النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣٠٥ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ العَاصِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -
قَالَ: قَالَ لِيْ رَسُولُ اللهِوَّهِ: ((يَا عَبْدِ اللهِ، لاَ تَكُنْ مِثْل فُلاَنٍ، كَانَ يَقُومُ
مِنَ اللَّيْلِ، فترَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ)). مُتَفَقٌ عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- مثل فلان: لم يدر من هو، والظاهر أنَّ الإبهام من أحد الرواة؛ لقصد الستر
عليه، والقصد هو تنفير عبدالله من الغفلة، وترغيبه بقيام الليل.
- من الليل: قال العيني: وليس في رواية الأكثرين لفظ ((من)) موجود، بل
اللفظ: ((كان يقوم الليل))؛ والمراد: في جزء من أجزائه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- فضيلة قيام الليل، وأنَّه لا ينبغي تركه؛ لما فيه من الفضل العظيم، فصلاة
الليل أفضل من صلاة النهار؛ لما فيها من السرية، والبُعد عن الرياء، ولما
فيها من صفاء المناجاة مع الله تعالى، وحضور القلب، ولما فيها من إيثار
طاعة الله تعالى على الراحة والفراش والمنام، ولما جاء في فضلها من
الآيات الكريمة، والأحاديث الشريفة التي لا تخفى.
٢ - صلاة الليل: قال السَّفَّارِيني في ((شرح منظومة الأداب)):
مطلب في التهجد وما ورد في فضله :
التهجد لا يكون إلاَّ بعد النوم، والناشئة لا تكون إلاّ بعد رقدة، وصلاة
الليل بعد ذلك، وصلاة الليل سنة مرغَّبٌ فيها، وأفضل من صلاة النهار،
قال تعالى: ﴿وَمِنَ الَّتْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةً لََّكَ عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا
(١) البخاري (١١٥٢)، مسلم (١١٥٩).

٤٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
◌َّحْمُودًا
٧٩
[الإسراء].
وروى مسلمٌ عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَله :
((أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)).
وجاء في الترمذي (١٨٥٨)، وابن ماجه (١٣٣٤) من حديث عبدالله بن
سلام قال: سمعتُ رسول الله وَ لَه يقول: ((أيُّهَا النَّاسُ، أَفْشُوا السلام،
وأطعموا الطعام، وصِلُوا الأرحام، وصلوا بالليل والناس نيام، تدخلوا الجنة
بسلام)) .
والأحاديث والآثار كثيرة، وإنما فضلت صلاة الليل على صلاة النهار؛
لأنَّه أبلغ في الإسرار، وأقرب إلى الإخلاص، فكان السلف يجتهدون في
الدعاء، ولا يُسْمع لهم صوت.
ولأنَّ صلاة الليل أشق على النفوس، وأفضل الأعمال ما أوثرت فيه طاعة
الله على محاب النفوس، ولأنَّ القراءة في صلاة الليل أقرب إلى التدبر؛
لقطع الشواغل عن القلب، وليتواطأ القلب واللسان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ
[المزمل]، وقد مدح الله تعالى المستيقظين
نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوُمُ قِلًا
بالليل لذكره ودعائه واستغفاره ومناجاته؛ فقال تعالى: ﴿ نَتَجَاقَى جُنُوبُهُمْ عَنِ
الْمَضَاِعِ يَدْعُونَ رَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا وَمِمَّا رَزَقْنَهُمْ يُنفِقُونَ (١٩) فَلَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّ أُخْفِىَ
[السجدة] .
١٧
لَهُم مِّن قُرَّةٍ أَعْيُنٍ جَزَاءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ!
٣- قال الإمام أحمد: قيام الليل من المغرب إلى طلوع الفجر، فالنافلة بين
العشاءين من قيام الليل، أما الناشئة فلا تكون إلاّ بعد النوم، قال تعالى:
* [المزمل].
﴿ إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا إِ
وأفضل صلاة الليل ثلث الليل بعد نصفه، فهو قيام داود الذي حث النبي
وَاللّ علیه .
وقال شيخ الإسلام: النصف الأخير أفضل من الأول، ومن الثلث

٤٢٣
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
الأوسط.
٤- ويتأكد الإكثار من الدعاء والاستغفار آخر الليل للّآيات والأخبار، وعمل
السر أفضل من عمل العلانية، والإخلاص ركن العبادة الأعظم.
٥- قال شيخ الإسلام: الصلاة إذا قام من الليل أفضل من القراءة في غير صلاة،
نص على ذلك أئمة الإسلام؛ لقوله وَله: ((اعلموا أنَّ خير أعمالكم الصلاة»
[رواه ابن ماجه (٢٧٧)]، لكن إن حصل له نشاط، وتدبر، وتفهم للقراءة
دون الصلاة- فالأفضل في حقه ما کان أنفع له .
هناك صلوات مبتدعة ما أنزل الله بها من سلطان، منها:
أولاً : الاجتماع ليلة النصف من شعبان، وصلاتها جماعة، وإحياء تلك الليلة
بدعة في الدين، فلا دليل على إحيائها، وصلاة خاصة لها .
ثانيًا: قال الشيخ تقي الدين: وإنشاء صلاة بعدد مقدر، وقراءة مقدرة، في
وقت معيَّن، تصلى جماعة راتبة - عمل غير مشروع، باتفاق علماء
المسلمين، ولا ينشىء هذا إلاّ جاهل مبتدع.
ثالثًا: صلاة الرغائب، وهي اثنتا عشرة ركعة في أول ليلة جمعة من شهر
رجب، فهي بدعة محدثة، فلا تستحب لا جماعة، ولا فرادى.
رابعًا: صلاة الألفية بدعة ضلالة، قال النووي: صلاة الرغائب، وصلاة
الألفية، هاتان الصلاتان بدعتان مذمومتان ومنكرتان، فلا تغتروا
بذكرهما في الحديث المذكور فيهما؛ فإنَّ ذلك باطل .
خامسًا: صلاة التسبيح: قال شيخ الإسلام: نص أحمد وأئمة الصحابة على
كراهتها، ولم يستحبها إمام، وأما أبو حنيفة ومالك والشافعي فلم
يسمعوا بها بالكلية.
سادسًا: قال شيخ الإسلام: قاعدة الإسلام أنَّ الأصل في العبادات التوقيف،
فلا يشرع منها إلاّ ما شرعه الله ورسوله.

٤٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وقال ابن القيم وغيره: الأصل في العبادات البطلان، حتى يقوم دليل
على الأمر؛ فإنَّ الله لا يُعْبَدُ إلاّ بما شرعه على ألسنة رسله.
وقال شيخ الإسلام - أيضًا -: العبادات مبناها على الشرع والاتباع، لا
على الهوى والابتداع؛ فإنَّ الإسلام مبني على أصلين :
١ - ألا نعبد إلاّ الله وحده.
٢ - وألا نعبده إلاَّ بما شرعه على لسان رسوله وَيقال .
وقال الشيخ عبداللطيف بن عبدالرحمن آل الشيخ: اعلم أنَّ العبادات
توقيفية، وترك الشارع الفعل مع قيام مقتضيه دليل على الترك، كما أنَّ فعله دليل
لطلب الفعل، وهذه القواعد الهامة عن هؤلاء الأئمة الأعلام مستقاة من قوله
تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكََُوا شَرَعُواْ لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: ٢١]
وأمثالها من الآيات، ومما ثبت في مسلم (١٧١٨) من حديث عائشة - رضي الله
عنها - أنَّ النَّبِيَّ وَّ قال: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو رد)).

٤٢٥
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣٠٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((أَوْتِرُوا يَا أَهلَ القُرْآنِ؛ فإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الوِتْرَ)).
رَوَاهُ الخَمْسَةُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةً (١).
* درجة الحديث:
الحدیث حسن.
فقد رواه أصحاب السنن الأربع، وحسّنه الترمذي، وصححه الحاكم
وابن خزيمة، ورجاله ثقات.
* مفردات الحديث:
- فإنَّ الله وتر: بكسر الواو وفتحها، هو الفرد، فالله تعالى واحد في ذاته، واحد
في صفاته، فلا شبه له ولا مثل، واحد في أفعاله، فلا شريك له ولا معين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب الوتر والإتيان به، وعدم التهاون به؛ لأنَّه من الصلوات المؤكدات.
٢ - نُدِبَ المسْلِمُونَ كلهم إلى الإتيانِ بالوتر، ولكن يتأكَّد على حملة القرآن
وحفَّاظه، وأهل العلم أكثر مما يتأكد في حق غيرهم.
٣- أنَّ صلاة الوتر محبوبة إلى الله تعالى، فهي أفضل الصلوات بعد الصلوات
المكتوبات .
٤- إثبات صفة المحبة لله تعالى، إثباتًا حقيقيًّا يليق بجلاله، بلا تكييف، ولا
تمثيل، ولا تشبيه، فكما نثبت أنَّ له تعالى ذاتًا لا تشبه الذوات، فنثبتُ
(١) أحمد (١٤٨/١)، أبوداود (١٤١٦)، الترمذي (٤٥٣)، النسائي (١٦٧٥)، ابن ماجه
(١١٦٩)، ابن خزيمة (١٣٦/٢).

٤٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- أيضًا - أنَّ له صفات لا تشبه الصفات: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ
اَلْبَصِيرُ ﴾﴾ [الشورى].
٥ - قال شيخ الإسلام: الوتر سنة مؤكدة باتفاق المسلمين، ومنهم من أوجبه،
ولا ينبغي لأحد تركه، ومن أصرّ على تركه ردت شهادته.
٦ - ليس المراد بقوله: ((إنَّ الله وِتر يُحب الوتر))؛ أنَّه يقصد الإيتار في كل شيءٍ،
فلا يأكل إلاَّ وترًا، ولا يشرب إلاَّ وترًا، ولا يلبس إلاَّ وترًا؛ لأنَّ الإيتار من
أمور العبادة، والعبادة تتوقف على ورود شرع بها، فما ورد من العادات
وقصد الشارع أن يقطعه على وتر، فهذا القصد داخل في مسمى العبادة،
كأكله تمرات وترًا عند ذهابه لصلاة عيد الفطر، أما أن يتخذ الوتر في جميع
العادات عبادة، فههذا يتوقف على ورود الشرع به، والشرع مبني على
التوقيف، فلا يشرع منه إلاَّ ما شرعه الله ورسوله.

٤٢٧
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣٠٧ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - أَنَّ النَّبِيَّ نَّهِ قَالَ:
(جْعَلُوا آخِرَ صَلاَئِكُمْ بِاللَّيْلِ وِتْرًا)). مُتَّفَقٌ علَيْهِ(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الوتر هو الذي تختم به صلاة الليل؛ سواء كان في أول الليل، أو وسطه، أو
آخره، فكما أنَّ صلاة المغرب وتر، ویختم بها صلاة النهار، فكذلك الوتر
یکون آخر صلاة الليل.
٢- لو وقع بعد الوتر صلاة نفل، ما نُقض الوتر، لا سيَّما الصلوات ذوات
الأسباب من سنة مسجد، أو ركعتي طواف، أو ركعتي وضوء، أو نحو
ذلك؛ فالوتر باق بحاله ختمت به صلوات اللیل.
فقد جاء في صحيح مسلم (٧٣٨) عن عائشة؛ أنَّ النَّبِيَّ نَّهِ: «كَانَ يُصَلِّي
من اللیل رکعتین بعد الوتر، وهو جالسٌ)).
وقد حمله النووي على أنَّه ◌َ لّ فعل ذلك؛ لبيان جواز النفل بعد الوتر.
٣- قال الفقهاء - واللفظ لـ((شرح الزاد وحاشيته)) -: ولا يكره التعقيب وهو
الصلاة بعد التراويح، والوتر في جماعة. لقول أنس: لا ترجعوا إلاَّ إلى خير
ترجونه. قال المجد وغيره: ولو تنفلوا جماعةً، أو بعد رقدة، أو من آخر
اللیل، لم یکره. نص عليه، واختاره جمع.
(١) البخاري (٩٩٨)، مسلم (٧٥١).

٤٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٠٨ - وَعَنْ طَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ
رَسُولَ اللهِ وَّهِ يَقُولُ: ((لاَ وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ)). رَواهُ أَحْمَدُ والثَّلاثَةُ،
وَصخَّحْهُ ابنُ حِبَانَ(١).
درجة الحديث:
الحديث حسنٌ؛ رواه أحمد وأصحاب السنن الثلاثة، وصححه ابن
خزيمة وابن حبان وعبدالحق وغيرهم، وحسّنه الترمذي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على كراهية الإيتار في الليلة الواحدة مرتين فأكثر؛ لأنَّ تكرير
الوتر في ليلة واحدة عبادة لم تُشرع، ولا يعبد الله تعالى إلاّ بما شرع.
٢ - من أوتر ثم أراد الصلاة بعد الوتر، فقد تقدم جوازه، وأنَّ النَّبيَّ نَّ بعد أن
أوتر صلى ركعتين، وأنَّ الشفع بعد الوتر لا ينقضه.
٣- من أراد أن يصلي مع الإمام حتى تنتهي صلاته؛ تحصيلاً لفضيلة قوله وقلت:
((من قام مع الإمام حتى ينصرف، فكأنما قام ليله))، وأراد أن يحصل على
فضيلة الوتر آخر الليل، فإنَّه إذا سلم الإمام قام وأتى بركعة، تشفع له صلاته
مع الإمام.
قال في ((شرح الزاد وحاشيته)): فإن تبع إمامه فأوتر معه، أو أوتر منفردًا، ثم
أراد التهجد، فلا يُنْقَض وتره، ويصلي ما شاء إلى طلوع الفجر الثاني، ولا يوتر
مرّة أخرى؛ لأَنَّه ثبت عنه وَّ أنَّه كان يصلي بعد الوتر ركعتين، ولا يوتر بعدها.
وإن شفعه بركعة جاز، وتحصل له فضيلة متابعة إمامه وجعل وتره آخر صلاته .
(١). أحمد (٢٣/٤)، أبو داود (١٤٣٩)، الترمذي (٤٧٠)، النسائي (١٦٧٩)، ابن حبان (٢٠١/٦).

٤٢٩
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣٠٩ - وَعَنْ أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ رَسُولُ
اللهِ وَلَهُ يُؤْتِرُ بـ (سَبِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ اُلْأَعْلَى﴾، و﴿قُلْ يَتَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ﴾،
و ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾)) رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، وَزَادَ: ((ولاَ
يُسَلِّمُ إِلاَّ فِي آخِرِهِنَّ))(١).
وَلِأَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ نَحْوُهُ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - وَفِيْهِ:
(كُلُّ سُورَةٍ فِي رَكْعَةٍ، وَفِي الأَخِيْرَةِ: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ﴾
وَالمُعَوِّذَتَيْنِ))(٢) .
* درجة الحديث:
حديث عائشة فيه ضعف، وله شاهد، وقال العقيلي: إسناده صالح، قال
ابن حجر: حديثُ أُبي أصح من حديث عائشة.
وقد ساق المؤلف حديثين فيما يقرأ في الوتر .
أحدهما: عن أبي بن كعب؛ أنَّه يقرأ ﴿سبح﴾ و﴿الكافرون﴾، و﴿الإخلاص﴾
الثاني : عن عائشة: بزيادة المعوذتين.
فأما حديث أبي بن كعب؛ فقال عنه في ((التلخيص)): حديث أُبَي بن
کعب بإسقاط ۔ المعوذتين - أصح.
وقال ابن الجوزي: أنكر أحمد وابن معين زيادة المعوذتين، وحديث أُبَي
رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه وابن حبان والحاكم.
(١) أحمد (٤٠٦/٣)، أبو داود (١٤٢٣)، النسائي (١٧٣٠).
(٢) أبوداود (١٤٢٤)، الترمذي (٤٦٣).

٤٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال الشوكاني: حديث أَبَي رجاله ثقات إلاَّ عبدالعزيز بن خالد، وهو
مقبول أيضًا.
وأما حديث عائشة: فرواه أبوداود والترمذي وابن ماجه عنها، وفيه
ضعف، وقد تفرّد به یحیی بن أيوب، وفيه مقال، وللكنه صدوق.
وقال الترمذي: فيه انقطاع، كما أنَّ فيه خصيفًا، وهو لين الحديث،
وكأنّه لشواهده، قال الترمذي: حديث حسن غريب
* مفردات الحديث:
- المعوذتين: بكسر الواو وتشديدها، ومن فتحها فقد أخطأ.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب قراءة هذه السور الثلاثة في الركعات الثلاثة من الوتر وهي:
(أ) سورة الأعلى؛ لما تضمنته من حث على الآخرة، وتزهید في الدنيا،
ولأنَّها تضمنت مواعظ ذُكرت في الصحف الأولىُ، وُعِظَ بها الأوَّلونَ والآخرون.
(ب) سورة الكافرون؛ لكونها تعدل ربع القرآن، وتضمنها البراءة التامة
من الكفار ودينهم، ولاشتمالها على التوحيد العملي الإرادي.
(ج) سورة الإخلاص؛ لكونها تعدل ثلث القرآن الكريم، وتضمنها
صفات الله، وتوحيده التوحيد الخبري العلمي.
٢- الأفضل عدم المداومة على هذه السور؛ لئلا يظن العامة وجوبها، فترك
الفاضل أحيانًا لبيان الحكم، أفضل من المداومة عليه؛ لأنَّ تعليم الناس أمرَ
دينهم من أفضل الأعمال .
٣- قراءة المعوذتين جاءت في رواية ضعيفة، ولكن لم يشتد ضعفها، وفقهاء
أهل الحديث إذا جاءهم الحكم الشرعي برواية لم يشتد ضعفها، وكانت
تندرج تحت قاعدة شرعية، وكانت - أيضًا - في فضائل الأعمال - فإنَّهم
يعملون بها، ومنه هذا الحديث.

٤٣١
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣١٠ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّ النَّبيَّ ◌َله
قَالَ: ((أَوْتِرُوا قَبْلَ أَنْ تُصْبِحُوا)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وَلَابنِ حِبَّانَ: ((مَنْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَلَمْ يُؤْتِرْ، فَلاَ وِتْرَ لَهُ))(١).
* درجة الحديث:
رواية ابن حبان إسنادها صحيح، وصححها - أيضًا - ابن خزيمة والحاكم
(٤٤٣/١)، ووافقه الذّهبي، وذكر له الحاكم شاهدًا من حديث ابن عمر
وصححه، ووافقه الذهبي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الوتر من صلاة الليل، وللكنه يختم به صلاتها ؛ ليوترها، كما تختم صلاة
النهار بصلاة المغرب؛ لتوترها.
٢- أنَّ آخر وقت الوتر هو طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر، فقد فات وقت
الوتر، فمن أوتر بعد طلوع الصبح فلا وتر له، قال ابن المنذر: أجمعوا على
على أنَّ ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر وقت للوتر. أما أول وقته فتقدم
أنَّه بعد صلاة العشاء، ولو كانت مجموعة تقديمًا مع المغرب.
٣- وذكر ابن المنذر عن جماعة من السلف: أنَّ للوتر وقتين: اختياري
واضطراري، فالاختياري ينتهي بطلوع الفجر الثاني، والاضطراري لا ينتهي
إلاَّ بصلاة الصبح.
٤ - ظاهر الحديث: أنَّ الوتر الذي فات وقته إذا كان تركه من عمد، فإنَّ تاركه
فوَّت أجره، أما النائم أو الناسي فهما موضوع الحديث الآتي إن شاءالهتعالى.
(١) مسلم (٧٥٤)، ابن حبان (٢٤٠٨).
:

٤٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣١١ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: (مَنْ نَامَ عَنِ الوِتْرِ، أَوْ نَسِيَهُ، فَلْيُصَلِّ إِذَا أَصْبَحَ، أَوْ
ذَكَرَ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ(١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ، أخرجه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدار قطني
(٢٢/٢)، والحاكم (٤٤٣/١)، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه
الذهبي.
قال العراقي: إنَّ الحديث جاء من طريقين :
من طريق أبي داود، وهي صحيحة.
والأخرى: من طريق الترمذي وابن ماجه، وهي ضعيفة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أن من نام عن الوتر فلم يستيقط حتى طلع الصبح الثاني،
أو نسيه فلم يذكره حتى طلع الفجر - أنه يصليه، ولو بعد طلوع الصبح
الثاني .
٢- الحديث صحيح، فقد قال الحاكم والذهبي: إنه على شرط الشيخين،
وأيدهما الشيخ الألباني؛ فيكون حجة في هذا الحكم.
ومع هذا فإنه مشمولٌ بالحديث الذي في البخاري (٥٩٧)، ومسلم
(٦٨٢) عن أنس؛ أن النبي وَ ل قال: ((من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها
إذا ذكرها، لا كفارة لها إلاّ ذلك)).
(١) أحمد (٤٤/٣)، أبوداود (١٤٣١)، الترمذي (٤٦٥)، ابن ماجه (١١٨٨).

٤٣٣
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣- لا تعارض بين هذا الحديث والحديث الذي قبله: ((من أدرك الصبح ولم
يوتر، فلا وتر له))، فهذا في حق الذاكر والمستيقظ، فإن وقت الوتر عنده
ينتهي بطلوع الفجر الثاني؛ بخلاف حديث الباب، فهو في حقِّ النائم
والغافل، فإن هذا هو وقت الصلاة في حقه.
٤- ظاهر الحديث، ومعه حديث الصحيحين أيضًا: أن من نام عن وتره حتى
أصبح، أو نسيه - أنه يصليه بعد طلوع الفجر، وأن هذا هو وقته الشرعي،
أداءً لا قضاءً، والله أعلم.
٥- قال في ((الإقناع)): ويقضيه مع شفعه إذا فات وقته؛ لحديث أبي سعيد قال:
قال رسول الله وقال: ((من نام عن الوتر أو نسيه، فليصله إذا أصبح أو ذكره))
[رواه أبوداود]، قال في ((الحاشية)): المذهب يقضيه على هيئته.
قال شيخ الإسلام: صح عنه وَّر أنه قال: ((من نام عن صلاة أو نسيها
فليصلها إذا ذكرها؛ فإن ذلك وقتها))، وهذا يعم الفرض وقيام الليل والسنن
الرواتب .
٦- هناك طائفة من العلماء يرون عدم قضاء الوتر على صفته، وأن من طلع عليه
الصبح ولم يوتر، فقد فاته الوتر، ولا وتر له؛ كما جاء ذلك في رواية ابن
حبان. ويستدلون على ذلك - أيضًا - بما رواه مسلم (٧٤٦) من حديث
عائشة - رضي الله عنها - قالت: ((كان رسول الله وَيّر إذا غلبه نوم أو وجع عن
قيام الليل، صلَّى من النهار اثنتي عشرة ركعة)).
وذلك أنه كان يوتر بإحدى عشرة ركعة، فيصليها بالنهار شفعًا بزيادة
ركعة، فمن كان عادته أن يوتر بثلاث، ونسي، فالأفضل أن يصليها أربعًا،
ومن كان عادته خمسًا فليصل ستًّا، ومن كان عادته سبعًا فليصل ثمانياً، ومن
كان عادته تسعًا فيصل عشرًا، ومن كان عادته إحدى عشرة فليصل اثنتي
عشرة. ويعتبر هذا كالقضاء للوتر، إلاّ أنه يصليها شفعًا .

٤٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وقال الشيخ في موضع آخر: لا يقضي الوتر، ومراده على صفته؛ لأن
المقصود به أن يكون آخر الليل، على أن وتر النهار المغرب.
والراجح قضاء الوتر نهارًا شفعًا، كما اختاره الشيخ تقي الدين، رحمه
الله تعالى .

٤٣٥
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣١٢ - وَعَنْ جَابِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ◌ِّهِ:
((مَنْ خَافَ أَلَ يَقُومَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَلْيُوِرْ أَوَلَهُ، وَمَنْ طَمِعَ أَنْ يَقُومَ
آخِرَهُ، فَلِيُوتِرْ آخِرَ اللَّيْلِ؛ فَإِنَّ صَلاَةَ آخِرِ اللَّيْلِ مَشْهُودَةٌ، وَذَلِكَ
أَفْضَلُ)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- طمع: في الشيء طمعًا وطماعة، فهو طامع، والطمع: الأمل والرجاء، وأكثر
ما يستعمل فيما يقرب حصوله، جمعه: أطماع.
- مشهودة: يقال: شهد يشهد شهودًا، بمعنى: حضر واطلع على الشيء، فهو
شاهد بمعنى: حاضر، وشاهد ذلك أنَّ الله تعالى ينزل آخر الليل، فينادي
خلقه ویجیب أسئلتهم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - يدل الحديث على أنَّ الوتر يجوز في أول الليل وفي آخره، فوقته من صلاة
العشاء إلى طلوع الفجر الثاني، ومن كل الليل أوتر النبي وَالقتل.
٢ - أنَّ تأخير الوتر إلى آخر الليل أفضل لمن قوي على القيام، وطمع في أن
يستيقظ قبل الفجر؛ لقول عائشة: ((وانتهى وتره إلى السحر)) [رواه مسلم
(٧٤٥)]، ولأنَّ صلاة آخر الليل تشهدها الملائكة، وهذه ميزة كبرى، ولأنَّ
هذا هو وقت المناجاة، حينما ينزل الرب جلَّ وعلا إلى السماء الدنيا، كما
جاء في البخاري (١١٤٥) ومسلم (٧٥٨)؛ أنَّ النَّبيَّ ◌َلِّ قال: ((ينزل ربنا إلى
السماء الدنيا كل ليلة، حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني
(١) مسلم (٧٥٥).

٤٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له))، ولأنَّ الوتر آخر
الليل هو التهجد الذي ذكره الله في كتابه العزيز؛ فإنَّ التهجد لا يكون إلاّ بعد
نوم، وهو وقت الناشئة التي قال تعالى فيها: ﴿إِنَّ نَاشِئَةَ الَّيْلِ هِىَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ
[المزمل] فإنَّ النَّاشئة لا تكون إلاّ بعد رقدة.
قِيلًا
٣- أما من يخشى ألا يقوم آخر الليل؛ فيلوتر قبل أن ينام؛ لحديث أبي هريرة:
((أوصاني خليلي رسول الله وَ ل بثلاث: وذكر منهنَّ: وأن أوتر قبل أن أنام)»
فأبوهريرة كان يشتغل أول الليل بدراسة الأحاديث وحفظها، فكان ممن لا
يستيقظ إلاّ بعد أن يصبح، فأوصاه النبي ◌ّر بأن يوتر قبل أن ينام، وتكون
لأبي هريرة، ولمن هو على مثل حاله.

٤٣٧
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣١٣ - وَعَنِ ابنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - عَنِ النَّبِيِّنَلَ قَالَ:
((إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ، فَقَدْ ذَهَبَ وَقْتُ كُلِّ صَلاَةِ اللَّيْلِ وَالوِتْرِ، فَأَوْتِرُوا قَبْلَ
طُلُوعِ الفَجْرِ)). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ(١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيح، صححه ابن خزيمة والحاكم، ووافقه الذهبي.
فأما صدره: فلا ينافي حديث أبي سعيد المتقدم (٣١١)، فالذي معنا في
حق المستيقظ الذاكر، والذي قبله في حق النائم، أو الناسي.
وأما آخره : - وهو قوله: ((فأَوْتِرُوا قبل طلوع الفجر)) - فقد جاء في
صحيح مسلم (٧٥٤) من حديث جابر؛ أنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((أَوْتِرُوا قبل أن
تصبحوا))، وقد صححه النووي في ((الخلاصة)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث تقدم معناه في عدة أحاديث، وهو أنَّ وقت الوتر من صلاة العشاء،
ويمتد حتى طلوع الفجر الثاني، وأنَّ من ترك الوتر متعمدًا حتى طلع عليه
الفجر - فقد فاته الوتر، الذي هو من صلاة الليل، فأمر ويليه بالوتر قبل طلوع
الفجر؛ لئلا يفوت وقته.
٢ - وتقدم أنَّ الصحيح أنَّ فوات الوتر في حق تاركه عمدًا حتى طلع الفجر، أما
من نام عنه أو نسيه، فإنَّ وقته أداء إذا استيقظ أو ذكر؛ فيكون هذا الحديث
مخصوصًا بالحديث المتقدم: ((من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصل إذا أصبح
أو ذکر)).
(١) الترمذي (٤٦٩).

٤٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وهذا القول يجمع الأحاديث المتعارضة في فوات الوتر، في حق النائم
والناسي، وأدائه في وقته.
٣ - روى مسلم (٧٤٦) عن عائشة - رضي الله عنها - قالتْ: ((كان رسول الله وَل
إذا لم يصل من الليل، منعه من ذلك النوم، أو غلبته عيناه - صَلَّى من النهار
اثنتي عشرة ركعة)).

٤٣٩
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٣١٤ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ
ـبل الله
وسلم
يُصَلِّي الضُّحَىْ أَرْبَعًا، وَيَزِيدُ مَا شَاءَ الله)). رَوَاهُ مُسْلِمُ(١).
٣١٥ _ ولَهُ عَنْهَا: «أَنَّهَا سُئِلَتْ: هَلْ كَانَ رَسُولُ اللهِنَّهِ يُصَلِّي
الضُّحَى؟ قَالَتْ: لاَ، إِلاَّ أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيِْهِ»(٢).
٣١٦ - وَلَهُ عَنْهَا: ((مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ وَّهِ يُصَلِّيْ قَطُّ سُبْحَةً
الضُّحَىْ، وَإِنِّي لأُسَبِّحُهَا))(٣).
* مفردات الأحاديث:
- مغيبه: يقال: غاب يغيب غيبًا، فهو غائب، بمعنى: سافر وبعد، والمغيب
اسم زمان ومكان.
- قطَّ: بفتح القاف وضم الطاء مشددة، قال في ((المعجم الوسيط)): قطّ ظرف
زمان لاستغراق الماضي، والعامة تقول: لا أفعل قط، وهو غلط، قلتُ:
لأنها مختصة بالزمن الماضي.
- سُبْحَة الضحى: بضم السين المهملة وسكون الباء التحتية الموحدة؛ أي:
صلاة النافلة، فالتسبيح يكون بمعنى الذكر والصلاة، يقال: يسبح فلان؛ أي:
يصلي السبحة، فريضةً كانت أو نافلةً.
* ما يؤخذ من الأحاديث:
١- هذه الأحاديث الثلاثة تتعلق بأحكام صلاة الضحى، وهي سنة جاء فيها ما
(١) مسلم (٧١٩).
.(٢) مسلم (٧١٧).
مسلم (٧١٨).
(٣)

٤٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
رواه الإمامان: البخاري (١٨٨٠)، ومسلم (٧٢١) عن أبي هريرة قال:
«أوصاني خليلي رسول الله ◌َ ل# بثلاث: صيام ثلاثة أيام من كل شهر، وركعتي
الضحى، وأن أوتر قبل أن أنام».
٢- الحديث رقم (٣١٤) يدل على مشروعية صلاة الضحى، وأنّه وَّ كان
يصليها أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله.
٣- حديث رقم (٣١٥) يدل على أنَّه ◌َ لّ ما كان يصليها، إلاَّ أن يأتي من سفر،
فكأنَّها قيَّدت الحديث الأول بهذا الحديث، فصارت صلاته لها حينما يقدم
من السفر .
٤ - حديث رقم (٣١٦) يدل على أنَّه ◌َ لّ ما كان يصليها أبدًا، وهذا يحمل على
تقييد الحديث رقم (٣١٥) بالقدوم من السفر أيضًا، وأنّه ما كان يأتي بها،
وإنما كان عند القدوم من المغيب .
ومن أجل هذا الاختلاف في الإتيان بها من عدمه، أطال عليها الكلام ابن
القيم في ((زاد المعاد))، وبيَّن وجه الجمع بين هذه الأحاديث التي فيها نوع
تعارض، فقال: اختلف الناس في هذه الأحاديث على طرق:
(أ) منهم من رجَّح الفعل على الترك؛ بأنَّها تتضمَّن زيادة علم خفيت
على الثاني، ومن حفظ حجةٌ على من لم يحفظ.
(ب) وطائفة ثانية ذهبت إلى: أحاديث الترك، ورجحتها من جهة صحة
إسنادها، وعمل الصحابة بموجبها، فروى البخاري: ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َّ لم يكن
یصلیھا، ولا أبوبكر، ولا عمر)).
(ج) وذهبت طائفة ثالثة إلى: استحباب فعلها غبًّا، فتصلى في بعض
الأيام دون بعض، وهذه إحدى الروايتين عن أحمد، وحكاه الطبري عن
جماعة، واحتجوا بحديث رقم (٣١٥).
(د) وذهب ابن جرير إلى: أنَّه لا تعارض في الأحاديث، فقال: وليس في