النص المفهرس

صفحات 421-440

٤٢١
كتاب الطهارة - باب التيمم
ـســ
وقال الإمام أحمد: من قال: إنَّ التيقُم إلى المرفقين، فإنَّما هو شيءٌ
زاده من عنده.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء في صفة التيمم:
فذهب الإمام أحمد: إلى أنَّ المشروع في التيُّم هو ضربةٌ واحدة، يمسح
وجهَهُ بباطنِ أصابعه ويمسَحُ كفيه براحتیه، ولا يُسَنُّ مسحُ ذراعيه إلى المرفقين،
بل يقتصر في المسح إلى الكوعين، هذا هو الصحيح والمشهور من مذهبه.
قال الترمذي: وهو قولُ غير واحد من أهل العلم من الصحابة والتَّابعين،
منهم علي وعمَّار وابن عبّاس وعطاء والشعبي وإسحاق، واختاره ابن المنذر،
وأهل الظاهر، وهذا هو قول فقهاء الحديث، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية،
وابن القيِّم، والشوكاني، وعليه العمل عند علماء الدعوة السلفية في نجد.
وذلك لما جاء في البخاري (٣٤٧) ومسلم (٣٦٨) من حديث عمَّار: ((أنَّ
النَّبِي بَّرِ ضَرَبَ بيديه الأرض ضربةً واحدةً، ثمَّ مسح الشمال على اليمين،
وظاهر کفیه ووجهه)).
وذهب الأئمة الثلاثة: إلى أنَّ التیُم ضربتان، یمسح بإحداهما وجهه،
وبالأخری یدیه إلى مرفقیه.
واستدلُّوا بحديث الباب: ((التيمُّم ضربتان، ضربةٌ للوجه، وضربةٌ لليدين
إلى المرفقين))، ومثله عند الدَّار قطني عن جابر .
قال الخلال: الأحاديث في ذلك ضعيفةٌ جِدًّا، ولم يُورِدْ منها أصحاب
السنن إلاَّ حديث ابن عمر، وقال أحمد: ليس بصحيح عن النَّبي ◌ِّهِ .
وعلى فرضٍ صلاحية تلك الأحاديثِ للاستدّلال، فلا تُعَارِضَ ما في
الصحیحین .

٤٢٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١١ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ
وَّ: «الصَّعِيْدُ وَضُوءُ المُسْلِمِ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ المَاءَ عَشْرَ سِنِيْنَ، فِإِذَا
وَجَدَ المَاءَ، فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيُمِشَّهُ بَشَرَتَهُ)) رَوَاهُ البَزَّارُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ
القَطَّانِ، وَلَكِنْ صَوَّبَ الدَّارَقُطْنِيُّ إِرْسَالَهُ(١)، وَلِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي ذَرِّ
نَحْوُهُ، وصَحَّحَهُ(٢).
درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
وله شاهد أشار إليه المؤلّف وصحَّحه وروى هذا الشَّاهد أحمد (٢٠٨٦٣)،
والترمذي (١٢٤)، وأبو داود (٣٣٣)، والنسائي (٤٢٠)، والدَّار قطني، والحاكم،
وغيرهم، وصحَّحه الترمذي، وابن حبَّان، والدَّارقطني، وأبوحاتم، والحاكم،
والذهبي، والنووي، وابن دقيق العيد.
مفردات الحديث:
*
- الصعيد: وجهُ الأرض البارز، ترابًا كان أو غيره.
- عشر سنين: المقصودُ منه: المبالغةُ دون التحدید.
- فليمسه بشرته: فليجعلِ الماءَ يصيبُ بدنه بالتطهُّر به، لمستقبل العبادة.
- البَشَرة: بفتح الباء والشين: ظاهر الجلد.
(١) البزار (٣١٠ كشف الأستار)، الدَّارقطني (١٨٧/١).
(٢) الترمذي (١٢٤).

٤٢٣
كتاب الطهارة - باب التيمم
* ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية التيمُّم عند فقد الماء، وعدم حصوله.
قال الشيخ تقي الدِّين: من امتنع عن الصلاة بالتيمُّم، فإنَّه من جنس
اليهود والنَّصارى؛ فإنَّ التيُم لأمّة محمد وَّه خاصَّة.
٢ - أنَّ التيتُم طهورٌ، وكافٍ عن الماء في رَفْع الأحداث، مهما طالتِ المدَّة عند
عدم الماء.
٣ - جواز التيمُّم على جميع ما تصاعَدَ على وجه الأرض، من أيِّ نوعٍ من أنواع
التربة، وعلى كلِّ ما على الأرض مِنْ طاهرٍ، من فرش ولبدّ وحيطان
وصخور وغيرها، وسيأتي الخلافُ في ذلك، إن شاء الله تعالى.
٤- أنَّ التيمُمَ رافعٌ للحدث وليس مبيحًا فقط؛ فإنَّه - عليه الصلاة والسلام -
سَمَّاه وَضُوءًا، وهو قول كثير من أهل العلم، ومذهب الإمام أبي حنيفة،
وإحدى الروايتين عن أحمد، وهذا هو القياس.
قال الشيخ تقي الدِّين: وعليه يدل الكتاب والسنّة والاعتبار.
٥- إذا وُجِدَ الماء، بَطُلَ التيُّم؛ فيجب على المسلم العُدُولُ عن التيقُّم إلى
استعمال الماء، لما يُسْتَقْبَلُ من العبادات التي مِنْ شرطها الطهارة؛ وذلك أنَّ
وجود الماء يرفع استصحاب الطهارة التي كانت بالتراب، كما هو المفهوم
من الحدیث .
٦ - قوله وَ له: ((عشر سنين) ليس توقيتًا لنهاية مدَّة التيمم، وإنَّما مثالٌ لطول
المدَّة .
٧- إذا وجد المتيمِّم الماء، وجب عليه أنْ يُمِسَّهُ بشرته للمستقبل من الصلاة،
ونحوها من العبادات؛ لأنَّ الله تعالى جعله قائمًا مَقَامَ الماء، فلا يخرجُ عنه
إلاّ بالدليل.
٨- قال شيخ الإسلام: التيتُمُ يقومُ مقام الماء مطلقًا، ويبقى بعد الوقت كما تبقى

٤٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
طهارةُ الماء بعده، وهذا القولُ هو الصحيح؛ وعليه يدل الكتاب والسنَّة.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء هل التيُّم يرفع الحدث أو لا يرفعه؟:
فذهب الحنابلة وغيرهم: إلی أنَّه مبیحٌ لا رافعٌ.
واستدلُّوا على ذلك بقوله وَله: ((فإذا وجد الماء، فليتق الله وَلْيُمِسَّه بشرته))
وقالوا: إنَّ هذا دليل على أنَّ المتيمِّم إذا وجد الماء، وجب عليه إمساسه بشرته،
لما سلف من جنابة عليه؛ فإنَّ التيُّم لم يرفع حدثه، وإنَّما أباح له فعل ما
شُرِعَتِ الطهارة له، وأمَّا الحدثُ فباقٍ عليه.
وذهب بعضهم، ومنهم الحنفية: إلى أنَّ التيُّم قائم مقام الماء في كلِّ
أحواله، وأنَّه بدَلٌ عنه، والبدل له حكم المُبْدَلِ منه؛ وبناءً عليه: فهو رافعٌ
للحدث من الجنابة، فيصلِّ به ما شاء من الأوقات، فإذا وجد الماء بطل تيُّمه
لما يستقبله من عبادة؛ لأنَّ الله تعالى جعله بدلاً من الماء، فحُكْمُه حُكْمُه.
ومن أجل هذا قال شيخ الإسلام: إنَّ الخلاف بينهما خلافٌ لفظي؛ ذلك
أنَّ الَّذين قالوا: لا يرفع الحدث، لم يوجبوا عليه الإعادة عند القدرة على
استعمال الماء، والّذين قالوا: يرفع الحدث، إنَّما قالوا: يرفعه رفعًا مؤقتًا إلى
حين القدرة على استعمال الماء، وقد ثبت بالنص والإجماع: أنَّ التيثُم يبطل
بالقدرة على استعمال الماء.

٤٢٥
كتاب الطهارة - باب التيمم
١١٢ - وَعَنْ أَبِي سَعِيْدِ الخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((خَرَجَ
رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتِ الصَّلاَةُ وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءً، فَتَيَمَّمَا صَعِيْدًا
طَيَِّا فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا المَاءَ فِي الوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلاَةَ
وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ الآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُوْلَ اللهِ ◌ِّهِ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ؟
فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: أَصَبْتَ السُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلاَتُكَ، وقَالَ للآخَرِ:
لَكَ الأَجْرُ مَرَّتَيْنِ)» رَوَاهُ أَبُودَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ(١).
* درجة الحديث:
الحديث اختلف العلماء في وصله وإرساله، والصواب أنَّه مرسل.
فقال في التلخيص: رواه أبوداود، والدَّارمي (٢٠٧/١)، والحاكم
(٢٨٦/١)، والدَّارقطني (١٨٨/١) موصولاً، ورواه النسائي (٤٣٣)، وابن
المبارك، والطبراني في الأوسط (٤٨/٨) مرسلاً.
وقال موسى بن هارون: رفعه وهمٌّ؛ فإنَّ ابن نافع يدوِّن عن عطاء عن
النَّبِي وَلِّ مرسلاً .
وله شاهدٌ مرفوعٌ عن ابن عبّاسٍ، إلاَّ أنَّ فيه ابن لهيعة، وهو ضعيفٌ لسوء
حفظه .
* مفردات الحديث:
- فحضرت الصلاة: دخل وقتها.
- صعيدًا: الصعيد: وجه الأرض.
(١) أبوداود (٣٣٨)، النسائي (٤٣٣).

٤٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- طيبًا: طهورًا مباحًا.
- أصبتَ السُّنَّة: الطريقةَ الشرعية، أي: فِعْلُكَ صحيحٌ، موافقٌ للطريقة الشرعية
التي سنَّهَا النَّبِي وَ.
- أجزأتك: يقال: أجزأه إجزاءً: إذا كفاه وأغناه، والمعنى: كفتك صلاتك.
- لك الأجر مرّتين: أجرٌ للصلاة الأولى، وأَجْرٌ للصلاة الثانية، ولكنَّ إصابة
السنَّة أفضلُ من ذلك.
* ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعيّة التيثُم، واستقرارُ أمره لدى المسلمين في عهد النَّبِي ◌َّ .
٢ - فَقْدُ الماء هو أحدُ عُذْرَي الطهارة بالتيمُم؛ كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُ واْمَآءَ
فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦].
٣- جوازُ التيمُّم على ما تصاعد على وجه الأرض من أي تربة كانت، وعلى أي
شيء طاهر على ظهر الأرض؛ لعموم الحديث، وعدم تخصيصه بشيء.
٤ - لا بد من طهارةٍ ما يُتَيَمَّمُ به مِنْ ترابٍ أو متاع، فلا يصحُ التيُّم بنجس؛
لقوله: ﴿صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ .
٥- أنَّ مَنْ صَلَّى بالتيمم عادمًا للماء، ثمَّ وجده بعد الصلاة، لم يعدها، فقد
أجزأته صلاتُهُ وأصابَ السُّنَّة؛ كما قال ◌َلِّ، وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
وأما قوله بَّهِ: ((فإذا وجد الماء، فليتق الله ولْيُمِتَه بشرته)) فهذا عامٌ فيما
قبل الصلاة الحاضرة ولما بعدها، إلاّ أنه إن كان قد صلَّى بالتيمم عادمًا
للماء، فصلاته صحيحة ولا يعيدها، ويبقى إمساسُ البشرة بالماء لما يستقبل
من العبادات التي يشترط لصحتها الطهارة.
٦ - أمَّا المعيد فله أجران: أجر الصلاة بالتيمُّم، وأجر الصلاة بالماء، ولكنَّ
إصابةَ السُّنَّةِ أفضلُ من الإعادة.
٧- جوازُ الاجتهاد في مسائل العلم في زمن الشَّي ◌ََّ، ولكنَّ أرجحَ الأقوال: أنَّ

٤٢٧
كتاب الطهارة - باب التيمم
الاجتهاد لا يكون في زمنه إلاَّ في حالٍ غيبتِهِ، وبُعْدِهِ عن مكان المستفتي.
٨- اختلَفَ العلماء في جواز التیمُّم بجمیع ما تصاعد علی وجه الأرض:
فذهب الإمامان الشَّافعي وأحمد: إلى أنَّه لا يصح التيقُّم إلاَّ بترابٍ له
غبار؛ واحتجا بقوله تعالى: ﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيَّدِيكُمْ مِنْهُ﴾
[المائدة: ٦]، وما ليس له غبار لا يَعْلَقُ باليد منه شيء، فلا يجوزُ التیمُّم به؛
كما احتجا بما رواه مسلم من حديث حذيفة أنَّ النَّبِي وَّه قال: ((وجعلت لنا
الأرضُ مسجدًا، وجُعلت تربتها لنا طهورًا)).
وذهب الإمامان أبو حنيفة، ومالك: إلى جواز التيمُّم بكلِّ ما تصاعد على
وجه الأرض، سواءٌ كانت ذاتَ غبار أو غير ذات غبار؛ كالرمل، والحصى،
والسباخ، والرطب، واليابس، ومحروق، وحجر، وحشيش، وشجر،
وعلى ما عليها من فرش، وحيوان، وغير ذلك، فلا يستثنيان شيئًا ممَّا على
وجه الأرض.
وذهب إلى هذا الأوزاعيُّ، وسفيان الثوري.
قال النووي: وهو وجهٌ لبعض أصحابنا .
وهو الروايةُ الأخرى عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن
القيم، واستظهرها ابن مفلح في الفروع، وصوَّبها في الإنصاف؛ لقوله
تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ [المائدة: ٦]، وقوله وَّ: ((جعلت لي الأرض
مسجدًا وطهورًا)) .
فعموم النصوص تفيدُ جوازَ التيمُّم بجميع ما تصاعَدَ على وجه الأرض.

٤٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٣ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:
﴿ وَإِن كُنْتُمْ مَرْضَىَ أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، قَالَ: ((إِذَا كَانَتْ بِالرَّجُلِ الجِرَاحَةُ فِي
سَبِيْلِ اللهِ وَالْقُرُوْعُ فَيُجْنِبُ، فَيَخَافُ أَنْ يَمُوتَ إِنِ الْتَسَلَ، تَيَمَّمَ)) رَوَاهُ
الدَّارَقُطْنِيُّ مَوْقُوفًا، وَرَفَعَهُ الْبَزَّارُ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ(١).
** درجة الحديث:
الحدیث موقوف.
قال الحافظ في التلخيص: الصوابُ وقفه، قلت: والصوابُ: أنَّ له حكم
الرفع؛ لأنَّ هذا ممَّا لا مجال للرَّأي والاجتهاد فيه، وقال البزَّار: لا نعلم أحدًا
رفعه عن عطاء من الثقات إلاَّ جرير بن حازم، وقال أحمد، وابن معين، والعقيلي:
إنَّ جريرًا سمع من عطاء بعد اختلاطه؛ ولذا لا يصح رفعه.
* مفردات الحديث:
- الجراحة: الجُرْحُ: هو الشَّقُّ في البدن، جمع الجُرْحِ: جروح، وجمع الجريح :
جرحى.
- مرضى: جمعُ مريض، قال القرطبي: المرَضُ: عبارة عن خروج البدن عن
حد الاعتدال. اهـ. والمراد هنا: المرض الذي يخشى معه التضرُّر من
استعمال الماء.
- أو على سفر: ((أو)) حرف عطف، والجار والمجرور متعلِّق بمحذوف،
معطوف على خبر ((كنتم))، وهو قوله: ((مرضی)).
- القروح: جمع قرح، وهي: الجروح والشقوق من أثر السلاح، ومن مرض،
(١) ابن خزيمة (١٣٨/١)، الدَّارقطني (١٧٧/١) والحاكم (١٦٥/١).

٤٢٩
كتاب الطهارة - باب التيمم
کالبثور التي تخرج في البدن.
- يُجْنِب: بضم أوله، من أجنب، أي: صار جنبًا.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - تفسير ابن عبّاس للآية بأنَّ من به قروحٌ، مثالٌ للضرر المبيح للتيُّم، وإِلاَّ
فكلُّ مرض يبيحُ التيُّم، ولو لم يصل استعمال الماء إلى الموت، وإنَّما
يصل إلى الضرر فقط .
٢- قال العلماء: مَنْ خاف باستعمالِ الماء ضَرَرَ بدنه مِنْ مرض یخشی زیادته،
أو بُطْءَ بُرْئِه، أو بقاءَ أثره، ونحو ذلك، فإنَّه يعدل عن استعمال الماء في
الوضوء، أو الغسل، إلى التيُّم حتَّى يبرأ.
أمَّا العذر بعدم الماء: فقد تقدَّم في أحاديث جابر، وعمَّار، وأبي هريرة،
وأبي سعيد.
٣- أنَّ السفر غالبًا يكون معه العذر إلى التيمُّم؛ ذلك أنَّهم كانوا ما يحملون
معهم في سفرهم إلاّ القليل من الماء، الَّذي يكونُ بقدر شربهم، وإصلاح
طعامهم، فيتيمَّمون لصلاتهم؛ ولكن السفر نفسه ليس مبيحًا للتيثُم؛ فلا
يجوز للمسافر الَّذي يجدُ الماء، ولا يخاف الضرر باستعماله: أنْ يتیمَّم، بل
يجبُ عليه الوضوءُ للصلاة، ولا يَحِلُّ له أنْ يصلِّي بطهارة تيمُّم.

٤٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
١١٤ - وَعَنْ عَلِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((انْكَسَرَتْ إِحْدَى
زَنْدَيَّ، فَسَأَلْتُ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ؟ فَأَمَرَنِي أَنْ أَمْسَحَ عَلَى الجَبَائِرِ)) رَوَاهُ
ابنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ وَاهِ جِدًّا (١) .
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيفٌ.
قال المؤلّف في التلخيص: رواه ابن ماجه، والدَّارقطني (٢٢٦/١)،
وفي إسناده الواسطيّ، وهو كذاب، قال المروزي: سألت أحمد عنه؟ فقال:
باطل ليس بشيء.
قال البغوي، والنووي: اتفق الحفّاظ على ضعف هذا الحديث، وفي
معناه أحاديث أُخر، قال البيهقي: لا يثبت عن النَّبِي ◌َّ في هذا الباب شيءٌ،
وأصح ما فيه حديث جابر، بل صحَّحه ابن السكن، وسيأتي بعد هذا الحديث؛
فيكون عاضدًا لهذا، وصحّح البيهقي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنَّه توضَّأ
وكفُّه معصوبة، فمسَحَ عليها وعلى العصابة، وغسَلَ ما سوى ذلك.
* مفردات الحديث:
- زَنْدَيّ: بفتح الزاء المعجمة، وسكون النون، ثمَّ دال مهملة مفتوحة، وآخره
ياء مشدّدة مثناة تحتية: تثنية زند، الزندان: هما الساعد والذراع، فالأعلى
منهما هو الساعد، والأسفل منهما هو الذراع، وطرفهما الذي يلي الإبهام هو
الكُوعِ، والَّذي يلي الخنصر هو الكُرْسُوع، والرُّسْغ - بالغين المعجمة - مجتمع
الزندين من أسفل، والمرفق: مجتمعهما من أعلى.
(١) ابن ماجه (٦٥٧).

٤٣١
كتاب الطهارة - باب التيمم
- الجبائر: جمع جبيرة، وهي ما يُجْبَرُ به العظمُ المكسور، من خرقة تُلَفَّ عليه،
أو أعوادٍ تُشَدُّ علیه، أو غير ذلك.
ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه مشروعية المسح على الجبيرة، والجبيرةُ: كلُّ ما وضع على كسر أو جرح
من أخشاب أو جبس أو خِرَق أو غير ذلك، تربط على الكسر أو الجرح.
٢- المسحُ على الجبيرة يخالفُ المسحَ على الخفَّيْنِ وعلى العمامة والخمار
ببعض الأحكام، وقد تقدَّمت في باب المسح على الخفين، ونعيدها هنا
وهي:
( أ) يمسحُ على الجبيرة بالحدَثَيْنِ الأكبر والأصغر؛ بخلاف الخف
والعمامة والخمار: ففي الأصغر فقط.
(ب) أنَّ مسح الجبيرة يمتد حتَّى يبرأ الجرح أو الكسر؛ بخلاف الخف
ونحوه: فالمسح يوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيَّام ولياليها للمسافر.
(ج) أنَّه يمسح على الجبيرة كلّها، عند المالكية والشافعية والحنابلة،
وقال الحنفية: يكفي مسح أكثرها؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار: فعلى
بعضه، وتقدَّمت صفته.
(د) الصحيح من قولي العلماء: أنَّه لا يشترط في الجبيرة ربطها على
طهارة؛ بخلاف الخف والعمامة والخمار.
هذه أهم الأحكام التي تفارق الجبيرةُ فيها كلَّ واحدٍ من الخفين والعمامة
والخمار، وهي راجعةٌ إلى أنَّ مسح الجبيرة مَسْحُ ضرورة، لا يمكنُ قياسها
على الخفين، وأمَّا ما عداهما فمسحُهُ رخصةٌ وسهولةٌ وتيسير .
٣- هذا الحديثُ والَّذي بعده مِنْ أدلَّةِ مشروعية المسح على الجبيرة، وسماحةٍ
أحكام الشريعة .

بـ
(٤٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
خلاف العلماء:
*
اختلف العلماء في التيمم عمَّا تحت الجبيرة:
فذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة ومالك وأحمد: إلى الاكتفاء بالمسح؛ فلا
یجب التیمُّم معه.
وذهب الإمام الشافعي: إلى التيمُّم عمَّا تحت الجبيرة، مع المسح عليها .
والقولُ الأوّل أصُ؛ إذ لا يجمع بين مبدل ومبدل منه.
ولعلَّ القول بمذهب الشَّافعي هو الذي حمَلَ المؤلّف على ذكر هذا
الحدیث هنا .

٤٣٣
كتاب الطهارة - باب التيمم
١١٥ - وَعَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي الرَّجُلِ الَّذِي شُحَّ
فَاغْتَسَلَ فَمَاتَّ: ((إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَّمَّمَ، وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ
خِرْقَةً، ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ) رَوَاهُ أَبُودَاودَ بِسَنَدٍ فِيْهِ
ضَعْفٌ، وَفِيْهِ اخْتِلاَفٌ عَلَى رَاوِيهِ(١).
درجة الحديث :
الحدیث ضعيف.
رواه أبوداود (٣٣٦) وابن ماجه (٥٧٢)، وقد تفرّد به الزبير بن خریق.
قال الدَّار قطني: وليس بالقوي، وخالفه الأوزاعي؛ فرواه عن عطاء، عن
ابن عباس، وهو الصواب، وقال الدار قطني: اختلف فيه على الأوزاعي، والصواب:
أنَّ الأوزاعي أرسل آخره عن عطاء، قال أبوزرعة وأبو حاتم: الأوزاعي لم يسمع
هذا الحديث عن عطاء، وإنَّما سمعه من إسماعيل بن مسلم، عن عطاء.
مفردات الحديث:
- شُجَّ: بضم الشين المعجمة، مبني للمجهول من شجَّهُ يَشِجُّهُ بكسر الشين
وضمها، والشجة: هي الجرحُ في الرأس والوجه خاصَّة.
- يعصب: يشدُّ العصابة على رأسه، والعصابةُ: هي العمامة.
- خرقة: بكسر الخاء، وسكون الرَّاء: القطعة من الثوب الممزّق.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قصة الحديث: قال جابر: خَرَجْنا في سفر، فأصاب رجلاً منَّا حجرٌ فشجَّه
(١) أبوداود (٣٣٦).

٤٣٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
في رأسه، ثمَّ احتلم، فسأل أصحابه فقال: هل تجدون لي رخصةً في
التيقُّم؟ قالوا: لا، ما نجدُ لك رخصةً وأنت تَقْدِرُ على الماء، فاغتسَلَ
فمات، فلمَّا قدمنا على رسولِ اللهِ وَله، أُخْبِر بذلك؟ فقال: ((قتلوه قتلهم
الله، ألا سألوا إذْ لم يعلموا؛ فإنَّما شفاء العي السؤالُ؛ إنَّما كان يكفيه أنْ
يتيمَّم، ويعصب على جرحه خرقة، ثمَّ يمسح عليها، ويغسل سائر جسده)).
٢ - هذا الحديثُ يوافقُ القرآن الكريم في قوله تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ فَرْضَى﴾ ولا
يخالفُ صحيح سُنَّة في جواز المسح على الكسور والجروح، وإنَّما الحديث
ضعيف؛ فقد ضعَّفه البيهقي، وقال: لا يثبت عن النَّبِي وَّر في هذا الباب
شيء، وضعَّفه الحافظ هنا فقال: رواه أبوداود بسندٍ ضعيف، ولكن كما
تقدَّم له ما يَعْضُدُهُ.
٣- يدل الحديث على مشروعية المسح على الجبيرة، سواءٌ كانت على جرح أو
کسر، وهي عزيمةٌ وليست رخصة.
٤ - أنَّ الواجب المسحُ على كلِّ الجبيرةٍ، وليس على بعضها؛ كالخفين.
٥- غسلُ بقيّة بدنه الّذي لم تصبه الجراح؛ ولذا قال بعض العلماء: إنَّه قد
يجتمع في الجبيرة على العضو الواحد ثلاثة أمور: غسلٌ ومسحٌ وتیُّم،
فالغسل للبارز من العضو، والمسح لما فوق الجرح من جبيرة، والتيمُّم لما
غطته الجبائر من الصحيح الَّذي تعدَّى قدر حاجة الربط، ويخشى الضرر
بنزعه، ولعلَّ هذا هو المرادُ من الحديث الَّذي جَمَعَ التيمُّم والمسح
والغسل، وهذا على القول الرَّاجح من أنَّ ما تحت الجبيرة لا یتیمَّم عنه بل
يمسح فقط؛ كما هو مذهبُ الجمهور الذي بينَّاه في الحديث السَّابق.

٤٣٥)
كتاب الطهارة - باب التيمم
١١٦ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((مِنَ الشُّنَّةِ:
أَنْ لاَ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ بِالنَّيَّهُّم إِلَّ صَلَةً وَاحِدَةَ، ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلصَّلاَةِ
الأُخْرَى)) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ جِدًّا (١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف.
قال المؤلِّفُ: رواه الدَّار قطني بإسنادٍ ضعيف جدًّا؛ لأنَّه من رواية الحسن
ابن عمارة، وهو ضعيف جدًّا، وفي الباب موقوفًا عن علي رواه الدَّارقطني،
وفيه حجَّاج بن أرطاة والحارث الأعور، وعن ابن عمر رواه البيهقي، وقال: هو
أصح ما في الباب، وعن عمرو بن العاص رواه الدَّارقطني، وفيه إرسال شدید
بين قتادة وعمرو.
: مفردات الحديث:
- من السُّنَّةَ: يعني: سنَّة النَّبِي وَّرِ، فله حكم الرفع.
- إلَّ صلاةً: المستثنى هنا منصوب على أنه مفعول به؛ لأنَّ الفعل واقعٌ عليه،
فهو مستثنى من كلام ناقص منفي.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - إذا قال الصحابي: من السنَّة كذا؛ فالحديث له حكم الرفع؛ لأنَّهم لا
يريدون بالسنَّة إلاّ سنَّة النَّبِي وَلِّ.
٢ - لا يجوز للمتيمِّم أنْ يصلِّي بالتيمُّم الواحد إلاَّ صلاةً واحدة، هذا هو ما يفهم
من هذا الحديث، وسيأتي تحقيقُ المسألة قريبًا، إنْ شاء الله تعالى.
(١) الدَّارقطني (١٨٥/١).

سـ
٤٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣ - يجب على المتيمِّم أنْ يتيمَّم للصلاة الأُخرى تيُّمًا آخر.
٤- عمومُهُ يفيد وجوب التيمُّم للصلاة الأخرى، سواءٌ كانت الصلاتان في وقتٍ
واحدٍ، أو كل واحدةٍ منهما في وقت.
٥- من يرى هذا الرَّأي يعلِّل بأنَّ طهارة التيمُّم إنَّما هي طهارةُ ضرورة، أُبِيحَتْ
بها العبادةُ فقطْ، وإلاّ فليستْ رافعةً للحدث كالوضوء بالماء.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء هل التيُّم يرفع الحدث كالماء، أم أنَّه مبيح للصلاة
ونحوها إلى حين القدرة على الماء، وأمَّا الحدث فقائمٌ بحاله؟ :
وذهب إلى أنَّه رافع مطلقًا: أبو حنيفة؛ وهو رواية عن أحمد، اختارها
شيخ الإسلام، وابن الجوزي.
وذهب مالك، والشَّافعي، وأحمد في المشهور عنه: إلى أنَّه غير رافع بل
مبيح فقط؛ ولذا يجبُ أنْ يتيمَّم لوقت كلِّ صلاة؛ فإنَّ تيمُّمه يبطُلُ بدخول وقت
الثانية. والصحيحُ دليلاً هو القولُ الأوَّل.
قال في الشرح الكبير: القياسُ أنَّ التيقُّم بمنزلة الطهارة حتَّى يجد الماء
أو يُحْدِث؛ وهو مذهب سعيد بن المسيب والحسن والزهري والثوري وأصحاب
الرأي؛ لأنَّها طهارة تبيح الصلاة، فلم تقدَّر بالوقت كطهارة الماء. اهـ.
قال الإمام أحمد: القياسُ أنَّ التيمُّم بمنزلة الطهارة حتَّى يجد الماء.
قال في الإنصاف: اختاره الشيخ؛ وهو أصخُ.
أمَّا الحديث الَّذي معنا فضعيفٌ، قال الحافظ: رواه الدَّار قطنيُّ بإسنادٍ
ضعيف جدًّا.
لذا فإنَّ الصحیحَ هو أنَّ المتیمِّم یصلِّ بالتیُّم الواحد ما شاء من فروض
ونوافل، ويستبيحُ به كلَّ ما يستبيحُ بطهارة الماء، حتَّى يجدَ الماء، أو يحصُلَ له
ناقضٌ من نواقض الوضوء.

٤٣٧
كتاب الطهارة - باب الحيض
باب الحيض
مقدمة
يُقال: حاضتِ المرأةُ تحيضُ حَيْضًا ومَحِيضًا، فهي حائض: إذا جرى
دمها، والتَّاء المربوطة تلحق الصفات تفرقةً بين المذكر والمؤنث؛ ولكن
الأوصاف الخاصَّة بالنِّساء لا تلحقها إلاَّ سماعًا، فلا يُقال: حائضة بل حائض.
والحيض لغة: السيلان، من قولهم: حاض الوادي: إذا سال.
وشرعًا: دمُ طبيعةٍ وجِبِلَةٍ يُرْخِيهِ الرحم، يعتاد امرأةً بالغةً في أوقاتٍ
معلومة .
قال الأطباء في تحليل الحيض (علميًّا):
الدورة الطمثية (الحيض) تستغرقُ ثمانيةً وعشرين يومًا، يبدأ اليومُ الأوَّل
من النزيف في أوَّلِ أيام الدورة، وفي اليوم الخامس عندما يتوقّف النزيف تبدأ
كرات دقيقة في النمو بفعلِ تنشيطِ الهرمونات المنطلقة من الغدة الثُّخَاميَّة
الموجودة داخلَ المخ، أمَّا في اليوم الرَّابع عشر من الدورة الشهرية فيكون
الرحم قد أعدَّ نفسه لاستقبال بيضة مخصَّبة للحمل، وينخفضُ مستوى
الهرمونات عمَّا كان عليه في بداية الدورة، ويحلُّ محلّها هرمونٌ آخر يعرف
باسم الجعرون، وترتفع نسبة هذا الهرمون ويبقى في حدوث الحمل، بينما
تنخفضُ النسبة إذا لم يحدث الحمل، ويتقاطر الدمُ داخلَ الرحم فيحدثُ
الطمث (الحيض)، أمَّا إذا وقع الحملُ، فلا يحدثُ الطمث (الحيض).
والأصل في الحيض: الكتاب، والسُّنَّة، والإجماع:

٤٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
قال تعالى: ﴿وَيَسْتَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذَى﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وأمَّا السنَّة: فمستفيضة، ومنها الأحاديث الثلاثة، التي قال شيخ
الإسلام: إنَّ أحكام الحيض تدور عليها، وهي:
١ - حديث فاطمة بنت أبي حُبَيْش.
٢-حدیث أم حبيبة بنت جَحْش.
٣- حدیث حَمْنَة بنت جحش.
وأجمع العلماء عليه وعلى أحكامه في الجملة.
وستأتي أكثرُ أحكامه مفصّلة، إنْ شاء الله تعالى.

٤٣٩
كتاب الطهارة - باب الحيض
١١٧ - عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي
حُبَيْشٍ كَانَتْ تُسْتَخَاضُ، فَقَالَ لَهَا رَسُوْلُ اللهِنَّهِ: ((إِنَّ دَمَ الْخَيْضِ دَمٌ
أَسْوَدُ يُعْرَفُ، فَإِذَا كَانَ ذُلِك فَأَمْسِكِي عَنِ الصَّلاَةِ، فَإِذَا كَانَ الآخَرُ
فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي)) رَوَاهُ أَبُودَاود والنَّسَائِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ
والْحَاكِمُ، وَاسْتَنْكَرَهُ أَبُوحَاتِمِ (١) .
وفي حَدِيْثٍ أَسْمَاءَ بنْتِ عُمَيْسٍ عِنْدَ أَبِي دَاوِدَ: ((وَلْتَجْلِسْ فِي
مِرْكَنٍ، فَإِذَا رَأَتْ صُفْرَةً فَوْقَ المَاءِ، فَلْتَغْتَسِلْ لِلِظُّهْرِ وَالْعَصْرِ غُسْلاً
وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْمَغْرِبِ والعِشَاءِ غُسْلاً وَاحِدًا، وَتَغْتَسِلُ لِلْفَجْرِ
غُسْلاً وَاحِدًا، وَتَتَوَضَّأُ فِيْمَا بَيِّنَ ذلِكَ))(٢).
* درجة الحديث:
الحدیث صحیح.
فقد رواه أبوداود والنسائي، وصحَّحه ابن حبَّان والحاكم.
وقال في المحرَّر: قال الدَّارقطني: رواته كلهم ثقات، وقال الحاكم:
على شرط مسلم.
قال في التلخيص : رواه مسلم في الصحيح (٣٣٣) دون قوله «وتوضئي))،
وقال البيهقي: ((وتوضئي)) زيادة غير محفوظة، وكأنَّ مسلمًا ضعَّف هذه الرِّواية
لمخالفتها سائر الروايات.
(١) أبوداود (٢٨٦)، والنسائي (٢١٦)، ابن حبان (٤/ ١٨٠)، والحاكم (١٧٤/١).
(٢) أبوداود (٢٩٦).

٤٤٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وأمَّا حديث أسماء، فقال الحاكم والذهبي: إنَّه على شرط مسلم.
* مفردات الحديث:
- تُستحاض: الاستحاضة: هي سيلانُ الدم في غير أوقاته المعتادة، ويخرُجُ
نتيجةَ ورمٍ أو التهابٍ أو غير ذلك من الأمراض في الرحم، أو في عُنُقِ الرحم،
أو في المهبل، أو انفتاح شرْيَان، وقد يكون خروجه بسبب تناوُلِ شيءٍ من
العقاقيرِ والحبوبِ أو حالاتٍ نفسية.
- مِرْكَن: المِرْكَنُ، بكسر الميم، وسكون الرَّاء الموحَّدة، وفتح الكاف، بعدها
نون: وعاءٌ تُغسل فیه الثيابُ، جمعه مَرَاكِن.
- صفرة: الصفرةُ لون دم الحمرة.
- ذُلِكِ: بكسر الكاف: خطابٌ للمرأة التي تشتكي إليه، ويجوزُ فتح الكاف على
اعتبار الخطابِ العامِّ.
- أمسكي عن الصلاة: يُقال: أمسَكَ يُمْسِكُ إمساكًا، أي: كفَّ عنه، والمعنى:
كُفِّي عن الصلاة واتركيها؛ كما جاء في رواية البخاري (٢٢٨)، ومسلم
(٣٣٣): ((فاتر كي الصلاة)).
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - في الحديث بيانُ دم الحيض، وإثباتُ حكمه، وسيأتي إنْ شاء الله، ودم
الحيض: دمٌ طبيعيُّ عادي، نتيجة عملية ((فسيولوجية))، نابعةٌ من الدورة
الرحمية بسبب الهرمونات التي تؤثِّر على الرحم، والتي يفرزها المبيض،
والمبيض متأثرٌ بهرمونات الغدة النخامية التي تتحكم فيه، والغدة النخامية
تتأثّر بأوامر صادرة إليها من منطقة في الدماغ تحت ((المهاد)).
٢- وجودُ الاستحاضة في بعض النساء، وبيانُ أحكامها.
٣- أنَّ المرأة إذا أصيبتْ بالاستحاضة، وأطبَقَ عليها الدم، فإنَّها تميّز أيام
حيضها بلونِ دم الحيض الأسود، بينما دَمُ الاستحاضة أحمَرُ مُشْرِقٌ.