النص المفهرس
صفحات 521-540
٥٢١ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة فله أن يفتي، وله أن يقضي بين الناس، ويدير أحوال المقيمين، في المدينة؛ وبهذا تصح ولاية الأعمى على القضاء والفُتْيَا وغير ذلك. ٦ - أنَّ المقامات الدينية، والقيادات الإسلامية لا تُنال إلاَّ بههذه المؤهلات، من العلم النافع، والاستقامة، والتقوى. ٧- هذه الميزة العظيمة، والثقة الكبيرة من النبي وقيل لههذا الصحابي الجليل، تعتبر من مناقبه الكبار، فهي ثقة مؤيدة بالعصمة النبوية، فهي كالشهادة النبوية على صلاحه، والله أعلم. ٥٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٤٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: ((صَلُّوا عَلَى مِنْ قَالَ: لاَ إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وَصَلُّوا خَلْفَ مَنْ قَالَ: لاَ إِلهَ إِلَّ الله). رَوَاهُ الدَّارِ قُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ(١). درجة الحديث: قال في ((التلخيص)): له طرق: ١- رواه البيهقي من طريق عثمان بن عبدالرحمن عن عطاء عن ابن عمر، و عثمان کذبه یحیی بن معین. ٢ - ورواه من طريق نافع عن ابن عمر، وفيه خالد بن إسماعيل متروك. ٣- ورواه من طريق أبي الوليد المخزومي، وتابعه أبو البختري، وهو كذاب. ٤- ورواه من طريق مجاهد عن ابن عمر، وفيه محمد بن الفضل، وهو متروك. ٥- ورواه من طريق عثمان بن عبدالله عن مالك عن نافع عن ابن عمر، وعثمان رماه ابن عدي بالوضع . وقال البيهقي (١٩/٤): أحاديثها كلها ضعيفة، غاية الضعف. قال أبوحاتم: هذا حديث منكر. وقال ابن الملقن: هذا الحديث من جميع طرقه لا يثبت. * ما يؤخذ من الحديث: ١- يدل الحديث على صحة إمامة من قال: ((لا إله إلاَّ الله))؛ فإنَّ هذه الكلمة دليل إسلامه . ٢- كما يدل على وجوب الصلاة على جنازة من مات، وهو يقول: ((لا إله إلاَّ (١) الدار قطني (٥٦/٢). ٥٢٣ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة الله))؛ لأنَّها تدل على أنَّه مات مسلمًا . ٣- استثنى بعض العلماء - ومنهم الحنابلة - الصلاة على الغالِّ، وعلى قاتل نفسه؛ فإنَّه يستحب للإمام الأعظم، أو نائبه ألا يصلي عليهما؛ تنكيلاً وتنفیرًا من حالهما، ليرتدع غيرُهما. ٤- يدل الحديث على صحة إمامة الفاسق؛ لأنَّ كلمة الإخلاص تدل على إسلامه، ولا تدل على عدالته، ولو كانت العدالة شرطًا للزم البحث عنها، والتحقيق في وجودها. ٥ - قال شيخ الإسلام: اتَّفق الأئمة على كراهة الصلاة خلف الفاسق. وقال الماوردي: يحرم على الإمام تنصيب الفاسق إمامًا في الصلوات؛ لأنَّه مأمور بمراعاة المصالح. ٦ - يدل الحديث على أن الإنسان يجوز أن يصلي خلف من لا يعلم حاله، من فسقٍ أو عدالةٍ، فلا يشترط العلم بحاله. خلاف العلماء: اختلف العلماء: هل تصح الصلاة خلف الفاسق، أو لا؟ فذهب مالك وأحمد في المشهور من الروايتين عنه إلى: أنَّها لا تصح. وذهب أبو حنيفة والشافعي ورواية عن أحمد إلى: صحتها . واختار ههذا القول شيخ الإسلام وابن القيم، والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ عبدالعزيز بن باز وغيرهم من محققي العلماء؛ فقد صلَّى ابن عمر خلف الحجّاج، وهو یسفك الدماء، والمختار بن أبي عُبید، وکان یتهم بالسحر والشعوذة. والأصل أنَّ من صَحَت صلاته لنفسه، صحَّت إمامته، وصلاة الفاسق لنفسه صحیحة بلا نزاع. قال الشيخ: ليس من شرط الائتمام أن يعلمَ المأموم اعتقادَ إمامه. ٥٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٤٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((قَالَ رَسُولُ اللهِ نَّهِ: ((إِذَا أَتَى أَحَدُكُمُ الصَّلاَةَ وَالإِمَامُ عَلَىْ حَالٍ، فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الإِمَامُ)). رَوَاهُ التِّرْ مِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ(١). * درجة الحديث: الحديث ضعيف، ولكنه تقوى بشاهد، قال في ((التلخيص)): رواه الترمذي من حديث علي ومعاذ، وفيه ضعف وانقطاع، وقال: لا نعلم أحدًا أسنده إلاّ من هذا الوجه. قال الشوكاني في ((النیل)): والحدیث وإن کان فيه ضعف، للکن یشهد له ما عند أحمد (٢٦١٨) وأبي داود (٥٠٧) من حديث ابن أبي ليلى عن معاذ، وابن أبي ليلى وإن لم يسمع من معاذ، فقد رواه أبوداود من وجه آخر عن عبدالرحمن ابن أبي ليلى، قال: حدثنا أصحابنا؛ أنَّ رسُول الله وَّةٍ ... فذكر الحدیث . * ما يؤخذ من الحديث: ١- الحديث يدل على استحباب الدخول مع الإمام في صلاته في الحال التي يجده اللاحق عليها مطلقًا؛ سواء كانت قيامًا، أو ركوعًا، أو سجودًا، أو غيرها . ٢- فإن أدركه قائمًا أو راكعًا، اعتدَّ بتلك الركعة، وإن كان قعودًا أو سجودًا، لم يعتد به . والدليل على الحالة الأولى: ما رواه أبوداود عن أبي هريرة مرفوعًا: ((من (١) الترمذي (٥٩١). ٥٢٥ كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة أدرك الركعة، فقد أدرك الصلاة))، وما أخرجه ابن خزيمة (٤٥/٣) من حديث أبي هريرة مرفوعًا: ((من أدرك ركعة من الصلاة، قبل أن يقيم الإمام صُلبه - فقد أدركها)). والدليل على الحالة الثانية: ما رواه ابن خزيمة (٥٧/٣) مرفوعًا: ((إذا جئتَ ونحن سجود، فلا تعتدها شيئًا». ٣- الداخل مع الإمام في حال القعود والسجود، وإن لم يدرك الركعة - فقد أدرك فضيلة هذا العمل، الذي يعتبر عبادة في نفسه، وأدرك متابعة الإمام، وأدرك فضيلة المبادرة من حين دخول المسجد. ٤- ذكر العلماء أحكامًا للداخل مع الإمام على أية حال وجد فيها، وهي: إن كان في حال السجود أو القعود، فإنه يكتفي بتكبيرة الإحرام، وينحط معه بلا تكبير، ولا يسن له استفتاح، بل يبادر إلى اللحاق بالإمام على الحال التي هو عليها . وإن أدركه قائمًا، عمل ما يستحب للداخل في الصلاة من الاستفتاح والتعوذ والقراءة، وإن كان راكعًا، أتى بتكبيرة الإحرام، وتكفي عن تكبيرة الركوع، وإن أتى بالثانية مع التحريمة كان أفضل. ١٠ ٥٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام باب صلاة المسافر والمريض مقدّمة قال ابن القيم في ((إعلام الموقعين)): خصَّ تبارك وتعالى المسافر في سفره بالترفه، فخصَّه بالفطر والقصر، وهذا من حِكْمة الشارع؛ فإنَّ السفر في نفسه قطعة من العذاب، وهو في نفسه مشقة وجهد، ولو كان المسافر من أرفه الناس، فإنَّه في مشقة وجهد بجسمه، فكان من رحمة الله بعباده وبِرِّه بهم أن خفَّف عنهم شطر الصلاة، واكتفى منهم بالشطر. فلم يفوّت عليهم مصلحة العبادة بإسقاطها في السفر جملة، ولم يُلزم بها في السفر كإلزامه بها في الحضر، وأما الإقامة فلا موجب لإساقط الواجب فيها، ولا تأخيره، وما يعرض فيها من المشقة والشغل فأمرٌ لا ينضبط ولا ينحصر، فلو جوِّز لكل مشغول، وكل مشقوق عليه، الترخيص - ضاع واضمحل بالكلية، وإن جوِّز للبعض لم ينضبط، فإنه لا وصف يضبط ما تجوز معه الرخصة، وما لا تجوز، بخلاف السفر. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: من قواعد الشريعة: ((أنَّ المشقة تجلب التيسير))، ولما كان السفر قطعة من العذاب، يمنع العبد نومه، وراحته وقراره، رتَّب الشارع عليه ما رتَّب من الرخص، وحتى لو فرض خلوه عن المشقات؛ لأنَّ الأحكام تتعلَّق بعللها التامة، وإن تخلفت في بعض الصور والأفراد. ٥٢٧ كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض فالحكم الفرد يلحق بالأعم، ولا يفرد بالحكم، وهذا هو معنى قول الفقهاء: ((النادر لا حكم له))، يعني: لا ينقض القاعدة، ولا يخالف حكمها، فهذا أصل يجب اعتباره. وجاء التخفيف في أداء الواجبات عن المريض، في الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة؛ قال تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ تَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَةٌ مِّنْ أَيَّامٍ [البقرة: ١٨٤]، وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] أُخَرَّ وجاء في البخاري وغيره من حديث عمران بن حصين؛ أنَّ النبيَّ وَلَيه قال: ((صَلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطيع فعلی جنب)) قال ابن المنذر: لا أعلم خلافًا بين أهل العلم أنَّ للمريض أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض. وقال النووي: أجمعت الأمة أنَّ من عجز عن القيام في الفريضة، صلاها قاعدًا، ولا إعادة عليه، ولا ينْقُصُ من ثوابه للخبر. قال في ((الروض والحاشية)): ولا ينقص أجر المريض إذا صلَّى، عن أجر الصحیح المصلي؛ لحديث أبي موسى: «إذا مرض العبد أو سافر، كُتُبَ له ما كان يعمل مقيمًا صحيحًا» [رواه البخاري (٢٩٩٦)]. وقال الشيخ تقي الدين: من نوی الخیر وفعل ما قدر علیه، كان له كأجر الفاعل. واحتج بحديث أبي كبشة وغيره. واختلف العلماء: متى تسقط الصلاة عن المريض؟ فمذهب أحمد كما قال عنه في ((الروض)): لا تسقط الصلاة ما دام العقل ثابتًا؛ لقدرته على الإيماء بطَرْفه مع النيّة بقلبه؛ لعموم أدلة وجوبها. والرواية الأخرى عن الإمام سقوطها. قال الشيخ في ((الاختيارات)): متى عجز المريض عن الإيماء برأسه، سقطت عنه الصلاة، ولا يلزمه الإيماء بطرفه، وهو مذهب أبي حنيفة . ٥٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: أما صلاة المريض بطرفه وقلبه، فلم تثبت، ومفهوم الحديث يدل على أنَّ صلاته على جنبه مع الإيماء هي آخر المراتب الواجبة، والمذهب أحوط . * قرار مجمع الفقه الإسلامي بشأن الأخذ بالرخصة: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمَّد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه. قرار رقم (١/٧٤/ ٨٥)؛ بشأن: الأخذ بالرخصة وحكمه إنَّ مجلس مجمع الفقه الإسلامي المنعقد في دورة مؤتمره الثامن ببندر سيري باجوان ، بروناي دار السلام من (١-٧ محرم ١٤١٤ هـ، الموافق: ٢١-٢٧ يونيو ١٩٩٣ م). بعد اطلاعه على البحوث الواردة إلى المجمع بخصوص موضوع: «الأخذ بالرخصة وحکمه)). وبعد استماعه إلى المناقشات التي دارت حوله - قرَّر ما يلي: ١ - الرخصة الشرعية هي ما شرع من الأحكام لعذر، تخفيفًا عن المكلفين، مع قيام السبب الموجب للحكم الأصلي. ولا خلاف في مشروعية الأخذ بالرخص الشرعية إذا وجدت أسبابها، بشرط التحقق من دواعيها، والاقتصار على مواضعها، مع مراعاة الضوابط الشرعية المقررة للأخذ بها . ٢- المراد بالرخص الفقهية ما جاء من الاجتهادات المذهبية، مبيحًا لأمرٍ، في مقابلة اجتهادات أخرى تحظره، والأخذ برخص الفقهاء، بمعنى: اتباع ما هو أخف من أقوالهم، جائز شرعًا بالضوابط الآتية في ((البند ٤)). ٣- الرخص في القضايا العامة تعامل معاملة المسائل الفقهية الأصلية، إذا كانت ٥٢٩ كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض محققة لمصلحةٍ معتبرةٍ شرعًا، وصادرةً عن اجتهاد جماعي ممن تتوافر فيهم أهلية الاختيار، ويتصفون بالتقوى والأمانة العلمية. ٤- لا يجوز الأخذ برخص المذاهب الفقهية لمجرد الهوى؛ لأنَّ ذلك يؤدي إلى التحلل من التكليف، وإنما يجوز الأخذ بالرخص بمراعاة الضوابط التالية: (أ) أن تكون أقوال الفقهاء التي يترخص بها معتبرة شرعًا، ولم توصف بأنَّها من شواذِّ الأقوال. (ب) أن تقوم الحاجة إلى الأخذ بالرخصة؛ دفعًا للمشقة، سواء أكانت حاجة عامة للمجتمع، أم خاصة، أم فردية. (ج) أن يكون الآخذ بالرخص ذا قدرة على الاختيار، أو أن يعتمد على من هو أهل لذلك. (د) ألاَّ يترتب على الأخذ بالرخص الوقوع في التلفيق الممنوع، الآتي بیانه في ((البند ٦)). (هـ) ألاّ يكون الأخذ بذلك القول ذريعة للوصول إلى غرض غير مشروع. (و) أن تطمئن نفس المترخص للأخذ بالرخصة. ٥ - حقيقة التلفيق في تقليد المذاهب، هي أن يأتي المقلد في مسألةٍ واحدةٍ، ذات فرعين مترابطين فأكثر، بكيفية لا يقول بها مجتهد، ممن قلدهم في تلك المسألة. ٦ - يكون التلفيق ممنوعًا في الأحوال التالية: (أ) إذا أدى إلى الأخذ بالرخص لمجرد الهوى، أو الإخلال بأحد الضوابط المبينة في مسألة الأخذ بالرخص. (ب) إذا أدى إلى نقض حكم القضاء. (ج) إذا أدى إلى نقض ما عمل به تقليدًا في واقعة واحدة. (د) إذا أدى إلى مخالفة الإجماع، أو ما يستلزمه. (هـ) إذا أدى إلى حالة مركبة، لا يُقِرَّها أحد من المجتهدين، والله أعلم. ٥٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٤٧ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((أَوَّلُ مَا فُرِضَتِ الصَّلاَةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ، وَأُتِمَّتْ صَلاَةُ الحَضَرِ)). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ. وللبُخَارِيِّ: ((ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلاَةُ السَّفَرِ عَلَى الأَوَّلِ)). وزاد أحمد: ((إِلَّ المَغْرِبَ؛ فَإِنَّهَا وِتْرُ النَّهَارِ، وَإِلَّ الصُّبْحَ؛ فَإِنَّهَا تُطَوَّلُ فِيْهَا الْقِرَاءَةُ))(١). * مفردات الحديث: - فرضت: الفرض في اللغة: الواجب، والمعنى: أوجبها الله على المكلفين من عباده. - الصلاة: أي: الصلاة الرباعية. - أُتِمَّت صلاة الحضر: أي: زيد فيها حتى صارت أربعًا، فالزيادة في عدد الركعات. - أُقْرَّت: قال ابن فارس: ((قرّ)) أصلان صحيحان، يدل أحدهما على تمكن، وهو المراد هنا . يقال: قرَّ واستقرَّ، وقال في ((المحيط)): أقرَّه في المكان: ثبته. قلتُ: ومنه: أقرَّت صلاة السفر، بإبقائها ركعتين. - أول: مرفوع على أنَّه مبتدأ، وخبره ((ركعتان)) على إحدى الروايتين في (١) البخاري (١٠٩٠، ٣٩٣٥)، مسلم (٦٨٥)، أحمد (٢٥٥١١). . ٥٣١ كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض الحديث، ويجوز نصب ((ركعتين)) على أنَّها حالٌ، سدَّ مسد الخبر. - أُتِمَّت: بالبناء للمجهول، وفي بعض الروايات: ((وزيد في صلاة الحضر))، وهو أوضح من ((أتمت))؛ والمعنى: زيد فيها حتى صارت أربعًا، فالزيادة في عدد الركعات. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - من عظم هذه الصلوات الخمس أنَّ الله تعالى فرضها على نبيه محمَّد ◌َّ في السماء، وأنَّ فرضها من الله تعالى مشافهة للنبي وَله، بلا واسطة، وذلك ليلة الإسراء والمعراج حينما عُرج به وَّ إلى السموات وما فوقهن، وأنَّها فرضت خمسين في اليوم والليلة، فخففت إلى خمس، ولكن بقي ثواب الخمسين في الخمس، فلم ينقص إلاَّ العدد. ٢- أوَّل ما فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، واستمرَّت مدة بقائه عليه الصلاة والسلام بمكة، فلما هاجر زِيدَ في صلاة الظهر، والعصر، والعشاء، ركعتين ركعتين، حتى صِرن رباعيات، أما المغرب فقد فرضت ثلاثًا، وبقيت على ما فرضت عليه؛ لتكون وتر النهار، وأمَّا الفجر فبقيت ركعتين، وذلك لطول القراءة فيها، فكان من الأولى ألا يزاد فيها ركعتين، هذا في الحضر، وعلى هذا فتسميته قصرًا هو أمر نسبي، لا حقيقي؛ لأنَّه لم يحصل قصر في الصلاة وإنما حصل زيادة في صلاة الحضر، وإبقاء لصلاة السفر على حالها، کما فرضت. ٣- قوله: ((أول ما فرضت)) الفرض في الشرع: هو ما أُمر به على وجه الإلزام به، وهو والواجبُ مترادفان، وهو مذهب الإمام أحمد وغيره، وذهب الحنفية إلى أنَّ الفرض: ما وجب بدليل قطعي، وأما الواجب: فهو ما ثبت بدليل ظني، فهو أخف إلزامًا من الفرض، والصحيح هو القول الأول؛ من أنَّ الواجب والفرض بمعنّى واحدٍ، والله أعلم. ٥٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٤- أما في السفر فإنَّ الرباعيات الثلاث أبقين على عددهن الأول: ركعتين ركعتين، فهن المقصورات من أربع ركعات إلى ركعتين، أما المغرب فأَبقيت ثلاثًا، ولم تقصر؛ لأنَّها وتر النهار، فإذا سقط منها ركعة بطل كونها وترًا، وإن سقط منها ركعتان بقيت ركعة واحدة، ولا نظير له، وأما الصبح فهي ركعتان، ولو قصرت على واحدة بقيت ركعة واحدة، ولا نظير له، فالمغرب والصبح لا يقصران إجماعًا. ٥- القصر رحمة من الله تعالى بعباده؛ فإنَّ المسافر يلحقه مشقةٌ وتعبٌ، ونصبٌ، فمن لطف الله تعالى بعبده أن خفَّف عنه شطر الصلاة، واكتفى منه بالشطر الثاني؛ لئلا تفوت عليه مصلحة العبادة، فينقطع عن ربه ومناجاته. ٦- أنَّ الحديث يدل على أنَّ الركعتين هما فرض السفر، ما دام أنَّ صلاة السفر باقية، وأما الحضر فطرأ عليها الزيادة، فهذا يؤكّد على المسافر ألا يصلي في السفر إلاّ قصرًا؛ خشيةً من بطلان صلاته بالزيادة ما دامت الزيادة ليست أصلية في الصلاة، ولعلَّ هذا من حجة الذين أوجبوا القصر في السفر، ومنهم الظاهرية والحنفية، ونقل عن الإمام أحمد أنَّه توقف في صحة صلاة من صلَّى أربعًا، وبهذا يكون القصر مؤكَّد الاستحباب، وإذا تأكد استحبابه كُرِهَ تركه، ولكن الراجح أنَّها تسمى مقصورة؛ لتوافق قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبِّكُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاُ أَنْ نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء، الآية: ١٠١] وتوافق الأحاديث الواردة في الموضوع. قال شيخ الإسلام: الأصح أن الآية أفادت قصر الصلاة في العدد، والعمل جميعًا. قال شيخ الإسلام: قصر الصلاة المكتوبة الرباعية إلى ركعتين: مشروع بالكتاب، والسنة، وجائز بإجماع أهل العلم، منقولٌ عن النبي ◌َّ بالتواتر، وأظهر الأقوال قول من يقول: إنَّ القصر سنةٌ، وإنَّ الإتمام مكروه. وقال ابن القيم: لم يثبت عنه ◌َّ أنَّه أتمَّ الرباعية في السفر البتة . ٥٣٣ كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض وقال الموفق: القصر أفضل من الإتمام، في قول جمهور العلماء. * خلاف العلماء: اختلف العلماء في القصر؛ أهو عزيمة، أم رخصة؟ ذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّه يستحب قصرها؛ لقوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ ◌ُنَاعُ أَن نَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلَوَةِ﴾ [النساء، الآية: ١٠١] فنفي الجُناح يفيد أنَّه رخصة، وليس عزيمة، والأصل الإتمام. وذهب أبو حنيفة إلى: أنَّه واجب، ونصره ابن حزم، فقال: إنَّ فرض المسافر ركعتان؛ لأنَّ النبيَّ وَّ داوم عليه، ولما في الصحيحين عن عائشة: ((فُرضت الصلاة ركعتين، فأقرَّت صلاة السفر، وأُتِمَّت صلاة الحضر)). وأجاب الجمهور عن الحديث بأجوبة: أحسنها: أنَّ هذا من كلام عائشة، ولم يرفع إلى النبي ◌َّه . قال محرره: الأولى للمسافر ألا يدع القصر؛ اتباعًا للنبي ◌َّة، وخروجًا من خلاف من أوجبه بحجة قوية، ولأنَّ القصر أفضل إجماعًا . ٥٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٤٨ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ كَانَ يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ، وَيُثِمُّ، وَيَصُومُ، وَيُقْطِرُ)). رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَرُواتُهُ ثِقَاتٌ، إِلاَّ أَنَّهُ مَعْلُولٌ، وَالمَحْفُوظُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ فِعْلِهَا، وَقَالَتْ: (إِنَّهُ لاَ يَشُقُّ عَلَيَّ)). أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ (١) . * درجة الحديث: الحديث ضعيف، قال ابن القيم: هذا الحديث لا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول وَّله، وأنكره الإمام أحمد. قال الحافظ ابن حجر في ((التلخيص الحبير)): فيه اختلاف في اتصاله، واختلف قول الدارقطني فيه، فقال في ((السنن)): إسناده حسن، وقال في ((العلل)): المرسل أشبه. وقد ثبت في الصحيحين خلاف ذلك، وينظر ((نصب الراية)) (٢/ ١٩٢). * ما يؤخذ من الحديث: ١- يدل الحديث على أنَّ النَّبيَّ ◌َّ كان يقصر الصلاة الرباعية، ويتمها أربعًا، وأنه كان يصوم رمضان وهو مسافر، وكان يفطر، فهما رخصتان، تارةً يأخذ بهما، وتارةً لا يأخذ بهما. ٢- الرواية الثانية في الحديث: أنَّ عائشة هي التي كانت تفعل ذلك، فهي تترخص تارةً، وتترك الرخصة تارةً أخرى، وأنَّها تعلل ذلك؛ بأنَّه لا يشق عليها الصيام، ولا الصلاة أربعًا؛ حيث إنَّ سبب الرخص السفرية، هو المشقة غالبًا . (١) الدارقطني (١٨٩/٢)، البيهقي (١٤١/٣، ١٤٣). ٥٣٥ كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض ٣- الحديث هذا ضعيفٌ جدًّا، قال ابن القيم: سمعت شيخ الإسلام يقول: هو کذبٌ على رسول الله آل﴾. وزاد ما روي عن عائشة أنَّها اعتمرت معه ێ من المدينة إلى مكة، ثم قالت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، أتممتُ وقصَرْتُ، وأفطرتُ وصمت، فقال: ((أحسنت يا عائشة)). وقال شيخنا ابن تيمية: هذا باطل، فما كانت أم المؤمنين لتخالف رسول الله ێے، وجميع أصحابه، فتصلي خلاف صلاتهم. ٤- قال شيخ الإسلام: المسلمون نقلوا بالتواتر؛ أنَّ النَّبِيَّ وَّ لم يصل في السفر إلاَّ ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنَّه صلَّى أربعًا قط. وقال ابن القيم: لم يثبت عنه وَّ أنَّه أتمَّ الرباعية في السفر ألبتة، وجاء في البخاري (١١٠٢)، ومسلم (٦٨٩) من حديث ابن عمر، أنَّه قال: ((صحبتُ رسول الله عليه، وكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبابكر وعمر، كذلك)». قال الخطابي: مذاهب أكثر علماء السلف، وفقهاء الأمصار على أنَّ القصر هو المشروع في السفر، ولهذا كان المسلمون على جواز القصر في السفر، مختلفين في جواز الإتمام، لأنَّ النَّبيَّ نَّ داوم عليه، ولم ينقل عنه أحد أنه صلَّى أربعًا قط . ٥٣٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٣٤٩ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ تُؤْتَى مَعْصِيَتُهُ)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ. وِّفِي رِوَايَةٍ: ((كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ))(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیحٌ؛ فسنده على شرط مسلم، وله شواهد من حديث ابن عباسٍ، وابن مسعود، وأبي هريرة، وأنس، وأبي الدرداء، وأبي أمامة. ١ - حديث ابن عباس أخرجه ابن حبان وأبو نعيم (٢٧٦/٦) والشيرازي بلفظ: ((إنَّ الله يحب أن تؤتى رُخصه، كما يحب أن تُؤتى عزائمه)). ٢- حديث ابن مسعود أخرجه الطبراني في «الكبير)) (٨٤/١٠). ٣- حديث أبي هريرة أخرجه أبو نعيم. ٤- حديث أنس أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (١٥٣/٨)، والدولابي بإسناد ضعيف، وله طريق آخر . ٥- حديث أبي الدرداء أخرجه الطبراني في ((الأوسط)) (١٥٥/٥)، قال الشيخ الألباني: وجملة القول: أنَّ الحديث صحيح بلَفْظَيه: ((كما يكره أن تؤتى معصیته))، و«کما یحب أن تؤتی عزائمه)) . ** مفردات الحديث: - تعالى: وصفٌ من النبي ◌َّ﴿ لربه بالعلو، ومعناه: اتصافه جلَّ وعلا بالعلو، فهو عليٌّ بذاته، وَعَلِيٍّ بصفاته، عَلِيٌّ بقدْره، فالعلو ثابتٌ لله بالكتاب، (١) أحمد (٥٨٣٢)، ابن خزيمة (٢٥٩/٣)، ابن حبان (٦٩/٢). ٥٣٧ كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض والسُّنَّة، والإجماع، والعقل، والفطرة، فله العلو بالذات، وله العلو بالصفات، وله العلو بالقدر، فهو الكبير المتعال، سبحانه. ۔ أن تُؤتَى: بالبناء للمجهول . - رُخَصُهُ: الرخصة لغة: اليسر والسهولة، وشرعًا: ما يثبت على خلاف دليل شرعيٍّ لمعارضٍ راجح، و((رُخَصُه)) مرفوعٌ؛ لنيابته عن الفاعل، وهو بضم الراء وفتح الخاء، جمع ((رخصة)). - عزائمه: جمع: ((عزيمة)). والعزيمة لغة: القصد المؤكد، وشرعًا: حكم ثابت بدليل شرعيٍّ خال عن معارضٍ راجح، والرخصة والعزيمة وصفان للحكم الوضعي. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الرخصة شرعًا: هي ما ثبت على خلاف دليل شرعيٍّ لمعارض راجح، وهي تيسيرٌ وتسهيلٌ من الله تعالى على عباده، وسهَّل بعضهم تعريف الرخصة بأنها: إسقاط الواجب؛ كالصوم في السفر، أو إباحة المحرم؛ كأكل الميتة للمضطر . ٢- في الحديث إثبات الرخصة في الشريعة الإسلامية، ولكن الرخصة لا يمكن أن ترد إلاَّ بسبب، وإلاّ كان الشرع متناقضًا. ٣- الله تعالى من كرمه يحب من عباده أن يترخصوا فيما سهَّله عليهم، ويسَّره لهم، فیتمتعوا به، ویفعلوه لمِنَّتِهِ علیھم، ورحمته بهم. ٤- من تلك الرخص الإلهية، والسنن الربانية رُخص السفر في عبادته، فقد أباح لهم قصر الصلاة، وأباح لهم جمع الصلاتين في وقت إحداهما، وأباح لهم الفطر في نهار رمضان، وأباح المسح على الخفين ثلاثة أيام، كل ذلك ترخيصٌ وتسهيلٌ من الله تعالى على عباده. ٥٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥- فيه إثبات صفة المحبة لله تعالى إثباتًا حقيقيًّا، يليق بجلاله وعظمته، لا تكييف، ولا تشبيه، ولا تمثيل، ولا تعطيل، وإنما هي صفة من صفاته العُلَيا، تليق بكماله وجماله، أما المُؤَوِّلةُ من الأشاعرة والماتريدية، فهم يفسرون المحبة بأنَّها إرادة الإنعام والثواب، ولا يثبتون الله صفة محبةٍ حقيقيةٍ؛ لأنَّهم يفسرون المحبة: بأنَّها ميل إلى ما فيه جلب منفعةٍ أو دفع مضرةٍ، والله منزَّه عن هذا، وهذا تفسيرٌ للمحبة بلازمها عند المخلوق، أما الله عز وجل فإنه يحب الشيء لكمال وجوده، لا لأن ينتفع بهذا الشيء، ومُؤَوِّلة صفات الله جمعوا بين التشبيه والتعطيل، فهم تصوروا صفات الله بصفات المخلوق، وهذا تشبيهٌ منهم، ثم هربوا من هذا التشبيه إلى تعطيل صفات الله تعالى. أما أهل السنة: فوفقهم الله فأثبتوا لله حقيقة الصفة، ووكلوا علم كيفيتها إليه تعالىُ، فَسَلِمُوا من التشبيه والتعطيل ولله الحمد. ٦- أما العزيمة فهي: الحكم الثابت بدليل شرعيٍّ خالٍ من معارضٍ راجحٍ، وهذه هي أحكام الله تعالى التي كلف بها عباده؛ ليعبدوه بفعلها، ويتقرَّبوا إليه بالإخلاص فيها، والعزائم واجبات ومحرمات، فالواجبات: عزائم من الله تعالى لفعلها، والمحرمات: عزائم من الله تعالى لتركها . ٧- القيام بأحكام الله تعالى؛ سواء كانت رخصةً أو عزيمةً، أجرها وفضلها متساويان، الجميع طاعةٌ لله تعالى، وامتثالٌ لشرعه. ولمّا عظمت المنة في الرخصة، ساوت العزيمة في المحبة عند الله تعالى. ٥٣٩ كتاب الصلاة - باب صلاة المسافر والمريض ٣٥٠ - وَعَنْ أَنَسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ لَه إِذَا خَرَجَ مَسِيْرَةَ ثَلاَثَةٍ أَمْيَالٍ، أَوْ فَرَاسِحَ صلَّى رَكْعَتَيْنٍ)) رَوَاهُ مُسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - أميال أو فراسخ: شكٌ من الراوي ((شعبة بن الحجاج»، وليس بيانًا لمختلف الأحوال. - أمیال: واحد ((میل))، والميل: هو (١٦٠٠ متر)) تقريبًا. - فراسخ: واحده ((فرسخ))، والفرسخ: ثلاثة أميال، والميل والفرسخ فارسيٌّ مُعَرَّبٌ. - صلى ركعتين: يعني قصر الصلاة الرباعية إلى ركعتين، وهنَّ صلوات الظهر، والعصر، والعشاء. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - كان ◌َليّ إذا خرج من بلد إقامته - المدينة المنورة - مسيرة ثلاثة أميالٍ، أو فراسخ قصر الصلاة الرباعية، فصلاها ركعتين. ٢- اعتبار أنَّ هذه المسافة تباح فيها رُخص السفر، من الجمع والقصر وغيرها، وللكنه لا يفهم من الحديث أنَّها أقل مسافة للقصر، وإنما يرجع هذا لأدلة أخر. ٣- قوله: ((إذا خرج)) يعني: إذا قصد بخروجه هذه المسافة، لا أنَّه لا يقصر في سفره حتى يبلغ هذه المسافة. ٤- الفرسخ ثلاثة أميال، والميل ((١٦٠٠ متر))، وقول الراوي: ((أميال أو (١) مسلم (٦٩١). ٥٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام فراسخ)) شكٌّ من الراوي وليس التخيير في أصل الحديث. ٥- قال في ((الروض وحاشيته)): إذا فارق عامر قريته قصر؛ وفاقًا للأئمة الثلاثة، وجماهير العلماء من الصحابة ومن بعدهم، وحكاه ابن المنذر إجماعًا؛ لأنَّ الله أباح القصر لمن ضرب في الأرض، وقبْلَ المفارقة لا يكون ضاربًا فيها، ولا مسافرًا، ولأنَّ النبي ◌َّه إنما كان يقصر إذا ارتحل. خلاف العلماء: اختلف العلماء في تقدير المسافة التي تقصر فيها الصلاة، ويباح فيها الرخص السفرية : فذهب أبو حنيفة إلى: أنَّ أقلَّ مسافة تقصر فيها الصلاة هي مسيرة ثلاثة أيام، وتقدر بثلاث مراحل لسير الإبل المحمَّلة، ولا يصح بأقل من هذه المسافة . وذهب الأئمة الثلاثة إلى: أنَّ أقلَّ مسافة للقصر، هي مرحلتان لسير الإبل المحملة أيضًا. وتقدر المسافة بأربعة بُرد، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، فتكون على وجه التقريب حوالي (٧٧) كيلومتر، وتباح رخص السفر، ولو قطع هذه المسافة في ساعةٍ واحدةٍ، كما لو قطعها بسيارةٍ أو طيارةٍ، أو غير ذلك. وذهب كثير من محققي العلماء إلى: أنَّه لا يوجد دليلٌ صريحٌ صحيحٌ على تحديد مسافة القصر، بل المشرِّع العظيم أباح رخص السفر، ولم يحدده، لا بمدة، ولا بمسافة، فكل ما عُدَّ سفرًا، أبيحتْ فيه الرخص. قال في ((المغني)): تواترت الأخبار أنَّ رسول الله وَ ◌ّ كان يقصر في أسفاره، حاجًّا، أو معتمرًا، أو غازيًا، وكان لا يزيد على ركعتين، وأجمع أهل العلم على أنَّ من سافر سفرًا تقصر في مثله الصلاة، أنَّ له أن يقصر الرباعية فيصلیها رکعتین.