النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٦١
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
باب صلاة الجمعة
مقدّمة
الجمعة فيها لغتان: التحريك مع الضم، اسم فاعل فهي سبب لاجتماع
الناس، والثانية ساكنة الميم فهي اسم مفعول، فهي محل لاجتماع الناس.
والأصل في مشروعيتها: قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ
مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُواْ الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ
٩
[الجمعة: ٩]، والأدلة من السنة في مشروعيتها كثيرةٌ، قولاً وفعلاً.
قال العراقي: مذاهب الأئمة متفقة على أنَّها فرض عين، بل صلاة
الجمعة من أوكد فروض الإسلام، ومن أعظم مجامع المسلمين، وصلاة
الجمعة أفضل من صلاة الظهر بلا نزاع.
وهي صلاة مستقلة، ليست بدلاً من الظهر، وإنما الظهر بدل عنها إذا
فاتت، ويوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، وقد خصَّ الله به المسلمين، وأضل
عنه من قبلهم من الأمم كرمًا منه، وفضلاً على هذه الأمة؛ فقد جاء أنَّ النَّبيَّ
وَال﴾ قال: ((خير يوم طلعت فيه الشمس يوم الجمعة)) [رواه مسلم].
قال العراقي: اتَّفق الأئمة على أنَّ الجمعة أكبر فروض الإسلام، وهي
أعظم مجامع المسلمين، سوى مجمع عرفة .
ولههذا اليوم خصائص من العبادات:
أعظمها هذه الصلاة التي هي آكد الفروض، واستحباب قراءة سورة
السجدة، وسورة الإنسان في صلاة فجرها، وقراءة سورة الكهف في يومها،

٥٦٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وكثرة الصلاة على النبي ◌َّة، والاغتسال، والتطيب، ولبس أحسن الثياب،
والذهاب إليها مبكرًا، والاشتغال بالذكر والدعاء، إلى حضور الخطيب.
وفيها ساعة إجابة الدعاء، التي اختلف العلماء في وقتها، وأرجح الأقوال
أنَّها من جلوس الخطيب على المنبر إلى فراغ الصلاة، أو بعد العصر.
وقد أفرد لها الإمام ابن القيم فصلاً مطولاً في ((زاد المعاد)) وصنَّ فيها
كثير من أهل العلم مصنفاتٍ مستقلةً.
وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الشارع من حكمته، ومحاسن شرعه،
أنه شرَعَ للمسلمين الاجتماعات لأنواع العبادات من الصلوات الخمس، وصلاة
الجمعة، ومصلى العيد، ومشهد الحج في البقاع المقدسة، ففي هذه
الاجتماعات مِن الحِكم والأسرار ما يفوت الحصر، فمنها:
١ - إظهار دين الله تعالى، وإعلاء كلمته.
٢ - إظهار شعائر الإسلام، وبيان جمالها.
٣- إظهار محاسن الإسلام، وجمال تشريعاته.
٤- تعارف المسلمين، وتآلفهم.
٥- التعرف على بلدانهم، وأحوالهم، وآمالهم، وآلامهم.
٦ - التشاور وتبادل الآراء النافعة.
٧- التعاون على الحق، والتآزر على الدين.
٨- اجتماع كلمة المسلمين ووحدة صفهم، وتوحيد هدفهم نحو الخير.
وغير ذلك مما أشارت إليه الآية الكريمة: ﴿لِيَشْهَدُواْ مَنَّفِعَ لَهُمْ﴾ [الحج:
٢٨]، فاجتماع المسلمین في عباداتھم خير وبركة وإصلاح وفلاح، قال تعالى:
وَأَعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اَللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ﴾ [آل عمران: ١٠٣].
أسأل الله تعالى أن يوحد كلمة المسلمين، وأن يجمع قلوبهم على الحق،
وأن يعزهم بدينه، فهو القادر على ذلك، وهو نعم المولى ونعم النصير.
٠

٥٦٣)
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٦١ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُم -
أَنَّهُمَا سَمِعَا رَسُولَ اللهِنَّهِ يَقُولُ عَلَى أَعْوَادِ مِنْبَرِهِ: ((لَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ
وَدْعِهُمُ الجُمُعَاتِ، أَوْ لَيَخْتِمَنَّ اللهُ عَلَى قُلُوبِهُم، ثُمَّ لَيَكُونُنَّ مِنَ
الغَافِلِيْنَ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- مِنْبُره: بكسر الميم وسكون النون وفتح الباء ثم راء وهاء، وكان منبره وم الآ من
أعواد الطرفاء؛ وهي نوع من الإثل ينبت في السباخ.
- لينتهين أقوام: ((اللام)) للابتداء، وتصلح أن تكون موطئة للقسم، والفعل مبني
على الفتح؛ لاتصاله بنون التوكيد، ومحله الرفع؛ لتجرده من الناصب
والجازم.
- ودعِهِم: بفتح الواو وسكون الدال المهملة، فكسر العين المهملة، من ودع
الشيء إذا تركه.
ولفظ الحديث يدل على أن ودع لها مصدر، خلاف ما قرره أكثر النحاة،
من أنَّه ليس لها مصدر، ولا ماضٍ.
۔ الجمعات: جمع جمعة، وهو جمع مؤنث سالم، والجمعات بتثليث المیم،
والضم أفصح.
قال العيني: التاء ليست للتأنيث، وإنما هي للمبالغة .
- ليختمن الله على قلوبهم: الختم هو الطبع حتى تصير مغلقة، لا يصل إليها
الخير والهدى، وذلك: بأن يمنعهم الله لطفه وفضله، وهذا أكبر الخذلان.
(١) مسلم (٨٦٥).

٥٦٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- من الغافلين: الغافل: هو الذاهل عما يفيده وينفعه، فهو معدود من جملة
الغافلين، المشهود عليهم بالغفلة والشقاء.
# ما يؤخذ من الحديث:
١- النهي الشديد عن ترك صلاة الجمعة، والوعيد الأكيد لمن تركها، بأنَّ الله
يطبع على قلبه عقوبة الغفلة، ونقمة نسيانه نفسه، فيصبح من الغافلين عمَّا
ينفعه في سعادته، حتى تنزل به مصيبة الموت، فيخسر الحياة الأبدية
السعيدة، وذلك هو الخسران المبين .
٢ - أمرَ الله تعالى كل رجل مؤمن مكلف بإتيان الجمعة إذا أُذِّن لها؛ فقال تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا نُودِىَ لِلصَّلَوْةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ﴾
[الجمعة: ٩] والمراد بالسعي: الاهتمام بها، وسرعة التهيؤ بإعداد البدن،
وجاءت أحاديث صحيحة صريحة؛ في أنَّها حقٌّ واجبٌ على كل مكلف،
وبأن غسلها واجبٌ على كل محتلم، وبإحراق منزل المتخلف عنها، كل
هذه لا تدع مجالاً للشك في أنَّ صلاة الجمعة واجبة على الأعيان، وليست
فرض كفاية .
٣- قال القاضي عياض: أحد الأمرين كائن لا محالة، إما الانتهاء عن ترك
الجمعات، وإما ختم الله على قلوب المتخلفين.
والختم على القلب: هو ما يمنعهم من لطفه وفضله، أو خلق الكفر
والنفاق في صدورهم، حتى يصبحوا من جملة الغافلين، المختوم عليهم
بالغفلة والشقاء.
٤ - قال في ((شرح الإقناع)): ومن صلى الظهر ممن عليه حضور الجمعة قبل
صلاة الإمام، أو قبل فراغها - لم يصح ظهره؛ لأنَّه صلى ما لم يخاطب به،
وترك ما خوطب به ؛ فلم تصح.
٥- فيه دليل على أنَّ المعاصي بفعل المحرمات، أو ترك الواجبات - تسبب

٥٦٥
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
ارتكاب غيرها عقوبة من الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِرُواْ مَا
بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]، ولأنَّ المذنب مرة أخرى لمَّا جَسُرَ على الذنب في
المرة الأولى، درب عليه في الثانية، فصار عادة له.
٦ - فيه دليل على أنَّ أعظم العقوبات هو إصابة الإنسان بالخذلان، والغفلة عن
لَعَلَّىَّ أَعْمَلُ صَلِحًا فِيمَا
آخرته، حتى يموت فينتبه، ويقول: ﴿ رَبِّ ارْجِعُونِ
﴾ [المؤمنون].
١٠٠
تَرَّكْتُ كَلََّ﴾ فلا رجعة، ﴿وَمِن وَرَآبِهِم بَرَزَخُ إِلَى يَوْمٍ يُبْعَثُونَ
٧- في الحديث دليل على أنَّ صلاة الجمعة أهم الفروض، حيث لم يشدد في
ترك شيء من الواجبات بمثل ما شدد فيها، فالجمعة أفضل من الظهر، بلا
نزاع.
٨- الجمعة واجبة بإجماع المسلمين، وواجبة على الأعيان عند الجمهور، قال
العراقي: مذاهب الأئمة متفقة على أنَّها فرض عين، لكن هناك شروط
يشترطها أهل كل مذهب.
٩ - قوله: ((أو ليختمن الله على قلوبهم)) فيه إثبات أفعال الله الاختيارية، وهو
مذهب أهل السنة والجماعة، فإنَّهم ينسبون لله تعالى أفعاله الاختيارية،
المتعلقة بمشيئته وإرادته.
أما المعطلة: فيؤلونها بحجة أنَّ الفعل الحادث لا يقوم إلاَّ بحادث، والله
سبحانه وتعالى ليس بحادث، وإنما هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو
قول مردود بالنقل الصحيح، والعقل السليم.
فأما النقل: فالنصوص كثيرة جدًّا؛ مثل قوله تعالى: ﴿فَعَّالٌ لِّمَا يُرِيدُ
١٦
١٤
﴾ [الأنبياء]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ!
١٨
[البروج]، ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ !
[الأنبياء]، ومن حيث العقل: فإنَّ الذي يفعل أفضل وأكمل من الذي لا
يفعل، والله تعالى له الأسماء الحسنى والصفات العلى.
وأما من حيث المتعلق: فإنَّ صفات الله قديمة النوع، متجددة الآحاد.

٥٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٦٢ - وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كُنََّ
نُصَلِّي معَ رَسُولِ اللهِنَّهِ الجُمُعَةَ، ثُمَّ نَنْصَرِفُ، وَلَيْسَ لِلْحِيْطَانِ ظِلٌّ
يُسْتَظَلُّ بِهِ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ.
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ: ((كُنَّا نُجَمِّعُ مَعَهُ، إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ
نَرْجِعُ نَتَتَبَّعُ الفَيْءَ))(١).
* مفردات الحديث:
- الحيطان: جمع ((حائط))، قال في ((المصباح)) - بتصرف -: الحائط: الجدار،
والجمع جدر؛ مثل: كتاب وكُتُب، وسكون الدال في الجَدْر لغة، وجمعه:
جدران .
- نُجمِّع : - بضم النون وفتح الجيم وتشديد الميم ثم عين مهملة -: نصلي الجمعة.
- نتتبع: من التتبع؛ أي: نطلب.
- فيء: بفتح الفاء آخره همزة -: هو الظل بعد الزوال، فيكون أخص من الظل.
(١) البخاري (٤١٦٨)، مسلم (٨٦٠).

٥٦٧
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٦٣ - وَعَنْ سَهْلِ بنِ سَعْدٍ - رَضِيَ اللهُ عنهُ - قَالَ: ((مَا كُنَّأَ
نَقِيلُ، وَلاَ نَتَغَدَّى إِلَّ بَعْدَ الجُمُعَةِ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ.
وَفِي رِوَايَةٍ: ((فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ وَلَ)(١).
* مفردات الحديث:
- نقيل: من القيلولة أو القائلة، و ((قال)) من باب ضرب، وهي استراحة نصف
النهار، قال تعالى: ﴿أَصْحَبُ اُلْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا
(٢٤
[الفرقان].
قال ابن جزيء: هو مفعل من: النوم في القائلة، وإن كانت الجنة لا نوم
فيها، ولكن جاء على ما تتعارفه العرب من الاستراحة وقت القائلة.
- نتغذّى: بالغين المعجمة والدال المهملة من ((الغداء))، وهو الطعام الذي يؤكل
أول النهار أو وسطه .
* ما يؤخذ من الحديثين:
١ - الحديث رقم (٣٦٢) صريح في أنَّ النَّبِيَّ ◌َله يصلي بأصحابه صلاة الجمعة
تارةً إذا زالت الشمس، وتارةً ينصرفون من الخطبتين والصلاة، وما لها من
السنن، وليس للحيطان ظل يُسْتَظَلُّ بها .
وهذا التقسيم من الراوي لوقت صلاة الجمعة، يدل على أنَّهم تارةً
يصلونها قبل الزوال، وتارةً يصلونها بعده.
٢- أما الحديث رقم (٣٦٣): فصريح في أنَّهم ما كانوا يقيلون، ويتغدون إلاّ بعد
صلاة الجمعة، مما يدل على أنَّهم يصلونها قبل الزوال؛ لأنَّ القيلولة
(١) البخاري (٩٣٩)، مسلم (٨٥٩).

٥٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
والراحة لا تكون إلا بعد الظهر.
قال ابن قتيبة: لا یسمی غداءً، ولا قائلةً إلاّ بعد الزوال، فکانوا یبدؤون
بصلاة الجمعة قبل القيلولة.
خلاف العلماء:
اتَّفق العلماء على أنَّ آخر وقت صلاة الجمعة يخرج بانتهاء وقت صلاة
الظهر؛ وذلك بدخول وقت صلاة العصر.
واختلفوا في أول وقتها: فذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ وقتها يبتدىء
بزوال الشمس كالظهر، واستدلوا على ذلك: بما رواه البخاري (٩٠٤) عن أنس
قال: ((كان رسول الله وّل﴾ يصلي الجمعة حين تميل الشمس)).
وذهب الإمام أحمد في المشهور من مذهبه إلى: أنَّ دخول وقتها يبتدىء
بدخول وقت صلاة العيد، واستدل على ذلك: بما رواه مسلم (٨٥٨) عن
جابر: ((أَنَّ النَّبِيَّ وََّ كان يصلي الجمعة، ثم نذهب إلى جمالنا، فنريحها حين
تزول الشمس)).
وللجمهور تأويلات بعيدة متعسفة على هذا الحديث وأمثاله.
وحديث أنس في البخاري لا ينافي حديث جابر في مسلم؛ فإنه ◌َله تارةً
يصليها قبل الزوال، وتارةً بعده.
والأفضل أن تكون الصلاة بعد الزوال؛ لأنَّه الغالب من فعل النبي وقَّ،
ولأنّه الوقت المجمع عليه بين المسلمين، والاجتماع وعدم التفرق أولى
وأحسن، والله الموفق.

٥٦٩
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٦٤ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : - ((أَنَّ النَّبِيَّ وَلِ كَانَ
يَخْطُبُ قَائِمًا، فَجَاءَتْ عِيْرٌ مِنَ الشَّامِ، فَانْفَتَلَ النَّاسُ إِلَيْهَا، حَتَّى لَمْ
يَبْقَ إِلَّ اثْنَا عَشْرَ رَجُلاً)). رَوَاهُ مُسلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- عِيْر: بكسر العين المهملة ثم ياء تحتية مثناة ساكنة فراء، قال في ((النهاية)):
هي الإبل بأحمالها، وهي مؤنثة لا واحد لها من لفظها.
- فَانْفَتَلَ الناس: بالنون الساكنة وفتح الفاء فمثناة فوقية، أي: انصرف الناس
عن سماع الخطبة، وخرجوا من المسجد إلى لقاء العير.
- إلّ اثنا عشر رجلاً: الكلام تام منفي، فيجوز في المستثنى منه الرفع عل البدلية
من فاعل ((يبقى))، ويجوز نصبه على الاستثناء.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - وجوب خطبتي الجمعة؛ لقوله تعالى: ﴿فَأَسْعَوْاْ إِلَى ذِكِرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ٩] قال
أكثر المفسرين: إنَّها الخطبة، وحكى النووي الإجماع على وجوبها .
٢- استحباب كون الخطيب حال الخطبة قائمًا، قال تعالى: ﴿وَتَرَّكُوَكَ قَائِمًا ﴾
[الجمعة: ١١] واستفاض ذلك من غير وجهٍ، وحكى ابن عبدالبر: إجماع
علماء المسلمين على أنَّ الخطبة لا تكون إلاَّ قائمًا ممن أطاقه، ولا يجب
ذلك؛ لأنّه ليس من شروطها.
٣- انصراف الناس عن النبي ◌ُّل﴾ وهو يخطب، واكتفاؤه منهم باثني عشر رجلاً،
دليل على صحة الجمعة بمثل هذا العدد.
(١) مسلم (٨٦٣).

٥٧٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤- كان هذا في أول الإسلام قبل أن تثبت حرمة الشعائر في قلوبهم، وكان
بالناس حاجةٌ ماسةٌ إلى الطعام، ومع هذا فإنَّ الله تعالى عاب فعلهم، فقال:
وَإِذَا رَأَوْ تِجَرَةً أَوْ لَوَا أَنْفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوَكَ قَيِمًا﴾ [الجمعة: ١١] الآية.
٥- هذا الحديث من أدلة الإمام مالك في أنَّ العدد المعتبر لصحة صلاة الجمعة
هو اثنا عشر رجلاً، ولكن الاستدلال غیر وجيه.
وسيأتي ذكر الخلاف في الحديث رقم (٣٨٠) إن شاء الله.

٥٧١
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٦٥ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللهِ وَهِ: ((مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ صَلاَةِ الجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا، فَلْيُضِفْ إلَيْهَا
أُخْرَى، وَقَدْ تَمَّتْ صَلاَتُهُ)). رَوَاهُ النَّسَائِيُّ وابْنُ مَاجَهُ وَالدَّارِ قُطْنِيُّ،
وَاللَّفْظُ لَهُ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ، لَكن قَوَّى أبو حاتمٍ إِرْسَالَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحَديث صحيح .
أخرجه البيهقي بسند صحيح على شرط الشيخين، ورواه النسائي، وابن
ماجه، والدارقطني واللفظ له، ولكن قوى أبو حاتم إرساله.
وقد أخرج الحديث من ثلاثة عشر طريقًا عن أبي هريرة، ومن ثلاثة طرق
عن ابن عمر، وفي جميعها مقال.
قال الألباني: وجملة القول: أنَّ الحديث بذكر ((الجمعة)) صحيح من
حديث ابن عمر مرفوعًا، وموقوفًا .
* مفردات الحديث:
- فليضف: أضاف الشيء إلى الشيء إضافة: ضمَّه إليه؛ أي: فليضف إلى
الركعة التي أدرك مع الإمام ركعةً أخرى؛ لتتم صلاته، و((اللام)) لام الأمر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ من أدرك ركعةً من صلاة الجمعة مع الإمام، فليضف
إليها ركعة أخرى، وقد تمت صلاة جمعته .
٢- مفهوم الحديث أنَّه إن لم يدرك مع الإمام ركعة من الجمعة، وذلك بأن رفع
(١) النسائي (٧٥٧)، ابن ماجه (١١٢٣)، الدار قطني (١٢/٢).

٥٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الإمام من الركعة الثانية، قبل أن يركع معه فإنه قد فاتته الجمعة، وعليه أن
یصلیھا ظهرًا.
قال في ((شرح الزاد وحاشيته)): ومن أدرك مع الإمام من الجمعة ركعةٌ،
أتمها جمعةً إجماعًا، وإن أدرك أقل من ذلك، بأن رفع الإمام رأسه من
الركعة الثانية، ثم دخل معه، أتمها ظهرًا، إن نوى الظهر ودخل وقته؛
لحديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من أدرك ركعة من الجمعة، فقد أدرك الصلاة))
[رواه البيهقي (٢٠٢/٣)، وأصله في البخاري (٥٨٠)، ومسلم (٦٠٧)].
٣- قال المحدثون: إنَّ حديث الباب صحيح مرفوعًا وموقوفًا بذكر الجمعة فیه،
وله طرق كثيرة يقوي بعضها بعضًا، قال الصنعاني: كثرة طرقه يقوي بعضها
بعضًا .
٤ - قوله: ((وغيرها)) أي: غير الجمعة من الصلوات كالجمعة؛ في أنَّها لا تدرك
إلاَّ بإدراك ركعة ؛ لما روى أبوهريرة مرفوعًا: ((من أدرك ركعة من الصلاة
أدركها)» [أخرجه البخاي (٥٨٠) ومسلم (٦٠٧)].
قال شيخ الإسلام: مضت السنة؛ أنَّه من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد
أدرك الصلاة .

=
٥٧٣
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٦٦ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ : - ((أَنَّ النَّبِيَّ لَه
كَانَ يَخْطُبُ قَائِمًا، ثُمَّ يَجْلِسُ، ثُمَّ يَقُومُ فَيَخْطُبُ قَائِمًا، فَمَنْ أَنْبَأَكَ أَنَّهُ
كَانَ يَخْطُبُ جَالِسًا، فَقَدْ كَذَبَ)). رَوَاهُ مُسلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- أنبأك: فعل ماضٍ، من: الإنباء، من باب الإفعال، والمعنى: من أخبرك؟.
- كذب: يكذب كذبًا، والكذب: هو الإخبار عن الشيء بخلاف ما هو عليه؛
سواء فيه العمد والخطأ، ولا واسطة بين الصدق والكذب على مذهب أهل
السنة .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب قيام الخطيب أثناء أداء الخطبتين يوم الجمعة؛ كما قال تعالى:
﴿وَتَرَكُوكَ قَآَيِّمًا﴾ [الجمعة: ١١] وحكى ابن المنذر إجماع علماء الأمصار على
هذا.
٢- للقيام في الخطبة فوائد كثيرةٌ، من إظهار القوة والنشاط، ومن الحماس في
الإلقاء، ومن إسماع الحاضرين وإبلاغهم، ومن اتباع السنة، وامتثال
القرآن .
٣- يستحب أن يجلس بين الخطبتين جلسةً خفيفةً ليفصل بها بين الخطبتين،
وليستريح، وليتبع السنة .
قال جماعة من العلماء: الجلسة تكون بقدر قراءة سورة الإخلاص.
٤ - أنَّ النَّبِيَّ وَلَّ ما كان يخطب جالسًا أبدًا، فالصحابي الجليل جابر بن سمرة
(١) مسلم (٨٦٢).

٥٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الملازم للجُمَع مع رسول الله وَلَهُ - يُكَذِّبُ من أخبر أنه كان ◌َلّ يخطب
جالسًا .
٥- القيام في الخطبة سنة مؤكدة عند جمهور العلماء، ومنهم الحنفية والحنابلة،
وذهب مالك إلى وجوبه، وأما الشافعي فقال: إنَّه شرط من شروط صحة
الخطبة؛ للآية، ومواظبة النبي وّ عليه، ولما جاء من الأخبار.
قال في ((سبل السلام)): وأما الوجوب وكونه شرطًا في صحتها، فلا دلالة
عليه من اللفظ، إلاَّ أن ينضم إليه دليل التأسي به وَله .
٦- قال ابن القيم: لم يُحفظ عن النَّبِي وَّ بعد اتخاذه المنبر أنَّه كان يرقاه
بسيفٍ، ولا قوسٍ، وكثيرٌ من الجهلة يظن أنَّه يحمل السيف على المنبر،
إشارةً إلى أنَّ الدين إنما قام بالسيف، وهذا جهلٌ قبيحٌ من وجهين :
أحدهما: أنَّ المحفوظ أنَّه إنما كان للاتكاء على العصا، أو القوس.
الثاني: أنَّ الدين إنما قام بالوحي، وأما السيف فلحق أهل العناد
والشرك، والدين لم يُكْرَة عليه أحد، ولا خير في إسلام من أكره عليه.

٥٧٥
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
٣٦٧ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: كَانَ
رَسُولُ اللهِ لّهِ إِذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ، وَعَلَاَ صَوْتُهُ، وَاشْتَكَّ غَضَبَهُ،
حَتَّى كَأنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ، يَقُولُ: صَبَّحَكُمْ وَمَسَاكُمْ، وَيَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ،
فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ، وَخَيْرَ الهَدْي هَذْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرَّ الأُمُورِ
مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضِلَالَةٍ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((كَانَتْ خُطْبَةُ النَّبِيِّنَّهِ يَوْمَ الجُمُعَةِ: يَحْمَدُ الله
وَيُثْنِي عَلَيْهِ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى إثر ذُلِكَ، وَقَد عَلَاَ صَوْتُهُ)).
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ: ((مَنْ يَهْدِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ
لَهُ)).
وَلِلْنَّسَائِيِّ: ((وَكُلَّ ضَلَاَلَةٍ فِي النَّارِ))(١).
* درجة الحديث:
القسم الأول في مسلم، أما زيادة: ((وكل ضلالة في النار)) من زيادة
النسائي، ففي سندها: جعفر بن محمد الهاشمي، وهو ضعيف، وأخذ الحديث
وجادة، ولهذا نفى الشيخ ابن تيمية هذه الزيادة، فقال في ((مجموع الفتاوى))
(١٩١/١٩)، ولم يقل وَّله: ((وكل ضلالة في النار)).
* مفردات الحديث:
- خطب: يخطُب ــ من باب قتل - خُطبةً، بضم الخاء، جمعها: خطب، وهي
(١) مسلم (٨٦٧)، النسائي (١٥٧٨).

٥٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فعلة بمعنى مفعولة؛ كنسخة بمعنى منسوخة، وهي الكلام المؤلّف المتضمن
وعظًا وإبلاغًا .
- احمرّت عيناه: هذه حالات تعتري الخطيب الناصح المتحمِّس.
- علا صوته: ارتفع؛ ليكون لكلامه وقعٌ، وتأثيرٌ، بالمستمعين.
- اشتد غضبه: قوي وزاد، والغضب استجابة للانفعال.
- كأنه منذر: الإنذار: الإخبار مع التخويف، فالمنذر: هو المخبر بتحذير.
- صبّحكم: من باب التفعيل؛ أي: نزل بكم العدو صباحًا ومساءً.
- أما بعد: ((أما)) بفتح الهمزة أداة تفصيل، و((بعد)) ظرف مبهم مقطوع عن
الإضافة، مبني على الضم، ويؤتى بـ((أما بعد)) للفصل والانتقال من موضوع
إلى آخر، وبعضهم جعلها هي فصل الخطاب التي في الآية: ﴿ وَءَايَيْنَهُ الْحِكْمَةَ
(﴾ [ص] واختلفوا في أول من قالها، فقيل: النبي داود،
وَفَضْلَ اُلِطَابِ
وقيل: قس بن ساعدة، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: يعرب بن قحطان.
- هُدَى محمد: ضبط بضم الهاء وفتح الدال، فيكون معناه: الدلالة والإرشاد،
وضبط بفتح الهاء وسكون الدال، فيكون معناه: أحسن الطرق طريق محمد .
- محدثاتها: أي: مخترعاتها، مما لم يكن ثابتًا بشرع من الله، ولا من رسوله،
والمراد به البدع في الدين.
- بدعة: قال الشاطبي: أصل مادة بدع للاختراع، على غير مثال سابق، ومن
هذا سمي العمل الذي لا دليل عليه من الشرع بدعةً، وسيأتي البحث عنها
بأتم من هذا، إن شاء الله تعالى.
- ضلالة: الضلالة هي ضد الهداية؛ قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ
[الرعد].
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الحديث فيه مشروعية خطبتي الجمعة .
٣١

٥٧٧
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
قال في ((الحاشية)): ويشترط لصحة صلاة الجمعة تقدم خطبتين؛ وفاقًا
لمالك والشافعي وجماهير العلماء.
وحكاه النووي إجماعًا، ومشروعيتهما مما استفاضت به السنة.
٢- الحديث فيه صفة الخطيب، وما ينبغي أن يكون عليه عند إلقاء الخطبة من
أحوالٍ وصفاتٍ، ترجع إلى إثارة الحماس والانفعال، الذي يسري من نفس
الخطيب إلى نفوس السامعين، فينبههم ويوقظ ضمائرهم، ويلهب
شعورهم، ويحرك قلوبهم نحو الإقبال على الله تعالى بالطاعات، والابتعاد
عما نهى الله عنه من المعاصي.
فمن ذلك أن:
تحمر عيناه ؛ وذلك إشارة إلى الغضب والانفعال.
يعلو صوته؛ ليصل إلى مسامعهم، وليهز قلوبهم.
يشتد غضبه، ليوقظ حماسهم ويثير شعورهم بحماسه، وثورته،
وهیجانه، وانفعاله، حتى كأنه منذر جیش أحاط بالبلاد، ویوشك أن يصبحهم،
أو يمسيهم؛ ليستولي على بلادهم، فيفتك بهم، ويسْبي نساءَهم، ويسترق
ذراريهم، ويسلب أموالهم.
٣- وكان مما يحث عليه في الخطبة هو العمل بكتاب الله، الذي لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه، والحث على سنة وهذي رسوله وَلقره الذي هو
صنو الكتاب في الهداية، والدلالة على الخير.
قال ابن القيم: مقصود الخطبة هو الثناء على الله تعالى، وتمجيده
بالشهادة له بالوحدانية، ولرسوله بالرسالة، وتذكير العباد بأيامه وتحذيرهم
من بأسه ونقمته، ووصيتهم بما يقربهم إليه وإلى جناته، ونهيهم عمَّا يقربهم
من سخطه وناره.
وزاد ابن القيم بقوله: إنما كانت خطبة النبي ◌َّل# تقريرًا لأصول الإيمان

٥٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ولقائه، وذكر الجنة والنار، وما أعدَّ الله
لأوليائه وأهل طاعته، وما أعد لأعدائه، وأهل معصيته.
٤- كان ينهى عن الابتداع في الدين ومحدثات الأمور، فقد أكمل الله الدين وأتم
نعمته على عباده المسلمين، ويذكر أنَّ أية بدعة فهي ضلالة، وأنَّ كل ضلالة
سبب في دخول النار، ذلك أنَّ الضال الذي يرى أنه مهتدٍ أصعب أمرًا من
العاصي، الذي يعلم أنَّه يعصي الله تعالى، فالأول يبْعُدُ رجوعه عن ضلالته
وبدعته، أما الثاني فهناك أمل كبير أن يرجع إلى الله تعالى بالتوبة عما هو
عليه من المعاصي.
٥- وقوله: ((وكل بدعة ضلالة)) دليل على أنَّ تقسيم البدعة إلى بدعة حسنة،
وبدعة سیئة، لا يصح، بل البدعة كلها ضلالة، أيًا كانت.
٦- وذكر في الرواية الأخرى: أنَّ من أدب الخطبة افتتاحها بحمد الله تعالى
والثناء عليه؛ لأنَّ الكلام الذي لا يبدأ بحمد الله فهو منزوع البركة، وإنَّ
الهداية والتوفيق بيد الله تعالى، وإنَّ ضلال العبد بتدبيره، فلا يخرج شيء
عن قدرته وإرادته ، فكله راجع إلى تدبير الحكيم، والإرادة العالية.
٧- قال البغوي: يستحب ختم الخطبة بقوله: ((أستغفر الله لي ولكم))، وعمل
الأكثر علیه .
قال في ((الروض)): ويباح الدعاء لمعيَّن كسلطان، فقد دعا أبوموسى
لعمر، رضي الله عنهما
قال الإمام أحمد: لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان؛ لأنَّ في
صلاحه صلاح المسلمین .
قال النووي: الدعاء لأئمة المسلمين وولاة أمورهم بالصلاح والإعانة
على الحق ونحو ذلك - مستحبٌّ بالاتفاق.
٨- ينبغي للخطيب وغيره من الداعين لولاة أمور المسلمين ألا يخص بقلبه

٥٧٩
كتاب الصلاة - باب صلاة الجمعة
السلطة العليا فيهم فقط، وإنما يعم الدعاء لكل من ولي أمرًا من أمور المسلمين؛
سواء منهم المقامات العالية، أو من تحتهم: من وزراء، ومدیرین، ورؤساء
أقسام، وأهم من ذلك الدعاء لعلماء المسلمين وقضاتهم؛ فإنَّ صلاح الرعية
هو بصلاح ملوكها وعلمائها، وفسادها بضد ذلك.
٩- ينبغي للخطيب والإمام ونحوهما أن لا يلازما الأحكام المستحبة في كل
صلاة، أو في كل خطبة، لأنَّ العامة يعتقدون أنَّ هذا العمل واجبٌ، لا
يجوز الإخلال به، ولكن الأفضل هو تركه في بعض الأحيان؛ ليكون ذلك
تعلیمًا .
١٠ - هذا الوصف البليغ من جابر بن عبدالله - رضي الله عنهما - لحالة النبي وَل
أثناء إلقاء خطبته - نفهم منه آداب الخطيب، التي ينبغي أن يتَّصف بها،
عندما يقوم في الناس خطيبًا .
١١ - أن يكون عنده القدرة على إقناع السامعين بالرأي الذي يدعو إليه بما يُيديه
من الحجج والبينات.
١٢ - أن يكون عنده الموهبة التامة لاستمالة السامعين إلى الإصغاء إليه،
والقناعة بما يدعو إليه.
١٣ - أن يدور محور خطبته على إثارة المشاعر، لفعل الخير، وتجنب الشر،
وتوجيه النفوس نحو الله تعالى، فيحاول رفع نفوس السامعين، ويسمو بها
من حقارة الدنيا، فيربطها بما أعدَّ الله تعالى لعباده من الثواب، فنفوس
السامعين في أماكن العبادة أكثر استعدادًا لقبول ما يلقيه الخطيب، وأكثر
تأثرًا بما تسمعه منه.
١٤ - أن يوحِّد موضوع الخطبة، فلا يشغل أفكار السامعين بالانتقال من موضوع
لآخر، بما یفتر حماسهم ويخمد نفوسهم.
١٥ - أن تكون الخطب فيما يهتم به السامعون، من المواضيع التي تشغل بالهم،

٥٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وتثير اهتمامهم، وترددها ألسنتهم؛ فإنَّهم لها أسمع، وإليها أقبل، وبها
أعرف.
١٦ - أن يكون في إلقائه متحمسًا، ثائرًا، منذرًا، ومحذّرًا، ومبشرًا، وأن يلقي
خطبته بفقرات جزلة، يظهر فيها التكرار، واستعمال المترادفات، وضرب
الأمثال، وتضمين الآيات والأحاديث، ويكون تارةً مستفهمًا، وأخرى
منكرًا، وثالثة متعجبًا .
فالأسلوب الخطابي له أداؤه الخاص، والخطيب له موقفه المثير، حتى
يسري ذلك في السامعين، ويؤثِّر فيهم، ويصدرون وهم أكثر قناعةً وقبولاً
لما سمعوا.
فائدة:
قال الشاطبي: أصل مادة ((بدع)) للاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله
تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ﴾ [البقرة] أي مُحْدِثهما من غير مثال سابق.
فمن هذا المعنى، سمي العمل الذي لا دليل عليه من الشرع ((بدعة))،
والفاعل له ((مبتدعًا))، فالبدعة إذن هي عبارة عن طريقة في الدين مخترعة،
تضاهي الشريعة، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه.
والبدعة: حقيقية، وإضافية.
فالبدعة الحقيقية هي التي لا يدل عليها دليل شرعيٌّ، وإن زعم المبتدع
أنَّ ما ابتدعه داخلٌ تحت مقتضى الأدلة، للكنها دعوى غير صحيحة، من ذلك:
١- تحكيم العقل، ورفض النصوص في دين الله تعالی.
٢ - قول الكفار: إنَّما البيع مثل الربا.
٣- صلاة بر کوعین، وسجود واحد.
٤- صلاة مبدوءة بالتسليم، مختومة بالتكبير.
٥- صلاة يتشهد في قيامها، ويقرأ في سجودها وركوعها.