النص المفهرس
صفحات 301-320
٣٠١ كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء * خلاف العلماء: اختلف العلماء في الخارج النَّجِسِ من غير السبيلين غير البول والغائط؛ وذلك كالقيء والدم والصديد ونحوها، هل خروجُهَا ينقُضُ الوضوءَ أو لا؟: ذهب الإمامان مالك، والشَّافعي: إلى أنَّ خروج هذه الأمور وأمثالها لا ينقض الوضوء ولو کثر. قال البغوي: هو قول أكثر الصحابة والتّابعين. قال النووي: لم يثبت قطَّ أنَّ النَّبِي ◌َّهِ أَو جَبَ الوضوء من ذلك. قال الشيخ تقي الدِّين: الدم والقيء وغيرهما من النجاسات الخارجة من غير المخرج المعتاد لا تنقض الوضوءَ ولو كَثُرَتْ. وقال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيح أنَّ الدم والقيء ونحوهما لا ينقض الوضوء - قليلها وكثيرها -؛ لأنَّه لم يَرِدْ دليلٌ على نقض الوضوء بها والأصلُ بقاءُ الطهارة. استدل هؤلاء بأدلَّة : أحدها: البراءةُ الأصليّة؛ فالأصل بقاء الطهارة ما لم يثبتْ ضدُّها، ولم يثبت عندهم شيء. الثاني: عدمُ صلاحية القياس هنا؛ لأنَّ علَّة الحكم ليست واحدة. الثالث: يروون في ذلك آثارًا منها : ١ - صلاة عمر بن الخطاب وجُرْحُهُ یَثْعَبُ دمًا . ٢- كان ابن عمر يعصر الدمَ من عينه، ويصلِّ ولم يتوضأ. ٣- قال الحسن البصري: ما زال المسلمون يصلّون في جراحاتهم. وذهب الإمامان أبو حنيفة، وأحمد: إلى أنَّ خروج هذه الأمور وأمثالها ینقض إذا کان کثیرًا، ولا ینقض الیسیر منه. استدلُّوا على ذلك بما رواه أحمد (٢٦٩٨٩) والترمذي (٨٧)، من ٣٠٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام حديث أبي الدرداء؛ أنَّه وَ له قاء فتوضأ، قال الألباني: صحيح ورجاله ثقات. وأجاب الأولون: بأنَّ الفعل لا يدل على الوجوب، وغايته إنَّما يدل على مشروعية التّأسِّي به في ذلك. قال شيخ الإسلام: استحبابُ الوضوء من الحجامة والقيء ونحوهما متوجّه ظاهر، والله أعلم. ٣٠٣) كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء ٦٩ - وَعَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ وَّهِ أَتَوضَّأُ مِنْ لُحُوْمِ الغَنَمِ؟ قَالَ: إِنْ شِئْتَ، قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُوْمِ الإِبِلِ؟ قَالَ: نَعَمْ)) أَشَرَجَهُ مَّسْلِمُ(١). * مفردات الحديث: - الغَنَم: بفتح الغين المعجمة والنون: القطيع من المعز والضأن، اسم جنس، مؤنثة، لا واحد لها من لفظها، جمعه: أغنام، سُمِّيت بذلك لأنَّه ليس لها آلة دفاع، فكانت غنيمة لكلِّ طالب. - الإِبل: بكسر الهمزة وكسر الباء الموخَّدة: الجمال والنوق، لا واحد له من لفظه، مؤنث، جمعه آبال. - أتوضأ من لحوم الغنم: بتقدير همزة الاستفهام المحذوفة، والأصل: أأتوضأ ... إلخ. - من لحوم الغنم: أي: لأجل أكلها. - نعم: تقدَّم شرحها في حديث رقم (٦٠). * ما يؤخذ من الحديث: ١ - إياحةُ الوضوء بعد أَكْلِ لحوم الغنم ولا يجبُ؛ لأنَّ لَحْمَهَا غيرُ ناقضٍ للوضوء. ٢- أنَّ أكل لحوم الإبل ينقُضُ الوضوء، ويوجبه عند فِعْلِ الصلاة، ونحوها ممَّا يشترط له الطهارة. ٣- المشهور من مذهب الإمام أحمد: أنَّ النَّاقض من أجزاء الإبل هو الهَبْرُ فقط؛ (١) مسلم (٣٦٠). ٣٠٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام لأنَّهم خصُّوا اللحم بالهَبْرِ دون بقيّة أجزائها، فهم يَرَوْنَ أنَّ القلب، والكبد، والكرش، والسنام، ونحو ذلك من أجزائها، لا يتناوله النَّص. قال في المغني: والوجه الثاني: ينقض؛ لأَنَّه مِنْ جملة الجزور، وإطلاقُ اللحم في الحيوان يراد به جملته؛ لأنَّه أكثر ما فيه، وكذلك لما حرَّم الله تعالى لحم الخنزير، كان تحريمًا لجملته . قال في المبدع: الوجه الثاني: ينقض؛ فإطلاق لفظ اللحم يتناوله. قال الشيخ عبدالرحمن السعدي: الصحيحُ أنَّ جميع أجزاء الإبل، كالكَرِشِ، والقلب داخلٌ في حكمها ولفظها ومعناها، والتفريق بين أجزائها ليس له دليل ولا تعليل. ولا يدخل في ذلك الحليبُ، واللبن، والدهن؛ لأَنَّه ليس لحمًا، ولا يشمل مسمَّاه. ٤- لا يوجد في الشريعة الإسلامية حيوانٌ تُبَعَّضُ الأحكامُ في أجزائه، بعضها حلال، وبعضها حرام، وإنَّما الحيوانُ: إمَّا حرامٌ كلُّه كالخنزير، وإمَّا حلالٌ كله كبهيمة الأنعام. وهذا التبعض يوجد في شريعة اليهود؛ فهم الذين حرَّمُ الله عليهم من الحيوانِ الطاهِرَ الحلال، فأباحَ لهم البَقَرَ والغنم، وحرَّم عليهم بعض شحومها . أمّا هذه الملَّة السمحة: فإنَّ الله لم يعنتها، ولم يشدِّد عليها، فالحيوان إمّا خبیٹ فکله حرام، وإمَّا طيب فكله حلال. ٥- الأصل في وجوب الوضوء من لحم الإبل: حديثان صحيحان، هما: حديث جابر بن سمرة وحديث البراء بن عازب، وكلاهما في صحيح مسلم، ولكن العلماء تلمسوا معرفة السر والحكمة، فكان أقرب ما وصَلُوا إليه هو أنَّ الإبلَ فيها قوَّةٌ شيطانية، أشار إليها النَّبِي وَّ بقوله: ((إنَّها من الجِنِّ) [رواه ٣٠٥ كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء أحمد (٢٠٠٣٤)] فأكلها يورث قوَّةً شيطانية تَزُولُ بالوضوء، والله أعلم. ويؤيِّد ذلك: أنَّ رعاة الإبل عندهم كِبْرٌ وَزَهْوٌ وترفّع، اكتسبوا هذه الطباع من طول بقائهم عندها، ومعاشرتهم لها، بخلاف أصحاب الغنم: فعليهم السكينةُ والهدوءُ ولِينُ القلب، ولعلَّ هذا هو السِّرُّ في أنَّه ما من نَبِيٍّ إلاّ وقد رعى الغنم. ٦ - قوله: ((إنْ شِئْتَ)» يفيد: عدم وجوب الوضوء من أكل لحم الغنم. : ٧- لدینا حدیثان : أحدهما: حديث الباب: «أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إنْ شئت)) [رواه مسلم (٣٦٠)]. الثاني: ما رواه مسلم (٢٥٣) عن عائشة وأبي هريرة؛ أنَّ النَّبي ◌َّ قال: ((توضؤوا ممَّا مسَت النّار)). ففي هذين الحديثين عمومٌ وخصوص، فالأوَّل عامٌّ في المطبوخ من لحم الغنم، والثاني عائٌّ في الشيء المطبوخ. والفاصل في ذلك: ما رواه أبوداود (١٩٢)، والنسائي (١٨٥)، عن جابر قال: ((آخِرُ الأمرَيْن من رسول الله بِّهِ تَرْكُ الوضوءِ ممَّا مسَت النَّار)). وما جاء في البخاري (٢١٠) ومسلم (٣٥٥) ((أَنَّ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ أَكَلَ من كتف شاة وصلی، ولم يتوضأ». فيكون حديثُ الباب من نواسخ حديثِ الوضوء ممَّا مسَّت النّار. ٨- ألبانُ الإبل فيها روايتان عن الإمام أحمد في نقضها الوضوء، والرواية الرَّاجحةُ في المذهب: أنَّ الألبان لا تنقض، وهو الصحيح؛ فإنَّ الَّبي ◌َّ لم يأمر العُرَنِّنَ بالوضوء من ألبان الإبل، وقد أمرهم بِشُرْبها، وتأخيرُ البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، أمَّا قياسها على اللحم بجامع التغذُّي بها كاللحم: فإنَّ هذه العلّة لم ينصَّ عليها، وإنَّما ظنَّها بعضُ العلماء ظنًّا. ٣٠٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام * خلاف العلماء: ذهب الأئمة الثلاثة أبو حنيفة، ومالك، والشَّافعي، وأتباعهم: إلى عدم الوضوء من أكل لحم الجزور. قال النووي: احتجَّ أصحابنا بأنباء ضعيفة، في مقابل هذين الحدیثین، وكأن الحديثين لم يصحًا عند الإمام الشافعي؛ ولذا قال: إنْ صحَّ الحديث في لحوم الإبل، قُلْتُ به. وقال النووي في موضع آخر: لعلَّهم لم يسمعوا نصوصه، أو لم يعرفوا العلَّةِ. وذهب الإمام أحمد، وأتباعه: إلى نقض الوضوء من أكل لحم الإبل، وهو قول إسحاق بن راهويه. قال الخطابي: ذهب إلى هذا عامَّةُ أصحاب الحديث. وقال ابن خزيمة: لم نر خلافًا بين علماء الحديث. وأشار البيهقي إلى ترجيحه، واختياره، والذبِّ عنه. وقال الشَّافعي: إنْ صحَّ الحديث في لحوم الإبل، قلت به. قال البيهقي: قد صحَّ فیه حدیثان. وقال النووي في المجموع: القولُ القديم: إنَّه ينقض، وهو الأقوى من حيثُ الدليلُ، وهو الذي أعتقد رجحانه. ودليل النقض هذا الحدیثان الصحيحان : أحدهما: حديث البراء بن عازب: ((أنَّ رسول اللهِ وَّهِ سُئِلِ أَنْتَوَضَّأُ مِنْ لُحُوم الإِبِلِ؟ قال: نعم، قال: أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا)) رواه أحمد، ومسلم، وأبوداود، والترمذي، وابن ماجه. الثاني: حديث جابر بن سمرة أنَّ رجلاً سأل النَّبِي وَله: ((أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إنْ شِئْتَ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم)) أخرجه مسلم. ٣٠٧) كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء واختار البيهقي هذا القولَ، والنوويُّ، والشيخ تقي الدِّين، وابن القيم، والشوكاني، وعلماء الدعوة السلفية النجدية، ورجال الحديث الذين يقدِّمون الآثار على الآراء. * فائدة: أصحابُ القياس الفاسد قالوا: إنَّ الوضوء من لحوم الإبل على خلاف القياس؛ لأنَّها لحمٌّ، واللحم لا يُتَوَضَّأُ منه. أمَّا صاحبُ الشريعة وَّ: ففرَّق بين لحم الإبل، ولحم الغنم ونحوها؛ کما فرّق بينهما في : ١- المعاطن: حيث أجازَ الصلاةَ في معاطن الغنم، ومنع الصلاة في معاطن الإبل. ٢ - أصحابُ الإبل أصحابُ فَخْرٍ وخيلاء، وأصحابُ الغنمِ ذَوُو سكينةٍ وهدوء. ذلك أنَّ الإبل فيها قوَّة شيطانية، والغذاء له تأثيرٌ على المتغذِّي؛ ولذا حرَّم أَكْلَ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع، وكل ذي مخلبٍ من الطير؛ لأنَّها جارحة؛ فالاغتذاءُ بلحومها يجعَلُ في خُلُقِ الإنسان من العدوان ما يَضُرُّ بدينه، فنُهِيَ عن ذلك، والثورةُ الشيطانية إنَّما يطفئها الماءُ، فكان الوضوءُ من لحومها على وفق القياسِ الصحيح، والله أعلم. = ٣٠٨) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ◌َّهُ: (مَنْ غَسَلَ مَيًِّا فَلْيَغْتَسِلْ، وَمَنْ حَمَلَهُ فَلْيَوَضَأ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ. وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٍ(١). * درجة الحديث: رجّحَ أکثر الأئمة وقفه، وهو حسن بكثرة طرقه. قَالَ البَيْهَقِي: والصحيح أَنَّهُ مَوْقُوف، وقَالَ البُخاري: الأشبه أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَقال ابن أبي حاتم: لا يرفعه الثقات، إنَّما هو موقوف، وقال الرَّافعي: لمْ يُصحِّح علماء الحديث في هَذَا البَابِ شَيْئًا مرفوعًا. وقال الإمام أحمد: لا يصح في هذا الباب شيء، وقال الذهبي: لا أعلم فيهم حديثًا ثابتًا. وقال ابن المنذر: ليس في الباب حديث يثبت. وقال ابن المديني: لا يصح في هذا الباب شيءٌ. وقد حسّنه الترمذي والذهبي، وصحَّحه ابن حبّان وابن القطّان وابن حزم وابن دقيق العيد والألباني، وقال ابن دقيق العيد: رجاله رجال مسلم . وفي الباب: عن عائشة رواه أحمد وأبوداود وفيه مصعب بن شيبة، ضعَّفه أحمد وأبوزرعة والبخاري وصحَّحه ابن خزيمة، وفيه عن حذيفة، قال ابن أبي حاتم والدَّارقطني: لا يثبت. * مفردات الحديث: - ميتاً: بالتثقيل والتخفيف، فأمَّا الحيِّ: فبالتثقيل ((ميَّت))؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ (١) أحمد (٩٥٥٣)، الترمذي (٩٩٣)، ولم يروه النسائي. ٣٠٩) كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء [الزمر: ٣٠] أي: ستموتون، وأَمَّا الإنسان الذي فارق مَّتٌ وَإِنَّهُم ◌َّيِّتُونَ ٣٠ الحياة فبالتخفيف؛ قال تعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٢]. والموتُ: مفارقةُ الرُّوح للجسد، وتدلُّ عليها تغيّراتٌ ظاهرة تحدُثُ إثرَ مفارقة الحياة، وأُخرىُ خفيّة تحدث ببطء، وأَوَّل ما يحدثُ في الموت وَقْفُ التنقُّس. - مَن: اسمُ شرطٍ جازمٌ يجزم فعلين، الأوَّل: فعل الشرط، وهو ((غسَّلَ)) المبنيُّ على الفتح في محل جزم، والثاني: جوابه وجزاؤه، وهو المجزومُ بالسكون بلام الأمر، والجملة جواب الشَّرْط، والفاء رابطةٌ للجواب. وهَكَذَا إِعْراب: ((وَمن حمله فليتوضَّأ)). * مَا يُؤْخَذُ مِن الحديث: ١ - ظاهر الحديث وجوبُ الغُسْل على من غسّل ميتًا كله أو بعضه. ٢ - عمومُ الحديث يفيدُ عمومَ الأموات، من كبيرٍ أو صغيرٍ، ذكرًا كان أو أنثى، مسلمًا کان أو كافرًا، بحائلِ أُوْ بِدون حائل. ٣- قال الفقهاء: الغاسل: هو من يقلِّبه ويباشره ولو مرَّةً، لا من يَصُبُّ الماء ونحوه، ولا من ییمِّمه؛ فليسوا بغاسلین. ٤ - عارض هَذا الحديثَ ما رواه البيهقي (٣٠٦/١) عن ابن عبّاس؛ أَنَّ النَّبِي ◌َّ قال: ((ليس عليكم في غُسْلِ ميتكم غُسْلٌ إذا غسّلتموه، إنَّ ميتكم يموت طاهرًا وليس بنجس، فحسبكم أن تغسلوا أيديكم))، قال الحافظ ابن حجر: حديثٌ حسن. والجمع بين الحديثين: أَنَّ الأمر في حديث أبي هريرة للنَّدب، ويؤيد هذا الجمع: ما روى عبدالله ابن الإمام أحمد عن ابن عمر قال: ((كُنَّا نغسِّل الميت، فمنَّا من يغتسل، ومنًّا من لا يغتسل))، قال الحافظ : إسناده صحيح، وهو أحسن ما جمع به بین هذین الحدیثین. ٣١٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥- يؤيد هذا الجمع قاعدةُ ذكرها ابن مفلح في ((الفروع)) هي أَنَّ الحديث الضعيف إِذا كان دالاً على الوجوب بصيغته، أو دالاً على التحريم بصيغته، فإنَّه يُحْمَلُ على الاستحباب في الأمر، وعلى الكراهة في النَّهْي؛ احتياطًا، ولا يُلْزَمُ المسلمون بحکمه وجوبًا أو تحریمًا. ٦ - أَمَّا قوله: ((ومن حمله فليتوضّأ)) فقال الصنعاني: ((لا أَعلَمُ قائلاً بالوضوء من حَمْلِ الميت، والوضوءُ يُفَسَّر بغسل اليدين فقطْ، فیکونُ غسل الیدین مندوبًا من حمْلِ المیت، وهو یناسبُ نظافةَ الإسلام؛ ويدل علی ندب غسل اليدين ما تقدَّم من حديث ابن عبّاس: ((حسبكم أنْ تغسلوا أيديكم)). ولولا وجودُ هذا الحديثِ، وعدَمُ وجود قائلِ بالوضوء مِنْ حمله، وضعفٌ ظاهرٌ في حديث الأصل أيضًا - لحملنا الحديث على الحقيقة الشرعية، وهي الوضوءُ الشرعيُّ بغَسْلِ الأعضاء الأربعة من حمل الميت؛ لأنَّ الأصل في ألفاظ الشرع أنْ تُحْمَلَ على الحقائق الشرعية. ٧- الحمل هنا مطلقٌ سواء باشَرَ الحملَ بيده، أوْ حمله بنعشه. ٣١١ كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء ٧١ - وَعَنْ عَبْدِاللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ - رَحِمَهُ اللهُ -: ((أَنَّ فِي الْكِتَابِ الَّذِي كَتْبَةُ رَسُوْلُ الهِنَّهِ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ: أَنْ لاَ يَمَنَّ الْقُرْآنَ إِلَّ طاهِرٌ)) رَوَاهُ مَالِكٌ مُرْسَلاً، وَوَصَلَهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَهُو مَعْلُولٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. إِلاَّ أَنَّ المُحَدِّثِيْنَ اخْتَلَفُوا في صحَّة هَذا الحديث، فقال أبوداود: قد أُسْنِدَ هذا الحديث ولا يصح، والذي في إسناده سليمان بن داود وهمٌّ، إنَّما هو سليمان بن أرقم، وهَكَذَا قَالَ أَبُوزرعة الدمشقي: إنَّه الصَّوَاب، وتبعه صالح جزرة، وأبوالحسن الهروي. وَقَالَ النَّسَائِيُّ: وهذا أشبه بالصواب (يعني: عن سليمان بن أرقم). وقال ابن حزم: صحيفة عمرو بن حزم منقطعة لا تقوم بها حجَّة، وسليمان بن داود متفق علی ترکه. قَالَ ابن حبَّان: سليمان بن داود اليمامي ضعيف، وسليمان بن داود الخولاني ثقة، وكلاهما يروي عن الزهري، والذي روى حديث الصدقات هو الخولاني، فمن ضعَّفه فإنَّما ظنَّ أنَّ الرَّاوي له هو اليمامي. قَالَ ابن حجر: ولولا ما تقدَّم من أنَّ الحكم بن موسى وهم في قوله : سليمان بن داود، وإنَّما هو سليمان بن أرقم، لكان لكلام ابن حبَّان وجه. وصحَّحه الحاكم، وابن حبَّان، والبيهقي، ونقل عن أحمد أنه قال: أرجو أن یکون صحیحًا . (١) مالك (٤٦٨)، النسائي (٤٨٥٣)، ابن حبَّان (٥٠٤/١٤). ٣١٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام وقد صحَّح الحديثَ بالكتاب المذكور جماعةٌ من الأئمة، لا من حيث الإسناد، لكنْ من حيث الشهرة: فقال الشَّافعي: لم يقبلوا هذا الحدیث حتَّی ثبت عندهم انَّه کتاب رسول الله ◌َّهُ، وَقال ابن عبدالبر: هذا كتابٌ مشهورٌ عند أهل السير، معروفٌ ما فيه عند أهل العلم، معرفةً يستغنى بشهرتها عن الإسناد؛ لأنَّه أشبه التواتُرَ في مجيئه، لتلقِّي النَّاس له بالقَبُولِ والمعرفة . وَقال العُقَيْلِيّ: هذا حديثٌ ثابتٌ محفوظٌ إلاَّ أَنَّا نَرَى أَنَّه كتابٌ غير مسموع عمَّن فوق الزهري. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصحّ من كتاب عمرو بن حزم هذا؛ فإنَّ أصحاب رسول الله وَّهِ والتَّابعين يرجعون إليه وَيَدَعُونَ رأيهم. وقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبدالعزيز وإمامُ عصره الزهريُّ لهذا الكتاب بالصحة . * مفردات الحديث: - إلاّ طاهر: الطَّاهر لفظ مشترك، يطلَقُ على الطَّاهر من الحَدَثِ الأكبر، ويطلق على الطّاهر من الحدث الأصغر، ويطلق على مَنْ لبس على بدنه نجاسة، والرَّاجحُ أنَّ المراد هُنا: الطَّاهر من الحدث الأصغر؛ كما سيأتي تحقيقه في الكلام على فقه الحديث، إن شاء الله تعالى. - القرآن: مصدر مرادف للقراءة، ثمَّ نُقَلِ، فجعل اسمًا للكلام المُعْجِزِ المنَّلِ على النَّبيِّ محمد بلال؛ من باب إطلاق المصدر على مفعوله. * مَا يُؤخذ من الحديث: ١ - عمرو بن حزم الأنصاريُّ حينما بعثه النَّبيُّ وَّهِ إِلَى نَجْرَانَ، ليفقِّههم في الدِّين كتب له هذا الكتاب العظيم، الذي جمع كثيرًا من السنن، وتلقَّته الأمَّة بالقبول. ٣١٣) كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء قال الحاكم: حديث عمرو بن حزم من قواعد الإسلام. ٢ - في هذا الكتاب ((أنَّه لا يمس القرآن إلاّ طاهر))، والمؤلّف ساقه لبيان منع المُحْدِث حدثًا أصغر من مسَّه، وكذلك صاحبُ الحَدَثِ الأكبر مِنْ باب أولی. ٣- ظاهر الحديث تحريمُ مَسِّ المصحف بدون حائل لغير المتوضِّىء. ٤ - قال الوزير ابن هبيرة: أجمعوا أَنَّه لا يجوزُ للمُحدِثِ مَسُّ المصحف بلا حائل. وقال شيخ الإسلام: مذهب الأئمة الأربعة: أنَّه لا يمس المصحف إلاَّ طاهر، والَّذي دلّ عليه الكتاب والسنَّة هو أنَّ مسَّ المصحف لا يجوز للمُحْدِثِ، وهو قولُ الجمهور، والمعروفُ عن الصحابة. ٥- للصغير في مَسِّ المصحف وجهان: أحدهما: المنعُ؛ اعتبارًا بالكبار. الثاني: الجواز للضرورة؛ فلو لم يُمَكَّنْ منه، لم يحفظه. قال في الإنصاف: فيه روايتان في المذهب. قال الشيخ عبدالله أبابطين: المشهورُ من المذهب: أنَّه لا يجوز، وفيه روايةٌ عن أحمد بالجواز. ٦ - قوله: ((إلاَّ طاهر)) هذا اللفظ مشتَرَكٌ بين أربعة أمور: (أ) المراد بالطاهر المسلم؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالمراد بها: طهارةٌ معنويَّةٌ اعتقادية. (ب) المراد به الطاهرُ من النجاسة؛ كقوله ◌َّه في الهرّة: ((إنَّها ليست بنجس)). (ج) المراد به الطَّاهرُ من الجنابة؛ لما روى أحمد (٦٤٠)، وأبوداود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، والنسائي (٢٦٥)، وابن ماجه (٥٩٤) عن عليٍّ ٣١٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام - رضي الله عنه -: ((أَنَّ النَّي ◌َّ لا يحجزه شيءٌ عن القرآن ليس الجنابة)). (د) أنَّ المراد بالطَّاهر المتوضِّىءُ؛ لما روى البخاري (٦٩٥٤)، ومسلم (٢٥٥) أَنَّ النَّبِيِ وَّه قال: ((لاَ يَقْبَلُ اللهُ صِلاَةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأ)). كل هذه المعاني للطهارة في الشَّرع محتملَةٌ في المراد من هذا الحديث، وليس لدينا مرجِّح لأحدها على الآخر، فالأولى حَمْلُهَا على أدنى محاملها، وهو المُحدِثُ حدثًا أصغر؛ فإنَّه المتيقن، وهو موافق لما ذهب إليه الجمهور، ومنهم الأئمة الأربعة وأتباعهم. وهذا لا يعطي المسألة دليلاً قاطعاً على تحريم مَسِّ المصحف للمحدث؛ لأنَّ الشك في صِحَّته موجود، ولكن الاحتياط والأولى هو ذاك. قال ابن رشد: السبَبُ في اختلافهم تردّد مفهوم قوله تعالى: ﴿لَّا [الواقعة]، بين أنْ يكون ﴿المطهَّرون﴾ هم بنو يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ آدم، وبين أنْ يكونوا هم الملائكة، وبين أنْ يكون هذا الخبر مفهومه النَّهْي، وبين أنْ يكون خبرًا لا نهيًا . فمن فهم من ﴿المطهرون﴾ بني آدم، وفهم من الخبر النَّهي، قال: لا يجوز أنْ يَمَسَّ المصحفَ إلاَّ طاهر . ومن فهم منه الخبَرَ فقط، وفهم من لفظ ﴿المطهرون﴾ الملائكة، قال: إنَّه ليس في الآية دليلٌ على اشتراط هذه الطهارة لِمَسِّ المصحف، وإذا فلا دليلَ من كتابٍ ولا سنَّةٍ ثابتةٍ على قولِ مَنْ لا يرى قبولَ الحديث. ٧- في الحديث تعظيمُ القرآن، وأنَّه يجبُ احترامه، فلا يجوزُ مَسُّ المصحف بنجاسة، ولا يُجْعَلُ في مكانٍ لا يليق؛ إمَّا لنجاستِهِ، وإمَّا بجانب صور، أو تعلق آياته بجانب صورٍ، أو يُتْلَى في مكانٍ لهوٍ أو عند الأغاني، أو عند أحدٍ يشرب الدخان، أو في مكان لغطٍ وأصواتٍ، ونحو ذلك ممَّا یعرِّض کتاب الله تعالى للإهانة . ٣١٥ كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء ٧٢ - وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا - قالتْ: ((كَانَ رَسُولُ اللهِ نَّ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ)) رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ(١). * مفردات الحديث: - أحيانه: جمع حين، قال في المصباح: الحِينُ: الزمان قلَّ أو كثر، والمراد بكلِّ أحيانه: معظمها . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - الحديث مقرِّرٌ للأصْل، وهو ذِكْرُ الله تعالى على كلِّ حالٍ من الأحوال، ولو كان محدثًا أو جنبًا، والذِّكْرُ بالتسبيح والتهليل والتكبير والتحميد، وشبهها من الأذكار جائزٌ كلَّ حين بإجماع المسلمين . ٢ - يدخُلُ في الذكر تلاوةُ القرآن، إلاَّ أنَّ التلاوة مخصَّصة بحديث عليٍّ - رضي الله عنه - قال: ((كان النَّبِي وَّهُ يقرئنا القرآن ما لم يكن جنباً)) [رواه الإمام أحمد (٦٢٨)، وأبوداود (٢٢٩)، والترمذي (١٤٦)، والنسائي (٢٦٥)، وابن ماجه (٥٩٤)، وصححه الترمذي]. ٣- يخصَّص كذلك بحالة البول والغائط والجماع. هذا إذا كان الذِّكْرُ باللسان، أمَّا الذكْرُ في القلب: فلا مانع منه في هذه الأحوال، والرَّاجحُ أنَّ مراد عائشة باللسان . ٤ - هذا الحديثُ في معنى الآية الحريسه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَمًا وَفُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِىِ خَلْقِ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران: ١٩١]. (١) مسلم (٣٧٣)، البخاري (١١٤/٢ فتح). ٣١٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام صلىالله وَسِّكم ٧٣ - وَعَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّ النَّبِيَّ احْتَجَمَ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ)) أَخْرَجَهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ وَلََّهُ(١). * درجة الحديث: الحدیث ضعيفٌ. قال الحافظ في التلخيص: في إسناده صالح بن مقاتل، وهو ضعيف، قال الدَّار قطني عقبه: صالح بن مقاتل ليس بالقوي، وذكره النَّووي في فصل الضعيف، ويروى ما يؤيِّد معناه عن عدَّة من الصحابة، منهم عبدالله بن عمر علَّقه البخاري، وابن عباس رواه الشَّافعي، وعبدالله بن أبي أوفى وأبي هريرة ذكرهما الشَّافعي ووصلهما البيهقي، وجابر علَّقه البخاري ووصله ابن خزيمة وأبوداود. وفيه عقيل بن جابر لم يوثّقه إلاَّ ابن حبَّان وصحّح حديثه، وكذا ابن خزيمة والحاكم، وعن عائشة، قال الحافظ: لم أقف عليه. * مفردات الحديث: - احتجم: أخرج الدم بالمِحْجَمٍ، والمحجم: أداةُ سَخْبِ الدَّم من المحجوم. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ الحجامة لا تنقُضُ الوضوء، بل تجوزُ الصلاةُ بعدها . ٢ - الحديث مقرِّرٌ للأصل، وهو أنَّ خروج الدَّم من البدن غیر الفرجین لا ینقض الوضوء، والأصلُ عدمُ النَّقْضِ حتَّى يقوم ما يرفع الأصل. ٣- المشهورُ من مذهب الإمام أحمد: أنَّ النَّجس الخارج من غير السبيلين إذا فَحُشَ أنَّه ينقُضُ الوضوء . . قال في الشرح الكبير: النجس من غير السبيلين غير البول والغائط ينقض (١) الدَّارقطني (١٥١/١). ٣١٧ كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء كثيره، بغير خلافٍ في المذهب. وقال مالك والشَّافعي وأصحابهما: لا وضوء منه؛ واختاره الشيخ تقي الدِّين؛ لأنَّه لا نصَّ فيه، ولا يصحُّ قياسه على الخارج من السبيل، وإِنَّما هو كالبُصَاقِ والمُخَاط، والأصلُ بقاءُ الطهارة حتَّى يأتي ما يرفَعُ هذا الأصل، واختاره شيخُنَا عبدالرحمن السعدي، وتقدّم الخلافُ في ذلك. ٤ - حديثُ عائشة السَّابِقُ أنَّ الرُّعَافَ والقيء والقَلَسَ ونحوها ممَّا يخرج من البدن من غير السبيلين: ناقضٌ للوضوء، ولكنَّ الحديثَ ضعيف، وعند الترجيح لا يعارِضُ هذا الحديث الذي معنا، لا سيَّما وهذا الحديثُ يقرِّر أصلاً هو أنَّ الأصل بقاء الطهارة. ٥- الحجامة دواء؛ وقد جاء في صحيح البخاري (٥٦٨٠)، عن ابن عبّاس عن النَّبِي وَ ◌ّه قال: ((الشِّفَاء في ثلاث: شربة عسل، وشرطة محجم، وكية نار)). قال ابن القيم: إذا كان المرض حَارًّا، عالجناه بإخراج الدَّم بالفصد أو بالحجامة؛ لأنَّ في ذلك استفراغًا للمادة، وتبريدًا للمزاج، ففيه استحباب التداوي، واستحباب الحجامة، وأنَّها تكون في الموضع الذي يقتضيه الحال. ٦ - استحباب التداوي؛ ففي مسلم (٢٢٠٤) من حديث جابر أنَّ النَّبِي وَّ قال: ((لكلِّ داءٍ دواء، فإذا أصيب بدواء الدَّاء، بَرَأْ بِإِذْنِ الله عزَّ وجل)). وفي مسند الإِمَام أحمد (١٧٩٨٧)، عن أسامة بن شريك؛ أنَّ النَّبي ◌َّ قال: ((ياعباد الله تداوَوْا، فإنَّ الله لم يضعْ داءً إلاّ وضع له شفاءً)). قال ابن القيم - لما ذكر أحاديث التداوي -: فقد تضمَّنت هذه الأحاديث الأسبابَ والمسبَّيات، وإبطالَ قول مَنْ أنكرها، ففي هذه الأحاديث الصحيحة الأمر بالتداوي وأنَّه لا ينافي التوكل. فكان هديه وَ ل﴿ فِعْلَ التداوي في نفسه، وَالأَمْرَ به لمن أصابه مَرَضٌ من أهله، أو أصحابه . : ٣١٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٤ - وَعَنْ مُعَاوِيَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّه : ((العَيْنُ وِكَاءُ السَّهِ، فَإِذَا نَامَت العَيْنَانِ، اسْتَطْلَقَ الْوِكَاءُ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، والطَّبَرَانِيُّ، وَزَادَ: ((وَمَنْ نَامَ، فَلْيَتَوَضَّأُ))، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي هَذَا الحَدِيْثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ حَدِيْثِ عَلِيٍّ، دُوْنَ قَوْلِهِ: ((اسْتَطْلَقَ الوِكَاءُ))، وَفِي كِلَ الإِسْنَادَيْنِ ضَعْفٌ(١). وَلأَّبِي دَاوُدَ - أيْضًا - عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا - مَرْفُوْعًا: ((إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا)) وَفِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ(٢). * درجة الحديث: حديث عليٍّ حسنٌ، أمَّا حديثُ معاوية: فقدرواه أحمد، والطبراني، والدَّار قطني، وفي إسناده بقيّة، عن أبي بكر بن أبي مريم، وهو ضعيفٌ، وكان قد سُرق بيته فاختلط. وحديث عليٍّ رواه أحمد وأبوداود وابن ماجه والدَّارقطني، وفيه الوضين ابن عطاء - وهو ضعيف - عن محفوظ بن علقمة عن عبدالرحمن بن عائذ عن علي. قال أبوزرعة: لم يسمع منه، قال الحافظ: وفي هذا النَّفي نظر؛ لأنَّه يروي عن عمر كما جزم به البخاري، وقال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن هذين الحديثين؟ فقال: ليسا بقويين، وقال الإمام أحمد: حديث علي أثبت من حديث معاوية. وحسَّن حديث عليٍّ: المنذريُّ، وابن الصلاح، والنووي. وأمَّا حديث ابن عبّاس: فقد ضعَّفه البخاري، وأحمد، والترمذي، وقال (١) أحمد (٩٧/٤)، الطبراني في الكبير (٣٧٢/١٩)، أبوداود (٢٠٣). (٢) أبوداود (٢٠٣). ٣١٩) كتاب الطهارة - باب نواقض الوضوء أبوداود: إنَّه حديثٌ منكر، وقال البيهقي: تفرَّد به أبوخالد الدالاني، وأنكره عليه جميع أئمة الحديث، وقال ابن الملقن: هو حديثٌ ضعيفٌ باتفاقهم. * مفردات الحديث: - وكَاء: بكسر الواو والمد: الخيط الذي تُشَدُّ به الصُّرَّةُ أو الكيسُ أو القربة. - السّه: بفتح السين المهملة وكسرها: هي حلقة الدبر، أصلها سَتَهُ، فسقطت منها عين الكلمة. ومعنى كون العين وكاءَ السه: أنَّ اليقظةَ تحفظُ الدبر، وتمنع خروجَ الخارج منه، كما يحفظ الوكاءُ الماءَ في السِّقاء، ویمنَعُ خروجه. - استطلق: يُقال: طَلَقَ يَطْلُقُ طلاقًا من باب كرم، والطلاق: أصله التخلية من القيد، وباقي معانيه متشعبةٌ منه. والمراد هُنا: أنَّ النَّائم إذا نام، لم يكن له شعور يحبس به الخارج. - مضطجعًا: أصله مضتجعًا؛ لأنَّه من باب الافتعال؛ فقلبت التَّاء طاءً. وأمَّا إعرابه فهو حال من فاعل نام، والاضطجاع معناه: وضع الجنب على الأرض. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نقض الوضوء من الرِّيح الخارجة من الدبر بصوتٍ أو بدونه. ٢ - الحديثُ يدُلُّ على أنَّ النَّوْمَ ليس بناقضٍ بنفسه، وإنَّمَا هو مظنَّةُ النَّقْض، فلا ينقُضُ إلاَّ النُّوْمُ المستغرقُ الذي هو مظنَّة الحدث، وأَمّا الخفيف فلا ينقض. ٣- مثل النوم كلُّ ما أزال العقل؛ من جنون، أو إغماء، أو سُكْر، أو غيره، فكله من نواقض الوضوء، بجامع زوالِ الإحساسِ في الكل. ٤- قال علماءُ وظائفِ الأعضاء: إنَّ النَّوْمَ فَترةٌ من الخمود مصحوبةٌ بنفي الإدراكِ والشعور، وأكثَرُ أجهزة الجسم توقُّفًا عن العمل أثناءَ النوم، هي المراكزُ العليا للمخ، التي تختصُّ بالإدراك والتمييز والتفكير، والرَّدِّ على المؤثِّرات الخارجية بما يناسبها، ومن أهم مميِّزات النوم: ارتخاء العضلات الإرادية، وعدم القدرة على ضبط النفس . ٣٢٠) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧٥ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاس - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَله قَالَ: «يَأْتِي أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ فِي صَلاَتِهِ فَيَنْفُحُ فِي مَقْعَدَتِهِ، فَيُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ أَحْدَثَ وَلَمْ يُحْدِثْ، فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ فَلاَ يَنْصَرِفْ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيْحًا)) أَخْرَجَهُ البَزَّارُ(١)، وأَصْلُهُ فِي الصَّحِيْحَيْنِ مِنْ حَدِيْثٍ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ (٢)، ولِمُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - نَحْوُهُ(٣) . وَلِلْحَاكِمٍ عَنْ أَبِي سَعِيْدٍ مَرْفُوْعًا: ((إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الشَّيْطَانُ، فَقَالَ: إِنَّكَ أَحْدَثْتَ، فَلْيَقُلْ: كَذَبْتَ))، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ كَذْلِكَ بِلَفْظِ: ((فَلْيَقُلْ فِي نَفْسِهِ))(٤). * مفردات الحديث: - ينفخ: نفَخَ بفمه نفخًا: أخرج منه الرِّيح. - في مقعدته: يُقال: قعد يقعد قعودًا، من باب نصر، والمقعدة: بفتح الميم، وسكون القاف: السَّافلة من الشخص. - يخيّل إليه: يُقال: خال يخال خيلاً، من باب علم: إذا ظنَّ وتوهّم، وخُيّلَ له كذا - بالبناء للمجهول -: إذا توهَّمه أو ظنَّهُ، وهو من أفعال القلوب، والمعنى توهُم خروج الرِّيحِ من مقعدته. (١) البزار (٢٨١). (٢) البخاري (١٣٧)، مسلم (٣٦١). (٣) مسلم (٣٦٢). (٤) ابن حبان (٢٦٦٦)، الحاكم (١٣٤).