النص المفهرس
صفحات 401-420
٤٠١ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب ((إنِّي امرأةٌ أشد ضفر رأسي أفأنقضه للحيض والجنابة؟ قال: لا)). ومذهب الجمهور: أنَّه إِذَا وصَلَ الماء إلى جميع شعرها، ظاهره وباطنه من غير نقض لم يجبِ النَّقْضُ. وقال الشيخ محمد بن إبراهيم: الرَّاجِحُ في الدليل: عدمُ وجوبِ النقض في غسلِ الحيض؛ كعدم وجوبه في الجنابة، إلاَّ أنَّه في الحيض مشروعٌ للأدلة، والأمرُ فيه ليس للوجوب؛ بدليل حديث أمِّ سلمة، وهذا اختيار صاحب الإنصاف، وأمَّا الجنابة: فليس مندوبًا في حقُّها، وإنَّما هو متأكَّد في الحيض. قال الزركشي: الأوَّل هو الأولى؛ لحمل الحديثَيْن على الاستحباب. ودليلُ من لا يوجبُ النقض: بعضُ روايات حديث أمِّ سلمة التي ذكرت الحيضَ مع الجنابة، وقد قال ابن القيِّم عن بعض هذه الروايات: الصحيحُ في حديث أمِّ سَلَمَةَ الاقتصارُ على ذكر الجنابة دون الحيض، وليس نقض شعر الرّأس بمحفوظٍ للحائض. وقال الألباني: إنَّ ذكر الحيضة في الحديث شاذِّ لا يثبت. وبهذا فمذهبُ الإمام أحمد قويٌّ في هذه المسألة، وأنَّ حمل الحديثَيْن على الاستحبابِ محمَلٌ حَسَنٌ. ٤٠٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٥ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَلَّه: (إنِّي لاَ أُحِلُّ المَسْجِدَ لِخَائِضٍ وَلاَ جُنُبٍ)) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ خُزَيْمَةً(١). ** درجة الحديث: الحدیث حسن. في سنده أفلت بن خليفة، مجهولُ الحال، لكنْ صحَّحَه ابن خزيمة، وحسنَّه ابن القَطَّان، وكذلك حسَّنه الزَّيْلَعِيّ في نَصْب الرَّاية، وسكت عنه أبوداود؛ فهو عنده صالح، وقال ابن سيِّد الناس: إنَّ التحسين أقلُّ مراتبه؛ لثقة رواته، ووجود الشواهد له من خارج. * مفردات الحديث: - لا أحل المسجد: من الحلال ضد الحرام، والمراد: لا أرخِّص للحائضِ والجنب أن يمكثا في المسجد. - حائض: جمعها حُيَّض، ويكفي ولو بدون تاء التأنيث؛ لأنَّ الحيض وصفٌ مختصٌّ بالمرأة؛ فلا تحتاج - للفرق بينها وبين الرجل - إلى التاء، بخلاف الوصف المشترك، كـ((قائم)) للذكر، فإنَّه يُقال للمرأة: ((قائمة)). - جنب: بضمتين، مَنْ أصابته الجنابة، يستوي فيه المذكَّر والمؤنث، والمثنَّی والجمع؛ قال تعالى: ﴿وَإِن كُنْتُمْ جُنُبًا فَأَطَّهَّرُواْ﴾ [المائدة: ٦]. ما يؤخذ من الحديث: ١ - تحريمُ المكث في المسجد للحائض، وَمِثْلُها النفساء، سواءٌ خشي منها (١) أبوداود (٢٣٢)، ابن خزيمة (٢٨٤/٢). ٤٠٣ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب تلويثه أَوْ لا؛ وهو مذهب جمهور العلماء. ٢ - تحريمُ لبث الجنب في المسجد، أمَّا المرورُ في المسجد للجنب والحائض: فقد أجازه أكثر العلماء؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِى سَبِيلٍ حَتَّى تَخْتَسِلُواْ﴾ [النساء: ٤٣]، والمعنى: اجتنبوا مواضع الصلاة وهي المساجد، وأنتم جنب، إلاّ عابري طريق. ٣- قوله: ((لا أحل المسجد)) المسجد: ذاتٌ وعينٌ، وليس معنَى؛ ولذا فإنَّ التحريم المفهوم من النَّهْي لا يمكنُ أنْ يَنْصَبَّ على تلك الذَّات، وإنَّما المراد منافعُهُ من المكثِ والنوم ونحو ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَتُكُمْ﴾ [النساء: ٢٣]؛ فليس المرادُ الأمَّ ذاتها، وإنَّما المراد نکاگھا . ٤ - قال في المغني: ويجوز العبورُ للحاجة، مِنْ أَخْذِ شيء أو تركه، أو کونٍ الطريق فيه، وهو مذهب مالك، والشَّافعي، ورويت الرخصةُ عن ابن مسعود، وابن عبّاس، وابن المسيب، وابن جبير، والحسن. ودليل جوازه: الآية الكريمة، وحديث أنَّه وَ له قال لعائشة: ((ناوليني الخُمْرَةَ من المسجد، قالت: إنِّي حائض؟ قال: إنَّ حيضتك ليست في يدك)) [رواه مسلم (٢٩٨)]. وعن جابر قال: ((كان أحدنا يمر في المسجد جنباً مجتازًا)) [رواه سعيد بن منصور (٦٤٥)]. وعن عطاء بن يسار قال: «كان الرَّجل من أصحاب رسول الله پێ یکون جنباً فيتوضّأ، ثمَّ يدخل المسجد، فيتحدَّث فيه)). ٤٠٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٦ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كُنْتُ أَعْتَسِلُ أَنَا وَرَسُوْلُ اللهِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ، تَخْتَلِفُ أَيْدِيْنَا فِيْهِ مِنَ الجَنَابَةِ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَزَادَ ابْنُ حِبَّانَ: ((وَتَلْتَقِي أَيْدِيْنَ))(١). * مفردات الحديث: - تختلف أيدينا فيه: اختلف الشيئان: لم يتفقا، ومعنى اختلاف أيديهما في الإناء، يعني: من الإدخال فيه والإخراج منه، وذلك أن يدخل كل واحدٍ منهما يده وتغرف من الإناء، بعد يد الآخر، ولعلَّه لضيق فم الإناء، وجاء في بعض روايات البخاري: ((من إناء واحد، مِنْ قَدَح يُقال له: الفَرَق))، والفَرَق بفتحتين: قال النووي: هو الأفصح، قال ابن الأثير: يسع ستةَ عَشَرَ رِطْلاً . وجملة ((تختلف)) محلها النصب؛ لأنَّها حال من قوله: ((من إناء واحد))، والجمل بعد المعارف أحوال، وبعد النكرات صفات. - تلتقي: تجتمعان أثناء الأَخْذِ والغَرْفِ من الإناء. - من الجنابة: متعلَّق بـ((اغتسل))، وفي ((من)) معنى السببية. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوبُ الاغتسال من الجنابة على الرجل والمرأة. ٢- أنَّ اغتسال المرأة والرجل من إناءٍ واحدٍ لا يؤثِّر في طهارة الماء بالإجماع. ٣- أنَّ وضع الجنب يده في الإناء الَّذي فيه الماءُ لا يسلُبُهُ الطُّهُورية، بل هو باقٍ علی طهوریته. ٤ - جواز أنْ يَرَىُ كلُّ واحدٍ من الزوجين بَدَنَ الآخرِ وعورته، وهو داخلٌ تحت (١) البخاري (٢٦١)، مسلم (٣١٩)، ابن حبان (٣٩٥/٣). ٤٠٥ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب جَ إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَفِظُونٌ أَيْمَنُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرٌ مَلُومِينَ ﴾﴾ [المؤمنون]. ٥ - استحبابُ التقليل من ماء الوضوء والغسل؛ فهذا النَّبِي وَلّ هو وعائشة یغتسلان ویغترفان من إناءٍ واحد . جاء في بعض روايات البخاري (٢٥٠): ((مِنْ قَدَح يُقالَ له: الفَرَق)) والقدح: إناءُ شرب. قال الباجي: الصوابُ: أنَّه صاعان، أو ثلاثة آصُع، كما عليه الجماهير. ٦- في الحديث حُسْنُ عِشْرة النَّبِي وَِّ لأهله، ومشاركتُهُ لهم في أحوالهم وأعمالهم؛ تطييبًا للقلب، وإزالةً للكلفة. ٧- فيه فضلُ أزواج النَّبيِّ وَِّ، لا سيَّما الصدِّيقُ بنت الصدِّيق، فكم نَقَلْنَ للأمّة من الأحكام الشرعية، لا سيَّما الأعمالُ المنزليَّة التي لا يطَّلع عليها إلاّ المُعاشِرُ في المنزل. ٤٠٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٧ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ ((إِنَّ تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةً؛ فاغْسِلُوا الشَّعَرَ، وأَنْقُوا البَشَرَ)). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْ مِذِيُّ وَضَعَّفَاهُ(١). وَلِأَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - نَحْوُهُ، وَفِيْهِ رَاوِ مَجْهُولٌ (٢) درجة الحديث: الحدیث ضعيف. لأنَّه من رواية الحارث بن وجیه، قال أبوداود: حديثه منكر، وهو ضعيف. وقال الترمذي: غريبٌ لا نعرفه إلاَّ من حديث الحارث، وهو شيخٌ ليس بذاك. وقال الشَّافعي: هذا الحديثُ ليس بثابت، وقال البيهقي: أنكره أهلُ العلم بالحديث، مثلُ البخاريِّ، وأبي داود، وغيرهما. وأمَّا حديثُ عائشة عند الإمام أحمد، ففيه راوٍ مجهول، وجهالة الرَّاوي من غير الصحابة توجبُ ضَعْفَ الحديث. ومع هذا الضعف، وبعد بيان ابن حجر في التلخيص الحبير له قال: وفي الباب عن عليٍّ - رضي الله عنه - مرفوعًا: ((من ترك موضع شعرة من جنابة لم يغسلها، فُعِلَ به كذا وكذا)) وقال: إسناده صحيح أخرجه أبوداود (٢٤٩) وابن ماجه (٢٥٩٩)؛ لكن قيل: إنَّ الصواب وقفه على عليٍّ رضي الله عنه. اهـ. قلت: ولا يضر وقفه؛ حيث له حُكْمُ الرفع؛ لأنَّه ممَّا لا مجال للرَّأي فيه، والله أعلم. (١) أبوداود (٢٤٨)، الترمذي (١٠٦). (٢) أحمد (٢٥٤/٦). ٤٠٧ كتاب الطهارة - باب الغسل وحكم الجنب * مفردات الحديث: - جنابة: قال ابن دقيق العيد: تطلق على المعنى الحُكْمِيِّ الذي ينشأ عن التقاء الختانين أو الإنزال. - أنقوا: نقى الشيءُ نقاوة ونقاء: نَظُفَ، فهو نقيّ. - البَشَر: بفتح الباء الموحّدة التحتية، وفتح الشين المعجمة، بعدها راء: ظاهر الجلد، مفرده بَشَرَةٌ . ما يؤخذ من الحديث: ١ - وجوبُ الغُسْلِ من الجنابة والتأكيدُ فيه؛ لأنَّه لا يصحُّ مع الحدث صلاة، ولا نحوُهَا من العبادات التي تتوقّف صحَّتها على الطهارة. ٢- وجوبُ تعميم الجسم بالماء؛ فلا تكمُلُ الطهارة بترك شيءٍ منه، ولو قليلاً لا یدر کە الطَّرْف. ٣- ذلك أنَّ الَّلذَّةَ قد عمَّت جميعَ البدن، واهتزَّ لها، فكذلك الماءُ لابدَّ أنْ يصيبَ جميعَ أجزائه، كما أنَّ جَلْدَ الزَّانِي يَعُمُّ بدنه؛ لحصول الَّلذة في جميع البدن . ٤ - في تعميم البدن بالغسل دليلٌ على تعلُّقِ الأحكام بعللها، وأنَّ الجنابة نتيجة خروج السلالة من جميع البدن؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّجَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَلَةٍ مِّن ﴾ [السجدة]؛ فصار التطهير شاملاً لجميع البدن. مَّآءٍ مَّهِينٍ ( ٨ ٥ - وجوبُ ترويةِ أصولِ الشعر، وإيصالِ الماء إلى ما تحتها من البشرة. ٦- وجوبُ إنقاء البشرة، وذلك بتبليغ الماء إليها؛ وهو يدلُّ على استحباب ذلك في بقية البدن؛ للتحقُّق من وصول الماء إلى كل جزء منه. ٧- قوله: ((إنَّ تحت كل شعرة جنابة)) إمَّا أنْ يحمَلَ على ظاهره؛ فيكون معناه أنَّ كلَّ شعرة تحتها جزءٌ لطيف من البدن لحقته الجنابة، فلا بُدَّ من رفعها بإصابة الماء هذا الجزء، وإمَّا أنْ يحمل على المبالغة؛ فتكون المبالغة ٤٠٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام جائزة، لا سيَّما في مواطن الحث والاهتمام. ٨- قال العلماء: يجب على المغتسل من الحدث الأكبر: أنْ يوصلَ الماءَ إلى مغابِنِهِ وجميع بدنه، فيتفقَّدُ أصولَ شعره، وغضاريف أذنيه، وتحت حلقه وإبطَيْهِ، وعُمْقَ سُرَّته، وبين إلْيَتَيْهِ، وطَيَّ ركبتيه، ويكفي الظنُّ في الإسباغ. ٤٠٩ كتاب الطهارة - باب التيمم باب التيمم مقدّمة أصل التيمُّم: تَأَهُمٌ، فأبدلت الهمزة یاء. والتيمُّم لغةً: القصد. وشرعًا: مسحُ الوجه والیدیْن بصعیدٍ على وجهٍ مخصوص. والتيقُّم: مشروعٌ بالكتاب، والسنَّة، والإجماع، والقياس: قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءٍ فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: ٦]. أمَّا دليله من السنة: فكثرَتْ فيه الأحاديث الصحيحة، ومنها ما في مسلم (٥٢٢) من حديث حذيفة: ((وجُعِلَتْ تربتها لنا طهورًا؛ إذا لم نجد الماء)). وهو إجماع العلماء. وأمَّا القياسُ: فقال شيخ الإسلام: والحق: أنَّ التيُّم على وَفْقِ القياس الصحيح؛ فنشأتنا وقوَّتنا من مادَّتَي الماء والتراب، فالتراب أصل الإنسان، والماء حياة كل شيء، وهو الأصل في الطبائع، وكان أصلَحُ ما يقع به تطهيرُ الأدناس هو الماءَ، وفي حالة عَدَمِهِ أو العذرِ باستعماله، يكونُ لأخيه وشقيقه التراب؛ فهو أولى. أمَّا الأستاذ سيّد قُطْب فيقول: نقفُ أمامَ حرص المنهج الربانيِّ على الصلاة، وعلى إقامتها، في وجه جميع الأعذار والمعوِّقات؛ عند تعذُّر وجود الماء، أو عند التضرُّر بالماء، إنَّ هذا كله يدُلُّ على حرص المنهج الربانيِّ على الصلاة؛ بحيث لا ينقطع المسلم ٤١٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام عنها لسبب من الأسباب. إنَّ هذا ما استطعنا أنْ نستشرفه من حِكْمة النصِّ، وقد تكونُ هناك أسرارٌ من الحكمة، لم يُؤْذَنْ لنا باستجلائها، فلله في شرعه حِكَمٌ وأسرار. وهو من خصائص هذه الأمَّة؛ ففي البخاري (٣٣٥) ومسلم (٥٢١): ((أُعْطِيتُ خمسًا لم يعطهنَّ أحدٌ قَبْلِي: جُعِلَتْ لي الأَرضُ مسجدًا وطهورًا)). وشَرِعَ في السَّنة السادسة في غزوة بني المصطلق، لمَّا ضاع عِقْدُ عائشة - رضي الله عنها - ومكثوا في طلبه على غير ماء؛ فنزلَتْ آية التيمم. ٤١١ كتاب الطهارة - باب التيمم ١٠٨ - عَنْ جَابِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قَالَ: ((أُعْطِيْتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيْرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا، فَأَيُّمَا رَجُلٍ أَدْرَكَتْهُ الصَّلاَةُ فَلْيُصَلِّ ... )) وَذَكَرَ الْحَدِيْثَ(١) . وَفِي حَدِيْثِ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عِنْدَ مُسْلِمٍ: ((وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَ طَهُوْرًا؛ إِذَا لَمْ نَجِدِ المَاءَ))(٢). وَعَنْ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ: ((وَجُعِلَ التُّرَابُ لِى طَهُورًا))(٣). * مفردات الحديث: - أُعطيت: مبني للمجهول، أي: أعطاني الله تعالى. - خمسًا: أي: خمس خصال، وقد صحَّ أكثر من خمسٍ، قال القرطبي: ليس في هذا تعارُضٌ؛ فإنَّ ذكر العدد لا يدُلُّ على الحصر. - الرُّعْب: بضم الرَّاء وسكون العين، وهو الخوفُ والفزع، يُقال: رعب الرجل وأرعبته رعبًا، أي: ملأته خوفًا، والاسم الرُّعْب. - مسيرة شهر: يُقال: سار يسير سَيْرًا ومَسِيرًا، يستعمل فعله لازمًا ومتعديًا، والمسيرة: المشي ليلاً أو نهارًا. (١) البخاري (٣٣٥)، مسلم (٥٢١). (٢) مسلم (٥٢٢). (٣) أحمد (٧٦٥). ٤١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام والنكتة في جعل الغاية شهرًا: أنه لم يكن بينه وَ له وبين أحدٍ من أعدائِهِ أكثرُ من شهر . - مسجدًا: المسجد لغةً: مَفْعِلٌ بالكسر؛ قال الصِّقِلِّيّ: ويقال: مَسْيِدٌ، وهو ظرف مكان من الثلاثيِّ المجرَّد، وهو موضع السجود، ولا يختص به موضعٌ دون آخر. وشرعًا: كلُّ موضع في الأرض فإنَّه مسجد. - تُربتها: بضم التاء: هي طبيعةُ الأرض، تقول: أرضٌ جيّدة التربة. - طهورًا: بفتح الطاء: هو الطَّهور بذاته، المطهّر غيره. - فليصل: خبر المبتدأ، ودخولُ الفاء فيه؛ لكون المبتدأ متضمّنًا لمعنى الشرط، والَّلام للأمر. - الغنائم: جمعُ غنيمة، وهي ما حصَلَ من الكفَّار بالحَرْبِ بإيجافٍ وركاب. * ما يؤخذ من الحديث: هذا حديثٌ فيه فوائدُ جمَّة، وأحكامٌ مهمّة نقتصرُ على البارز منها: ١- تفضيلُ نبينا وََّ على سائر الأنبياء، وخصائصُهُ كثيرة، صنِّفت فيها الكتب، ولعلَّ أوسعها ((الخصائص الكبرى)) للسيوطي. ٢ - شُرِعَ تعديدُ نِعَمِ الله تعالى على العبد على وَجْهِ الشكر لله، وذِكْرِ آلائه؛ فإنَّه يُعَدُّ عبادةً وشكرًا لله تعالی علیها، واعترافًا بفضله ومننه وكَرَمِهِ علی عبده. ٣- أنَّ الله - تعالت قدرته - نصَرَ نبيَّه محمدًا بالرعب، فيصابُ عدوُّه بالخوف، ولو كان بينهما مسيرةُ شهر، وهذا من أكبر العَوْن والنصر على الأعداء؛ فإنَّه عاملٌ قويٌّ يَفْتُّ في عضد العدو حتَّى يصابَ بالانهيار والخذلان، وحدد بالشهر؛ لأنَّه لم يكن بينه وبين عدوه زَمَنَ حروبه أكثرُ من ذلك. ٤ - أنَّ الله تعالى تفضَّل على نبيه وََّ حينما أحلَّ له الغنائم التي هي مكاسبُ الحروب الشرعية، وفوائدُ جهادِ الأعداء الدنيويَّة، بينما كان الأنبياءُ قبله: ٤١٣ كتاب الطهارة - باب التيمم إمَّا لم يؤذنْ لهم بالجهاد، أو أُذِنَ لهم ولكنْ لم تَحلَّ لهم الغنائم، وكانوا يجمعونها، ثمَّ تنزل عليها نارٌ من السماء فتحرقها . ٥۔ أنَّ شرَفَ نبِّه محمّد ګ بشمولِ دعوته وعموم رسالته؛ فکان کلُّ رسولٍ قبله إنَّما يُبْعَثُ في قومه خاصَّةً، وفي زمن مؤقَّتَ محدَّد، أمَّا رسالة نبينا محمد وَّة: فهي الرسالة التي عمَّتْ جميع النَّاس؛ قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا كَآَقَّةٌ لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: ٢٨]؛ بل إنَّ رسالته ◌َّله شملت الثقلين - الجن والإنس - قال تعالى: ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَلَمِينَ [الأنبياء]، ورسالته ممتدَّة حتَّى تقوم السَّاعة . وما العمومُ والشمولُ في هذه الرسالة المحمَّدية إلاَّ لما أودعها الله تعالى مِنْ عواملِ البقاء، وعناصرِ الخلود، وما أقامها عليه مِنْ قواعدِ الشمول والعموم. ٧- قوله في باقي الحديث: ((النَّاس)) لا يشمَلُ الجنَّ، ولا خلاف أنَّه وَ أُرْسِلَ للثقلين، ولعلَّه من باب التنبيه بالأعلى على الأدنى. ٨- أنَّ الله تعالى سيُظْهِرُ كمالَ فضل هذا النَّبيِّ الكريم، ومقامه العظيم يوم القيامة، باختياره للمقام المحمود، وهي الشفاعةُ العُظْمَى التي يتدافعها كبارُ الرسل - عليهم الصلاة والسلام -، ويتأخّرون عنها، فتنتهي إليه الرئاسة والشرف، فحينما يقبلها يسجد لله تعالى تحت العرش، ويمجِّد ربَّه بمحامد يلهمه الله إيَّاها، ثُمَّ يُعْطَى سؤله، وَتُقْبَلُ شفاعته في ذلك اليوم الذي يحمد فيه الله تعالى، ويحمدُهُ جميعُ الخلائق، حينما شفَعَ فقُبِلَتْ شفاعته؛ لإراحة الخلائق مِنْ شدَّة ذلك اليوم الطويل العصيب؛ فهذا المقام الذي قال تعالى فيه مخاطبًا نبيه بَّهِ: ﴿وَمِنَ الَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ، نَافِلَةٌ لَّكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا [الإسراء]. قَّحْمُودًا ٩- أنَّ الأرض كلَّها جعلت له ولأمّته مسجدًا، فيصلّي في أي مكان تدركه الصلاة فيه، فلا يختصُّ به موضعٌ دون غيره، بينما غيره من الأنبياء لا ٤١٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام يصلُّون هم ولا أممهم إلاَّ في أمكنةٍ خاصَّة؛ ولذا جاء في بعض روايات هذا الحديث: ((وكان مَنْ قبلي إنَّما يصلون في كنائسهم)) [قال الهيثمي : رواه أحمد، ورجاله ثقات (٣٦٧/١٠)]، وفي رواية أخرى: ((ولم يكن أحدٌ من الأنبياء يصلّي حتَّى يبلغ محرابه)) [رواه البيهقي (٤٣٣/٢)]. وعمومُ الأرض في هذا الحديث مخصوصٌ بما نَهَى الشَّارِعُ عن الصلاة فيه من الأماكن، ممَّا سيأتي بيانه في موضعه، إنْ شاء الله تعالى. ١٠ - أنَّ الله تعالى يسَّر أمر هذا النبيِّ الكريمِ، وَأَمْرَ أمته، فجعَلَ له صعيدَ الأرض طهورًا؛ فقال: ((وجعلت تربتها لنا طهورًا؛ إذا لم نجد الماء))، وكما جاء في الحديث الآخر: ((الصعيد وَضُوءُ المسلم، وإنْ لم يجد الماء عشر سنين)) [رواه الدَّارقطني (١/ ١٨١)]، بينما الأممُ السَّابقة لا يطهّرها إلاَّ الماء، فالتيمُّم والصلاة في جميع الأرض هي خصوصيةٌ خَصَّ اللهُ بهما هذه الأمّة؛ تخفيفًا عنها، ورحمة بها، فله الفضل والمنَّة . ١١ - أنَّ الأصل في الأرض الطهارة؛ فتجوزُ الصلاة فيها، والتيُّم منها. ١٢- أنَّ كل أرضٍ صالحةٌ للتيمُم منها، سواءٌ كانت رملية أو صخرية، أو سبخة رطبة أو يابسة. ١٣ - قوله: ((فأيما رجلٍ)) لا يراد به جنس الرِّجَالِ وحدهم، وإنَّما يراد النساء أيضًا، فالنساءُ شقائقُ الرجال. ١٤ - قوله: ((وجعلت ترتبها لنا طهورًا)) دليلٌ على أنَّ التيتُم رافعٌ للحدث كالماء؛ لاشتراكهما في الطهورية، وبهذا قال الحنفية، أمَّا المشهور من مذهب الحنابلة والمالكية والشَّافعية: فإنَّه مبيح لا رافع، ولكنَّه قولٌ ضعيفٌ، فالتيمُّم بدل الماء، وله أحكامه. ١٥- المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ التيُم يكون لنجاسة البدن، والرواية الأُخرى: أنَّه لا تيُّم لها؛ لأنَّ الشرع إنَّما ورد بالتيُّم للحدث دون ٤١٥ كتاب الطهارة - باب التيمم النجاسة، وهو قولُ الأئمة الثلاثة، واختيارُ شيخ الإسلام ابن تيمية، وهو القولُ الرَّاجح. * تنبيه: اقتصر المؤلِّف من الحديث على ذكر خصوصيَّيْن، أمَّا الثلاثُ الباقية - وهي: حِلُّ الغنائم، والشفاعةُ الكبرى لإراحةِ النَّاسِ من الموقف، وعمومُ رسالتِهِ وَّه إلى النَّاس كافَّة - فلم يَأْتِ بها، وقد أتينا على شرحها وبيانها. ٤١٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ١٠٩ - وَعَنْ عَمَّارِ بنِ يَاسِرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: ((بَعَثَنَى النَّبِيُّ نَّه فِي حَاجَةٍ، فَأَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدِ المَاءَ، فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيْدِ كَمَا تَتَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ◌َّةِ فَذَكَرْتُ لهُ ذُلِكَ، فَقَالَ: إِنَّمَا يَكْفِيْكَ أَنْ تَقُوْلَ بِيَدَيْكَ هَكَذًا، ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ الأَرْضَ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى الْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَهُ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَالَّلَفْظُ لِمُسْلِمٍ. وفي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ: ((وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ الأَرْضَ، وَتَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْهِ))(١). * مفردات الحديث: - أجنبت: أي: أصابتني جنابة . - فتمرَّغت: بفتح المثنّة الفوقية والميم، وتشديد الرَّاء، فغين معجمة، أي: تقلَّبت على الأرض كما تتقلَّب الدَّابة، قياسًا منه للتيقُم من الجنابة على الغُسْلِ منها. - في الصعيد: بفتح الصَّاد المشدَّدة، ثمَّ عين مهملة، فياء، فدال مهملة: هو وجه الأرض، جمعه صُعْدان وصُعُد. - الدابة: كل ما يدب على الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿﴿ وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِ الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ [هود: ٦]، وقد غلَبَ على ما يُرْكَبُ من الحيوان، ويُسمَّى به المذكَّر والمؤنث، جمعه دَوَابٌ . - أنْ تقول بيديك هكذا: فيه استعمالُ القول في معنى الفعل؛ قال في القاموس : (١) البخاري (٣٣٨، ٣٤٧) مسلم (٣٦٨). ٤١٧ كتاب الطهارة - باب التيمم الفعل حركة . - ظاهر كفيه: ظاهرُ الكفِّ: هو المقابل لباطنه، والكفُّ: من الرسغ إلى أطراف أصابع الید. - نفخ: بفمه: أخرَجَ منه الريح، وأراد هنا إزالةَ ما كَثُرَ على اليدين من التراب، قال الجوهري: أوله - أي: ما يخرجه الإنسان في فمه - البَزْقُ، ثمَّ التَّفْل، ثمَّ النَّفْت، ثمَّ النَّفْخ . ** ما يؤخذ من الحديث: ١ - مشروعيَّةُ التيمُم للصلاة، وغيرها من العبادات الواجب لها الطهارةُ؛ فالتيمُّم أحدُ الطهورَيْن المشروعَيْن . ٢- بيانُ صفة التيقُّم، وهو أنْ یضرب الأرض بیدیه ضربةً، فيمسح وجهه بباطن كفيه، ويمسح كلَّ ظاهر يدٍ بالأخرى، سواءٌ في الحدث الأصغر أو الأكبر، فصفته واحدة. ٣- جوازُ تخفيف الغبارِ الكثيرِ العالقِ باليدين من ضرب الأرض بالنفخ، ثمَّ مسح الوجه والكفين بهما، ولا يتعدَّاهما إلى الذراعين. ٤ - أنَّ التیمُم ضربٌ واحدة تكفي للوجه والیدین. ٥ - جوازُ الاجتهاد في مسائل العلم، حتَّى في زمن النَّبِيِّ وََّ، وهي مسألة خلافيَّةٌ بين الأصوليين، وأرجَحُ الأقوال الثلاثة: جوازه في غيبة النَّبِي وَلِّ، والبعْدِ عن سؤاله. ٦ - فيه استعمالُ أصل القياس، وإقرارُ النَّبِي وَِّ صاحبه، فهذا عمَّارٌ قاس التطقُّر بالتراب على التطهُّر بالماء، فكما أنَّ الماء يَعُمُّ البدنَ في الغسل من الجنابة، فكذلك يقاسُ علیه الترابُ، فیعمّم به البدن. وحكى ابن الملقِّن عن تقي الدِّين فقال: استعمالُ القياس لابد فيه من تقدُّم العلم بمشروعيّة التيُّم، وكأنَّ عمَّارا لمَّا رأى الوضوءَ خاصٌّ ببعض ٤١٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الأعضاء، وكان بدله - وهو التيمم - خاصًّا، وجب أنْ يكون بَدَلُ الغُسْل الذي يَعُمُّ جميعَ البدن، عامًّا لجميع البدن. ٧ - النَّبِي وَّه لم يأمر عمَّارًا بالإعادة؛ فدل هذا على أنَّ مَنْ عَبَدَ اللهَ على طريق غير مشروعة جهلاً، فإنَّه يعلّم لمستقبل أمره، ولا يُؤْمَرُ بقضاء ما فاته في أيَّام جهله ولهذه المسألة أدلَّةٌ كثيرة في الشرع، منها هذا، ومنها: قصَّة الرجل المسيء في صلاته. قال شيخ الإسلام: وما تركه لجهله بالواجب، مثلُ مَنْ كان يصلِّي بلا طمأنينة، فالصحيحُ: أنَّ مِثْلَ هذا لا إعادةَ عليه إذا خرَجَ وقت العبادة، فإن النبي ◌َّ قال للمسيء في صلاته: ((اذهب فصلٌّ؛ فإنك لم تصلِّ)) [رواه البخاري (٧٢٤)، ومسلم (٣٩٧)]. ٨- التعليمُ بالقول والفعل يكونُ بتمثيل المطلوب تعلُّمه، وهو ما يسمَّى الآن ((وسائل الإيضاح)). ٩ - سماحةُ هذه الشريعة ويُسْرُهَا؛ كما قال تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِ الدِّينِ مِنْ حَرَجْ﴾ [الحج: ٧٨]. ١٠ - فيه مراجعة العلماء فيما حَصَلَ به الاجتهاد؛ فإنَّ عمَّارًا راجَعَ فیما اجتهد فيه . ٤١٩ كتاب الطهارة - باب التيمم ١١٠ - وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَله : ((التَّهُمُ ضَرْبَتَانِ: ضَرْبَةٌ لِلْوَجْهِ، وَضَرْبَةٌ لِلْيَدَيْنِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ)» رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَخَّحَ الأَئِمَّةُ وَقْفَهُ(١). * درجة الحديث: الحديث ضعيفٌ، والصوابُ وَقْفُهُ على ابن عمر . أمَّا ضعفه، فقال المصنّ في فتح الباري: الأحاديثُ الواردةُ في صفة التيقُّم، لم يصحَّ منها سوى حديث ابن جهيم، وحديثِ عمَّار، وما عداهما فضعيفٌ أو مختلفٌ في رفعه، والرَّاجحُ عدَمُ رفعه. وقال المؤلِّف في التلخيص: قال أبوزرعة: حديثٌ باطل. وأمَّا وقفه فقال المؤلِّف هنا: وصحّح الأئمة وقفه، قال الحافظ: الحديث مرفوعًا ضعيفٌ، وأمَّا الموقوفُ: ففيه علي بن ظبيان، طعن فيه أكثر الأئمة، والثقاتُ رَوَوْهُ موقوفًا . وقال الدَّارقطني في سننه: وقفه يحيى القطان، وهُشَيْم، وغيرهما؛ وهو الصواب. وفي معناه عدَّة روايات كلها غير صحيحة، بل إمَّا موقوفة أو ضعيفة، فالعمدة حدیثُ عمّار، وبه جزم البخاري في صحيحه. وفي الباب: عن جابر، صحَّحَهُ الحاكم، ووافقه الذهبي، وصوَّب الدَّار قطني وقفه . * مفردات الحديث: - التيمُّم: في اللغة: مصدر تيمَّم من باب التفعُّل، وأصله من الأُمِّ، بفتح الهمزة (١) الدَّار قطني (١٨٢/١). ٤٢٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وتشديد الميم، وهو القصد، ويُقال: أَمَّه يؤُّه: إذا قصده؛ لأنَّه يقصد التراب فیتمسّح به . وفي الشرع: قَصْدُ صعيدٍ ظاهرٍ مباح، واستعمالُهُ بصفةٍ مخصوصة؛ لاستباحة الصلاة ونحوها، وامتثال الأمر. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - يدل الحديث على أنَّ التيُّم يكون بضربتين، لا ضربة واحدة. ٢ - تكونُ أولى الضربتَيْن لمسح الوجه، والضربة الثانية تكونُ لمسح اليدين. ٣- الحديثُ معارِضٌ لحديث عمَّار السابق، الَّذي ليس فيه إلاَّ ضربةٌ واحدةٌ، تکونُ للوجه وللیدین . ٤ - قال العلماءُ عن هذا التعارُضِ بین حدیثِ عمَّارٍ وحدیثِ ابن عمر : (أ) حديثُ عَمَّارِ في الصحيحين، وحديثُ ابن عمر في سنن الدَّار قطني، التي لم يلتزمْ صاحبها بِصِحَّةِ الأحاديث، بل كثيرًا ما يروي فيها الأحاديثَ الضعيفة، فحديثُ ابن عمر ليس له نسبةٌ مع حديث عمَّار من حيثُ الصحةُ. (ب) حديث عمَّار مرفوعٌ إلى النَّبِي وََّ، أما حديثُ ابن عمر فهو من كلام ابن عمر، وليس من كلام النبيِّ وَّ، وإن كان مما لا مجالَ فيه للرأي، فَفَرْقٌ بين المرفوع والموقوف. (ج) كلُّ الروايات التي وردَتْ بالضربتين، فهي إما موقوفةٌ لم تُرْفَعْ إلى النبيِّ ◌ََّ، وإما ضعيفةٌ لا تقومُ بها حُجَّة. ٥- قال ابن عبدالبر: الآثارُ المرفوعةُ ضربةٌ واحدة، وما روي من ضربتين فكلُّها مضطربةٌ، وقال أبوزرعة عن حديث ابن عمر: حديثٌ باطل، وقال ابن القيم: لم يصحَّ شيءٌ في الضربتين، وقال الألباني: وفي الضربتين أحاديثُ واهيةٌ معلولةٌ. ٦ - لذا فالصحيح في هذا الباب والعمدة هو حديثُ عمَّار، وبه جزم البخاريُّ في صحيحه، فقال: ((باب: التيمُّمُ ضربةٌ))، وقال في الفتح: هذا هو الواجب المجزىء.