النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ کتاب الصلاة - باب صلاة العيدين باب صلاة العيدين المقدمة سمي: ((عيدًا))؛ لأنَّه يعود ويتكرر بما أنعم الله به على عباده من العبادات والشعائر، وبما تفضل به عليهم من المباحات والطيبات، التي يظهرونها ويتمتعون بها في هذين اليومين، فمنها الفطر بعد المنع من مباح الطعام والشراب، والنكاح والتبسط في المباحات، والتهاني والزيارات، وشكر الله تعالى على صحة الأجسام ، وأداء الشعائر العظام، ومنها صدقة الفطر، والتكبير والصلاة، وإتمام المناسك في البقاع المقدسة، وما يقرِّبون من الدماء المشروعة . ولكل أمة أعيادها التي تتكرر بمرور مناسبة من المناسبات الكبيرة عندهم، يحيون بها تلك المناسبة، ويعيدون ذكراها، ويظهرون الفرح والسرور بمرور وقتها، ولكن أمدَّ الله المسلمين بعيدَي: الفطر والنحر، اللذين هما يوما عبادةٍ، وشكرٍ، وسرورٍ، وفرحٍ، فليسا مجرد عبادة، وليسا مجرد عادة، وإنما جمعا خيري الدنيا والآخرة. وهذه الاجتماعات الإسلامية تحقق من المصالح الدينية والدنيوية، ما يدل على أنَّ الإسلام هو المنهج الذي جاء به الله تعالى لإسعاد البشرية، ولا يسوغ تعظيم زمان ولا مكان، لم يأت تعظيمه في الشرع؛ وذلك كتعظيم مولد النبي ◌َل﴾، أو ذكرى الإسراء والمعراج، ويوم بدر، والفتح، والهجرة. ٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام قال في ((تنبيه الغافلين)): اعتقاد ذلك قربة من أعظم البدع، وأقبح السيئات، فينبغي للعاجز عن إنكار ههذه المنكرات ألا يحضر المسجد الذي تقام فيه، فتكثير سواد أهل البدع منهي عنه، وترك المنهي عنه واجب، والله المستعان . ٢٣ كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين ٣٩٤ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّه: ((الفِطْرُ يَوْمَ يُفْطِرُ النَّاسُ، وَالأَضْحَىْ يَوْمَ يُضَخِّي النَّاسُ)) رَوَاهُ التِّر مِذِيُّ (١). * درجة الحديث: الحديث حسنٌ؛ كما قال الترمذي، قال المؤلف في ((التلخيص)): ورواه الدارقطني (٥٢٥/٢) من حديث عائشة مرفوعًا، وصوَّب الدارقطني وقفه، ورواه أبوداود (٢٣٢٤) من حديث محمد بن المنكدر عن أبي هريرة مرفوعًا؛ بلفظ: ((الفطر يوم تفطرون، والأضحى يوم تضحون))، وابن المنكدر لم يسمع من أبي هريرة، ونقل الترمذي عن البخاري؛ أنَّ ابن المنكدر سمع من عائشة، وإذا ثبت سماعه عنها أمكن سماعه من أبي هريرة؛ لأنَّه مات بعدها. * مفردات الحديث: - يفطر الناس: من ((الإفطار)) والمراد به: التعييد بعيد الفطر. - يضحي الناس: التضحية في الأصل: ذبح الأضحية، ويطلق هنا ويراد به: التعیید لیوم الأضحى. * ما يؤخذ من الحديث: ١- يدل الحديث على أنَّ الفطر من صوم رمضان، وأحكام عيد الأضحى، والأضاحي ــ تكون مع الجماعة، ومعظم المسلمين، فلا يشذ أحد عنهم بفطر وتضحية، من دون السواد الأعظم؛ فإنَّ هذه الأمة بجملتها معصومة، فلا تجتمع على ضلال. ٢- قال في ((شرح الزاد وحاشيته)): ومن رأى وحده هلال رمضان ورُدَّ قوله، (١) الترمذي (٨٠٢). ٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام لزمه الصوم؛ لعلمه أنَّه من رمضان، فلزمه حكمه، ونقل حنبل: لا يلزمه الصوم، واختاره الشيخ وغيره: قال: يصوم مع الناس، ويفطر مع الناس، وهذا أظهر الأقوال؛ لقوله بَير: ((صومكم يوم تصومون، وفطركم يوم تفطرون)) [رواه الترمذي (٨٠٢)]، ومعناه: أنَّ الصوم والفطر مع الجماعة ومعظم الناس، وأنّه لو رأی هلال النحر وحده، لم يقف بعرفة، دون سائر الحجاج. ٣- يدل الحديث على أنَّ التَّعبد بعيد الفطر، والتعبد يوم الأضحى بالشعائر، من صلاةٍ وذبح ومناسك - هي يوم يؤديها المسلمون معتقدين صوابها، ولو ظهر لهم بعد ذلك الخطأ في رؤية الهلال، فليس عليهم عتبٌ ولا وزرٌ، وما أتوا به من عبادات فصحيح، واقع موقعه عند الله تعالى، وهذا تخفيف من الله على عباده وتيسير عليهم، واعتبار لما وقع من هذه الأمة المعصومة، التي لا تجتمع على ضلال. قال في ((نيل المآرب)) وغيره: وإن أخطأ الناس أو أكثرهم؛ بأن وقفوا بعرفة يوم الثامن، أو العاشر - أجزأهم ذلك؛ لأنَّ النبيَّ نَّ قال: ((فطركم يوم تفطرون، وأضحاكم يوم تضحون)) [رواه الترمذي (٨٠٢)]. ٤ - يؤخذ من ذلك وجوب اتحاد المسلمين، وتوحيد صفهم، وجمع كلمتهم؛ ليكونوا أمةً واحدةً في نصر دينهم، وإعلاء كلمة ربهم، ونشر دينه، وليتحدوا في وجه عدوهم، فها هي ذي أحكام الإسلام لا تعترف إلاّ بالأحكام العامة، ولا ترى للشاذ عن جماعة المسلمين حكمًا بنفسه، فلا صفة له معتبرة، حتى ولو تيقن صدق نفسه، فيدُ الله مع الجماعة، ومن شدَّ شدَّ في النار، وإنما تؤكل من الغنم القاصية، فأحكام الإسلام تعلمنا الاتحاد والاجتماع، وعدم الاختلاف والتفرق؛ قال تعالى: ﴿وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣]. ٢٥٠ كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين ٣٩٥ - وَعَنْ أَبِي عُمَيْرِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عُمُومَةٍ لَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ : ((أَنَّ رَكْبَا جَاءُوا، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا الهِلَالَ بِالأَمْسِ، فَأَمَرَهُمُ النَّبِيُّ ◌َله أَنْ يُفْطِرُوا، وَإِذَا أَصْبَحُوا أَنْ يَغْدُوا إِلَى مُصَلَّهُمْ)). رَوَاه أَحمَدُ وأَبُودَاوُدَ، وهذا لفظهُ، وإسنادهُ صحيح(١). : * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قال المؤلف: إسناده صحيح، قال في ((التلخيص)): رواه أحمد وأبوداود والنسائي (١٥٥٧)، وابن ماجه (١٦٥٣) من حديث أبي عمير عن عمومةٍ له، وصحَّحه ابن المنذر وابن السكن وابن حزم وابن حبان والبيهقي والخطابي وابن حجر، قال البيهقي: إسناده صحيح، وقال الدار قطني: إسناده حسنٌ ثابت. * مفردات الحديث: - رَكْبًا: بفتح الراء وسكون الكاف، جمع: ((راكب وركوب))، والمراد: الراكبون على رواحلهم، ويكونون من العشرة فما فوق. - الهلال : - بكسر الهاء - هو غرة القمر إلى سبع ليالٍ من الشهر. - بالأمس: هو اليوم الذي قبل اليوم الحاضر، وقد يدل على الماضي مطلقًا، وهو مبني على الكسر، جمعه: ((أُموس وأُمس وأماسي))، وإذا نُكِّر، أو أضیف، أو دخلت علیہ «أل» ۔ فإنّه يبنى على الكسر. - يغدوا: بفتح ياء المضارعة؛ أي: يذهبوا في الغداة؛ وهي أول النهار. وغدا يغدو من باب قعد، والغدو: الذهاب غدوةً؛ وهي ما بين صلاة (١) أحمد (٢٠٠٦١)، أبوداود (١١٥٧). ٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الصبح وطلوع الشمس، وجمع الغدوة: ((غدي))؛ مثل مدية ومدي، قال في ((المصباح)): هذا أصله، ثم كثر استعماله، حتى استعمل في الذهاب والانطلاق، أيّ وقت كان. - إلى مصلاهم: بضم الميم -: موضع الصلاة، فهو ظرف مكان. قال مؤرخ المدينة السمهودي: صلى النبي ◌َّ- صلاة العيد في عدة أماكن في الصحراء، ثم استقرَّ على المصلى المعروف اليوم، الذي يبعد عن باب السلام ألف ذراع. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ المعول عليه في ثبوت الصيام، والإفطار، والحج، وغيرها - هو رؤية الهلال، فلا تثبت الأحكام بالحساب، وإنما تثبت بالرؤية وحدها. ٢- قال شيخ الإسلام: لا ريب أنَّه ثبت بالسنة الصحيحة، واتفاق الصحابة أنه لا يجوز الاعتماد على حساب النجوم، والمعتمد عليه، كما أنَّه ضالٌّ في الشريعة، مبتدعٌ في الدين، فهو مخطىء في العقل، وعلم الحساب؛ فإنَّ علماء الهيئة يعرفون أنَّ الرؤية لا تنضبط بأمر حسابي، فإنّها تختلف باختلاف المكان وانخفاضه وغير ذلك، وسيأتي الكلام على هذا في باب الصيام بأتم من هذا، إن شاء الله تعالى. ٣- فيه قبول قول الأعراب حتى في الأمور الشرعية. ٤- فيه أنَّ الشاهد لا يعنت، ولا يكشف عيبه عند أداء الشهادة، ما لم يكن هناك ريبة وشكٌّ في شهادته، فعلى الحاكم الشرعي التحري. ٥- أنَّ الأحكام الشرعية لا تثبت أحكامها إلاَّ حين بلوغها، والإنسان قبل أن يبلغه العلم والخبر معذورٌ فيما فعل، وما ترك. ٦ - وجوب الفطر من حين يتحقق الخبر؛ بأنَّ الیوم الذي هم صائمون فيه عید، فصیام یوم العید حرام، ولا يصح. ٢٧ كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين ٧- فيه أنَّ صلاة العيد لا تفوت بفوات وقتها، وهو زوال الشمس من يوم العيد، وإنما تصلى في نظيره من الغد. ٨- فيه وجوب صلاة العيد، فالأمر بالخروج إليها أمرٌ بها، والأمر للوجوب. ٩ - أنَّ الأفضل أن تقام صلاة العيد في الصحراء، حتى في المدينة المنورة، أما في مكة فالأفضل أن تكون في المسجد الحرام، جوار الكعبة المشرفة . # خلاف العلماء: إذا صلى العيد في نظير وقتها من اليوم الثاني؛ هل تكون قضاءً، أو أداءً؟ فيه خلاف بين العلماء. قال في ((الإنصاف)): فإن لم يعلم بالعيد إلاّ بعد الزوال، خرج من الغد فصلى بهم، هذا بلا نزاع، ولكن تكون قضاءً على الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب. وقال أبوالمعالي: تكون أداءً مع عدم العلم. قال في ((الشرح الكبير)): قطع به جماعة. قلت: الراجح أنَّها أداءٌ لا قضاءٌ؛ لأنها لو كانت قضاءً، لصليت إذا زال العذر، ولو بعد الزوال. ولما في البخاري (٥٩٧)، ومسلم (٦٨٤) من حديث أنس؛ أنَّ النَّبِيَّ وَالإِ قال: ((من نام عن صلاةٍ، أو نسيَهَا، فلْيُصلِّها إذا ذكرها؛ فإنَّ الله عزَّوجل يقول: . (( ١٤ ﴿ وَأَقِمِ الصَّلَوةَ لِذِكْرِىّ والحديث هنا ليس فيه ما يدل على أنَّها قضاءٌ. * فائدة: الصلوات إذا فات وقتها، فهي قضاؤها على أربعة أقسام: الأول: تقضى على الفور في أي وقت، وهي الصلوات الخمس، ورواتبها إن قضیت . ٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الثاني: تقضى في نظير وقتها، وهي صلاة العيد، وهذا على المذهب. الثالث: تقضى بغيرها، وهي صلاة الجمعة، فالظهر بدل عنها . الرابع: لا تقضى، وهي ذوات الأسباب؛ فإنَّها إذا فاتت، فإنها سنة فات محلها؛ كتحية المسجد، وصلاة الكسوف ونحوها. والقضاء يحكي الأداء، إلاّ على قول من يرى أنَّ من فاته الوتر قضاه شفعًا، فقد كان النبي وَ ل﴿ يوتر - غالبًا - بإحدى عشرة، فإذا نام عنه، صلَّى من النهار اثنتي عشرة، وكذلك الظهر إذا صلَّيت بدل الجمعة. ٢٩ كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين ٣٩٦ - وَعَنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ وَه لاَ يَغْدُو يَوْمَ الفِطْرِ، حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ، وَيَأْكُلُهُنَّ وِتْرًا)). أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ. وفي روايةٍ مُعلَّقَةٍ، وَوصَلَهَا أَحْمَدُ: ((وَيَأْكُلُهُنَّ أَفْرَادًا))(١). * مفردات الحديث: - أفرادًا: بفتح الهمزة، والفرد: الوتر، وهو الواحد، وهو المذكور في رواية البخاري. (١) البخاري (٩٥٣)، أحمد (١١٨٥٩). = ٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٩٧ - وَعَنِ ابْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَان رَسُولُ اللهِ نَّهَ لاَ يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ، حَتَّى يَطْعَمَ، وَلا يَطْعَمُ يَوْمَ الأَصْحَى، حتَّى يُصلِّي)) روَاهُ أَحْمدُ والتِّر مِذِيُّ وصَخَّحَهُ ابنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. وقد ساقه الإمام أحمد من طريقين كلاهما عن بريدة الأسلمي، قال في ((بلوغ الأماني)): أحد الطريقين أخرجه الترمذي وابن ماجه، والثاني أخرجه البيهقي (٢٨٣/٣)، وابن حبان، والحاكم (٤٣٣/١)، والدار قطني (٤٥/٢)، وصححه ابن القطان . قال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. ما يؤخذ من الحديثين: ١ - فيه استحباب أكل تمرات في يوم عيد الفطر قبل الذهاب إلى المصلى. قال ابن قدامة: لا نعلم في استحباب تعجيل الأكل في هذا اليوم قبل الصلاة خلافًا . ٢-أن تكون التمرات وترًا، والوتر - هنا - أقله ثلاث. ٣- يستحب أكلهن أفرادًا، واحدةً بعد الأخرى؛ لأنَّه أصح، وألذ، وأمرأ. ٤- إن لم يجد تمرات، أكل غيرهن، والأفضل أن تكون حلوى، ففي ذلك فوائد دينية، وصحية: أما الدينية: فإنَّ في ذلك مبادرة إلى فطر هذا اليوم، الذي أوجب الله فطره، وفيه تمييز لههذا اليوم بالأكل عن الأيام التي قبله، (١) أحمد (٢٢٤٧٤)، الترمذي (٥٤٢)، ابن حبان (٥٢/٧). ١ كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين ٣١ التي كان المسلم فيها صائمًا، فالشارع الحكيم يتطلع إلى تمييز العادات من العبادات . أما الفوائد الصحية: فإنَّ المعدة بعد الصوم والنوم فارغة من الطعام، والجسم قد تحللت مواد عناصره، ومحتاجُ إلى سرعة إسعافه بما يرد إليه قوته ونشاطه، وأسرع مفعول لذلك هو التمر . قال الدكتور قباني في كتابه ((الغذاء لا الدواء)): إنَّ التمر غنيٌّ جدًّا بالمواد الغذائية الضرورية للإنسان، والتمر غنيٌّ بعددٍ من أنواع السكاكر، ونسبتها فيه تبلغ سبعين في المائة، والسكاكر الموجودة في التمر سريعة الامتصاص، سهلة التمثل، تذهب رأسًا إلى الدم فالعضلات؛ لِتَهَبَهَا القوة، وقد أثبت الطبّ الحديث صحة سنة الرسول الأعظم في الصيام، وفي الإفطار، فالصائم يستنفد السكر المكتنز في خلايا جسمه، وهبوط نسبة السكر في الدم عن حدها المعتاد؛ لذا كان من الضروري أن نمدَّ أجسامنا بمقدارٍ وافرٍ من السكر ساعة الإفطار، والمعدة تستطيع هضم المواد السكرية في التمر خلال نصف ساعة، فإذا بالدم يتبرع بالوقود السكري، الذي يبعث في خلايا الجسم النشاط . هذا وقد أطال في هذا الموضوع، وسيكون بحثنا أتم من هذا في باب الصیام، إن شاء الله تعالى. ٥- أما الحديث رقم (٣٩٧): ففيه أنَّ هديه وَّ أنَّه يخرج يوم الفطر لصلاة العيد حين يطعم، تمييزًا لهذا اليوم الواجب فطره ومبادرةً بالفطر في هذا اليوم الذي أمرنا الله تعالى بفطره، ففيه امتثال للأمر، وتحقيق للمصلحة، ولعلَّ في ذلك إكمالاً لفضيلة الفطر على تمر؛ فإنَّ هذا فطر من جميع الصيام . ٦- تقدم أنَّ الأفضل أن يكون الفطر على تمرات وترًا، وأقل الجمع الوتري ثلاث، فإن لم يجد تمرًا طعم مما شابهه عنده. ٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧- أما يوم عيد الأضحى: فكان لا يطعم؛ لأنَّه لا يوجد قبل هذا اليوم صيام واجب، یحسن تمییزه عن غيره، فهو متمیز بنفسه. وهناك حكمة أخرى؛ وهو أنَّ من أفضل أعمال هذا اليوم الأضحية، فهي عبادة لله تعالى، أمرنا بالأكل منها، فكان الأفضل أن أول ما يأكل من أضحيته، ولذا جاء في رواية البيهقي (٢٨٣/٣): ((وكان إذا رجع، أكل من کبد أضحیته)). ٨- في الحديث دليل على أنَّ الموفق لأمر الله يستطيع أن يجعل من العادات - كالأكل والشرب والنوم وغيرها - عباداتٍ تقربه من الله تعالى، وتزيد في حسناته، فههذا كله راجعٌ إلى النية وحسن القصد. وهي مسألةٌ كبيرةٌ هامةٌ، تحتاج إلى فِطنةٍ، وتوفيقٍ من الله تعالى. ٣٣ كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين ٣٩٨ - وَعَنْ أُمِّ عَطِيَّةٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ العَوَاِقَ وَالخُيَّضَ فِي الْعِيدَيْنِ، يَشْهَدْنَ الخَيْرَ وَدَعْوَةً المُسْلِمِينَ، وَتَعْتَزِلُ الخُيَّصُ المُصَلَّى)). مُتَّفقٌ عَلَيهِ (١). مفردات الحديث: - أُمرنا: بالبناء للمجهول، وهذه الصيغة تُعَدّ من المرفوع. - أن نُخْرِجَ: بنون المتكلم، و((أن)) مصدرية، والتقدير: بالإخراج. - العواتق: جمع: ((عاتق)) بالتاء المثناة الفوقية، وهنَّ البنات الأبكار، البالغات والمراهقات. - الخُيَّض: بضم الحاء وتشديد الياء، جمع ((حائض))، قال في ((المصباح)): والمرأة حائض؛ لأنَّه وصفٌ خاصٌّ، وجاء ((حائضة)) بناء له على حاضت، وجمع الحائضة : حائضات. - يعتزل الخُيَّض المصلى: يعني: أنَّ الخُيَّض يجتنبن مصلى العيد، إذا خرجن لسماع الموعظة . * ما يؤخذ من الحديث: ١- قولها: ((أُمرنا)) الآمر هو رسول الله ◌َليل، فهذا حديث مرفوع. ٢- فيه التأكيد الشديد على الخروج لصلاة العيدين، وعدم التخلف عنها، حتى أُمر بالخروج من كان الأفضل لهن الصلاة في بيوتهن، وهنَّ الشابات من النساء، وأُمر بالخروج من لا تصح منهنَّ الصلاة، وهنَّ الخُيَّص. كل ذلك لسماع الخطبة والموعظة في هذين اليومين الفاضلين، وحضور (١) البخاري (٣٢٤)، مسلم (٨٩٠). ٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام دعوة المسلمین ربّهم . ٣- إنَّ يوم العيد يوم اجتماع، وتفرغ لعبادة الله تعالى وشكره، في مشهدها ومصلاها، فلا ينبغي التخلف عن هذا المشهد الكبير، الذي خرج فيه المسلمون في صعيد صحراوي واحد، ضاحين بارزين لربهم، فإنَّ هذا المشهد الرائع قَمِن أن يُسْتَجَابَ فيه الدعاء، فالمتعيَّن حضوره. ٤- أنَّ مصلى العيد كمصلى الصلوات الأخر من حيث الأحكام، فلهذا أُمر الحُیَّض أن يعتزلن المصلى. ٥ - وجوب اجتناب الحائض المسجد . ٦ - أنَّ الحائض غير ممنوعة من الدعاء، ومن ذكر الله تعالى. ٧- فضل يوم العيد، وكونه مرجوًّا فيه إجابة الدعاء. ٨- الأصل الوجوب في الأمر بإخراج العواتق والخُيَّض؛ ليشهدن الخير ودعوة المسلمين، ولكن للعلماء فيه ثلاثة أقوال: (أ) أنّه واجب؛ للأمر به علیهن. (ب) أنه سنة، وحمل الأمر على الندب؛ لأنَّ الأمر بخروجهن لشهود دعوة المسلمین غیر واجب. (ج) أنَّه منسوخ، ففي أول الإسلام كانوا محتاجين لتكثير سواد المسلمين، ولما كثر المسلمون استغني عن هذا. والقول الراجح - من هذه الأقوال الثلاثة - القول الثاني: أنَّه سنة. قال شيخ الإسلام: لا بأس بحضور النساء غير متطيبات، ولا لابسات ثياب زينة، أو شهرة؛ لقوله وَالى: ((وليخرجن تَفِلات))، ويعتزلن الرجال، ويعتزل الخُيَّض المصلى. اهـ. ٩- أما ابن الملقن فقال في ((شرح العمدة)): لا يصح أن يستدل بالأمر بإخراج النساء على وجوب صلاة العيد والخروج؛ لأنَّ هذا الأمر إنما وُجِّه إلى ٣٥ كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين من ليس بمكلف بالصلاة اتفاقًا؛ كالحيض، وإنما مقصود هذا الأمر تدريب الصغار على الصلاة، وشهود دعوة المسلمين، ومشاركتهم في الثواب، وإظهار کمال الدین. اهـ. ١٠ - فيه حضور مجالس الذكر والخير لكل أحد، حتى الحائض والجنب، ومن في معناهما ، إلاّ في المسجد. * خلاف العلماء: اتَّفق العلماء على مشروعية صلاة العيدين . واختلفوا: هل هي سنة، أو فرض؟ وهل هو فرض كفاية، أو فرض عين؟ على ثلاثة أقوال : ذهب المالكية والشافعية إلى: أنَّها سنة مؤكدة؛ لقول النبي وَّ للأعرابي السائل عما يجب عليه من الصلاة: ((خمس صلوات كتبهن الله على عباده، قال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا)) [رواه البخاري (٤٦) ومسلم (١١)] وكونها سنة مؤكدة؛ لمواظبته عليها . وذهب الحنابلة إلى: أنَّها فرض كفاية، إذا قام بها من يكفي، سقطت عن [الكوثر]، ٢ الباقين؛ فدليل وجوبها قوله تعالى: ﴿ فَصَلّ لِرَبِّكَ وَأَنْحَرْ ومواظبته عليه الصلاة والسلام عليها، ولأنَّها من أعلام الدين الظاهرة، أما أنها لا تجب على الأعيان؛ فلحديث الأعرابي المقتضي نفي وجوب صلاة غير الصلوات الخمس. وذهب الحنفية إلى: أنَّها واجبة، تجب على مَنْ تَجب عليهم الجمعة، سوی الخطبتین فهما سنة عندهم. والرواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنَّها فرض عين؛ للآية، وأمر النبي وَخليه بها حتى النساء، وهو اختيار الشيخ تقي الدين. وهذا القول هو الراجح، أما أدلة فرض الكفاية: فهي أدلة فرض العين، ٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فهي فيه أوضح وأظهر أما حديث الأعرابي: فليس فيه ما يدل على عدم وجوبها؛ لأنَّ سؤاله للنبي وَيقر، وإجابته إياه، هو بصدد ما يتكرر في اليوم والليلة من الصلوات التي هي مفروضات، فلا يمنع العارض لسبب؛ كصلاتي العيدين، اللتين هما شكر الله تعالى على توالي نعمه الخاصة بصيام رمضان، وقيامه، ونحر البدن، وأداء المناسك . ٣٧ كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين ٣٩٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ ﴿َّ، وَأَبُوبكرٍ، وَهُمَرُ يُصَلُّونَ العِيدَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ)). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ (١). · مفردات الحديث: - كان: قال الكرماني: قالوا: مثل هذا التركيب يفيد الاستمرار. - العيدين: تثنية: ((عيد))، وهما عيد الفطر، وعيد الأضحى، وأصل العيد: ((العود))؛ لأنَّه مشتق من: عاد يعود عودًا، وهو الرجوع، قلبت واوه ياء؛ لسكونها وانكسار ما قبلها، ويجمع على: أعياد، وكان من حقه أن يجمع على: أعواد؛ لأنَّه من: العود كما ذكرنا، ولكن جمع بالياء؛ للزومها في الواحد . * ما يؤخذ من الحديثين: ١ - المشروع أن تصلى صلاة العيدين قبل الخطبة، وعلى هذا عامة أهل العلم، قال الترمذي: العمل عليه عند أهل العلم من أصحاب النبي وَّه وغيرهم أنَّ صلاة العيدين قبل الخطبة . قال الحافظ: وعليه جماعة فقهاء الأمصار، وعدَّه بعضهم إجماعًا. ٢- فلو قدم الخطبة على الصلاة، لم يعتد بخطبته؛ وفاقًا لأبي حنيفة والشافعي، قال المجد: هو قول أكثر العلماء. وحكمة التأخير هنا - والله أعلم -: أنَّ خطبة الجمعة شرط للصلاة، والشرط مقدم على المشروط؛ بخلاف خطبة العيد، فليست بشرطٍ، وإنما هي سنةٌ. (١) البخاري (٩٦٣)، مسلم (٨٨٨). ٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣ - ذكر الراوي الشيخين مع النبي وَل فيما يقرره من السنة - إنما هو على وجه البيان لتلك السنة، أنَّها ثابتة معمول بها بعد وفاة النبي وَّر، لم تنسخ، وأنَّ العمل بها من الخليفتين الراشدين بمحضر من مشيخة الصحابة، وليس ذكرهما من باب الاشتراك في التشريع، فمعاذ الله بهم عن ذلك. ٣٩ كتاب الصلاة - باب صلاة العيدين -( ٤٠٠ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أنَّ النَّبِيّ ◌َ ◌ّهِ صلَّى يَوْمَ العِيدِ رَكْعَتَيْنِ، لَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا، وَلاَ بَعْدَهُمَا)) أخرجه السَّبعة(١). ٤٠١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ له لاَ يُصَلِّي قَبْلَ العِيدِ شَيْئًا، فَإِذَا رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ)). رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ (٢). * درجة الحديث: الحدیث حسنٌ. الحديث (٤٠١) فيه فقرتان: الأولى: ((كان النبي ◌َّ لا يصلي قبل العيد شيئًا))، وقد جاء هذا في الصحيحين من حديث ابن عباس: ((أَنَّ النَّبِيَّ وَلِّ لم يتنفل قبل العيد، ولا بعدها)). الفقرة الثانية: «فإذا رجع إلى منزله، صلَّى ركعتين)). قال في ((التلخيص)) : رواه ابن ماجه من حديث أبي سعيد، وهو عند الحاكم، وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. قال الألباني : إنَّما هو حسن فقط؛ فإنَّ ابن عقيل فيه كلام من قبل حفظه؛ لذلك قال الحافظ والبوصيري: هذا إسناد حسن. وفي الباب عن ابن عمر، وفيه: ((فلم يصلِّ قبلها، ولا بعدها))، صححه الترمذي والحاكم، ووافقه الذهبي، وله شاهد من حديث ابن عمرو، أخرجه (١) البخاري (٩٦٤)، مسلم (٨٨٤)، أحمد (٣١٤٣)، أبوداود (١١٥٩)، الترمذي (٥٣٧)، النسائي (١٥٨٧)، ابن ماجه (١٢٩١). (٢) ابن ماجه (١٢٩٣). ٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام أحمد وابن ماجه بسند حسن، ومن حديث جابر أخرجه أحمد بسند صحيح. * ما يؤخذ من الحديثين: ١- أجمع المسلمون على أنَّ صلاة العيدين ركعتان، وأنَّ لها كغيرها من الصلوات أركانًا وشروطًا وواجبات وسننًا، نقل ذلك الخلف عن السلف، يستثنى من ذلك أنَّ صلاتي العيدين ليس لهما أذانٌ ولا إقامةٌ، وأنه يستحب فيهما التكبيرات الزوائد. ٢ - لا بأس أن يصلي في بيته إذا عاد إليه. ٣- يدل الحديث (٤٠٠) على أنَّه يكره التنفل قبل الصلاة وبعدها بموضعها قبل مغادرته، ولو كانت صلاة العيد في مسجد. ٤- بعض العلماء أجاز التنفل قبل صلاة العيد في موضعها، وبعضهم أجازها بعدها، وبعضهم قبلها وبعدها. حتى قال النووي: ولا حجة في الحديث لمن كرهه؛ لأنَّه يلزم من ترك الصلاة كراهتها، والأصل أنّه لا مانع حتى يثبت. اهـ. وقد ردَّ عليه الشيخ صديق في كتابه ((السراج الوهاج))، فقال: أقول: لم ثبت هذه الصلاة من فعل النبي وَّة، ولم يأمر بها، وهذا القدر يكفي في المنع منها؛ لحديث: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))، ولا دليل لمن جوَّزها، وإنما جاءت كراهتها في ذلك؛ لمخالفتها السنة المطهرة.