النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٦١
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
٨- تشرُّف المغيرة بن شعبة بخدمة النَّبِيِّ وَّ، مع كونه من أَكْبَرِ بيت في
قبيلة ثقيف.
٩- جواز خِدْمَةِ الفاضلِ بتقديم حذائِهِ وخلعهما أو حملهما، إذا كانت
الخدمةُ لدينه وعلمه، أو لحقُّهِ من أبوَّةٍ أو ولايةٍ عامَّة ونحو ذلك، وأنَّه
لا يعتبر مِنَ المخدوم تكبِّرًا على غيره واستهانةً بهم، ما دام الحاملُ على
ذلك النظرَ إلى مبدأٍ شريفٍ وَسَام، كما أنَّه لا يعتبر من الخادم ذُلاً
وإهانةً لنفسه، مادام الحاملُ له غرضٌ شريفٌ، ومقصدٌ حسنٌ.
١٠ - توجيهُ الخادم إلى الصواب مع بيانٍ وجه الحكم؛ ليكونَ أشدَّ طمأنينةً
لقلبه، وأفقه لنفسه، وأسرع لقبوله.
١١ - الطهارةُ عند كثيرٍ من الفقهاء - ومنهم أصحابنا الحنابلة - لا تكون إلاَّ
إذا كانت بالماء، دون التيقُّم؛ فهو عندهم مبيحٌ لا رافع للحدث، وعلى
هذا: يشترط لجواز المسح أنْ تكون الطهارة التي لَبِسَ بعدها الخفين
هي طهارة بالماء.
ولكن القول الثاني الذي يعتبر فيه التيقُّم بدلاً من الماء، وقائمًا مقامَهُ
في كلِّ شيء، حتَّى في رفع الحدث: فإنَّه يجوز أنْ يمسح ولو كانت
الطهارة طهارة تيمُّم، وهو الصحيح.
١٢ - جواز إعانه المتوضى على وضوئه بتقريب الماء أو الصبِّ عليه ونحو
ذلك، أمَّا غَسْل أعضائه: فلا يكون إلاَّ من حاجة.

٢٦٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٤ - وَعَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّهُ قَالَ: (لَوْ كَانَ الدِّينُ
بِالرَّأْي، لَكَانَ أَسْفَلُ الخُفِّ أَوْلَى بِالمَسْحِ مِنْ أَعْلاَهُ، وَقَدْ رَأَيْتُ رَسُوْلَ
اللهِ وَّهِ يَمْسَحُ عَلَى ظَاهِرٍ خُفَّيْهِ) أَخْرَجَهُ أَبُودَاوُدَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ(١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيح. فقد أخرجه أبوداود بإسنادٍ حسن، وقال المؤلّف في
التلخيص: وفي الباب حديثٌ عن علي، إسناده صحيح .
* مفردات الحديث:
- لو: حرف شرطٍ غير جازم، وهي حرف امتناع لامتناع، فينتفي جوابها لانتفاء
شرطها، ففي الحديث انتفاء مشروعية المسح على ظاهر الخف؛ لانتفاء كون
دين الله بمجرَّد العقل.
- الدِّين: المراد به هنا الشرع، وله معانٍ أخر.
- الرأي: يطلق على الاعتقاد والتَّدبير والعقل، وجمعه آراء، ومجرَّد العقلِ دون
الرواية والنَّقْل ليس بِشَرْعِ .
* ما يؤخذ من الحديث:
٥
١ - وجوبُ كون مسح الخف على أعلى الخف فقط، فلا يجزيء مسح غيره،
ولا يشرع مسح غيره معه، سواء الأسفل أو الجوانب.
٢ - إنَّ الدِّين مبناه على النَّقْلِ عن الله تعالى، أو عن رسوله بَّهَ، وليس الرأي هو
المُحْكَمَ فيه؛ فالواجبُ الاتباعُ، لا الابتداع.
٣- الذي يتبادر للذُّهْن هو أنَّ الأولى بالمسح هو أسفل الخف، لا أعلاه؛ لأَنَّ
(١) أبوداود (١٦٢).

٢٦٣
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
الأسفل هو الذي يباشر الأرض، وربما أصابته النجاسة، فكان أولى بالإزالة،
ولكن الواجب هو تقديمُ النَّقل الصحيح على الرأي؛ فإنَّ الذي شرع ذلك هو
أعلم بالمصالح. وليس معنى هذا أنَّ الشرع لا يعبأ بالعقل ولا يعتبره؛ فإنَّ
تشريف العقل في القرآن الكريم، وتوجيه مواهبِهِ ومخاطبته، هي أكثر وأكبر
[يس: ٦٨]، وقال:
٦٨
من أن يستشهد بها؛ قال تعالى: ﴿ أَفَلَا يَعْقِلُونَ
[الروم: ٢٤]، وقال: ﴿﴿إِنَّ شَرَّ
﴿﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ الَّ
الذَّوَآتٍ عِندَ اللَّهِ الضُمُّ اَلْبُّكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [الأنفال: ٢٢]، فالعقل نعمةٌ
كُبرىُ أَنعم الله بها على الإنسان. وإنَّما معناه: أنَّ العقل غير مستقلِّ بالتَّشريع،
فهو يسلُّم ويتلقَّى شرع الله تعالى بنفسٍ راضيةٍ، ويحاول فهم أسرار الله فيها،
فإنْ أدرك؛ فذاك من نعمة الله عليه؛ وإلاّ سلك سبيل الذين قالوا: ﴿ ءَامَنَّا بِهِ،
كُلِّ مِنْ عِندِ رَيِّنَا﴾ [آل عمران: ٧].
٤- العقل السليم يوافق النقل الصحيح، فالشريعة التي أنزلها الله تعالى لا تقصد
إلَّ نفس الغرض، الذي خُلِقَ العقل من أجله، حينما يكون العقل سليمًا
صحيحًا لم يغلبه الهَوَى والشهوات، ولم يمسَّه الضعفُ والخِفَّة. على أنَّه
من المعلوم أنَّ العقل لا يكون معيارًا على الشريعة، بل الشريعة هي التي
تكون مقياسًا لنقد العقول، فإذا كان هناك عقلٌ يقبل أحكام الشرع، عُلِمَ أنَّه
عقلٌ سليمٌ بريءٌ من العلَّت، وإذا أبى قبولها، علم أنَّه مريض وعليل.
٥- وجوب الخضوع والتسليم لأوامر الله تعالى، وأوامر رسوله محمد اَل،
وهذا هو غايةُ العبادة، وهو كمالُ الانقياد والتسليم.
٦ - لعلَّ - والله أعلم - مِنْ حكمةِ هذا الحكم، أنَّ الغَسْلَ يُتْلَفُ الخف، فاكتفي
بالمسح تيسيرًا وتسهيلاً، وحفظًا لمالية الخف، والمسح ليس غسلاً يزيل
النجاسة وينقِّي الخف، وما دام أنَّ المسح لن يَزِيلَ الأذى العالق بأسفل
الخف، بل إنْ مسحه بالماء يسبِّب حمله للنجاسة، جعل المسح أعلاه ليزيل

٢٦٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ما علق به من غبار؛ لأنَّ ظاهر الخف هو الذي يُرَى، والأفضل أنْ يكون
المصلِّي في غاية النظافة، والله أعلم.
٧- مسح الخف في حديث المغيرة مجمَلٌ، وهذا الحديث بيَّن صفته وكيفيته.
خلاف العلماء:
اختلف العلماء هل المسح على جميع ظاهر الخف أم لا؟:
والرَّاجح: أنَّ المسح يكون على أكثره؛ لأنَّ المسح عليهما لا بهما.
واختلفوا هل يمسحان كالأذنين معًا، أم تقدَّم اليمنى؟ :
والرَّاجح: تقديم اليمنى؛ وذلك لأنَّ الرِّجْلين مستقلتان، وليستا كالأذنين
تابعتين للرأس.
ولأنَّ مسحهما فَرْعُ غَسْلهما، والغسل فيه استحباب التيامن.
ولأنَّ حديث عائشة صريحٌ في استحباب تيامنه في طهوره، ومسح
الخفين من الطهور، فيسن أنْ يمسح بأصابع يديه على ظهور قدميه، فيمسح
اليمنى باليمنى، ثمَّ يمسح اليسرى باليسرى، ويفرِّج بين أصابعه، وكيفما مسح
أجزأ.
وأجمعوا على أنَّ المسح عليه مرَّةً واحدة، وأنَّه لا يسن تكراره.

٢٦٥
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
٥٥ - وَعَنْ صَفْوَانَ بنِ عَسَّالٍ قَالَ: ((كَانَ النَّبِيُّ وَلَّهِ يَأْمُرُنَا إِذَا
كُنَّا سَفْرًا، أَنْ لاَ نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ إِلَّ مِنْ جَنَابَةٍ، وَلَكِنْ
مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ)) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ، والتِّرْمِذِيُّ والَّلَفْظُ لَهُ، وابْنُ
خُزَيْمَةَ وَصَخَّحَاهُ(١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيح. فقد صحَّحَهُ الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبَّان،
والطحاوي، ونقل الترمذي عن البخاري أنَّه قال: حديثٌ حسنٌ، ليس في
التوقيت شيءٌ أصح منه، وقال النووي: إنَّه جاء بأسانيدَ صحيحةٍ .
وَقال ابن عبدالهادي في المحرَّر: رواه أحمد (١٧٦٢٥)، والنسائي،
وابن ماجه (٤٧٨)، ورواه ابن خزيمة، وابن حبَّان (١٤٩/٤).
مفردات الحديث:
- سَفْرًا: بفتح السِّين، وسكون الفاء، آخره راء: جمع مسافر، مثل راكب ورَكْب،
وصاحب وصَحْب، وكان في الأصل مصدرًا، فأمَّا مسافر فجمعه: مسافرون.
- ننزع: يُقال: نَزَعَ يَنْزِعُ نَزْعًا - من باب ضرب -: قلعه، فالنزع: الجذب
والقلع.
- خِفَاف: بكسر الخاء، ففاء مفتوحة: جمع خُفّ، والخف: ما يُلبس في
الرجل من جلدٍ رقيق.
- جنابة: تقدمت، وسيأتي بيانها أتم في باب الغسل، إن شاء الله تعالى.
- غائط: أصله: المكان المنخفض الواسع من الأرض، فكان من أراد أنْ يتبرَّز
(١) الترمذي (٩٦)، والنسائي (١٢٧)، ابن خزيمة (١٣/١).

٢٦٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
يستتر به عن النَّاظرين، وكثر استعماله حتَّى سُمِّيَ الخارجُ من الإنسان غائطًا،
من باب الكناية، وجمعه غوط وغياط .
- بَوْل: بفتح فسكون: سائلٌ تفرزه الكليتان، فيجتمع في المثانة حتَّى تدفعه إلى
الخارج، عن طريق مسلكه، جمعه أبوال، وتقدّم.
- نَوْم: فترة من الخمود، مصحوبة بنقصٍ في الإدراك والشعور، تتوقّف فيها
الوظائف البدنية، وهو فترة راحة تساعد الجسم على تعويض ما فقده، من
طاقات مختلفة، خلال العمل.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - جوازُ المسح على الخفَّيْن في السفر، كما كان في الحضر؛ بل الحاجة إليه
في السفر أشد.
٢- أنَّ مدَّةَ المسح على الخُفَّيْنِ في السفر ثلاثة أيَّامِ بِلَيَالِيْهِنَّ، وأنَّهُ بعد الثَّلاثَة
يَجبُ خَلعهما، وغَسْلُ ما تحتهما من القدمين فيّ الوضوء.
٣- إنَّ المسح على الخفين يكون من الحدث الأصغر، دون الحدث الأكبر؛
ففيه: يجب خلعهما وغسل ما تحتهما، وهو حكم مُجْمَع عليه بين العلماء.
٤- نقض الوضوء من الخارج من السبيلين، وأهمُّه البول والغائط .
٥- نقض الوضوء من النوم.
٦ - مثل النَّوم في نقض الوضوء، كلُّ ما أزال العقلَ وغطّاهُ؛ من إغماءٍ وبنجِ
ومسكر وغيرها.
٧- عمومُ الحديث يفيدُ جوازَ المسح على الخفَّيْنِ، سواءٌ كان صالحًا أو
مخروقًا؛ فإنَّ الغالبَ على خفاف الصحابة - رضي الله عنهم - أنْ لا تسلم من
وجود الشقوق والخروق.
وهذا خلاف ما قيَّده به أصحاب الإمامين الشَّافعي وأحمد، من اشتراط
عدم الخرق أو الشق في الخف، وهو قولٌ مرجوحٌ، والله أعلم.

٢٦٧
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
٨- لا يجوز المسح على مالا يستر محل الفرض؛ أخذًا من مسمَّى الخف
عندهم.
٩- جواز المسح على الجوربين ونحوهما، ممَّا له حكم الخفين، يستر محل
الفرض، والحاجة إلى لُبْسِهِ والمشقّة في نزعه، من أي شيءٍ يكون
الجورب؛ من صوفٍ أو وبرٍ أو قطنٍ أو غيرها.
١٠ - قال في المغني: ولا يجوز المسح على الخف الرقيق الذي يصف البَشَرَةَ؛
لأنَّه غير ساترٍ لمحل الفرض؛ فأشبه النَّعل.
وقال النووي في المجموع: وحكى أصحابنا عن عمر وعلي - رضي الله
عنهما - جواز المسح على الجورب وإنْ كان رقيقًا، وحكوه عن أبي
یوسف ومحمد وإسحاق و داود.
* خلاف العلماء:
ذهب الإمام أحمد: إلى جواز المسح على الجوربين، وهما ما يصنع على
هيئة الخف من غير الجلد.
قال ابن المنذر: تروى إباحةُ المسح على الجوربين عن تسعة من
الصحابة، وهم: علي وعمَّار وابن مسعود وأنس وابن عمر والبراء وبلال وابن
أبي أوفى وسهل بن سعد.
وهو قول: عطاء والحسن وابن المسيب وابن المبارك والثوري وإسحاق
وأبي يوسف ومحمد بن الحسن؛ لما روى الإمام أحمد (١٧٧٤)، وأبوداود
(١٥٩)، والترمذي (٩٩) عن المغيرة بن شعبة أنَّ النَّبِي وَّ مسح على الجوربين
والنعلین.
قال الترمذي: حسن صحيح.
قال الألباني: رجاله كلهم ثقات؛ فإنَّهم رجال البخاري في صحيحه
محتجًا بهم.

٢٦٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
وذهب الأئمة الثلاثة - فيما استقرَّت عليه مذاهبهم أخيرًا - إلى جواز
المسح عليهما .
واختلف العلماء: أيهما أفضل الغَسْلُ أو المسح؟ :
فذهب الشافعية: إلى أنَّ الغَسْلَ أفضل؛ بشرط أنَّه لا يترك المسح رغبةً
عن السنَّة.
وذهب الحنابلة: إلى أنَّ المسح أفضل من الغسل.
قال في شرح الإقناع: المسح على الخفين أفضل من الغسل؛ لأنَّه ◌ِله
وأصحابه إنَّما طلبوا الأفضل، وفيه مخالفةُ أهل البدع، ولقوله وَلّ: ((إنَّ الله
يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ برخصه)) [رواه ابن خزيمة (٢٥٩/٣)، وابن حبَّان (٣٣٣/٨)].
وأمَّا ابن القيم - رحمه الله تعالى - فقال: لم يكن وَله يتكلّف ضد حاله
التي عليها قدماه، فإنْ كانتا في الخف، مَسَحَ عليهما، وإِنْ كانتا مكشوفتین،
غسل القدمین)) .
وقال - رحمه الله -: هذا أعدل الأقوال.

٢٦٩
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
٥٦ - وَعَنْ عَلِيِّ بن أبِي طَالِبٍ - رَضِيَ الله عَنْهُ - قَالَ: ((جَعَلَ
النَّبِيُّ ◌َِّ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ لِلْمُسَافِرِ، وَيَوْمًا وَلَيْلَةً لِلْمُقِيْمِ)) يَعْنِي فِي
المَسْحِ عَلَى الخُقَّيْنِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١)
* مفردات الحديث:
- ثلاثة أيام: اليوم: من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس؛ ولذا من فعل
شيئًا بالنَّهار، وأخبر به بعد غروب الشمس، يقول: فعلته أمس، واستحسن
بعضهم أنْ يقول: أمسِ الأقربَ، وهو مذكَّر، وجمعه أيام، جمعه مؤنث،
فيقال: أيام مباركة.
- لياليهنَّ: جمع ليلة، قال في المصباح: وقياس جمعها ليلات، والليلة من
غروب الشمس إلى طلوع الفجر.
وقال في المعجم الوسيط: تقول: فعلت الليلة كذا، من الصبح إلى نصف
النَّهار، فإذا انتصف النَّهار قلتَ: البارحة، أي: الليلة التي قد مضت.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مدَّة مسح المقيم: يومٌ وليلةٌ، ويكون - على الرَّاجح من قولي العلماء - من
ابتداء المسح بعد الحدث، إلى مثل وقته من اليوم الثاني .
٢- مدَّة مسح المسافر: ثلاثة أيام ولياليهنَّ، وهو من ابتداء المسح بعد الحدث
إلى مثل وقته من اليوم الرَّابع.
٣- مثل الخفين في المدَّة: العمامةُ، وخُمُرُ النِّساء، عند من يقول بجواز المسح
عليها؛ ففيها خلاف، والرَّاجح: جواز ذلك.
(١) مسلم (١٧٦).

٢٧٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤- في الحديث دليلٌ على حكمةِ الشرع، وتنزيل الأمور منازلها، واعتبارٍ
الأحوال؛ فإنَّ النَّبِي وَِّ فرَّق - هنا - بين المسافر والمقيم، فجعل للمسافر
مُدَّةً أطول من مدَّة المقيم، مراعاةً بحال المسافر ومشقّته، واحتياجه إلى
زيادة المدَّة، بخلاف المقيم المستقر المرتاح، والله حکیمٌ علیم.
٥- فيه بيانُ يُسْرِ الشريعة وسماحَتِهَا، ومراعاتِهَا لأحوالِ النَّاسِ في قوتهم
وضعفهم وحاجتهم.

٢٧١
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
٥٧ - وَعَنْ ثَوْبَانَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: (بَعَثَ رَسُوْلُ اللهِ وَه
سَرِيَّةٌ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَمْسَحُوا عَلَى العَصَائِبِ - يَعْنِي العَمَائِمَ - والتَّسَاخِينِ
- يَعْنِي الخِفَافَ ـ)) رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَأَبُودَاوُدَ، وَصَخَحَهُ الحَاكِمُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث صححه الحاكم، ووافقه الذهبي في تلخيصه.
قال في المحرَّر: رواه أحمد وأبوداود وأبو يعلى الموصلي والحاكم،
وقال: على شرط مسلم، وفي قوله نظر؛ فإنّه من رواية ثور بن زید عن راشد بن
سعد، عن ثوبان، وثور لم يرو له مسلم، بل انفرد به البخاري، وراشد بن سعد
لم يحتجَّ به الشيخان، ووثّقه ابن معين وأبوحاتم والعجلي ويعقوب بن شيبة
والنسائي، وخالفهم ابن حزم، والحق معهم.
وقال الحافظ في الدراية (٧٢/١): إسناده منقطع، وضعَّفه البيهقي،
وقال البخاري: حدیث لا يصح.
* مفردات الحديث:
- سرية: جمعها سرايا، وهي القطعةُ من الجيش، سُمِّيَتْ سريةً؛ لأنَّها تَسْرِي في
خُفْية، وهي ما بين خمسة أنفس إلى ثلاثمائة، وهي من الخيل نحو أربعمائة،
واصطلَحَ علماءُ السيرة النبوية على أنَّ كلَّ جيش لم يكن فيه رسول الله وَل
يسمي سريّة، وكُلَّ ما حضر فيهِ مَّلِ يسمَّى غزوة.
- العصائب: مفردها عِصَابة، وهي ما عُصِبَ به الرَّأسُ من منديل ونحوه.
- العمائم: مفردها عمامة، وهي مايلف على الرَّأس.
(١) أحمد (١٨٧٨)، أبوداود (١٤٦)، الحاكم (٢٧٥/١).

٢٧٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
- التساخين: بفتح التاء: نوعٌ من الخفاف، قال ثعلب: لا واحد لها من لفظها،
يعني : الخفاف أو الأخفاف.
* ما يُؤخذ من الحديث:
١- جواز المسح على العمامة، والخفاف في السفر.
٢- كما يجوز في السفر، فإنَّه يجوز أيضًا في الحضر؛ فالرخصة عامَّة.
٣ - فيه تعليم الجيش والغزاة والمسافرين، إلى ما يحتاجون إليه من الأحكام
الشرعية؛ ففيه تنبيهُ ولاة الأمور وقُوَّادِ الجيوش وكبارِ رجال الأمن، أنْ يُعْنَوْا
بتوعية جنودهم التوعية الشرعية، لاسيّما في الأحكام التي يحتاجون إليها .
٤- أنَّ الأنسب في توجيه العامَّة، وإرشادهم، أنْ يُعْطَوْا من العلم المسائلُ التي
هم في حاجتها، والتي تدورُ في محيطهم الحاضر؛ لأنَّهم في حاجتها الآن.
٥- صفة مسح العمامة، وهو أنْ يمسح بيده المبتلّة بالماء ظاهرَ العمامةِ دون
باطنها؛ لأنَّ أعلاها يشبه ظاهر الخف، ولا يجب أنْ يمسح مع العمامة ما
جرت العادةُ بكشفه من الرَّأس.
٦ - هؤلاء الذين أمرهم النَّبِي ◌َّة بالمسح على العصائب والخفاف جنودٌ كثيرون
ومسافرون، وحالة الصحابة - رضي الله عنهم - في تقلّلهم من الدنيا ومتاعها
معلومةٌ، فيكون من المحقَّق أنَّ غالب عمائمهم وخفافهم قديمةٌ وممزَّقة،
ويبدو منها بعض محل الفرض، فمسحوا عليها، وسيأتي بيان الخلاف، إِنْ
شاءَ الله تعالى.
* خلاف العلماء:
اختلف العلماء في جواز المسح على الخف المخرّق :
فذهب الإمامان الشافعي وأحمد وأتباعهما: إلى أنَّه لا يجوز المسح
عليه، ولو كان خرقًا واحدًا، أو كان صغيرًا أيضًا، ودليلهم: أنَّ ما ظهر من
محل الفرض ففرضه الغَسْل، وما سُتِرَ ففرضه المسح؛ والغسل لا يجامع

٢٧٣
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
المسح، إذ لا يُجْمَع بين البدلِ والمبدَلِ منه، في محلٌّ واحدٍ.
وذهب الإمام أبو حنيفة: إلى أنَّه لا يجوز المسح عليه إذا كان الخرق قدر
ثلاثة أصابع فأكثر.
وذهب الإمام مالك: إلى أنَّه لا يمسح عليه إذا كثر وفحش، ويحدِّد
فحشَهُ العرف .
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية: إلى جواز المسح على الخُفِّ المخروق،
مادام اسمُ الخفِّ باقيًا عليه، وهو مذهبُ الثوري وإسحاق وابن المنذر
والأوزاعي.
وقال شيخ الإسلام: إنَّ هذا القول أصح، وهو قياس أصول أحمد
ونصوصه في العفو عن يسير ستر العورة، وعن يسير النجاسة ونحو ذلك؛ فإنَّ
السنَّة وردت بالمسح على الخفين مطلقًا، وقد استفاضت الأخبار عن النَّبِي ◌ِّيه
في الصحيح: ((أنَّه مسح على الخفين))، وتلقَّى الصحابة عنه ذلك، فأطلقوا
القول بجواز المسح على الخفين، ومعلومٌ أنَّ الخفاف عادةً لا يخلو كثيرٌ منها
من فَتْق أو خَرْق، وكان كثير من الصحابة فُقَرَاءَ لم يكنْ يمكنهم تجدیدُ ذلك.
ومن تدبَّر الشريعةَ، وأعطى القياس حقَّه، علم أنَّ الرخصة في هذا الباب
واسعة، وأنَّ ذلك من محاسن الشريعة، ومن الحنيفية السمحة، والأدلَّة على
رفع الحرج عن هذه الأمَّة بَلَغَتْ مبلغ القطع، ومقصدُ الشَّارع من مشروعية
الرخصة الرفقُ في تحمُّل المشاقٌّ، فالأخذُ بها مطلقًا موافقة للعقيدة.
أمَّا لو زال اسم الخفِّ منه، وزال معناه والفائدة منه: فهذا لا يصح المسح
عليه .

٢٧٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٨ - وَعَنْ عُمَرَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - مَوْقُوفًا، وَعَنْ أَنَسِ
مَرْفُوْعًا: ((إِذَا تَوضَّأَ أَحَدُكُمْ، فَلَِسَ خُفَّيْهِ، فَلْيَمْسَحْ عَلَيْهِمَا، وَلْيُصَلِّ
فِيْهِمَا، وَلاَ يَخْلَعْهُمَا - إِنْ شَاءَ - إِلاَّ مِنْ جَنَابَةٍ)) أَخْرَجَهُ الدَّارَ قُطْنِيُّ،
وَالْحَاكِمُ وَصَخَّحَهُ(١).
* درجة الحديث:
الحدیث شائٌّ .
والمحفوظ في المسح على الخفين ونحوهما: هو التوقيت؛ للمقيم يومٌ
وليلة، وللمسافر ثلاثة أيَّام ولیالیهنَّ.
وقد تكلّم ابن دقيق العيد عن هذا الحديث موقوفًا ومرفوعًا في كتابه
((الإلمام))؛ فقال: رواه الدَّارقطني من جهة أسد، ووثّقه الكوفي والنسائي
والبزَّار، قال الحاكم: وروي عن أنس مرفوعًا بإسنادٍ صحيحٍ، ورواته عن
آخرهم ثقات إلاَّ أنَّه شاذِّ بمرة.
قال محرِّره عفا الله عنه: والشذوذ في الحديث لا ينافي ثقة رواته؛ ولذا
قال صاحب التنقيح: إسناده قوي، ولكن مخالفته لمن هو أوثق منه تُوجِبُ
ردَّه، واعتباره من قسم الضعيف في الحديث.
* مفردات الحديث:
- ولا يخلعهما: ((لا)) ناهية، إلاَّ أنَّه لم يُرِدِ النَّهْيَ؛ بدليل قوله: ((إنْ شاء))،
ومعنى ((لا يخلعهما)) أي: لا ينزع الخفين من الرِّجْلين.
(١) الدَّارقطني (٢٠٣/١)، الحاكم (١٨١/١).

٢٧٥
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - فيه اشتراط الطهارة في المسح على الخفين، وأنّه لا يجوز المسح عليهما إلاَّ
إذا لُبِسَا بعد كمال الطهارة؛ كما تقدَّم في حديث المغيرة بن شعبة .
٢ - أنَّ المسح رخصةٌ، فهو جائزٌ، وليس بواجبٍ، وقد قُيِّد الأمر بالمسح،
ويحتمل أنْ يكونَ للاستحباب.
قال شيخ الإسلام: الأفضل لِلابس الخف: أنْ يمسح عليه، والأفضل
لمن قدماه مكشوفتان: غسلهما؛ اقتداءً بالنَّبي ◌َّ وأصحابه.
٣- الحديث مطلق عن التوقيت؛ ولكنَّه مقيد بالأحاديث الأخر التي تقدَّمت،
ومنها حديث علي، وحديث صفوان - رضي الله عنهما - من أنَّ للمسح مدَّةً
محدودة .
٤- المسح على الخفين ونحوهما خاصٌّ بالحدث الأصغر؛ أمَّا الحدث الأكبر
فلا يجوز المسح معه، بل لابد من خلع الخفين وغسل القدمين؛ لقوله:
((إلاّ من جنابة))؛ لأنَّ حدث الجنابة أشدُّ وأغلظَ من الحدث الأصغر، فإنَّه
يحرُمُ على الجنب ما لا يحرُمُ على صاحب الحدث الأصغر.
٥- فيه مشروعيةُ الصلاة في الخفين ونحوهما؛ لقوله: ((وليصل فيهما))، كما
صحَّ: ((أَنَّه ◌َل كان يصلي في نعليه)).

٢٧٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٥٩ - وَعَنْ أَبِي بَكْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - عَنِ النَّبِّ وَّهِ: ((أَنَّهُ
رَخَّصَ لِلْمُسَافِرِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ، وَلِلْمُقِيْمِ يَوْمًا وَلَيْلَةً؛ إِذَا تَطَهَّرَ
فَلَبِسَ خُفَيْهِ أَنْ يَمْسَحَ عِلَيْهِمَا)) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَصَخَّحَهُ ابْنُ
خُزَيْمَةَ(١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيح. قال الحافظ في التلخيص: أخرجه ابن خزيمة،
واللفظ له، وصحَّحه الخطابي، ونقل البيهقي أنَّ الشَّافعي صحّحه.
وقد رواه ابن ماجه، وابن حبَّان (١٥٤/٤)، وابن الجارود (٢٣٢/٢)،
وابن أبي شيبة (١/ ٢١٦٣)، والدَّار قطني، والترمذي في العلل.
* مفردات الحديث:
- رخَّص: الرُّخصة، بضم الرَّاء، وسكون الخاء، وزن غُرْفة، جمعها رُخَصٌ،
وهي التسهيل في الأمر والتيسير.
- إذا تطهّر: المراد بالتطهُّر هنا: الطهارة من الحدثين.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - مدَّة مسح المسافر ثلاثة أيَّامٍ ولياليهنَّ، ومسح المقيم يوم وليلة.
٢ - أنْ يكون المسح بعد طهارةٍ كاملةٍ، ولُبْسِ الخفين بعدها.
٣- الفرق بين المسافر والمقيم: هو أنَّ المسافر في مظنّة الحاجة إلى طول المدَّة
لمشقّة السفر والبَرْدِ والحفاءِ وتوفيرِ الوقت، بخلاف المقيمِ فهو في راحةٍ من
هذا کلِّه.
(١) الدَّارقطني (٢٠٤/١)، ابن خزيمة (٩٦/١).

٢٧٧
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
٤ - المسح على الخفين ونحوهما رخصةٌ من الله تعالى، وتسهيلٌ على خلقه،
والنَّبِيِ وَلّ المرخُصُ مبلِّغٌ عن الله تعالى.
٥- كلَّما اشتدَّتِ الحاجةُ حصلتِ الرخصة والتيسير، وهذه هي قاعدة الإسلام
الكبرى في أحكامه الرشيدة.
٦- قوله: ((رخّص)) دليلٌ على أنَّ المسح على الخفين رخصةٌ لا عزيمة،
والرخصةُ ليست بواجبة، فيكونُ المسحُ على الخفين ليس بواجب.
٧- الرخصة لغةً: السهولة، واصطلاحًا: ما ثَبَتَ على خلافِ دليلٍ شرعي
المعارضٍ راجحٍ؛ فالدليل الشرعي - هنا - وهو: وجوبُ غَسْلِ الرجلين في
الوضوء، ومسحَ الرَّأس، أمَّا المعارض الرَّاجح: فهو التسهيل بالمسح.
٨- وفيه دليلٌ على أنَّ الشرع ينزل المكلَّفين على موجب أحوالهم؛ فكل واحدٍ
له منزلته المناسبة لحاله .

٢٧٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٦٠ - وَعَنْ أُبَيِّ بنِ عِمَارَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّه قَالَ: يَارَسُولَ
اللهِ! أَمْسَحُ عَلَى الخُفَّيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: يَوْمًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ:
وَيَوْمَيْنِ؟ قَالَ: نعم، قَالَ: وَثَلاثَةَ أَيَّامٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَمَاشِئْتَ)) أَخْرَجَهُ
أَبُودَاوُدَ، وَقَالَ: لَيْسَ بِالْقَوِيِّ (١).
* درجة الحديث:
الحدیث ضعيف .
قال المؤلِّف في التلخيص: ضعَّفه البخاري، فقال: لا يصح، وقال
أبو داود: اختُلِفَ في إسناده، وليس بالقوي، وقال أحمد: رجالُهُ لا يُعْرَفون،
وقال أبوالفتح الأزدي: هو حديثٌ ليس بالقائم. وقال ابن حبَّان: لست أعتمد
على إسناد خبره، وقال الدَّارقطني: لا يثبت، وقال ابن عبدالبر: لا يثبت،
وليس له إسنادٌ قائم، ونقل النووي في شرح المهذب اتفاق الأئمة على ضعفه.
* مفردات الحديث:
- أمسح: الهمزة هي أصلُ أدواتِ الاستفهام، وقد حُذِفَتْ هنا للتسهيل والاكتفاء
بالهمزة الثانية .
- نعم: بفتحتين: حرف جواب يؤتَى بها للدَّلالة على جملة الجواب المحذوفة
قائمة مقامها، فقوله في الحديث (نعم)) أي: امسَحْ على الخفين.
وهذا المعنى هو أحد استعمالاتها الثلاثة .
ما يؤخذ من الحديث:
١ - الحديث يدل على عَدَم توقيتِ المسح على الخفين، وأنَّ المتوضِّىء يمسح
(١) أبوداود (١٥٨).

٢٧٩)
كتاب الطهارة - باب المسح على الخفين
عليهما اليومَ واليومَيْن والثلاثة، وما شاء بعدها من الأيَّام.
٢ - الحديثُ على فرض صحَّته مقيَّدٌ بأحاديث التوقيت باليوم والليلة للمقيم،
وثلاثةِ أيَّامِ للمسافر، ويمكنُ جعلُ إطلاقه على ما قاله شيخ الإسلام: من أنَّه
لا توقيت في حق المسافر الذي يشق عليه اشتغاله بالخلع واللبس، بل
يمسح حتَّى تَنْفَكَّ أزمته وانشغاله.
٣- وعلى كلٍّ، فالحديث ضعيف؛ وبناءً عليه: فلا يقاوم أحاديث التوقيت
الصحيحة، ولا يُعْمَلُ به، وإنْ عُمِلَ به، قُيِّدَ بأحاديث التوقيت، أو يحمل
على حالة عذر المسافر وانشغاله.
فائدة:
المؤلِّف - رحمه الله - لم يأتِ بما يفيدُ جوازَ المسح على الجبيرة.
و
والجبيرة: ما يُربَطَ على كَسْرٍ أو جُرْحٍ؛ من أخشابٍ، أو أسياخٍ، أو خرقٍ
أو جبْس، ونحوها.
والأصل فيها: ما رواه أبوداود والدَّار قطني عن جابر أنَّ النَّبِي وَّ قال في
صاحب الشجَّة: إنَّما يكفيه أنْ يعصب على جرحه خرقة ويمسح عليها، ويغسل
سائر جسده .
على أنَّ الحديثَ يُضَغَّف أو ليس بالقوي، ولكن قال الصنعاني: إنَّه
يَعْضُدُهُ حديثُ عليٍّ في المسح على الجبائر بالماء؛ فالجبيرةُ يمسحُ عليها
كالخف والعمامة، ولكنَّها تخالفهما بأحكام هي :
١ - أنَّه لا يشترط أنْ تستُرَ محل الفرض.
٢- ويمسحُ عليها في الحدثِ الأصغرِ والأكبر.
٣- والمسحُ عليها غيرُ مؤقَّت؛ بل يمسحُ حتَّى يحصل البرء.
٤- والمسحُ یکون علیھا کلها وليس على بعضها .
٥- وعلى الرَّاجح من قولي العلماء: أنَّه لا يشترط الطهارة عند ربطها.

٢٨٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
باب نواقض الوضوء
مقدمة
النواقض: جمع ناقض، والنقضُ في الأجسام: إبطال تركيبها، وفي
المعاني: إخراجها عن إفادة ما هو المطلوبُ منها .
فنواقض الوضوء هي العلل المؤثّرة في إخراج الوضوء عمَّا هو المطلوبُ
منه، ثمَّ استُعْمِلَ في إبطال الوضوء بما عيَّنْه الشَّارِعِ مَبطلاً .
والنواقض قسمان :
أحدهما: أحداثٌ تنقُضُ الوضوء بنفسها .
الثاني: أسبابٌ، وهي ما كان مظنَّةٌ لخروج الحدث؛ كالنَّوم والمس.
والنواقض من حیث الدلیل كالآتي:
الغائط: ثبت نقضه بالكتاب، والسنَّة، والإجماع.
البول: ثبت نقضه بالسنَّة، والإجماع، والقياس على الغائط.
المذي: ثبت نقضه بالسنَّة، والإجماع، والقياس على البول.
دم الاستحاضة: ثبت نقضُهُ بما رواه أبوداود (٢٨٦) من حديث عائشة في قصَّة
استحاضة فاطمة بنت أبي حبيش: ((فتوضئي وصلي؛ فإنَّما ذلك عرق))، ورجال
إسناده ثقات، وقال بذلك عامَّة أهل العلم.
النَّومِ: تعارضَتْ فيه الآراء، واختلفَتْ فيه المذاهب: فبعضهم يرى النَّقض من
قليله وكثيره، وبعضهم لا يرى النَّقض منه أصلاً، والجمهور سلكوا مسلك الجمع،
وهو النَّقض بالكثير دون القليل، ولهم في النَّوم النَّاقض وغير النَّاقض تفصيل.
أمَّا ما عدا هذه الأشياء فقد قَوِيَ فيها خلافُ العلماء، وستأتي إن شاء الله.