النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين
٤٠٢ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َهِ صَلَّى
العِيدَ بِلاَ أذَانٍ وَلا إِقَامَةٍ)). أَخْرَجَهُ أَبُودَاودَ، وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
في معناه ما في البخاري (٩٦٠)، ومسلم (٨٨٦) عن ابن عباس: ((أَنَّ
النَّبِيَّ وَِّ صلَّى العيدين، ثم خطب بلا أذانٍ ولا إقامةٍ))، ورواه مسلم (٨٨٧) من
حديث جابر بن سمرة قال: ((صليت مع النبي ◌ُّ العيد غير مرَّة ولا مرَّتين، بغير
أذان ولا إقامة)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يكره الأذان والإقامة لصلاة العيدين، ووجه الكراهة أنه لم يَرِدْ، وما لم يَرِدْ
فلا يُشرع.
٢ - قال النووي: لا يشرع الأذان والإقامة لغير المكتوبات الخمس؛ وبه قال
جمهور العلماء من السلف والخلف.
وقال الشيخ تقي الدين: لا ينادى لعيد، ولا استسقاء، قال في ((شرح
الزاد»: الأذان والإقامة فرض كفاية للصلوات الخمس المكتوبة، والجمعة
من الخمس، وهما ليسا شرطًا للصلاة، فتصح بدونهما، قال الشارح: بلا
خلاف نعلمه .
(١) أبوداود (١١٤٧)، البخاري (٩٦٠).

٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
صَلى الله
٤٠٣ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ النَّبِىُّ
وسام
يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ وَالأَضْحَىْ إِلَى المُصَلَّىُ، وَأَوَّلُ شَيءٍ يَبْدَأُ بِهِ الصَّلَةُ،
ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَيَقُومُ مُقَابِلَ النَّاسِ، والنَّاسُ علَى صُفُوفِهِمْ، فَيَعِظُهُمْ
وَيَأْمُرُهُم)). مُتَّفقٌ علَيهِ(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قوله: ((يخرج إلى المصلى)) فيه مشروعية صلاة العيدين في الصحراء، خارج
العمران، ولو كان في المدينة المنورة.
٢ - أنَّها لا تصلى في المسجد، إلاَّ لحاجة؛ كمطر ونحوه.
٣- البداءة بالصلاة قبل الخطبة، فإن قدَّم الخطبة على الصلاة، فلا يعتد بها،
وتقدم بأوسع من هنا.
٤ - كراهة الصلاة في مصلى العيد قبلها، فإنَّ أول شيء بدأ به الصلاة.
٥- أنَّ للعيدين خطبتين كخطبتي الجمعة في الأحكام، ويزيد العيدان بالتكبير
فيهما، قال غير واحد: اتَّفق الموجبون لصلاة العيد، وغيرهم على عدم
وجوب خطبته، ولا نعلم قائلاً بوجوبها.
٦ - أنَّ الإمام بعد الصلاة ينصرف عن القبلة، ويستقبل الناس، فيعظهم ويرشدهم
في كل وقت بما يناسبه.
٧- استحباب بقاء الناس على صفوفهم؛ لاستماع الخطبتين، وكثير من الناس
ينفرون بعد الصلاة، ولا يسمعون الموعظة، ولا شكَّ أنَّ هذا عدم اهتمام
بالخير، وحرمان من فضل الله في هذا المشهد العظيم.
(١) البخاري (٩٥٦)، مسلم (٨٨٩).

٤٣
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين
* فائدة:
قولهُ: ((والناس على صفوفهم)) يعني: مستقبلي القبلة، واستقبال القبلة له
أربع حالات :
الأولى: واجب؛ وذلك في الصلوات فرضها ونفلها.
الثاني: مستحب؛ وذلك عند الدعاء.
الثالث: يكون مشروعًا، وذلك عند كل عبادةٍ، من ذكرٍ وتلاوةٍ، ووضوء
وغيرها، إلاَّ بدلیل.
قال صاحب ((الفروع)): وهو متوجه في كل عبادةٍ، إلاَّ بدلیل.
الرابع: حرام؛ وذلك عند قضاء الحاجة، على خلافٍ: هل هو عامٌّ، أو في
الفضاء فقط؟

٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٠٤ - وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّه - رَضِيَ اللهُ
عَنْهُمْ - قَالَ: قَالَ نَبِيُّ اللّهِ وَّهِ: ((التَّكْبِيرُ فِي الفِطْرِ سَبْعٌ فِي الْأُوْلَىُّ
وَخَمْسٌ فِي الأُخْرَى، وَالقِرَاءَةُ بَعْدَهُمَا كِلْتَيْهِمَا)). أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ،
وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ البُخَارِيِّ تَصْحِيْحَهُ(١).
درجة الحديث:
الحدیث قويّ بشواهد.
قال في ((التلخيص)) ماخلاصته: رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه
والدارقطني من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وصححه أحمد
وعلي بن المديني، والبخاري فيما حكاه الترمذي، وللحدیث شواهد:
١ - ما رواه الترمذي (٥٣٦)، وابن ماجه (١٢٧٧)، والدار قطني (٤٦/٢)، وابن
عدي، والبيهقي (٢٨٥/٣)، من حديث: كثير بن عبدالله بن عمرو بن عوف
المزني عن أبيه عن جده، وكثير ضعيف.
٢- ما رواه الترمذي من حديث عائشة، وفيه ابن لهيعة، ذكر الترمذي أنَّ
البخاري ضعفه .
٣- رواه البزار من حديث عبدالرحمن بن عوف، وصحح الدار قطني إرساله.
٤ - رواه البيهقي (٢٨٩/٣) عن ابن عباس، وهو ضعيف.
وروی العقیلي عن أحمد أنّه قال: لا يُروى في التکبیر في العیدین حدیث
صحيح مرفوع.
وقال الحاكم: الطرق إلى عائشة، وابن عمر، وعبدالله بن عمرو، وأبي
(١) أبوداود (١١٥١).

٤٥
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين
هريرة - فاسدة .
وقال الشيخ الألباني: وبالجملة فالحديث بهذه الطرق صحيح، ويؤيده
عمل الصحابة به .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب التكبير في صلاتي العيدين بقول: ((الله أكبر))؛ امتثالاً لقوله تعالى:
وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَاهَدَنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٥].
٢ - قَدْرُهُ ست تكبيرات في الركعة الأولى، غير تكبيرة الإحرام، وخمسٌ في
الركعة الثانية، غير تكبيرة الانتقال من السجود إلى القيام.
قال البخاري: ليس في الباب أصح من هذا، وقال ابن عبدالبر: روي
عنه وَّر من طرق كثيرة حسان: ((أنَّه كبر سبعًا في الأولىُ، وستًّا في الثانية))،
ولم یرو عنه خلافه، وهو أولئ ما عمل به.
٣- محل الزوائد في الركعة الأولى بعد تكبيرة الإحرام والاستفتاح، وفي الركعة
الثانية بعد تكبيرة الانتقال من السجود إلى القيام.
٤- يكون بعد التكبيرة السابعة التعوذ، ثم قراءة الفاتحة، ثم السورة، ولا يفصل
بين التكبيرة السابعة والتعوذ بذكر، والتعوذ للقراءة.
٥- يرفع يديه مع كل تكبيرة؛ لقول وائل بن حجر: ((كان رسول الله وَال یرفع یدیه
مع كل تكبيرة))، وهو مذهب جمهور العلماء، ومنهم الإمامان: أبو حنيفة
والشافعي، ورواية عن مالك.
٦- يقول بين كل تكبيرتين: ((الله أكبر كبيرًا، والحمدلله كثيرًا، وسبحان الله بكرةً
وأصيلاً، وصلى الله على محمَّدٍ وآله وسلم تسليمًا كثيرًا))، واختاره الشافعي
وغيره.
٧- قال شيخ الإسلام: ليس في ذلك شيء معين، فاستحبّ أن يتخللها ذكر.
وقال ابن القيم: كان ◌َل يسكت بين كل تكبيرتين سكتة يسيرة، ولم يحفظ

٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
عنه ذكر معين بين التكبيرات، وكان يضع يمينه على شماله بين كل
تکبیرتین.
٨- التكبيرات الزوائد والذكر الذي بينها مستحب إجماعًا؛ لأنَّه ذكر مشروع بین
تكبيرة الإحرام والقراءة، أشبه دعاء الاستفتاح.

٤٧
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين
٤٠٥ - وعنْ أَبِي وَاقِدِ اللَّيْئِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ
النَّبِيُّ ◌َّهِ يَقْرَأُ فِي الأَضْحَى وَالفِطرِ بِ﴿قَّ﴾ وَ﴿ اقْتَبَتِ﴾)) أَخْرَجَهُ
.(١)
مُسْلِمُ(١).
# ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب قراءة سورة ﴿ق﴾ في الركعة الأولى بعد الفاتحة، وسورة ﴿القمر﴾
بعد الفاتحة في الركعة الثانية من صلاة العيدين، فهي سنة النبي وَلا ..
٢ - جاء في مسند أحمد، وسنن ابن ماجه من حديث سمرة بن جندب: «أَنَّ النَّبيَّ
جَ﴾، و﴿هَلْ أَتَنَكَ حَدِيثُ
وَعليه كان يقرأ في صلاة العيدين بـ﴿سَيِّجٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى!
اٌلْغَشِيَةِ (6))) قال ابن عبدالبر: تواترت الروايات بذلك عن النبي والقيل.
٣- الحكمة - والله أعلم - من قراءة ﴿ق﴾ و﴿القمر﴾ -: أنهما اشتملتا على
أخبار ابتداء الخلق، والبعث، والنشور، والمعاد، والقيامة، والحساب،
والجنة، والنار، والترغيب، والترهيب، والإخبار عن القرون الماضية،
وإهلاك المكذِّبين، وتشبيه بروز الناس في العيد، ببروزهم في البعث،
وخروجهم من الأجداث، كأنَّهم جراد منتشر، وغير ذلك من الحِكم.
(١) مسلم (٨٩١).

٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
صَلى الله
وسام
٤٠٦ - وَعَنْ جَابِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ - قالَ: ((كَانَ رَسُولُ الله
إِذَا كَانَ يَوْمُ العِيدِ، خَالَفَ الطَّرِيقَ)). أَخْرَجَهُ الْبُخارِيُّ(١).
ولأَبِي دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُهُ(٢).
* درجة الحديث:
الحدیث صحيحٌ.
أما رواية أبي داود إسنادها: عبدالله بن عمر العمري، وفيه مقال، وله
شواهد :
- عن أبي هريرة، رواه أحمد والترمذي، قال البخاري: حديث جابر
أصح.
- عن سعيد القرظي وأبي رافع، رواهما ابن ماجه ..
- عن عبدالرحمن بن حاطب، رواه ابن قانع وأبو نعيم.
* مفردات الحديث:
- إذا كان يوم عيد: ((كان)) - هنا - تامة، و(يوم عيد)) فاعل لها، ولا تحتاج إلى
خبر؛ فإنَّها إذا كانت تامة، فيكتفى برفع المسند إليه على أنَّه فاعل لها، ولا
تحتاج إلى خبر، و((إذا)) شرطية.
- خالف الطريق: هو جواب الشرط؛ أي: يذهب إلى المصلى من طريق،
ويعود من المصلى من طريق أخرى .
(١) البخاري (٩٨٦).
(٢) أبوداود (١١٥٦).
:

٤٩
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين
ما يؤخذ من الحديث:
١- استحباب مخالفة الطريق في الذهاب والإياب في صلاة العيد؛ بأن يذهب
إليها من طريق، ويعود منها من طريق آخر؛ فذلك سنة النبي وَّل.
وقال بذلك أكثر أهل العلم، ويكون مشروعًا في حق الإمام والمأموم.
٢- قال في ((المبدع)): الظاهر أنَّ مخالفة الطريق في العيد شرعت لمعنى
خاص، فلا يلحق به غيره، قالوا: إنَّما ورد مخالفة الطريق في العيد، فيجب
الوقوف مع النص لأمرين :
أولاً: أنَّ من شرط القياس أن نفهم العلة التي شرع من أجلها المخالفة في
صلاة العيد، وهي مجهولة.
الثاني: على فرض فهمنا للعلة، فإنَّ القياس لا يصح؛ ذلك أنَّ القاعدة
الشرعية أنَّ الشيء، إذا وجد سببه في عهد النبي ◌َّ، ولم يَرِد به سنة - فإنَّ
السنة في الترك، فالسنة بالترك كالسنة بالفعل سواء بسواء.
: خلاف العلماء:
اختلف العلماء في الحكمة من مخالفة الطريق، فقيل :
١ - ليسلِّم على أهل الطريقين.
٢- لينال بركة مشيه في الطريقين.
٣- ليُظهر شعائر الإسلام في كل فجاج الطرق.
٤- ليشهد له الطريقان.
٥- وقيل: للتفاؤل بتغيير الحال إلى المغفرة والرضا.
قال ابن القيم: الأصح أنَّه لذلك كله، ولغيره من الحِكم، التي لا يخلو
صَلى الله
عنها فعله
وَسَلم

توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٠٧ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((قَدِمَ رَسُولُ اللهِ وَه
المَدِيْنَةَ، وَلَهُمْ يَوْمَانِ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَقَالَ: قَدْ أَبْدَلَكُمُ اللهُ بِهِمَا خَيْرًا
مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَصْحَى، وَيَومَ الفِطْرِ)). أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ
بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ (١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيح، أخرجه أبوداود والنسائي بإسناد صحيح، وأخرجه
الحاكم (٤٣٤/١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ووافقه
الذهبي، كما أخرجه الإمام أحمد بعدة أسانيد، بعضها ثلاثيات من السند العالي.
* مفردات الحديث:
- ولهم يومان يلعبون فيهما: هذان اليومان أحدهما يسمى: ((النيروز))؛ أي
اليوم الجديد بالفارسية، فهو أول يوم تتحول فيه الشمس إلى برج الحمل .
اليوم الثاني: ((المهرجان)) معرب عن «مهر كان)» بالفارسية، وهو أول يوم
تتحول فيه الشمس إلى برج الميزان، وأما العرب فقلدوهم واتَّبعوهم في
ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الإسلام أبطل كل أعياد الجاهلية؛ لأنَّها أعياد لا تعود إلى معنّى كريمٍ، ولا
إلى ذكرى يحسن إحياؤها وتذكرها، وحينما أبطل تلك الأعياد لم يُخْرِم
المسلمين من المتع المباحة، وأنواع الفرح والسرور؛ فأبدلهم بأعياد
إسلامية كريمة .
(١) أبوداود (١١٣٤)، النسائي (١٧٩/٣).

٥١
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين
٢ - جواز اللعب والغناء في أيام الأعياد للرجال والنساء؛ بشرط أن يخلو من
المحرمات؛ كاختلاط الرجال والنساء، ووجود الأغاني المحرمة، ووجود
المعازف.
٣- نأخذ من هذا أنَّه يجب على المسلمين أن يجتنبوا أعياد الوثنيين،
والكتابيين: اليهود والنصارى، فلا يحضروها، ولا يعنوا بها، ولا يعينوا
عليها، ولا يهنئوا فيها، ولا يتخذوا شيئًا من مراسمها، ولا يتركوا أعمالهم
فيها؛ فإنَّهم إن فعلوا ذلك. فقد أحيوا أعياد الجاهلية، فما كفار هذا الزمان
إلاَّ شرّ من كفار الجاهلية الأولى.
قال شيخ الإسلام: دلت الدلائل من الكتاب، والسنة، والإجماع،
والآثار، والاعتبار، على أنَّ التشبه بالكفار منھيٌّ عنه.
٤- قال شيخ الإسلام: أعياد الكفار من الكتابيين، وغيرهم، من جنس واحد،
لا يختلف حكمها في حق المسلم، فلا يحل للمسلمين أن يتشبهوا بهم في
شيء مما يختص بأعيادهم، لا من طعام، ولا لباسٍ، ولا اغتسالٍ، ولا إيقاد
نيرانٍ، ولا تعطيل عادة؛ من معيشةٍ أوّ غيرها، أو ترك الأعمال الراتبة من
الصنائع، أو التجارة، أو اتخاذه يوم راحةٍ، وفرحٍ، ولعبٍ، على وجه
يخالف ما قبله وما بعده من الأيام.
٥- هنا نوع آخر من الأعياد وهي أعياد وطنية، اتخذتها الدول والحكومات،
وهي إما أعيد استقلال، أو عيد ثورة، أو عيد يعظمون فيه ذكرى من
ذكرياتهم، ومثلها أعياد الأسر، والأفراد، مثل عيد ميلاد، أو عيد شم
النسيم، أو عيد رأس السنة الميلادية، أو عيد ميلاد زعيمهم، أو عيد الأم،
أو غير ذلك؛ فهذه كلها أعياد جاهلية، تحولت علينا يوم تحول علينا
الاستعمار السياسي والعسكري والفكري، ولم نستطع التحرر منه.
٦- هناك أعياد اتخذت صبغة دينية، وهي الاحتفال بالميلاد النبوي، وذكرى

٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الإسراء والمعراج .
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: الاحتفال بذكرى المعراج ليس
بمشروع؛ لدلالة الكتاب والسنة والاستصحاب والعقل.
أما الكتاب: فمثل قوله تعالى: ﴿اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣].
وأما السنة: ففي الصحيحين من حديث عائشة؛ أنَّ النَّبِيَّ وَلّ قال: ((من
أحدث في أمرنا ما ليس منه، فهو رد)).
وأما العقل: فلو كان هذا مشروعًا، لكان أولى الناس بفعله محمَّد وَّل
وأصحابه.
٧- يدل الحديث على أنَّ عيدي الفطر والأضحى هما عيدا المسلمين الشرعيين.
٨- قد جاءت الأحاديث والآثار بتوسع المسلمين فيهما بأنواع المباحات،
والفرح والسرور، والزينة والتهاني والزيارات، كما أنَّهما عيدا شكر لله
تعالى؛ إذ منَّ على المسلمين بصيام رمضان وقيامه، وأداء المناسك
والأضاحي بيسر وسهولة، فعلى المسلمين الاتباع، وترك الابتداع، ففي
الشرع ما فيه الكفاية؛ وذلك بدون:
- أن نشارك الكفار في أعيادهم، ونحتفي بها معهم.
- ولا أن نتَّخذ أعيادًا إفرنجية، غرسها الاستعمار عندنا.
- ولا أن نتَّخذ أعيادًا لمناسبات إسلامية، بعضها لم يُحقق زمن النبي وَّرَ،
ولم يفعله، ولا أحد من أصحابه، وإنما هي محدثة من القرون المتخلفة،
حينما نُسيت السنة، وأحييت البدعة، وتفرق المسلمون، والله نسأل أن يوفق
المسلمين لإحياء سنة نبيهم وَلا.
٩- حسن الدعوة إلى الله تعالى، وحسن الأسلوب فيها، فالنبي ولو لما أبطل
يومي عيد أهل المدينة، جاء بأسلوب لطيفٍ مُغْرٍ، فَقارن بين يومي
الجاهلية، وبين عيد الفطر وعيد الأضحى، وذكر أنَّ يومي الفطر والأضحى

٥٣
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين
خير من يوميهما؛ ليكون الإقبال على البديل أسرع وأبلغ .
١٠ - إنَّه وَيهِ يوفِّي النفوس غرائزها، وما جبلت عليه من حبها لتراثها الأول،
ومن حاجتها إلى إشباع رغبتها من وجود أيام أَنسٍ، وفرحٍ، وسرورٍ، تعبر
فيه عن مشاعرها، وتميل فيه إلى راحتها، وإلى أفراحهاً وسرورها، فهو
وسيم لم يبطل عيدي الجاهلية حتى أعدَّ البديل بما يغني عنه، ويكفي من أيام
فرحٍ، وسرور، هما خير من الأولين؛ لئلا يبقى تشوف النفوس وشوقها
إلى عيديهما الأولين، فليت علماء المسلمين إذا عالجوا أمرًا مما وقع فيه
المسلمون أنَّهم لا يطالبون بتحريمه وإبطاله، إلاّ وقد أعدوا بديلاً عنه،
ومن ذلك البنوك الربوية، وبعض المعاملات التجارية، حتى إذا حرموا
شيئًا، وإذا ببديله الشرعي يحل محله، ويقوم مكانه، فتحصل به الكفاية
عن الحاجة إلى الأول، والله الموفق.
١١ - قال القرطبي: أما الغناء فلا خلاف في تحريمه؛ لأنه من اللهو واللعب
المحرم بالاتفاق، وأما غناء الجاريتين فلم يكن إلاَّ وصف الحرب
والشجاعة، وما يجري في القتال؛ ولذلك رخص رسول الله وَ خلال فيه،
فالغناء الذي يحرك الساکن، ویھیج الكامن، وفيه وصف محاسن الصبيان
والنساء والخمر ونحوها من الأمور المحرمة، فلا يختلف في تحريمه، ولا
اعتبار بما ابتدعه الجهلة من الصوفية في ذلك، فإنَّك إذا تحققتَ أقوالهم
في ذلك، ورأيت أفعالهم، وقفت على آثار الزندقة منها، والله المستعان.

٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٠٨ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنهُ - قَالَ: ((مِنَ السُّنَّةِ أَنْ يَخْرُجَ
إِلىّ العِيدِ مَاشِيًا)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وحسّنهُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن لغيره.
قال الترمذي: حديث حسن، والعمل على هذا الحديث عند أكثر أهل
العلم، وللحديث شواهد، وهي وإن كانت مفرداتها ضعيفة، إلاَّ أنَّ مجموعها
يدل على أنَّ للحديث أصلاً.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب الخروج إلى مصلى العيد يوم العيد ماشيًا، ففيه تكثير الحسنات،
وحط السيئات، وفيه التواضع، وعدم أذية المشاة بمركوبه، والمشي رياضة
بدنية، قال الأطباء: إنَّها أحسن الرياضات، والإنسان مطالب بما يفيذ
صحته .
٢- قال الترمذي: يستحب ألا يركب إلاَّ من عذر. والعذر قيدٌ معلوم لجميع
العبادات والتكاليف، فلا يجب على المكلف منها إلاَّ قدر استطاعته، قال
تعالى: ﴿فَأَنَّقُواْ اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: ١٦]، وقال ◌ٍَّ: ((إذا أمرتكم بشيء،
فأتوا منه ما استطعتم)).
(١) الترمذي (٥٣٠).

٥٥
كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين
٤٠٩ ۔ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّهُمْ أَصَابَهُمْ مَطَرٌ
فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَصَلَّى بِهِمُ النَّبِيُّ ◌َّهِ صَلاَةَ العِيدِ فِي المَسْجِدِ)). روَاهُ
أَبُودَاوُدَّ بِإِسْنَادِ لَيِّنِ (١).
* درجة الحديث:
الحديث ضعيفٌ.
رواه أبوداود بإسناد ليِّن؛ لأنَّ في إسناده رجلاً مجهولاً، هو عيسى بن
عبدالأعلى، قال فيه الذهبي: لا يكاد يعرف، وهو منكر الحديث، ورواه ابن
ماجه بإسناد ضعيف، أما الحاکم فقال: صحيح الإسناد، مع أنَّ فیه: یحیی بن
عبيدالله، الذي قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وقال أحمد: أحاديثه مناکیر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الأفضل في صلاة العيد أن تؤدى في الصحراء خارج البنيان، فكانت هذه
هي عادة النبي وَير وسنته، والحكمة في هذا - والله أعلم -: تمكين
المسلمين من الاجتماع الكبير، الذي لا يتخلف عنه، حتى البنات الشابات،
والنساء الخُيَّض، فمثل هذا الاحتفال والاجتماع لا يسعه إلاَّ الصحراء، مع
ما في خروجهم من البروز لله تعالى، ضاحین له.
٢ - إذا كان هناك عذر من مطرٍ، أو خوفٍ - كحصار البلد - فتصلى في
المساجد، ولو تعددت، إن لم يكفهم مسجدٌ واحدٌ.
وكونها تصلَّى في الصحراء إلاَّ من عذر، فتصلى في المسجد - هو مذهب
جمهور العلماء.
(١) أبو داود (١١٦٠).

٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وذهب الشافعية إلى: أنَّ فعلها في المسجد أفضل إن اتَّسع؛ لأنَّ المسجد
أشرف وأنظف من غيره، فإن كان المسجد ضيقًا، فالسنة أن تصلى في
الصحراء، وما ذهب إليه الجمهور أصح، وعليه عمل المسلمين، ولله
الحمد .

٥٧
كتاب الصلاة - باب صلاة الكسوف
باب صلاة الكسوف
مقدمة
قال ثعلب: أجود الكلام أن يقال: كسفت الشمس، وخسف القمر،
فالكسوف هو: ذهاب ضوء الشمس، أو بعضه في النهار، والخسوف هو:
ذهاب ضوء القمر، أو بعضه ليلاً .
سبب الكسوف هو: حيلولة القمر بين الشمس وبين الأرض، وسبب
الخسوف هو: حيلولة الأرض بين الشمس وبين القمر.
وقد أجرى الله تعالى العادة أنَّه لا يحصل الكسوف إلاّ في الأسرار، آخر
الشهر إذا اقترن النَّيِّرَان.
ولا يحصل الخسوف إلاّ في الأبدار، إذا تقابل النيران.
قال علماء الفلك: الكواكب، ومنها الشمس والقمر، لكل منهما مسارٌ
خاصٌّ، وبعضها أعلى من بعض، فيكون بعضها أبعد عنَّا من بعضها الآخر،
فيمر كوكب منها أمام كوكب أقرب منه إلينا، فيحجب الأدنى منهما الأعلى عن
نظرنا، فیحصل کسوف الکوکب الأعلى.
فإذا اتَّفق مرور القمر بيننا وبين الشمس، حصل كسوف الشمس، لكن
إن حال بيننا وبين الشمس تمامًا، حصل الكسوف الكلي؛ لأنَّه غطى عنَّا وجه
الشمس كله، فإن لم تكن مقابلة القمر للشمس كاملة بالنسبة لمركزنا، صار
كسوفًا جزئيًّا .
أما خسوف القمر: فهو احتجاب ضوئه عندما تلقي عليه الشمس ظلها،

٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أثناء وجود الأرض بين الشمس والقمر، ولا تكون هذه الظاهرة إلاّ عندما
يكون القمر في مخروط ظل الأرض، ويكون الخسوف جزئيًّا إذا كان جزء من
القمر في مخروط ظل الأرض، وكما أنَّ للكسوف والخسوف أسبابه العادية،
التي تدرك بعلم هذه الأسباب المادية - فله حكمته الإلهية الربانية، فعندما
تقضي الحكمة الإلهية تغيير شيء من آيات الله الكونية؛ كالكسوف والخسوف
والزلازل؛ ليوقظ الله عباده من الغفلة بترك الواجبات، وارتكاب المنهيات،
تقدر الأسباب الحسية العادية، لتغيير هذا النظام الكوني؛ ليعلم العباد أنَّ وراء
هذه الأكوان العظيمة مدبِّرًا قديرًا بيده كل شيء، وهو محيط بكل شيء، فهو
قادر على أن يعاقبهم بآية من آياته الكونية، كما أهلك الأمم السابقة بالصواعق
والرياح، والطوفان والزلازل والخسوف، كما أنَّه قادر على أن يسلبهم نور
الشمس والقمر، فيظلون في أرضهم يعمهون، أو يصيبهم بالقحط فتذوى
أشجارهم، وتجف أنهارهم؛ قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَ دُونَ
﴾ [السجدة]، ولكننا أصبحنا في زمن المادة
٢١
اٌلْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ
وطغيانها، فصار الناس لا يدركون المعاني المعنوية من التحذير من عذاب الله،
وتذکیر نعمه.
وصلاة الكسوف: استنبطها بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿ وَمِنْ ءَايَتِهِ
الَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُواْ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَأَسْجُدُواْ لِلَّهِ الَّذِى
خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
[فصلت].
وأما السنة: فقد تواترت عن رسول الله وَلقول، وحكى الإجماع على
مشروعيتها جمعٌ من العلماء.
ويستحب عندها الدعاء، والاستغفار، والالتجاء إلى الله تعالى،
والصدقة، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، حتى يكشف الله ما بالناس، والله
بعباده غفور رحيم .

٥٩
کتاب الصلاة - باب صلاة الكسوف
٤١٠ - عَنِ المُغِيْرَةَ بْنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((انْكَسَفَتِ
الشَّمْسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ نَّه يَوْمَ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ، فَقَالَ النَّاسُ:
انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ لِمَوْتِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: إِنَّ الشَّمْسَ
وَالقَمَرَ آيَتَانِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، لاَ يَنْكَسِفَانِ لِمَوْتٍ أَحَدٍ وَلاَ لِحَيَاتِهِ؛ فَإِذَا
رَأَيْتُمُوهُمَا، فَادْعُوا الله، وَصَلُّوا حتَّى تَنْكَشِفَ)). مُتَّفقٌ عليْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ للبُخَارِيِّ: ((حَتَّى تَنْجَلِيَ))(١) .
ولِلِبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ: ((فَصَلُّوا وَادْعُوا، حَتَّى
يَنْكَشِفَ مَا بِكُمْ))(٢) .
* مفردات الحديث:
- انكسفت الشمس: يقال: كسفت الشمس بفتح الكاف، وانكسفت بمعنى
واحد، وكان ذلك في اليوم التاسع والعشرين من شهر شوال، في السنة
العاشرة من الهجرة، أي: اسودت وذهب ضوؤها.
- إبراهيم: ابن النبي ◌ُّ من جاريته مارية القبطية، التي أهداها له المقوقس
صاحب الإسكندرية، كان مولده في ذي الحجة سنة ثمانٍ، وعاش ثمانية عشر
شهرًا .
- آيتان: تثنية: ((آية))، وجمعها: ((آيات))، ومعنى الآية: العلامة، فهما علامتان
من علامات الله تعالى، التي يخوّقُ الله بها عباده، والتي تدل على كمال قدرة
(١) البخاري (١٠٤٣)، مسلم (٩١٥).
(٢) البخاري (١٠٤٠).

٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الله، وتصرفاته في هذا الكون.
- لموت أحد ولا لحياته: السياق هو لموت إبراهيم، وإنما جاء ذكر الحياة
لدفع توهم من يقول: لا يلزم من كونه سببًا للفقدان ألا يكون سببًا للإيجاد،
فعمم النفي، ولأنَّهم كانوا في الجاهلية يقولون عند الكسوف: ولد اليوم
عظيم، أو مات عظيم.
- رأيتموهما: في رواية: ((فإذا رأيتموها)) بتوحيد الضمير، الذي يرجع إلى
الآية، والمعنى: إذا رأيتم كسوف أي واحد منهما؛ لاستحالة وقوع ذلك فيهما
معًا، في حالةٍ واحدةٍ عادةً.
- ينكشف: حتى يرتفع ما حلَّ بكم من الخسوف.
- تنجلي: رُوي ((تنجلي)) بالتذكير والتأنيث، ووجههما ظاهرٌ، والمراد صلوا
وادعوا، حتى يذهب ظلامهما، ويصحوا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- حصول كسوف الشمس زمن النبي وَلات، في اليوم الذي مات فيه ابنه إبراهيم.
وقال الشيخ المباركفوري: اتَّفق المحققون من أهل التاريخ، وعلم الهيئة
والماهية، في الحساب الفلكي على أنَّ الكسوف الذي وقع يوم مات إبراهيم
وقع في ٢٨، أو ٢٩ من شهر شوال، سنة ١٠ من الهجرة، الموافق ٢٧ يناير
سنة ٦٣٢ في الساعة الثامنة والثلاثين دقيقة صباحًا .
٢- إبراهيم بن النبي وّل من جاريته مارية القبطية المصرية، عاش ثمانية عشر
شهرًا، ولم يولد له وَسليه من غير خديجة ولد إلاّ منها، ولما توفي حزن عليه
مَله، ودمعت عيناه، وقال: ((العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلاَّ ما
يرضي الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون)).
٣- قال شيخ الإسلام: وقد أجرى الله العادة أنَّ القمر لا ينخسف إلاَّ وقت
الأبدار، وهي الليالي البيض، وأنَّ الشمس لا تنكسف إلاَّ وقت الاسرار،