماهما واحد، وأنَّ الفرق بين النفس والروح فرق بالصفات لا بالذات، وأنَّ الروح جسم نوراني خفيف، يسري في الأعضاء سريان الماء في العود، والدهن في الزيتون، فإذا فارقها وانفصل عنها إلى عالم الأرواح، فسدت تلك الأعضاء. - معلقة بدينه: أي: محبوسة ومرهونة، كما قال تعالى: ﴿كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رؤا ﴾ [المدثر]. ٣٨ رَهِينَةٌ - بدَيْنه: بفتح الدال، والدَّين: كل ما يجب على الشخص أداؤه. - حتى يُقضى عنه: ((حتى) للغاية، فلا يزال الرهن قائمًا، حتى قضاء الدين عن الميت . (١) أحمد (١٠٢٢١)، الترمذي (١٠٧٩). ١٦٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث يدل على التشديد في أمر الدَّيْن، وأنَّ نفس المؤمن مرهونة به حتى يُقضى عنه، ومعنى ((رهنها)) حبسها عن مقامها الكريم؛ كما جاء في الحديث: ((إنَّ صاحبكم محتبس على باب الجنة في دَيْن عليه، حتى يقضيه عنه وارث» ونحوه. ٢ - الحكمة في هذا: أنَّ حقوق الآدميين مبنية على الشح، وعدم السماح فيها . ٣- جاء من التشديد فيها: ما رواه الإمام أحمد (١٣٧٤٥) وأبوداود (٣٣٤٣) والنسائي (١٩٦٢) عن جابر قال: ((كان النبي ◌َّ لا يصلي على رجل مات وعليه دين، فأُتي بميت، فسأل: أعليه دينٌ؟ قالوا: نعم عليه ديناران، قال: صلوا على صاحبكم ، فقال أبو قتادة: هما عليَّ يا رسول الله، فصلَّى عليه، فلما فتح الله على رسوله، قال: أَنا أولى بكل مؤمن من نفسه، فمن ترك ديْناً فعليّ، ومن ترك مالاً فلورثته)). ٤- قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: إذا مات أحد المسلمین وعلیه دین، فعلى ولي الأمر قضاؤه من بيت المال، كما ثبت ذلك بالأحاديث الصحيحة. ٥ - قال في ((الدليل وشرحه)): وتكفر الشهادة جميع الذنوب سوى الدين، قال الشيخ تقي الدين: وكذا مظالم العباد. وذلك لما روى مسلم (١٨٨٦) عن ابن عمر؛ أنَّ النَّبيَّ نَّه قال: ((يغفر الله للشهید کل ذنب، إلاَّ الدین)). ٦- يجب المبادرة بقضاء دين الميت إن وجد له تركة، فإنَّ ذمته لا تزال مشغولة بدینه بعد موته، حتى يُقْضى عنهُ. ٧- إذا كان الأمر في الدين المأخوذ برضا صاحبه، وعن طريق المعاملة المباحة هكذا - فكيف يكون بما أُخذ غصبًا، ونهبًا، وسلبًا، ونحوها؟! ٨- تجب المبادرة في قضاء دين الميت، فإن تعذر قضاؤه في الحال، استُحب