النص المفهرس

صفحات 441-460

٤٤١
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
هذه الأحادیث حدیث یدفع صاحبه؛ وذلك أنَّ من حكى أنَّه صلَّى الضحى
أربعًا جائزٌ أن يكون رآه في حال فعله ذلك، ورآه غيره في حالة أخرى صلَّى
ركعتين، ورآه آخر في حال أخری صلاها ثمانیًا، وسمعه آخر یحث على أن
تصلي ستًّا، وآخر يحث على أن تصلى ركعتين، وآخر يحث على عشر،
وآخر على اثنتي عشرة، فأخبر كل واحد منهم عمَّا رأى، أو سمع.
(هـ) وذهبت طائفة خامسة إلى: أنَّها تفعل بسبب، قالوا: وصلاته يوم
الفتح إنَّما كانت من أجل الفتح، وصلاته في بيت عتبان بن مالك بسبب
عذره من إتيان المسجد، فطلب من النبي و لو أن يأتيه في بيته؛ ليصلي له في
مكان منه يكون مصلى له، ففعل لأجل هذا السبب.
ومن تأمل الأحاديث المرفوعة، وآثار الصحابة، وجدها لا تدل إلاّ على
هذا القول، وأما أحاديث الترغيب فيها: فالصحيح منها لا يدل على أنَّها
سنة راتبة لكل أحد، وإنما أوصى بها أبا هريرة؛ لأنَّه قد روي أنَّ أبا هريرة
كان يختار درس الحديث بالليل على الصلاة، فأمره بالضحى بدلاً من قيام
الليل، وعامة أحاديث الباب في أسانيدها مقال. اهـ ملخصًا من ((زاد المعاد)).
واختار شيخ الإسلام المداومة على الركعتين المذكورتين في حديث أبي
هريرة: ((وركعتي الضحى)»؛ اختار ذلك لمن لم يقم في الليل.
٥- قال النووي: وكون سنة الضحى سنة هو مذهب جمهور السلف، وقول
الفقهاء المتأخرین.
٦- قال في ((الحاشية)): وصلاة الضحى والترغيب فيها بلغت حد التواتر،
وتستحب المداومة عليها لمن لم يقم في ليله؛ لخبر أبي هريرة ونحوه،
ولشيخ الإسلام قاعدة: أنَّ ما ليس من الرواتب لا يداوم علیه، حتى لا يلحق
بالرواتب، واختار المداومة عليها لمن لم يقم من الليل؛ لتأكدها في حقه.
٧- قال الشيخ محمد بن محمد بن بدیر :

٤٤٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
أحببت ألاَّ أترك المقام حتى أبين أمرًا، عسى الله أن ينفع به من شاء من
عباده، لقد ثبتت صلاة الضحى من قوله بَير، وحثه أصحابه، وإقرارهم
عليها بما لا يدع مجالاً للشك.
منها أحاديث الباب، ومنها ما ثبت في صحيح مسلم (٧٢٢)؛ أنَّه ◌َله
وصى بها أبا الدرداء، كما وصى بها أبا هريرة.
وفي صحيح مسلم (٧٢٠) عن أبي ذر في حديث التسبيح والتهليل
والتحميد، لأداء صدقات المفاصل قال: ((ويجزىء عن ذلك ركعتان
یر کعهما أحدکم من الضحى')).
وفي البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨) من حديث عائشة - رضي الله
عنها - قالتْ: ((إن كان رسول الله ول﴾ ليدع العمل - وهو يحب أن يعمل به -
خشية أن يعمل به الناس، فيكتب عليهم، وما رأيت رسول الله وَيلت قط يسبح
سبحة الضحى، وإني لأسبحها)).
ومعلوم أنَّه مما لا يَرِدُ على العقل أن تحافظ أم المؤمنين على صلاة
الضحى، ولم يطلع عليها وَّ، كما لا يظن بها أن تداوم على عبادة لم
تُشرع، وهي الراوية عنه وَله: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد))
والحديث في الصحيحين، وللكنها اعتذرت عن عدم صلاة الضحى بما
ذكرت؛ أنَّه خشية أن يثقل على أمته، بل قررت أنَّ بعض ما كان يدع
للتخفيف، كان يحب أن يعمل به، والسياق في مقام صلاة الضحى.
والعجب ممن يستدل على عدم سنيتها: بأنَّ رسول الله وَله لم يفعلها،
ولا أبوبكر، ولا عمر، بعد اتفاق أهل العلم أنَّ السنة ما ثبت من قوله وَّهِ،
أو فعله، أو تقريره، فبعد ثبوت الأمر بها لا يمتري في سنيتها عالم بالسنة
وأقسامها، وإلاَّ فعليه أن ينكر فضيلة صوم داود؛ لأنَّ رسول الله وَّ لم يعمل
به، مع أنه مدحه، وأمر به عبدالله بن عمرو، لما أراد أن يصوم أفضل

٤٤٣
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
الصيام.
هذا على أنَّه ◌ِ لهِّ قد فعلها مرات كثيرة، فالذي أدين الله به أنَّ صلاة
الضحى قربة عظيمة، لا يجحدها منصف، وقد ورد فيها من الأدلة، ما لا
مجال معه لذي بصيرة أن يتردد في كونها من هدي رسول الله وَّيتر، ولقد
أنصف شيخ الإسلام إذ يقول: إنَّ أدلتها بلغت التواتر - يعني: التواتر
المعنوي - وبالله التوفيق .
سیں

٤٤٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣١٧ - وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِو ◌َله
قَالَ: ((صَلَةُ الأَوَّابِينَ حِيْنَ تَرْمَضُ الفِصَالُ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ(١).
* درجة الحديث:
فهو في صحيح مسلم (٧٤٨) من حديث زيد بن أرقم عن النبي وقالقال قال:
((صلاة الأوَّابين إذا رَمَضْت الفصال من الضحى)) والمؤلف - رحمه الله - لم يعزه
إلیه، ولعله وقع منه سهوًا.
كما أنَّ أحدًا من العلماء لم يعزه إلى الترمذي غير الحافظ، وتبعه
الصنعاني والشوكاني.
* مفردات الحديث:
- الأوابين: جمع ((أوَّاب))، والأوَّاب: الرجاع إلى الله تبارك وتعالى، بترك
الذنوب، وفعل الطاعات والخير.
- ترْمَض: بفتح التاء وسكون الراء وفتح الميم؛ أي: تحترق أخفافها من
الرمضاء، وهي شدة حرارة الأرض من وقوع الشمس على الرمل، عند ارتفاع
الشمس.
- الفِصال: بكسر الفاء، جمع ((فصيل))، وهو ولد الناقة، سمي بذلك؛ لفصله
عن أمه، فهو فعيل بمعنى مفعول، والجمع: ((فُصلان)) بضم الفاء وكسرها،
وأما جمعه على ((فِصال))، فكأنَّهم توهّموا فيه الصفة، قاله في ((المصباح)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١- وقت صلاة الضحى من ارتفاع الشمس قيد رمح - بعد طلوعها - إلى قبيل
(١) رواه مسلم (٧٤٨)، ولم يروه الترمذي.

٤٤٥
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
الزوال .
٢- الحديث الذي معنا يدل على أنَّ أفضل وقت لها، هو ارتفاع الضحى،
وارتفاع حر الأرض وقوة الشمس؛ وذلك هو احتراق الفِصَال (أولاد الإبل)
من شدّة الرمضاء.
٣- سميت تلك الصلاة صلاة الأوابين؛ لأنَّهم آبوا ورحلوا إلى طاعة الله
وعبادته، حينما اشتغل الناس بتجارتهم ومتاعهم وزراعاتهم، ومال بعضهم
إلى الراحة، فيأتي الأوابون بذكر الله تعالى، وينقطعون عن كل مطلوب
سواه، والله الموفق.

٤٤٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣١٨ - وَعنْ أَنَسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِلّه:
(مَنْ صَلَّى الضُّحَىْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً، بَنَى اللهُ لَهُ قَصْرًا فِي الجَنَّةِ)).
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَاسْتَغْرَبَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف، للکنه قوي بشواهده.
قال الترمذي: غريب، وقال الحافظ: إسناده ضعيف، وقال في
((الفتح)): له شواهد إذا ضمت إلى حديث أنس تقوَّى بها، وصلح للاحتجاج
به .
وله شاهد من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَله: ((من صَلَّی
الضحى ركعتين، لم يكتب من الغافلين، ومن صلَّى ثنتي عشرة ركعة، بنى الله له
بيتاً في الجنة ... )).
قال المنذري: رواه الطبراني في ((الكبير)) ورواته ثقات، وفي موسى بن
يعقوب الزمعي خلاف، وقد روي عن جماعة من الصحابة ومن طرق.
(١) الترمذي (٤٧٣).

٤٤٧
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣١٩ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((دَخَلَ رَسُولُ اللهِ
وَِّ بَيِّي، فَصَلَّى الضُّحَىْ ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ)). رَوَاهُ ابنُ حِبَانَ فِي
(صَحِيْحِهِ))(١).
** درجة الحديث:
قال محقق كتاب ((صحيح ابن حبان)): سنده على شرط مسلم، إلاَّ أنَّ فيه
المطلب بن عبدالله بن حنطب، وثَّقه أبوزرعة والدارقطني، إلاّ أنَّهم اختلفوا في
سماعه من عائشة .
# ما يؤخذ من الحديثين (٣١٨، ٣١٩):
١ - يدل الحديث رقم (٣١٨) على أنَّ صلاة الضحى تصلى اثنتي عشرة ركعة،
وهي لا تنافي الأعداد الآخر؛ فإنَّ أقلها ركعتان، وأكثرها اثنتا عشرة ركعة.
أما المشهور من مذهب الإمام أحمد: فأكثرها ثمان؛ لما جاء في
البخاري (١١٧٦) ومسلم (٣٣٦) عن أم هانىء: ((أنَّ النبيَّ ◌َّ في عام الفتح
صلَّى ثماني ركعات، سُبحَة الضحى)).
٢ - أما الحديث رقم (٣١٩): فيفيد أنَّ صلاة الضحى ثماني ركعات.
قال محرره: أرى أنه لا تعارض بين الأحاديث الواردة في عدد صلاة
الضحى، والجمع بينها متیسر، كما قال ابن جرير فيما تقدم، فكل واحد من
الصحابة حدث بما رأى وما سمع، والنبي ◌َّه تارةً يصليها ركعتين، وتارةً
يصليها أربعًا، وتارةً يصليها ستًّا، وتارةً يصليها ثمانيًا، وأخرى يصليها اثنتي
عشرة ركعة، ولا منافاة ولا تعارض، والله أعلم.
(١) ابن حبان (٤٥٩/٣).

٤٤٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣- الخلاصة مما تقدم: أنَّ سنة الضحى استفاضت أخبارها، وأنَّه يستحب
المداومة عليها، لمن لم يصل بالليل؛ لئلا تفوته عبادة النهار والليل معًا،
وأما من له صلاة الليل فإنَّه من الأفضل أن يغب فيها، وأنَّ أقلَّها ركعتان،
وأكثرها اثنتا عشرة ركعة، وأنَّ وقتها من ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبيل
الزوال .
* فائدة:
اختلفت الأحاديث عن عائشة في صلاة الضحى، فمرويٌّ عنها:
١ - صلاها من غير تحديد عدد: ((يصلي الضحى أربع ركعات، ويزيد ما شاء
الله)). [رواه مسلم (٧١٩)].
٢- قالت: «دخل رسول الله ێ( بيتي، وصلّى الضحى ثماني ركعات)). [روه ابن
حبان (٤٥٩/٣)].
٣- قالت: ((ما كان رسول الله وَلل يصلي الضحى، إلاَّ أن يجيء من مغيبه)).
[أخرجه مسلم (٧١٧)].
٤ - قالت: ((ما رأيتُ رسول الله وَلَه يصلي سبحة الضحى، وإني لأسبحها)).
[رواه البخاري (١١٢٨)، ومسلم (٧١٨)].
وقد جمع القاضي عياض بين إثبات الصلاة ونفيها: بأنَّها في الإثبات
نقلت أخبار من رآه من الصحابة، فروت عنه دون أن تنسب إليه، وأما روايات
النفي فإنّها لم تشاهده يصليها .
وهذا جمع لا بأس به، وإذا أمكن الجمع يصار إليه، والله أعلم.

٤٤٩
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة
باب صلاة الجماعة والإمامة
مقدّمة
سميت: ((جماعة))؛ لاجتماع المصلين في فعلها زمانًا ومكانًا، فإِذا أخلَّوا
بهما، أو بإحداهما، لم تسم جماعة، ومن هذا يُعلم أنَّ الصلاة خلف الإمام
بواسطة المذياع، أو التلفاز، لا تصح؛ لأنَّها ليست صلاة مع جماعة.
اتَّفق العلماء على مشروعية صلاة الجماعة، واختلفوا في حكمها.
فذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي إلى: أنَّها سنة غير
واجبة؛ لما في الصحيحين: ((تفضل صلاة الجماعة صلاة الفرد بخمس وعشرين
درجة))، ففيها فضل، ولأنَّ النبي ◌َّه لم يُنْكر على الرجلين اللذين قالا: صلينا
في رحالنا .
وذهب الإمام أحمد إلى: وجوبها للصلوات الخمس على الرجال
المكلفين، وقال به طائفة من السلف من الصحابة والتابعين.
ودليلهم: ما في البخاري (٦٤٤) ومسلم (٦٥١) عن أبي هريرة: أنَّ النَّبيَّ
وَ ﴿ قال: ((والّذي نفسي بيده، لقد هممتُ أن آمر بحطب ... إلى آخر
الحدیث)).
وجاء رجل أعمى يستأذنه في الصلاة في بيته لبُعْدِ مكانه، فقال: ((لا أجدُ
لك رخصة)) [روَاهُ أبوداود (٥٥٣)]، وبأنَّه أمر بها حال الخوف والقتال، مع ما
في ذلك من خلل في أركانها وشروطها وواجباتها .
وشط شيخ الإسلام، فقال: إنَّ الجماعة شرط لصحة الصلاة، فلا تصح

٤٥٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بدونها، وقد قال الموفق بن قدامة: لا نعلم أحدًا أوجب الإعادة على من صلَّى
وحده .
والمشهور من المذهب: أنَّ له فعل الجماعة في بيته، والمسجد أفضل.
ولكن ابن القيم ردّ ذلك، واستدل على وجوبها في المسجد، فقال:
ومن تأمل السنة حق التأمل، تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرض على الأعيان،
إلاّ لعارض يجوز معه ترك الجماعة، وبهذا تجتمع الأحاديث والآثار.
وقال الشيخ تقي الدين: الصلاة في المساجد من أكبر شعائر الدين
وعلاماته، ففي تركها محو لآثار الصلاة.
ومن أدلة الشيخين على وجوبها في المسجد: ما جاء في صحيح مسلم
(٦٥٤) عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: ((من سرَّه أن يلقى الله غدًا مسلمًا،
فلیصلِّ هذه الصلوات الخمس؛ حیث ینادی بهن، فالله شرع سنن الهدى،
وإنهن من سنن الهدى، وإنَّكم لو صلَّيتم في بيوتكم، كما صلى هذا المتخلف
في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، ولقد رأيتُنا وما
يتخلف عنها إلاَّ منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يُهادى بين
الرجلين، حتى يقام في الصف)).
* حكمةُ الجماعة في المساجد:
شرَع الله عزَّ وجل لهذه الأمة المحمدية الاجتماعات المباركة في
أوقات، منها: ما هو في اليوم والليلة، وهو الصلوات المكتوبة، حينما يجتمع
أهل الحي في مسجد واحد، يتعارفون فيه ويتآلفون.
ومنها: ما هو في الأسبوع، وهو صلاة الجمعة، حينما يجتمع أهل
البلد، أو أهل الحي الكبير في مسجد جامع، لنفس الأغراض الكريمة.
ومنها: ما هو في العام؛ كصلاة العيدين، الذي يجمع أهل المصر الواحد
في صعيد واحد، أو يجمع وفود المسلمين من أقطار الدنيا كلها في عرفة، وفي

٤٥١
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة
مشاعر الحج؛ ليشهدوا منافع لهم من التعاون والتآلف والتشاور، وتبادل
الأفكار والآراء، فيما يعود على المسلمين بالخير والبركة.
ومن فوائد صلاة الجماعة الائتلاف والتعارف، وتعلم الجاهل من
العالم، والتنافس في أعمال الخير، وعطف القوي على الضعيف، والغني على
الفقير، وغير ذلك مما يفوت الحصر ... والله الموفق.
:

٤٥٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٢٠ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بْن عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ رَسُولَ اللهِ
وَِّ قَالَ: «صَلاَةُ الجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلاَةِ الفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِيْنَ
وستكم
دَرَجَةً)). مُتَّفقٌ علَيْهِ(١).
وَلَهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: ((بِخَمْسٍ وَعِشْرِيْنَ
جُزْءًا))(٢) .
وَكَذَا لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، وقَالَ: ((دَرَجَةً) (٣).
* مفردات الحديث:
- الفَذ : - بفتح الفاء والذال المعجمة المشددة -، أي: الفرد، جمعه: فذوذ،
يقال: فذ الرجل من أصحابه إذا بقي وحده.
- أفضل: أفعل تفضيل، وهو مصاغ على وزن أفعل؛ للدلالة على أنَّ شيئين
اشتركا في صفة، وزاد أحدهما على الآخر فيها .
قال العيني: عامة نسخ البخاري بلفظ: ((تفضيل صلاة الفذ)»، والذي في
مسلم: ((أفضل)) التي هي للتفضيل، والتكثير في المعنى المشترك، وهي أبلغ
من ((تفضیل)).
- درجة: تمييز للعدد المذكور، والمراد: أنَّه يحصل من صلاة الجماعة، مثل
أجر صلاة المنفرد سبعًا وعشرين جزءًا؛ كما في الرواية الأخرى، فالجزء
مؤول بالدرجة .
(١) البخاري (٦٢٥)، مسلم (٦٥٠).
(٢) البخاري (٦٤٨)، مسلم (٦٤٩).
(٣) البخاري (٦٤٦).

٤٥٣
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في هذا الحديث بيان فضل صلاة الجماعة، وأنَّها تفضل على صلاة المنفرد
بسبع وعشرين درجة، والمراد: أنَّه يحصل له من صلاة الجماعة مثل أجر
المنفّرد سبعًا وعشرين مرة.
٢- لا يقنع بالدرجة الواحدة من الدرجات الكثيرة إلاَّ أحد رجلين: إما غير
مصدق لتلك النعمة العظيمة، أو سفيه لا يهتدي لطريق الرشد والتجارة
المربحة .
٣- المراد بالمنفرد: الذي صلَّى وحده في بيته بدون عذر، أما المعذور فأجره
تام، وهذا الحديث مبيّن بأحاديث أخر؛ مثل حديث: ((إِذَا مرض العبد، أو
سافر؛ كُتُبَ لَهُ ما كان يعمل، صحيحًا مُقيمًا)) [رواه البخاري (٢٩٩٦)].
٤- أنَّ الجماعة ليست شرطًا لصحة الصلاة؛ فإنَّها تصح صلاة المنفرد، مع الإثم
الذي يلحقه، إذا لم يكن عذر في ترك الجماعة.
والدليل على صحتها وإجازتها: أنَّ فيها أجرًا أو فضلاً، فإنَّ قوله:
((أفضل)) أفعل تفضيل، وهي صيغة تدل على أنَّ شيئين اشتركا في صفة،
وزاد واحد على الآخر فيها، فقد اشترك المنفرد والمصلي في جماعة، وزاد
المصلي مع الجماعة على المنفرد بالأجر والدرجات.
قال الموفق: لا نعلم أحدًا أوجب الإعادة على من صلَّى وحده.
٥ - تفاضل الأعمال الصالحة بحسب تأديتها .
قال الطيبي: في حديث أبي هريرة: ((بخمس وعشرين))، وفي حديث ابن
عمر: ((بسبع وعشرين))؛ ووجه التوفيق؛ أنَّ الزائد متأخر عن الناقص؛ لأنَّ
الله يزيد عباده من فضله، ولا ينقصهم عن الموعود شيئًا؛ فإنَّه وَ له بشر
المؤمنين أولاً بمقدار فضلها، ثم رأى وَّهِ أنَّ الله تعالى يمن عليه، وعلى
أمته، فبشرهم به، وحثّهم على الجماعة، وهذا الذي ذكرنا هو الضابط في

٤٥٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
التوفيق بين الأحاديث المختلفة من هذا النوع.
٦- التفاوت هنا خاص بالصلاة جماعة، أو منفردًا بلا عذر، وهناك تفاوت كبير
في الأجر أيضًا من حيث الخشوع، والحضور في الصلاة، وأدائها بإحسان،
أو أقل من ذلك إلى آخر درجة في الثواب.
٧ - وجه قصر أبواب الفضيلة في خمس وعشرين تارة، وعلى سبع وعشرين تارة
أخرى، يرجع إلى علوم النبوة التي قصرت عقول الألباء عن إدراك حلها،
وتفاصيلها .
ولعل اختلاف ذلك يرجع إلى حال المصلي والصلوات، بحسب كمال
الصلاة والمحافظة على هيئتها وخشوعها، وكثرة جماعتها، وحال الإمام،
وشرف البقعة، وهناك تفاوت من حيث نوعية المسجد بالقرب والبعد،
وقدم الطاعة فيه من عدمها، وهناك اعتبارات أخر لفضل صلاة على صلاة
أخرى، ترجع إلى تكميلها وتقويمها؛ فإنَّ المصلي قد لا يرجع من صلاته
إلاَّ بنصفها، أو بثلثها، أو رُبعها، أو سدسها، أو بِعشرها، وكل هذا
التفاوت راجع إلى تکمیلها وعدمه .
٨- الحديث لا يدل على وجوب صلاة الجماعة، كما أنَّه لا يدل على عدم
الوجوب، فليس فيه دليل للطرفين؛ ذلك أنَّ فضل العمل، وترتب الثواب
عليه، يكون في الأعمال الواجبة، الأعمال المستحبة؛ فقد قال تعالى:
يَتُهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ هَلْ أَدْلُكُمْ عَلَى تِجَزَوْ نُجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمِ ﴿َ نُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
[الصف: ١٠-١١]، فالإيمان بالله ورسوله من أوجب العبادات.
وجاء في ((جامع الترمذي)) (١٨٥٧) من حديث عبدالله بن سلام؛ أنَّ
النَّبِيَّ ◌َِّ قال: ((أَيُّهَا النَّاسُ))، أفْشُوا السلام، وأطْعِمُوا الطَّعام، وصِلُوا
الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة بسلام))
فهذه طائفة بعضها مستحب، وبعضها واجب.

٤٥٥
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة
خلافُ العلماء:
#
اختلف العلماء في الجمع بين حديث: ((السبع والعشرين)) و((الخمس
والعشرين)) وأقربها إلى الصواب أن يقال: إنَّ العدد القليل لا ينافي العدد
الكثير؛ لأنَّ مفهوم العدد غير وارد، على الصحيح من أقوال الأصوليين، فهو
داخل ضمنه .

٤٥٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٢١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُولَ اللهِنَّه
قَالَ: ((والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ آمْرَ بِحَطَبٍ فَيُحْتَطَبَ، ثُمَّ
آهُرَ بِالصَّلاَةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا، ثُمَّ آمُرَ رَجُلاً فَيَؤُمَّ النَّاسَ، ثُمَّ أُخَالِفَ إِلى
رِجَالٍ لاَ يَشْهَدُونَ الصَّلاَةَ، فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ،
لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّه يَجِدُ عَرْقًا سَمِيْنَا، أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ - لَشَهِدَ
العِشَاءَ)). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ(١).
* مفردات الحديث:
- والذي نفسي بيده: أي: والله الذي نفسي بيده، وهو قسمٌ كان النبي ◌َّ ◌ُقسمُ به.
- لقد هممت: ((اللام)) واقعة في جواب القسم، والجملة جواب القسم أكَّده
باللام، وكلمة: ((قد هممت بالأمر))؛ الهَمُّ: هو العزم على القيام به، ولم
يفعله .
- فيحتطبَ: بالنصب؛ أي: يجمع الحطب.
- فأحرِّق: بالتشديد، من: التحريق، والمراد به: التكثير، يقال: حرَّقه إذا بالغ
في تحریقه .
- آمر بالصلاة: الألف واللام إن كانت للجنس فهو عامٌّ، وإن كانت للعهد ففي
رواية: ((أنَّها العشاء))، وفي أخرى: ((أنَّها الفجر))، وفي ثالثة: مطلقة، ولا
تشاح بينها؛ لجواز تعدد الواقعة.
- فَيَؤُمَّ الناس: الفعل منصوب؛ لأنَّه معطوف على (آمر)) و(الناس)) منصوب؛
(١) البخاري (٦٤٤)، مسلم (٦٥١).

٤٥٧
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة
لأنَّه مفعول، والجملة في محل نصب على أنَّها صفة لقوله: ((رجلاً)).
- أخالف: قال في ((الصحاح)): خالف إلى فلان: أتاه إذا غاب عنه، والمعنى:
خالفت ما أظهرت من إقامة الصلاة، واشتغال بعض الناس بها .
- بيوتهم: جمع ((بيت))، قال صاحب ((المغرب)): البيت اسم للسقف، سمي
به؛ لأنّه يُبات فيه .
- عزْقًا: بفتح المهملة وسكون الراء ثم قاف، جمعه: ((عراق))، هو العظم إذا
أخذ أكثر ما عليه من الهبر، وعليه لحوم رقيقة طيبة، وقد جمع بين السمن في
العرق، والحُسن في المرماتين، ليوجد الباعث النفساني في تحصيلهما .
- وَمِرْ ماتَيْنِ: تثنية - مرماة)) - بكسر الميم فَراء ساكنة فميم مفتوحة فألف فتاء
التأنيث، هي ما بين أضلاع الشاة من اللحم، وقيل: ما بين ضلعي الشاة من
اللحم .
ثم جاء حرف العطف في هذا الحديث ثلاث مرات، مترقيًا من الأهون
إلى ما هو أشد منه، ثم إلى أغلظها، فكل مرتبة أعلى مما قبلها؛ وذلك
لتفاوت ما بين مدخولاتها .
* ما يؤخذ من الحديث:
١- أنَّ صلاة الجماعة في المساجد فرض عين على الرجال البالغين؛ على
الصحيح من أقوال العلماء.
٢- أنَّ من ترك صلاة الجماعة - بلا عذر ــ استحق العقوبة الرادعة.
٣- فضل صلاتي العشاء والفجر؛ لما في الإتيان إليهما من المشقة، ولما فيهما
من الأجر.
٤- أنَّما ثقلت صلاتا العشاء والفجر على أرباب البطالة والكسل؛ لضعف
الداعي الإيماني في قلوبهم، فيغلب عليهم جانب الراحة والدعة والنوم،
ولأنَّهم لا يُرَوْنَ في هاتين الصلاتين، فلا يُفْتَقَدُون.

٤٥٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥- الحديث دليل على القاعدة الشرعية: ((درء المفاسد مقدم على جلب
المصالح))، فالمصلحة التي تحصل من إقامة العقوبة على المتخلفين عن
الجماعة - تسبب مفسدة تعذيب من لا يستحق العقوبة من النساء والذرية،
فامتنع هذا لههذا.
٦- جواز القسم على الأمر المهم حثًّا أو منعًا، أو إثباتًا أو نفيًا.
٧- جواز مخادعة الفساق في أماكن فسقهم؛ للقبض عليهم متلبسين بجريمتهم؛
لتقوم الحجة عليهم، ويسقط اعتذارهم.
٨ - أنَّ ضعيف الإيمان يقدم خسيس الدنيا، ويفضله على ما عند الله من حسن
الجزاء، وعظيم الثواب، فينبغي للمؤمن أن ينتبه ويفطن لها، ويسأل الله
العافية .
٩ - قال في ((الفتح)): ولا منافاة بين الاستدلالين على وجوب الجماعة بهذا
الحديث، وبين الحديث المتقدم عن ابن عمر: ((صلاة الجماعة تفضل عن
صلاة الفذ .. إلخ))؛ فإنَّ حديث ابن عمر يدل على صحة صلاة الفذ،
وحديث أبي هريرة هذا يدل على إثم من تخلف عن الجماعة، غير أنَّه ليس
بشرط في صحة الصلاة، فتصح صلاة الفذ ويأثم، إلاَّ أن يكون تخلفه عن
عذر .
فثبوت عذر التخلف لمرض، أو مطر، أو خوف، أو نحو ذُلك لا شكَّ
فيه عند أهل العلم؛ لحديث الإذن بالصلاة في الرحال في الليلة المطيرة،
فقد روى البخاري ومسلم من حديث ابن عمر: ((أنَّ النَّبِيَّ ◌َلّ كان يأمر
المنادي، فينادي بالصلاة: صلوا في رحالكم)) في الليلة الباردة، وفي الليلة
المطيرة، وكما جاء ذلك أيضًا في الصحيحين من حديث ابن عباس، رضي
الله عنهما .
١٠- فيه دليل على جواز استخلاف الإمام من يصلي بالناس، إذا عرض له

٤٥٩
كتاب الصلاة - باب صلاة الجماعة والإمامة
شغل، وللكنه لا يعطى عذرًا لمن ينصب نفسه إمامًا بالمسجد، ثم يهمله
إلى نائب ببعض ما جعل له في أرزاق وجُعُل .
* خلاف العلماء:
أجمع المسلمون على مشروعية صلاة الجماعة، وأنَّها من أفضل
الطاعات، وإنما اختلف الأئمة في حكمها، فقد تقدم أنَّ الأئمة الثلاثة يرون أنَّ
صلاة الجماعة سنة مؤكدة، لا واجبة .
وأنَّ الظاهرية يرونها شرطًا لصحة الصلاة، وتبعهم ابن عقيل، وتقي
الدین بن تيمية .
وذهب الإمام أحمد إلى: أنَّها واجبة على الأعيان، ولو لم تكن في
مسجد .
قال ابن القيم: من تأمل السنة، تبيَّن له أنَّ فعلها في المساجد فرض
عين، فقد قال رَّيّ للرجل الأعمى: هل تسمع النداء؟ قال: نعم، قال: فأجب.
ولولا ما في بيوت المتخلفين عن الجماعة من النساء، لحرَّق عليهم
بيوتهم بالنار، وإذا كان المنفرد لا تصح صلاته خلف الصف، فكيف من صلَّى
منفردًا في بيته؟ ! .
وقال ابن مسعود: من سرَّه أن يلقى الله مسلمًا، فليصلِّ هذه الصلوات
الخمس؛ حيث ينادى بهنَّ، فما يتخلَّف عنها إلاَّ منافق معلوم النفاق.
وقال ابن عباس عن رجل لا يحضر الجماعة، هو في النار.
وقال شيخ الإسلام: وجوبها على الأعيان هو إجماع الصحابة وأئمة
السلف، وهو الذي يدل عليه الكتاب والسنة.

٤٦٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٢٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قال رَسُولُ اللهِ
وَاله : ((أَثْقَلُ الصَّلاَةِ عَلَى المُنَافِقِيْنَ: صَلاَةُ العِشَاءِ، وَصَلاَةُ الفَجْرِ،
وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لِأَتَوْهُمَا، وَلَوْ حَبْوًا)). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ(١).
وَعَنْهُ قَالَ: ((أَتَى النَّبِيَّ وَ رَجُلٌ أَعْمَىْ، فَقالَ: يَا رَسُولَ الله،
إِنَّهُ لَيْسَ لِي قَائِدٌ يَقُودُنِي إِلى المَسْجِدِ، فَرَخَّصَ لَهُ، فَلَمَّا وَلَّى دَعَاهُ،
فقَالَ: هَلْ تَسْمَعُ النِّدَاءَ بِالصَّلاَةِ؟ قَالَ: نَعمْ، قَالَ: فَأَجِبْ)). رَوَاهُ
مُسْلِمُ(٢).
* مفردات الحديث:
- ما فيهِمَا: أي: صلاتي الفجر والعشاء من الثواب والفضل.
- حبوًا: بفتح المهملة وسكون الباء وآخره واو؛ أي: مشيًا على اليدين
والركبتين؛ كحبو الصبي.
- حبوًا: منصوب على أنَّه صفة لمصدر محذوف؛ أي: لأتوهما، ولو کان إتیانًا
حبوًا .
- النداء بالصلاة: المراد به: الأذان.
- رجل أعمى: هو عبدالله بن أم مكتوم، كما جاء في رواية أبي داود، وغيره من
أصحاب السنن .
(١) البخاري (٦٥٧)، مسلم (٦٥١).
(٢) مسلم (٦٥٣).