النص المفهرس

صفحات 361-380

٣٦١)
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وسجود التلاوة والشكر
فهذا هو ما دعا المشركين إلى السجود في هذه السورة، لا ما تفوه به
الزنادقة، والمخدوعون من قصة الغرانيق الباطلة، فهي واهية المعنى،
ساقطة الدلالة، بعيدة عن مقام النبوة، ولكن أعداء الإسلام يولعون بمثل
هذه الافتراءات، ويجدون من يتابعهم: إما من تلاميذهم في الكفر، وإما
من السذج، وإلاّ فإنَّه قد وصف رسوله بَّه في أول السورة بأنه: ﴿ وَمَا يَنْطِقُ
، ثم جاء بأداة الاستفهام الإنكاري من هذه الأصنام،
عَنِ الْمَوَّ
٣
وتسميتهم لها، وعبادتهم إياها، وقد أبطلها، وردّ هذه الرواية أئمة
الإسلام، ولكن المقام لا يتسع لنقل كلامهم، فلا تغتر بمحاولة بعض
العلماء لتصحيح أسانيد روايتها، فإنَّ كل ما خالف القرآن، أو صادم الدين -
مرفوض.

٣٦٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٧٧ - وعَنْ زَيْدِ بن ثَابِتٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((قَرَأْتُ
عَلَى النَّبِّوَّهِ ﴿النَّجْمَ﴾، فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا)). مُتَّفِقٌ عَلَيهِ(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه دليل على أنَّ القارىء إذا لم يسجد، فإنه لا يسجد المستمع.
٢ - فيه دليل أنَّ سجود التلاوة مندوب، وليس بواجب؛ إذ لو كان واجبًا، لأنكر
علی زید عدم سجوده.
ويحتمل أنّه ترك السجود لعذر، ولكن تقدم أنَّ مذهب الأئمة الثلاثة:
مالك، والشافعي، وأحمد: أنَّه سنة.
وأبو حنيفة يرى: أنَّه واجب، وليس بفرض، والواجب عندهم أقل من
الفرض، فإنَّه ما ثبت بدليل ظني، أما الفرض فما ثبت بدليل قطعي.
٣- الحديث لا يصلح دليلاً للشافعية في قولهم: إنَّه منذ هاجر وَّ إلى المدينة لم
يسجد في شيء من المفصل؛ فإنَّ حديث أبي هريرة؛ أنه سجد في
﴿الانشقاق﴾ و﴿العلق﴾ يرد هذا، فإنَّ أبا هريرة الذي لم يسلم إلاّ بعد
الهجرة بست سنين، حيث أسلم بعد غزوة خيبر - يقول: ((سجدنا مع رسول
الله ◌َال ـ بـ(الانشقاق﴾ و﴿العلق))).
فترك السجود في هذا لا يصلح دليلاً على نسخه، فيحتمل أنّه تركه لبيان
الحكم من حيث عدم الوجوب، أو أنَّ القارىء لم يسجد، فلا يسجد
المستمع، أو من باب تركه - عليه السلام - العمل وهو يُحِبُّ أن يفعله،
خشية فرضه، فالمحامل كثيرة.
(١) البخاري (١٠٧٣)، مسلم (٥٧٧).

٣٦٣
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وسجود التلاوة والشكر
٢٧٨ - وَعَنْ خَالِدِ بْنِ مَعْدَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((فُضِّلَتْ
سُورَةُ الحَجِّ بِسَجْدَتَيْنِ)). رَوَاهُ أَبُو دَاودَ فِي ((المَرَاسِيل))(١).
وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ مَوْصُولاً مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ،
وَزَادَ: ((فَمَنْ لَمْ يَسْجُدْهُمَا، فَلاَ يَقْرَأْهَا)). وسَنَدُهُ ضَعيفٌ(٢).
* درجة الحديث:
الحدیث مرسلٌ، وله شواهد یشد بعضها بعضًا، كما قال ابن كثير .
وأما حديث عقبة: فقال ابن كثير: رواه أبوداود والترمذي من حديث
عبدالله بن لهيعة، قال الترمذي: وليس بالقوي.
قال في ((التلخيص)): وأكده الحاکم بأنَّ الرواية صحت فیه من قول عمر،
وابنه، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي الدرداء، وأبي موسى، وعماز.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- الحديث يدل على ميزة سورة الحج على غيرها من سورة القرآن؛ بأنَّ فيها
سجدتين، وللكنه لا يدل على تفضيلها على غيرها من السور مطلقًا، وإنَّما
يفضل الشيء على الشيء بحسب ما قيِّد به.
٢ - يدل على أنَّ سجدة الحج الأخيرة من سجدات القرآن المعتبرة، ففيه رد على
أبي حنيفة وأتباعه، من عدم اعتبارها من سجدات القرآن.
٣- يدل على وجوب السجود في هذه السورة بسجدتيها؛ فإنَّ النَّهي عن قراءتها
إلّ لمن أراد أن يسجد فيهما - دليل على وجوبه؛ لأنَّ النَّهي لا يكون إلاَّ لترك
(١) أبوداود في المراسيل ص(١١٣).
(٢) أحمد (١٥١/٤)، الترمذي (٥٧٨).

٣٦٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
الواجب، ولکن یحمل على تأکید السجود فيها، من غير وجوب، كما هو
مذهب الجمهور، وهو عدم وجوب سجود التلاوة، وقد وردت نصوص
كثيرة بترك السجود، منها الأثر الآتي عن عمر - رضي الله عنه - أنَّه قال: ((إنَّ
الله تعالى لم يفرض علينا السجود، إلاَّ أن نشاء)). [رواه البخاري].
٤ - أن وجه النهي عن قراءتها لمن لم يسجدهما، هو أنَّ السجدة شرعت في حق
التالي بتلاوته، والإتيان بالسجدة من حق التلاوة، وهي لا تخلو إما أن تكون
واجبة فيأثم بتركها، أو سنة فيستضر بالتهاون بها .

٣٦٥
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وسجود التلاوة والشكر
٢٧٩ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّا
نَمُّ بِالسُّجُودِ، فَمَنْ سَجَدْ فَقَدْ أَصَابَ، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدْ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ)) .
رَوَاهُ البُخَارِيُّ.
وَفِيهِ: ((إِنَّ اللهَ تَعَالَىْ لَم يَفْرِضِ السُّجُودَ، إِلاَّ أَنْ نَشَاءَ)). وَهِوَ
فِي ((المُوَطَّ)(١).
* ما يؤخذ من الحديث:
١- هذا الأثر من أمير المؤمنين قاله في خطبة الجمعة، أمام الصحابة كلهم،
فلم ینکر علیه أحد منهم؛ فدلَّ على عدم المعارضة، فحينئذٍ یکون قول
الصحابي حجة، لاسيما الخليفة الراشد، الذي هو أولى باتباع السنة، وبحضور
جميع الصحابة، فيكون إجماعًا، كما أنَّه جاء في بعض ألفاظ الأثر: ((يا أيُّها
الناس، إنا لم نؤمر بالسجود)) وهذا حديث له حكم الرفع، والمؤلف ما
ساقه هنا إلاَّ للاستدلال به، على أنَّه ليس بواجب، وإنما هو مستحب.
٢- إذا كان هذا الأثر ينفي وجوب سجود التلاوة، فإنَّه يدل على استحبابه،
وأنه ليس مندوبًا إليه.
قال الشيخ تقي الدين بن تيمية: ولم يأت بإيجابه قرآنٌ، ولا سنةٌ، ولا
إجماعٌ، ولا قیاسٌ.
(١) البخاري (١٠٧٧)، الموطأ (٤٨٢).

٣٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٨٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ
وَ يَقْرَأُ عَلَيْنَ القُرْآنَ، فَإِذَا مَرَّ بِالسَّجْدَةِ كَبَّرَ، وَسَجَدَ، وسَجَدْنَا
مَعَهُ)). رَوَاهُ أَبُودَاوَدَ بِسَنَدٍ فِيهِ لِيْنٌ(١).
* درجة الحديث:
الحديث فيه ضعفٌ، لكن أصله في الصحيحين.
قال في ((التلخيص)): رواه أبوداود، وفيه عبدالله العمري، المكبر، وهو
ضعيف، وأخرجه الحاكم (١/ ٤٢١) من رواية عبيدالله العمري، المصغر، وهو
ثقة، وقال: إنَّه على شرط الشيخين .
قلتُ: وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر بلفظ آخر.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على مشروعية سجود التلاوة.
٢- يدل على أنَّ المستمع يسجد إذا سجد القارىء.
٣- يدل على أنَّ القارىء إمام للمستمعين في تلك السجدة.
٤ - يدل على أنَّ القارىء إذا لم يسجد، فإنَّ المستمع لا يسجد.
٥- يدل على أنَّه يكبر إذا سجد، والظاهر أنَّه يكتفي بتكبيرة واحدة، تجزىء عن
تكبيرة الانتقال، ويكون الأصل فيها للإحرام، ولم يذكر في الحديث تكبيرة
للرفع من السجود، مما يدل على أنه لم يشرع.
٦- أما شيخ الإسلام فيقول: ولا يشرع في سجود التلاوة تحريم، ولا تحلیل،
وهذا هو السنة المعروفة عن النبي وَلّه، وعليها عامة السلف، وعلى هذا
(١) أبوداود (١٤١٣).

٣٦٧
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وسجود التلاوة والشكر
فليس هو صلاة، فلا يشترط له شروط الصلاة، بل يجوز على غير طهارة،
وإلى غير القبلة كسائر الذكر، وكان ابن عمر يسجد على غير طهارة،
واختارها البخاري، للكن السجود بشروط الصلاة أفضل.
وقال ابن القيم: لم يذكر عنه وَّ أنَّه كان يكبر للرفع من هذا السجود.
وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: سجود التلاوة إذا فعل خارج الصلاة،
فالصحيح أنَّه لا يجب فيه تكبير ولا تسليم، ولا يشترط فيه الطهارة، ولا
استقبال القبلة، وللكنه بشروط الصلاة أكمل، وإن كان في نفس الصلاة،
فحكمه حكم سجود الصلاة؛ وهو اختيار الشيخ تقي الدين.
٧- أما المشهور من مذهب الإمام أحمد: فقال عنه في ((شرح الزاد)): وإذا أراد
السجود فإنَّه يكبر تكبيرتين: تكبيرة إذا سجد، وتكبيرة إذا رفع؛ سواء كان
في الصلاة أو خارجها، ويجلس إن لم يكن في صلاة، ولا يتشهد، ويسلم
وجوبًا، وتجزىء تسليمةٌ واحدة، ويرفع يديه ندبًا إذا سجد، ولو في
الصلاة، وسجود من قيام أفضل، ويقول في سجوده: سبحان ربي الأعلى،
کما یقول في صلب الصلاة، وإن زاد غيره مما ورد فحسن.
٨ - قال الشيخ تقي الدين: وأحاديث الوضوء مختصة بالصلاة، للكن السجود
بشروط الصلاة أفضل، ولا ينبغي أن يخل بذلك إلاَّ لعذر، فالسجود بلا
طهارة خير من الإخلال به.
:

٣٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
: كَانَ إِذَا
صَلَ الله
وسلم
٢٨١ - وَعَنْ أبي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ
جَاءَهُ أَمْرٌ يَسُرُّهُ، خَرَّ سَاجِدًا للهِ)). رَوَاهُ الخَمْسَةُ إِلَّ النَّسَائِيَّ(١).
* درجة الحديث:
أخرجه أحمد وأبوداود والترمذي وابن ماجه والبيهقي، وقال الترمذي:
حسن غريب.
وفي إسناده: بكار بن عبدالعزيز بن أبي بكرة الثقفي، وهو ضعيف عند
العقيلي وغيره، وقال ابن معين: صالح، وقال ابن عدي: أرجو أنَّه لا بأس به،
وهو من الضعفاء الذين يكتب حديثهم، وذكره العقيلي في ((الضعفاء)).
وللحديث شواهد من حديث عبدالرحمن بن عوف عند أحمد، ومن
حديث سعد بن أبي وقاص عند أبي داود، وفي الباب عن جابر وابن عمر
وأنس، وقد سجد أبوبكر لما قُتل مسيلمة، وسجد كعب بن مالك لما بُشِّرَ
بالتوبة، والله أعلم.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- هذا الحديث يدل على سجدة يقال لها: ((سجدة الشكر))، وهي مستحبة عند
تجدد نعمة، أو اندفاع نقمة؛ سواء أكانت النقمة، أو النعمة خاصة
بالساجد، أم عامة للمسلمين .
٢- حكمها حكم سجود التلاوة، فمن اعتبر الأولى صلاة اعتبر هذه صلاة، لها
أحكام الصلاة من اشتراط الطهارة، والاستقبال، والتكبير، والتسليم، وغير
ذلك من أحكام الصلاة، ومن لم ير سجود التلاوة صلاة - كابن تيمية
(١) أحمد (٤٥/٥)، أبوداود (٢٧٧٤)، الترمذي (١٥٧٨)، ابن ماجه (١٣٩٤).

٣٦٩
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وسجود التلاوة والشكر
وغيره - اعتبر هذه مثلها .
ولذلك قال الشيخ في ((الاختيارات)): وسجود الشكر لا يفتقر إلى
طهارة؛ كسجود التلاوة.
٣- ذهب إلى استحباب سجود الشكر الشافعية والحنابلة:
قال ابن القيم: لو لم تأت النصوص بالسجود عند تجدد النعم، لكان هو
محض القياس ، ومقتضى عبودية الرغبة.
أما الحنفية والمالكية: فلم يستحب عندهم سجود الشكر.
٤- يختلف سجود الشكر عن سجود التلاوة؛ بأنَّ سجود التلاوة يجوز في
الصلاة، حينما يمر القارىء في صلاته بقراءة آية سجدة، أما سجود الشكر
فتبطل به الصلاة عند الحنابلة.
قال في: ((شرح الزاد)»: يستحب في غير صلاة سجود الشكر، عند تجدد
النعم، واندفاع النقم، وتبطل به صلاة غير جاهل وناسٍ، والله أعلم.

٣٧٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٨٢ - وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
(سَجَدَ النَّبِيُّ ◌َّهِ فَأَطَالَ السُّجُودَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: إِنَّ جِبْرِيلَ
أَثَانِي فَبَّرَنِي، فَسَجَدْتُ للهِ شُكْرًا)). رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَصَخَّحَهُ الحَاكِمُ(١).
درجة الحديث:
قال الحاكم: على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي.
قال في ((التلخيص)): رواه أحمد والبزار والعقيلي والحاكم، كلهم من
طريق محمد بن جبير بن مطعم، عن عبدالرحمن بن عوف، وهو لم يسمع منه،
ورواه الإمام أحمد من طريق عبدالواحد بن محمَّد بن عبدالرحمن بن عوف،
ولم يوثق عبدالواحد إلاّ ابن حبان، وسيأتي في الحديث الآتي ما يؤيده.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب سجود الشكر عند تجدد نعمة.
٢- استحباب إطالة السجود، شكرًا لله تعالى، واعترافًا بنعمه، وثناءً عليه،
وسؤاله المزید من فضله وجوده.
٣- البشارة التي جاء بها جبريل - عليه السلام - إلى النبي وَّ*، هو أنَّه أخبره أنَّ
من صلَّى عليه وَ لِّ صلاة واحدةً، فإنَّ الله تعالى يصلي عليه بها عشر مرات،
واستبشر النبي وَل بههذا الفضل لأمرين:
الأول: أنَّ الله تعالى أعلى درجته، ورفع ذكره، وكثَّر أجره بكون
المسلمین یصلون علیه ێ، ويدعون له.
الثاني: هذا الثواب العظيم لأمته حينما يصلون على نبيهم؛ فإنَّ الله
(١) أحمد (١٩١/١)، الحاكم (٥٥٠/١).

=
٣٧١
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وسجود التلاوة والشكر
تعالى من فضله و کرمه يصلي عشر مرات، على من صلّى صلاة واحدة على
نبيه له .
٤- الفضل العظيم، والشرف الكبير لنبينا محمَّد ◌َّ عند ربه، وعِظم هذه
المنزلة عنده .
٥- فضل الصلاة على النبي وَلّه، واستحباب الإكثار منها؛ ليحصل للعبد هذا
الأجر، وليقوم بشيء من حق نبيه محمَّد ◌َلِّ.
٦- الصلاة على النبي ◌َّ المشروعة هي الصيغة المعروفة بالأحاديث الصحيحة،
والتي تؤدى كما كانت تؤدى زمن الصحابة وصدر الإسلام، أما صيغ
الصلوات المبتدعة، والاجتماعات التي ما كانت معروفة، ولا أصل لها في
الشريعة، فهذه لا تعتبر صلاة شرعية، فقد قال ◌َله: ((من أحدث في أمرنا ما
ليس منه، فهو ردِّ)) وفي رواية: ((من عمل عملاً ليس عليه أمرنا، فهو ردِّ)).

٣٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٨٣ - وَعَنِ البَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ
صكلالله
بَعَثَ عَلِيًّا إِلَىْ اليَمَنِ - فَذَكَرَ الحَدِيثَ - قال: فَكَتَبَ عَلِيٌّ بِإِسْلاَمِهِمْ،
فَلَمَّا قَرَأَ رَسُولُ اللهِِّ الكِتَابَ، خَرَّ سَاجِدًا)). رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ، وَأَصْلُهُ
فِي البُخَارِيُّ(١).
* درجة الحديث:
الحديث أصله في البخاري، وهو مؤيد للحديث الذي قبله، وسجود
الشُّكر في تمام الحديث صحيح على شرط البخاري، وأيَّد ذلك ابن عبدالهادي
في ((المحرر)).
* مفردات الحديث:
- خَرَّ: يَخِرّ خَرًّا وَخُرُورًا، من باب ضرب، والمراد هنا: انْكَبَّ على الأرض
ساجدًا لله .
ما يؤخذ من الحديث:
١ - أنَّ من أعظم نعم الله تعالى على عباده المسلمين، هو عزّ الإسلام، وإعلاء
كلمة الله، ونصر دينه؛ فإنَّ حياة المسلمين الحقيقة، وسعادتهم الأبدية هي
في عز دينهم ونصرته، فإسلامُ طوائفَ كبيرةٍ، ودخولهم في الإسلام، عزّ
للمسلمین، وتکثیر لسوادهم.
٢- حرص النبي ◌َّر على هداية الخلق، وإنقاذهم من ظلام الكفر إلى نور
الإيمان، فهو يبعث البعوث إليهم؛ ليدعوهم إلى دين الله تعالى، ويفرح
الفرح العظيم بهدايتهم؛ لأنَّ في هذا أمورًا كثيرة:
(١) البيهقي (٣٦٩/٢).

٣٧٣
كتاب الصلاة - باب سجود السهو وسجود التلاوة والشكر
أولاً: إنقاذ هذا الجمع البشري من النار، والتسبب في دخولهم الجنة.
الثاني: له الأجر الكبير في هدايتهم، ودلالتهم على الخير، فقد قال ◌َله:
((لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلاً واحدًا خيرٌ لكَ منْ حُمُرِ النَّعَم)). [رواه البخاري
(٢٩٤٢)].
الثالث: إنَّ في هذا نجاحًا لدعوته، وامتثالاً لأمر ربه، وأداءً لرسالته.
٣- في الحديث دليل على أنَّ سجود الشكر يكون من قيام، أفضل من كونه من
قعودٍ؛ لقوله: ((وخرّ ساجدًا))؛ فإنَّ الخرور لا يكون إلاَّ من قيام، ويحتمل أنَّ
البشارة جاءته وهو قائم، فحينئذٍ لا یکون في الحديث دليل على استحباب
سجود الشكر من قيام.
٤- مشروعية هذا السجود عند وجود نعم الله تعالى وفضله، وكمال نعمته
وتجددها، والله أعلم.

٣٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب صلاة التطوع
مقدمة
التطوع: تفعل، من: طاع يطوع، إذا انقاد.
والتطوع لغة: فعل الطاعة .
وشرعًا واصطلاحًا: طاعة غير واجبة، من صلاة، وصدقة، وصوم،
وحج، وجهاد، والمراد هنا بصلاة التطوع: الصلوات التي ليست واجبة .
قال شيخ الإسلام: التطوع تكمل به الفرائض يوم القيامة، إن لم يكن
المصلي أتمها .
وقال الإمام الغزالي في ((الإحياء)): أمرُ الله فرائض، ونوافل؛ فالفرائض
رأس المال، وهو أصل التجارة، وبه تحصل النجاة، والنوافل هي الربح، وبها
الفوز في الدرجات.
وفي هذا الباب يبحث الفقهاء في الأعمال الصالحة أيها أفضل.
قال في ((شرح الإقناع)): أفضل التطوع الجهاد في سبيل الله، فقد قال
الإمام أحمد: لا أعلم شيئًا بعد الفرائض أفضل من الجهاد.
ومن الجهاد النفقة، والإعانة عليه.
ثم يلي الجهاد العلم، تعلَّمه وتعليمه من تفسير، وحديث، وتوحيد،
وفقه، ونحوها.

٣٧٥
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
قال أبوالدرداء: العالم والمتعلم سواء في الأجر.
ونقل مُهَنَّا عن الإمام أحمد: طلب العلم أفضل الأعمال لمن صحت
نيته، بأن ينوي به نفي الجهل عن نفسه، وإفادة غيره.
ونقل منصور عن الإمام أحمد: أن تذاكر بعض ليلة أفضل من إحيائها .
والمراد بالعلم: الذي ينتفع به الناس في أمور دينهم.
وقال الإمامان: أبو حنيفة ومالك: أفضل ما تُطَوِّعَ به العلم: تعلمه،
وتعليمه.
وقال الشيخ تقي الدين: تعلم العلم وتعليمه يدخل بعضه في الجهاد،
والعلم خير ما أنفقت فيه الأنفاس، وبذلت فيه المُهج.
وقال الإمام النووي: اتَّفق السلف على أنَّ الاشتغال بالعلم أفضل من
الاشتغال بنوافل الصلاة، والصيام، والتسبيح، ونحو ذلك، فهو نور القلب،
ومن يرد الله به خيرا يفقهه في الدين، فهو أفضل الأعمال، وأقربها إلى الله،
وأفضل العلوم أصول الدين، ثم التفسير، ثم الحديث، ثم أصول الفقه ثم الفقه.
وقال الغزالي: أيها المقبل على اقتباس العلم، إن كنت تقصد بطلب
العلم المنافسة، والمباهاة، واستمالة وجوه الناس إليك، وجمع حطام الدنيا،
فصفقتك خاسرة، وإن كانت نيتك وقصدك من طلب العلم الهداية، دون مجرد
الرواية - فأبشر؛ فإنَّ الملائكة تبسط لك أجنحتها - إذا مشيتَ - رضًا بما تطلب.

-
٣٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٢٨٤ - وَعَنْ رَبِيْعَةَ بْنِ كَعْبِ الأَسْلَمِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ:
((قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّهِ: سَلْ، فَقُلَّتُ: أَسْأَلُكَ مُرَافَقَتَكَ فِي الجَنَةِ، فَقَالَ:
أَوَغَيْرَ ذُلِكَ؟ فَقُلْتُ: هُوَ ذَاكَ، قَالَ: فَأَعِنِّي عَلَى نَفْسِكَ بِكَثْرَةِ
السُّجُودِ)). رَوَاهُ مُسْلِمٌ(١).
* مفردات الحديث:
- سَلْ: من السؤال، بتخفيف الهمزة، فلما تحركت السين، لم يحتج لهمزة
الوصل.
- أَوَغَير ذلك: الواو بالسكون والفتح، وهمزة الاستفهام تستدعي فعلاً، فيكون
المعنى على الأول: سل غير ذلك، لكنه أجاب: هو ذاك؛ أي: مسؤولي
ذاك، لا أريد غيره، وعلى الثاني فالتقدير: أتسأل هذا وهو شاق، وتترك ما
هو أهون منه، فأجاب: مسؤولي ذلك، لا أتجاوز عنه.
- ذلك: هذه الإشارة للبعيد؛ لينتهي السائل عن سؤاله امتحانًا منه وَ ظله .
- ذاك: هذه الإشارة جاء بها السائل؛ ليفيد أنَّ ما سأله غير مستبعد.
- أعنِّي على نفسك: أعني على بلوغ مرادك.
- السجود: يراد به: الصلاة، فعبر عن كلها ببعضها؛ لكون هذا البعض هو
أهم أفعالها .
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - ربيعة بن كعب الأسلمي أحد المتشرفين بخدمة النبي ◌َّله، وكان يبيت عند
النبي ﴾ يأتيه بوضوئه، فأراد ل# أن يكافئه على عمله وخدمته، فقال له:
(١) مسلم (٤٨٩).

٣٧٧
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
سل واطلب مني حاجة أقضيها لك، وإذا بنفس الرجل كبيرة عالية، فقال:
أسألك مرافقتك في الجنة، فقال له وَله: أو غير ذلك، من حاجة أخرى غير
هذه؟ فقال: هو ذاك، يعني: ليس لي حاجة إلاَّ هذه الحاجة، فأجابه وَله
إلى ما طلب، ولكنه قال: أعنِّي على نفسك؛ أي: ساعدني على قضاء
هذه الحاجة الكبيرة، ونيل هذا المرام العظيم بكثرة الصلاة، فإنَّها سبب
لعلو الدرجات في الجنة، فإنَّ الله تعالى لما ذكر المحافظين على الصلاة،
[المؤمنون] .
قال: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيَهَا خَالِدُونَ
٢ - المراد من السجود: هو الصلاة؛ فإنَّ الشيء يسمى ببعضه، لا سيما إذا كان
بعض الشيء أهم ما فيه، فالسجود أهم ما في الصلاة؛ لما فيه من كمال
الخضوع، والاستكانة لله تعالى، والقُرب منه.
٣- المراد بالصلاة هنا: نوافلها؛ لأنَّها التي يمكن تكثيرها، فدلَّ على أنَّ نوافل
الصلوات من أعظم الطاعات، وأنها سبب قوي لنيل أعلى درجات الجنان.
٤- التطوع في الصلاة على أربعة أقسام:
(أ) تطوع مطلق لا يتقيد بسبب، ولا بوقت، ولا بفرض.
(ب) تطوع مقيد بالوقت؛ كالوتر، وصلاة الضحى.
(ج) تطوع مقيد بفرض؛ كرواتب الصلوات الخمس.
(د) تطوع مقيد بسبب؛ كتحية المسجد، وركعتي الوضوء.
٥ - فيه دليل على سمو نفس ربيعة - رضي الله عنه - وإلى شرف مطلبه، وعلو
همته على الدنيا وشهواتها؛ فإنَّ نفسه تؤَّاقة إلى أعلى المراتب.
٦ - فيه دليل على هذا الخُلقُ العظيم للنبي وََّ، فإنَّ خدمته شرف، وإنها لأجر
عظيم يعود على الخادم بالخير والبركة، ومع هذا فإنه أحب أن يكافىء من
يخدمه، ولم يقل: إنَّ حقًّا عليكم أن تخدموني .
٧- فيه بيان أنَّ السجود في الصلاة هو أفضل أفعالها، وهو موطن خلاف بين

٣٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
العلماء، فهل القيام أفضل أو السجود؟ فالمذهب عندنا، كما قال في ((شرح
الزاد)): ((وكثرة ركوع وسجود أفضل من طول قيام))، فيما لم يرد تطويله،
واستدلوا بحديث الباب.
وقال الشيخ تقي الدين: التحقيق أنَّ ذكر القيام - وهو القراءة - أفضل من
ذكر الركوع والسجود، وأما نفس الركوع والسجود فأفضل من نفس القيام،
فاعتدلا، ولهذا كانت صلاته وَليل معتدلة.

٣٧٩)
كتاب الصلاة - باب صلاة التطوع
٢٨٥ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((حَفِظْتُ مِنَ
النَّبِّ ◌َّهُ عَشْرَ رَكَعَاتٍ: رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا،
وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ المَغْرِبِ فِي بَيَّتِهِ، وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ العِشَاءِ فِي بَيَّتِهِ،
ورَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الصُّبْحِ)). مُتَّفقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ لَّهُمَا: ((وَرَكْعَتَيْنِ بعدَ الجُمُعَةِ فِي بَيَّتِهِ))(١).
ولِمِسْلِمٍ: «كَانَ إِذَا طَلَعَ الفَجْرُ لاَ يُصَلِّي إلاَّ رَكْعَتَيْنٍ خَفِيفَتَيْنِ))(٢).
٢٨٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِي اللهُ عَنْهَا -: ((أَنَّ النَّبِيَّوَ كَانَ لاَ
يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الُّهْرِ، وَرَكْعَتَيْنِ قَبَلِ الغَدَاةِ)). رَوَاهُ البُخَارِيُّ(٣).
* مفردات الحديث (٢٨٦):
- يدَع: يقال: ودعته أدعه ودعًا: تركته، وأصل المضارع الكسر، ومن ثم
حذفت الواو، ثم فتح لمكان حرف الحلق، ويندر استعمال ماضيه،
ومصدره، واسم فاعله، حتى قال بعضهم: إن العرب أماتت ذُلك، إلاَّ أنَّه
وجد في بعض الجمل.
(١) البخاري (٩٣٧، ١١٨٠)، مسلم (٧٢٩).
(٢) مسلم (٧٢٣).
(٣) البخاري (١١٨٢).

٣٨٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
یکُن النَّبيُّ
٥
٢٨٧ - وَعَنْهَا - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ:
وسـ
عَلَى شَيْءٍ مِنَ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَىْ رَكْعَتَيْ الفَجْرِ)). مُتَّفَقٌ
عَلَيْهِ(١) .
وَلِمُسْلِمٍ: ((رَكْعَتَا الفَجْرِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيْهَا))(٢)
* مفردات الحديث:
- تعاهدًا: يقال : تعاهد تعاهدًا، وحقيقة التعهد: تجديد العهد به، والمراد
هنا : المحافظة عليها .
- النوافل: جمع ((نافلة))، قال في ((النهاية)): سميت النوافل في العبادات؛ لأنَّها
زائدة على الفرائض.
(١) البخاري (١١٦٩)، مسلم (٧٢٤).
(٢) مسلم (٧٢٥).