النص المفهرس

صفحات 601-620

٦٠١
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٤ - قال العلماء: الأولى التحول لصلاة النافلة عن مكان صلاة الفريضة، ففيه
تكثير لمواضع الصلاة والسجود؛ ليشهد له المكانان، فقد أخرج أبوداود
(١٠٠٦) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((أيعجز أحدكم أن يتقدم، أو يتأخر،
أو عن يمينه، أو شماله في الصلاة؟ يعني: السبحة))، وسكت عنه أبوداود،
وما سكت عنه فهو عنده صالح، وقال البخاري في صحيحه: يُذْكر عن أبي
هريرة يرفعه: ((لا يتطوع الإمام في مكانه)).
٥- قال شيخ الإسلام: والسنة: أن يفصل بين الفرض والنفل في الجمعة
وغيرها، كما ثبت عنه وَّل﴾، ولا يفعل ما يفعله كثير من الناس ممن يصل
السلام بركعتي السنة؛ فإنَّ هذا ركوب لنهيه وَلّ، وفي هذا من الحكمة
التمييز بين الفرض والنفل، كما يميز بين العبادة وغيرها.
٦ - صلاة النافلة في البيت لها مزايا جيدة، من تنوير البيت بالصلاة وذكر الله،
ومن امتثال أمر النبي وَلتر، والاقتداء به، ومن البعد عن الرياء، ومن تعويد
الأولاد والأتباع على الصلاة؛ ليكون المصلي لهم قدوةً صالحةً.

٦٠٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٧٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِوَّةِ: ((مَنِ اعْتَسَلَ، ثُمَّ أَتَى الجُمُعَةَ، فَصَلَّى مَا قُدِّرَ لَهُ، ثُمَّ أَنْصَتَ،
حَتَّى يَفْرُغَ الإِمَامُ مِنْ خُطْبَتِهِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَعَهُ - غُفِرَ لَهُ مَا بَيَنَهُ وَبَيِّنَ
الجُمُعَةِ الأُخْرَى، وَفَضْلُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١)
* مفردات الحديث:
- مَنْ : - بفتح الميم وسكون النون -: اسم شرط جازم يجزم فعلين، الأول:
فعل الشرط، وهو ((اغتسل))، والثاني: جوابه، وهو ((غفر)).
- ما قُدِّر له: بالبناء للمجهول من التقدير؛ أي: فصلى حسب ما وفقه الله،
وقدره له.
- أَنْصَت: ينصت إنصاتًا، بمعنى: استمع وهو ساكتٌ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلَّى ما قُدِّر لهُ وقت انتظار الخطيب، ثم
أنصت للخطبة، حتى يفرغ الخطيب منها، ثم صلَّى معه صلاة الجمعة -
غُفِرتْ له ذنوبه، من هذه الجمعة إلى الجمعة الأخرى، وزيادة ثلاثة أيام.
٢ - الغفران المذكور مرتب على هذه الأعمال الحميدة لصلاة الجمعة: اغتسالٍ
لها، فذهابٍ إلى مسجده، فصلاة ما تيسر في مكانها، فإنصاتٍ للخطيب،
فصلاة الجمعة، فحصول الغفران مرتب على هذا كله.
٣- استحباب الغسل للجمعة، وتقدم الخلاف في وجوبه، والصحيح أنَّه مستحب،
إلاّ في حق من فيه رائحة كريهة يؤذي بها المصلين؛ فيتعيَّن عليه الغسل.
(١) مسلم (٨٥٧).

٦٠٣
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
قال ابن عبدالبر: أجمع علماء المسلمين - قديمًا وحديثًا - على أنَّ غسل
يوم الجمعة ليس بفرض؛ لقوله وَ ل9: ((ومن اغتسل، فالغسل أفضل)) [رواه
الترمذي (٤٩٦)]، وليس شرطًا إجماعًا، وأوجبه الشيخ على من له عرقٌ،
أو ربحٌ.
وقال ابن القيم: وجوبه أقوى من وجوب الوتر.
ومن قال بوجوبه، صحح الصلاة بدونه.
وقوله وَله: ((واجب)) محمول على تأكد الاستحباب، وهو آكد الأغسال
المستحبة مطلقًا، وأحاديثه مستفيضة، والغُسل عن جماع أفضل؛ لقوله
وَله: ((غّل، واغتسل)).
٤ - استحباب شَغْلَ وقت انتظار الخطيب بالصلاة، وتقدم أنَّ هذه الصلاة ليست
سنة راتبة للجمعة، وإنما هي نفل مطلق.
٥- وجوب الإنصات للخطيب، والدليل على وجوبه قوله بَّ ه: ((من قال
لصاحبه: أنصت، فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له)).
٦- أنَّ الإنصات الواجب هو وقت الخطبة فقط، لا قبلها ولا بعدها؛ فإنَّ لفظ
(حتى)) للغاية، ولا يدخل ما بعدها فيما قبلها.
٧- فضل هذا العمل الذي يسبب غفران الذنوب، وتكفير السيئات.
٨- المراد هنا بالسيئات التي تُكَفَّر في هذا العمل: صغائر الذنوب، أما كبائر
الذنوب فلا يكفرها إلاَّ التوبة النصوح، وهذا عام في جميع الأعمال
الصالحة التي وردت أنَّها تكفر الذنوب؛ كصوم يوم عرفة، ويوم عاشوراء،
والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، والحج المبرور، وغير ذلك
مما أتت به النصوص، وهذا قول جمهور العلماء.
* فوائد:
الفائدة الأولى: المشهور من مذهب الحنابلة: الكراهة في الإيثار بالقُرب

٦٠٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
من المكان الفاضل، لا قبول الإيثار.
وقال ابن القيم: لا يكره، فقد طلب أبوبكر من المغيرة أن يبشر النبي وَل
بإسلام وفد ثقيف، وقد آثرتْ عائشة عمرَ بدفنه في بيتها، بجوار النبي وَّ،
فإذا سأل الرجل غيره أن يؤثره في مقامه في الصف الأول - لم يكره له السؤال،
ولا ذلك البذل .
الفائدة الثانية: قال الشيخ تقي الدين: وما يفعله كثير من الناس، من
تقديم مفارش ونحوها إلى المسجد يوم الجمعة قبل صلاتهم، فهذا منهيٌّ عنه،
بل محرَّمٌ باتفاق المسلمين، وهل تصح الصلاة في ذلك المفروش؟ فيه قولان
للعلماء؛ لأنَّ غَصَبَ بقعةً في المسجد.
الفائدة الثالثة: الحديث يشير إلى مسألةٍ هامةٍ، افترق فيها طائفتان
ضالتان، وهدى الله تعالى إليها الفرقة الناجية: ((أهل السنة والجماعة)).
الطائفة الأولى: هي ((القدرية)) وهم نفاة القدر، فقد نفوا القدر من عموم
خلق الله تعالى، ومشيئته وإرادته؛ زاعمين أنَّ إثبات ذلك لله تعالى يبطل
مسؤولية العبد عن فعله، ويلغي التكاليف التي حُمِّل بها، وأُنيطت به،
ويخصصون النصوص الدالة على عموم الخلق، والمشيئة بما عدا أفعال العباد،
وأثبتوا أنَّ العبد خالق فعله بقدرته وإرادته، وبهذا أثبتوا خالقَيْن، فاستحقوا أن
يسموا: مجوس هذه الأمة: لأنَّ المجوس يزعمون أنَّ الشيطان يخلق الشر،
وأن خالق الخير هو الله.
الطائفة الثانية: ((الجبرية))، وهؤلاء غلوا في إثبات القدر، حتى أنكروا
أن يكون للعبد فعلٌ حقيقةً، وإنما الأفعال تُسْند إليه مجازًا، فيقال: صلى،
وصام، وزنى، وسرق، مجازاً لا حقيقةً، وإنما هو كالريشة في مهب الريح.
وهذا - في زعمهم - تحقيق أنه لا مقدر في الحقيقة إلاَّ الله وحده، وأنَّ
الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز.

٦٠٥
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
وهؤلاء اتَّهموا ربَّهم بالظلم؛ لأنَّه يعذب الناس على أفعالٍ وأعمالٍ لا
تنسب إليهم، ولم تقع بإرادتهم ولا قدرتهم، وإنما هي بفعل من عذَّبهم،
واتَّهموا ربَّهم؛ بأنه كلف عباده بأعمالٍ لا قدرة لهم عليها، ونهاهم عن أعمالٍ لا
يستطيعون الامتناع منها، فهم مُجبرون عليها .
واتّهموا ربهم بالعبث في تكلیف عباده بما لا قدرة لهم عليه.
وعطَّلوا أوامر الله تعالى ونواهيه؛ لأنَّها وُجِّهتْ إلى من ليس له قدرةٌ على
القيام بها، ولا عن الامتناع منها .
وهدى الله تعالى الفرقة الناجية: ((أهل السنة والجماعة)) إلى الحق، فيما
اختلفت فيه هاتان الطائفتان الضالتان.
فقرَّروا أنه لا منافاة بين عموم خلق الله تعالى لجميع الأشياء، وبين كون
العبد هو فاعل فعله، حقيقةً لا مجازًا.
فقالوا: إنَّ العبد هو المصلي والصائم، وهو الزاني والسارق حقيقةً، فأي
عملٍ: خيرٍ أو شرِّ هو الذي فعله بإرادته، واختياره إياه، فهو غير مُجْبر على
الفعل أو الترك، فإنه لو شاء فعل، ولو شاء ترك، وبهذا فهو مستحقٌّ للجزاء
على ما قدم، من فعلٍ طيبٍ أو سيءٍ.
وإنَّ هذه الحقيقة ثابتة شرعًا وحسًا وعقلاً.
ومع إثبات ذلك للإنسان، فإنَّ الله تبارك وتعالى هو الذي خلق قدرتهم،
وإرادتهم، ومشيئتهم، التي بها يريدون ويفعلون، وأعطاهم هذه الإرادة
والاختيار، فهو الخالق لجميع الأسباب التي وقعت بها أعمالهم.
وبهذا القول الوسط السليم الحكيم، تجتمع النصوص النقلية،
والبراهين العقلية.
وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءُ اَللَّهُ رَبُّ
أولاً: قال تعالى: ﴿لِمَنْ شَآءُ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ الأ
﴾ [التكوير].
٢٩
الْعَلَمِينَ

٦٠٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وجاء في البخاري (٤٩٤٥) من حديث علي بن أبي طالب؛ أنَّ النَّبِيَّ وَيه
قال: ((اعملوا؛ فكلٌّ ميسَرٌ لما خلق له))، كما جاء في حديث الباب قوله اَله :
((من اغتسل، ثم أتى الجمعة، فصلَّى)).
فهذه أفعال مسندةٌ حقيقةً إلى العبد، فهو الفاعل لذلك بقدرته واختياره،
فقوله: ((صلَّى ما قدر له)) هذا تقدير الله تعالى ومشيئته في فعل عبده،
فالحديث أثبت فعل العبد، المربوط بتقدير الله وتدبيره وإرادته.
ثانيًا: المعنى اللغوي؛ فإنَّ العمل ينسب إلى فاعله حقيقة، أما المجاز
فلا يُعدل إليه، إلاَّ إذا لم تمكن الحقيقة، وهنا ممكنة وصالحة.
ثالثًا: العقل؛ فإنه لا يُعْرَفُ مصدرٌ للفعل إلاَّ ممن وقع منه الفعل.
رابعًا: الحسّ ومن الحس؛ المشاهدة، فإننا نرى أنَّ الأفعال تصدر من
المخلوقين، وتنسب إليهم، ويعترفون بوقوعها، ويعترفون بمسؤوليتها .
خامسًا: يوجد عند كل عاقل علم ضروري؛ بأنَّ كل ما صدر من الإنسان
من عمل، فهو صادر منه باختياره، وإرادته ومشيئته، وهذا العلم الضروري لا
یمکن دفعه، ولا تصور سواه، والله الهادي إلى سواء السبيل.
:

٦٠٧
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٧٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِوَه
ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: ((فِيهِ سَاعَةٌ، لاَ يُوافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ - وَهُوَ
قَائِمٌ يُصَلِّي - يَسْأَلُ اللهَ - عَزَّ وجلَّ - شيئًا، إلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وَأَشَارَ بِيَدِهِ
يُقَلِّلُهَا)). مُتَّفَقٌ علَيهِ.
وفِي رِوَايَةٍ لِمِسْلِمٍ: (وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ)(١).
* مفردات الحديث:
- لا يوافقها: أي: لا يصادفها، وهذه اللفظة أعم من أن يقصد لها، أو يتفق
وقوع الدعاء فيها .
- وهو قائم: جملة اسمية محلها النصب؛ لأنَّها حال من الفاعل، وهذا خرج
مخرج الغالب، فلا يعتبر مفهوم المخالفة هنا .
- يصلي ويسأل: جملتان حاليتان من الأحوال المترادفة، أو المتداخلة، ولا
يصح أن تكونا صفتين لـ((مسلم))؛ لأنَّ ((مسلمًا)) صفة لـ((العبد))، والصفة
والموصوف في حكم شيءٍ واحدٍ، والنكرة إذا اتصفت يكون حكمها حكم
المعرفة، فلا يجوز وقوع الجُمل بعدها صفات لها؛ لأنَّ الجُمل لا تقع صفة
للمعرفة، بل إذا وقعت بعدها تكون حالاً .
- شيئًا: مما يليق أن يدعو به المسلم، ويسأل الله تعالى به.
- يقللها: جملة وقعت حالاً، والتقليل خلاف التكثير، فهو يشير إلى أنَّ وقتها
قليل، والساعة اسم لجزء مخصوص من الزمن، ويردُ على أنحاء منها أو يراد
به جزء غیر مقدر.
(١) البخاري (٩٣٥)، مسلم (٨٥٢).

٦٠٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٧٩ - وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهَ يَقُولُ: ((هِيَ مَا بَيِّنَ أَنْ يَجْلِسَ الإِمَامُ، إِلَى أَنْ تُقْضَىُ
الصَّلاَةِ)). رَوَاهُ مُسْلمٌ، وَرَجَّح الدَّارَ قْطِيُّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةً(١).
وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلاَمٍ عِنْدَ ابنِ مَاجَهَ(٢)، وَعَن جَابِرٍ عِنْدَ
أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِي: ((أَنَّهَا مَا بَيِّنَ صِّلاَةِ العَصْرِ إِلَىْ غُرُوبِ الشَّمسِ))(٣)
زوقَدْ اخْتُلِفَ فِيهَا علَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ قولاً أَمْلَيْتُهَا فِي شَرْحِ البُخَارِيِّ.
* مفردات الحديث:
- ما بين صلاة العصر وغروب الشمس: ((بين)) ظرفٌ، وأصل الكلام: ما بين
صلاة العصر وبين غروب الشمس؛ ليقترن الظرف بطر في الزمان.
- أمليتها: من ((الإملاء))، وهو أن تملي العبارة وتنشئها ويكتبها غيرك؛ أي:
كتب تلك الأقوال في ((شرح البخاري))، وهو ((فتح الباري))، الشرح الشهير.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- من فضائل يوم الجمعة أنَّ فيها ساعة شريفة، هي نفحة من نفحات الله
تعالى، يستجيب فيها تعالى دعاء الداعي.
٢ - لا يوافق هذه الساعة الفاضلة عبدٌ مسلمٌ، وهو قائمٌ يصلي، فيسأل الله - عزَّ
وجل - شيئًا من أمر الدين، أو الدنيا، إلاَّ أعطاه إياه، ما لم يدع بإثم أو قطيعة
رحم.
(١) مسلم (٨٥٣).
(٢) ابن ماجه (١١٣٩).
(٣) أبوداود (١٠٤٨)، النسائي (٩٩/٣).

٦٠٩
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣- الساعة المرادة هي القطعة من الزمن، قد تطول وقد تقصر، إلاَّ أنَّ ساعة
الجمعة هذه ساعة خفيفة ليست بالطويلة .
٤- أخفى تعالى وقت هذه الساعة، فلا يُعلم هل هي في أول النَّهار، أو آخره،
أو وسطه؟ وإخفاؤها عين الحكمة والرحمة؛ ذلك أنَّه لو عُلمَ وقتها، لما
التمسها المسلمون بالعبادة والدعاء إلاَّ تلك الساعة، ولكن إخفاءها
يجعلهم يلتمسون كل يوم الجمعة، عَلَّهُم يقعون عليها، فتكثر أعمالهم
الصالحة، وإخفاؤها كإخفاء ليلة القدر، وإخفاء اسم الله الأعظم، ونحو
ذلك من الأشياء المفضلة .
٥- أرجى ساعة لساعة الإجابة ساعتان:
إحداهما: حين يصعد الخطيب حتى تُقضى الصلاة؛ كما جاء ذلك في
حديث أبي بردة، وهذا الوقت له ميزته باجتماع المصلين، والاجتماع على
العبادة له أثره في إجابة الدعاء، كما أنَّ هذه الساعة هي المقصودة من يوم
جمعة، وهي التي نادى الله المؤمنين للسعي إليها .
أما الساعة الثانية: ما بين صلاة العصر وغروب الشمس؛ كما جاء ذلك
في حديثي : عبدالله بن سلام، وجابر.
٦- هذان الوقتان هما أرجى وقت لههذه الساعة الفاضلة؛ ذلك أنَّ وقت صعود
الخطيب المنبر للخطبة حتى تنقضي الصلاة، هو ثمرة ذلك اليوم وزبدته،
فما فضل هذا إلاّ لهذه العبادة الجليلة، والذكر الكريم.
أما بعد العصر فهو آخر النهار، وهو ختام أعمال النهار، والجوائز توزع
وتُعطى في آخر العمل؛ قال ◌َله: ((اعطوا الأجير أجره، قبل أن يَجف عرقه))
[رواه ابن ماجه (٢٤٤٣)].
٧- استحباب التفرغ لههذه الساعة المباركة، والاجتهاد في ذلك اليوم، لعله
يصادفها، ويقدر أنَّ كل ساعة تمر عليه في هذا اليوم وهي ساعة الإجابة .

٦١٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٨- الإسلام شرط أساسي لقبول الأعمال، واستجابة الدعاء، فمهما عمل الكافر
من عمل فمردود عليه؛ قال تعالى: ﴿ وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَهُ
﴾ [الفرقان].
هَبَاءُ مَنْشُورًا لا
٩- العبودية هنا لها معنى خاص، فليست العبودة العامة، وإنما هي عبودية
الاتصال بالله تعالى، والالتجاء إليه، والتضرع بین یدیه .
١٠ - جاء في الحديث: ((يُسْتَجَابُ للعبد ما لم يدع بإثم، أو قطيعة رحم)) [رواه
مسلم (٢٧٣٥)]، فالدعاء المستجاب هو المشروع في لفظه وقصده، والله
أعلم.

٦١١
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٨٠ - وَعَنْ جَابرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((مَضَتْ الشُّنَّةُ أَنَّ فِى
كُلِّ أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا جُمُعَةً)). رَوَاهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيفٌ.
قال المؤلف: رواه الدارقطني بإسناد ضعيف؛ وذلك لأنَّه من رواية
عبدالعزيز بن عبدالرحمن بن راجح، قال أحمد: اضرب على أحاديثه؛ فإنَّها
كذبٌ، أو موضوعة.
قال النسائي: ليس بثقة، وقال الدارقطني: منكر الحديث، وقال ابن
حبان: لا يجوز أن يُحتج به.
وفي الباب أحاديث لا أصل لها، قال عبدالحق: لا يثبت في العدد
حدیث.
وقال البيهقي: هذا الحديث لا يحتج بمثله، وضعفه ابن الجوزي.
* مفردات الحديث:
- مضت السنة: أي: جرت ونفذت.
- فصاعدًا: يقال: بلغ العدد كذا فصاعدًا، يعني: فما فوقه فصاعدًا، منصوب
على الحال، أو بنزع الخافض، فهو معطوف على لفظ ((كل)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الحديث يدل على أنَّ كل أربعين رجلاً، مقيمين في بناء مسماه واحد -
فعليهم أن يقيموا صلاة الجمعة.
(١) الدار قطني (٣/٢).

٦١٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢- مفهوم الحديث: أنَّهم إن نقصوا عن هذا العدد، فلا تقام فيهم الجمعة، بل
يصلون ظهرًا .
٣- الحديث ضعيف، ففيه عبدالعزيز بن راجح، وأحاديثه بين موضوعةٍ أو
مكذوبةٍ، وقال البيهقي: هذا حديث لا يحتج به، ثم لو صحَّ، فليس فيه
حجة .
قال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: هذا ساقط لا يحتج
به، ولذا اختلف العلماء في العدد الذي تنعقد به الجمعة.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء في العدد الذي به تنعقد الجمعة وتجب.
فذهب الإمامان: الشافعي وأحمد إلى: أنَّها لا تقام إلاَّ بأربعين رجلاً
فأكثر؛ لما روى البيهقي (١٨٠/٣) عن ابن مسعود: ((أنَّه ◌َلِّ جمع بالمدينة،
وكانوا أربعين رجلاً))، ولم يثبت أنَّه صلَّى بأقل من أربعين، ولحديث الباب،
وكلاهما لا تقوم به حجة.
وذهب المالكية: إلى أنَّ العدد المعتبر لإقامة صلاة الجمعة هو اثنا عشر
رجلاً؛ لما روى مسلم (٨٦٣) عن جابر في قصة العير القادمة، فانفضَّ الناس
إليها حتى لم يبق معه إلاَّ اثنا عشر رجلاً، وهذه قضية لا تدل على العدد
المذكور، وإنما هي اتفاق وصدفة لا تعتبر دليلاً قويًّا، ولكن الحديث يرد على
مذهب الشافعية والحنابلة، فلیس عندهم علیه جواب صحیح.
وذهب أبو حنيفة ومحمد بن الحسن إلى: أنَّ أقلَّ الجمع في الجمعة ثلاثة
رجال، سوى الإمام؛ لأنَّ الثلاثة هم أقل الجمع الصحيح، والجمعة مشقة من
التجمع .
واختار جماعة منهم القاضي أبويوسف صاحب الإمام أبي حنيفة، وشيخ
الإسلام، وابن القيم، إلى -: أنَّها تنعقد بثلاثةٍ: إمام ومستمعين اثنين، وهذا

٦١٣
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
نص الإمام أحمد.
قال علماء الدعوة: هذا القول أقوى، ففي الحديث الصحيح: ((إذا كانوا
ثلاثة، فيؤمهم أحدهم)) [رواه مسلم (٦٧٢)]، وهو عامٌّ في الصلوات كلها،
الجمعة والجماعة.
قال الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ: ما سوى هذا القول يحتاج إلى
برهان، ولا برهان يخرجه عن هذا العموم.
قال الحافظ ابن حجر: لا يصح في عدد الجمعة شيء، ووردت أحاديث
تدل على الاكتفاء بأقل من أربعين.
وقال عبدالحق: لا يثبت في العدد حديث.
وحكى النووي وغيره إجماع الأمة على اشتراط العدد، وأنَّها لا تصح من
منفرد، وأنَّ الجماعة شرط لصحتها .
والقول الراجح في العدد: أنَّهم إمام واثنان يستمعان، كما اختاره شيخ
الإسلام رحمه الله تعالى.

٦١٤=
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٨١ - وَعَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أنَّ النَّبِيَّ
وَ﴿ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالمُؤْمِنَاتِ كُلَّ جُمُعَةٍ)). رَوَاهُ البَزَّارُ بِإِسْنَادٍ
لَيِّنٍ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيفٌ جدًا.
قال المؤلف: رواه البزار، ولا نعلمه عن النبي ويله إلاّ بهذا الإسناد الذي
فيه يوسف بن خالد السَّمْتي، وهو ضعيف جدًّا.
وقال في «التقریب)»: ترکوه، وکذَّبه ابن معین.
(١) البزار (٣٠٧/١).

٦١٥
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٨٢ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َلول
كَانَ فِي الْخُطْبَةِ يَقْرَأُ آيَاتٍ مِنَ القُرْآنِ، يُذَكِّرُ النَّاسَ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ،
وَأَصْلُهُ فِي مُسْلِمٍ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
وهو في مسلم والسنن عن جابر بن سمرة؛ بلفظ: ((كان رسول الله وَله
يخطب قائمًا، ويجلس بين الخطبتين، ويقرأ آيات يذكر الناس)).
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- تقدم حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((إنَّ في الجمعة ساعة لا يوافقها عبدٌ مسلمٌ
يسأل الله - عزَّوجل - شيئًا إلاّ أعطاه))، وتقدم في صحيح مسلم: ((أنَّها ما بين
أن يجلس الإمام إلى أن تنقضي الصلاة» هذه الساعة هي وقت قيام الإمام
لخطبة الجمعة .
٢ - يضاف إلى حصول هذه الساعة الفاضلة الجمع الكبير، يدعو بهم الإمام،
وهو يؤمِّنون على دعائه، فينبغي اغتنام هذه النفحة المباركة بوجود هذا
الجمع العظيم؛ بأن يدعو الإمام بالأمور الهامة، التي منها:
الدعاء والاستغفار للمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات؛ فإنَّ
هذه سنة النبي ◌َّي﴿ في كل جمعة، وعلى المأموم التأمين، فتأمينه كدعائه.
٣- بعض العلماء يرى وجوب الدعاء للمؤمنين والمؤمنات في الخطبة،
وبعضهم يرى استحباب ذلك، لا وجوبه، وهذا هو الصحيح لأمرين:
(١) أبو داود(١١٠١)، مسلم (٨٦٦).

٦١٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الأول: أنَّ الحديث فيه ضعف.
الثاني: أنَّ فعل النبي بَليهِ لا يدل على الوجوب، وإنما إن كان عبادة،
دلَّت على الاستحباب، وإن كان عادة، دلَّت على الإباحة.
٤- أن يدعو للمسلمين بالنصر، والتأييد، والعز، والتمكين، وقهر الأعداء.
۵۔أن يدعو لإعلاء كلمة الله، ونشر دینه، وتحکیم کتابه، وسنة نبيه پێ .
٦- أن يدعو لأئمة المسلمين بالتوفيق والتسديد، وتأليف قلوبهم، وجمع
كلمتهم على الحق، وعلى نصر دين الله، وأن يرزقهم البطانة الصالحة،
ويجنبهم بطانة السوء.
٧- أن يحرص على الدعوات العامة الجامعة، وإذا كانت من الأدعية المأثورة
، فهي أفضل في ساعات الإجابة، والأوقات الفاضلة، لا سيَّما في الأماكن
الفاضلة؛ فإنَّها تغتنم ولا تُفَوَّت، فمن فوّها فهو المحروم، رزقنا الله جميعًا
الاستعداد .
٨- أما الحديث رقم (٣٨٢): ففيه استحباب تذكير الناس في الخطبة بآيات من
كتاب الله؛ فقد قال تعالى: ﴿كِنَبُ أَنْزَلْنَهُ إِلَيْكَ مُبَرٌَ لِيَدَّبَرُوْءَايَتِهِ، وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ
[ص]، وتقدم أنَّه ◌َله كان يقرأ سورة ﴿ق﴾؛ لما فيها من
الْأَلْبُبِ
المواعظ والزواجر، والتذكير بالموت، والجزاء بالنعيم المقيم، أو العذاب
الأليم، فالقرآن نِعم المعلم المهذب والموجه، قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ
يَهْدِى لِلَّتِىِ هِىَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّلِحَتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا * وَأَنَّ
[الإسراء].
١٠
الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَالَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا،
٩ - ينبغي أن تكون الآيات التي يقرؤها الخطيب في الخطبة آيات تناسب موضوع
الخطبة، وتكون دليلاً على ما قال وتأييدًا لخطبته، ولتكون خطبته تفسيرًا
لها، ومشيرًا إلى معانيها، ولئلا يشتت على المستمعين أذهانهم باختلاف
مواضيع الخطبة .

٦١٧
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
* فائدة:
إذا أُفْرِدَ الإسلام في النصوص الشرعية شمل الإيمان، وإذا أُفرد الإيمان
شمل الإسلام، أما إذا اجتمعا في نص واحد؛ فالإسلام هو الأعمال الظاهرة،
والإيمان أعمال القلوب؛ من الإيمان بالله، وملائكته، و کتبه، ورسله، واليوم
الآخر، والقدر؛ وذلك مصرحٌ به في حديث عمر، حينما جاءهم جبريل،
یعلِّمهم دینھم.
٠

٦١٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٨٣ - وَعَنْ طَارِقٍ بْنِ شِهَابٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِ
مَّ قَالَ: ((الجُمُعَةُ حَقٌّ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فِي جَمَاعَةٍ، إِلاَّ أَرْبَعَةً:
مَمْلُوٌ، وَامْرَأَةٌ، وَصَبِيٍّ، وَمَرِيْضٌ)). رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ، وَقَالَ: لَمْ يَسْمَعْ
طَارِقٌ مِنَ النَّبِيِّ وَّةَ، وَأَخْرَجَهُ الحَاكِمُ مِنْ رِوَايَةٍ طَارِقِ المَذْكُورِ عَنْ
أَبِي مُوَسَى(١).
* درجة الحديث:
قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود من حديث طارق بن شهاب، ورواه
الحاكم من حديث طارق هذا، عن أبي موسى، عن النبي وَّ، وصحَّحه غير
واحد.
قال النووي: قول أبي داود ((إنَّ طارقًا رأى النَّبِيَّ ◌ََّ، ولم يسمع منه
شيئًا)) - غير قادح في صحته؛ فإنَّه يكون مرسل صحابي، وهو حجة، والحديث
على شرط الشيخين، وله شواهد.
* مفردات الحديث:
- حقٌّ واجبٌ: الحق الواجب هو الثابت فرضه بالكتاب والسنة.
- إلاّ أربعة: ((إلاَّ)) بمعنى ((غير))، ومحلها النصب على الاستثناء، لأنَّ ((إلاَّ)) قائمة
مقام المستثنى، وهو كلام تام مثبت، واجب النصب، وما بعده مجرور بالإضافة.
- مملوك: المراد به: الرقيق.
- الصبي: مَنْ دون البلوغ من الذكور.
(١) أبو داود (١٠٦٧)، الحاكم (٢٨٨/١).

٦١٩
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٨٤ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اِله ◌َِّ: ((لَيْسَ عَلَىْ مُسَافِرِ جُمُعَةٌ)) رَوَاهُ الطَّبَرانِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ(١).
* درجة الحديث:
الحديث ضعيفٌ، تقوَّى بشواهده، قال المؤلّف: رواه الطبراني بإسناد
ضعيفٍ؛ لأن في إسناده: عبدالله بن نافع، ضعَّفه جماعة.
وقال الألباني: وفي الباب أحاديث أُخر، يقوى بها الحديث.
* ما يؤخذ من الحديثين:
١- يدل على أن الجمعة لا تجب على أربعة أصناف، هم:
(أ) العبد المملوك: قالوا: الحكمة في عدم وجوبها عليه؛ أنَّه محبوس
على أعمال سيده، وهو تعليل غير جيد؛ لأنَّ حق الله تعالى أولى، وهو
داخل تحت النداء في قوله: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ
اُلْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩]، وحق الله أوجب من حق سيده
عليه؛ فتكون الصلاة عليه واجبة، كما اختاره شيخنا عبدالرحمن السعدي.
(ب) المريض: سقطت عنه؛ لعذر المرض، لأنَّه معذور بعدم استطاعته
عليها، ولا يُكلِّفُ الله نفسًا إلاَّ وسعها.
(ج) المرأة: لأنَّ المرأة ليست من أهل حضور مجامع الرجال، قال ابن
المنذر وغيره: أجمعوا على أنَّه لا جمعة على النساء، وأجمعوا على أنَّهنَّ
إذا حضرن فصلین الجمعة، أنَّ ذلك یجزىء عنهن .
(د) الصبي: لأنَّه غير مكلّف.
(١) الطبراني في الأوسط (٢٤٩/١).

٦٢٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أما الحديث رقم: (٣٨٤): فيدل على أنَّ صلاة الجمعة لا تجب على
المسافر، ولا تشرع في حقه؛ لأنَّ النَّبِيَّ وَّ وأصحابه كانوا يسافرون في
الحج والجهاد، فلم يصلِّ أحد منهم الجمعة في السفر، مع اجتماع الخلق
الكثير .
وإذا سمع المسافر النداء لصلاة الجمعة، فالمشهور من مذهب الإمام
أحمد: أنَّه إن كان يجب عليه إتمام الصلاة، ولا يصح منه القصر - وذلك
حينما لا يرون سفره سفر قصر - فإنَّها تلزمه الجمعة بغيره وإلاّ فإنَّها لا تلزمه
لا بنفسه ولا بغيره.
قال في ((الإقناع)) وغيره: ولا جمعة بمنى وعرفة، نص عليه الإمام
أحمد؛ لأنَّه لم ينقل فعلها فيهما .
هؤلاء الخمسة الذين لا تجب عليهم الجمعة، بعضهم سقطت عنه؛
لفقد شرط الوجوب، وهما المرأة والصبي، فإنَّها لا تجب على امرأة؛ لأنَّها
ليست من أهل الجُمَع والجماعات، وبعضهم سقطت عنه؛ لوجود المانع
في وجوبها، وهم العبد المحبوس على عمل سيده، والمريض الذي يشق
عليه الذهاب إليها، والمسافر الذي هو مظنة المشقة، إلاَّ أنَّهم جميعًا إذا
صلوا الجمعة صحّت منهم، وأجزأت عنهم، لأنَّ سقوطها تخفيفًا.
٢- قال في ((شرح المنتهى)): وحرم سفر من تلزمه الجمعة في يومها بعد الزوال،
حتى يصلي؛ لاستقرارها في ذمته بدخول وقتها، ويكره السفر قبل الزوال،
ولا يحرم؛ لأنَّها لا تجب إلاَّ بالزوال وما قبله وقت رخصة، هذا إن لم يأت
بالصلاة في طريقه، فإن أتى بها في طريقه، فلا يحرم بعد الزوال، ولا يكره
قبله .
٣- لا تجب الجمعة، إلاَّ على مستوطنين ببناء معتاد - ولو من قصب ـ لا
يرحلون عنه شتاءً ولا صيفًا، فأما البادية أهل الظعن والحِل، الذين يسكنون