النص المفهرس

صفحات 221-240

٢٢١
كتاب الطهارة - باب الوضوء
٢ - الشعر الذي في الوجه قسمان:
أحدهما: أنْ يكون خفيفًا، ترى البشرة من ورائه؛ فهذا يجب غسله، وغسل
ما تحته من البشرة.
الثاني: أنْ يكون كثيفًا، وذلك بأنْ لا ترى البشرة من ورائه، فهذا يجب فيه
غسل ظاهره، ويستحب تخليل باطنه، وأمَّا في الغُسْلِ: فيجب غسله،
وإيصال الماء إلى البشرة، وأصول الشعر.
٣- هذا التفصيل والبيان جاء من التتبع، والاستقراء للوضوء الشرعي، فما ظهر
من الوجه يجب غسله، ومنه ما تحت الشعر الخفيف، وما استتر منه لكثافة
الشعر، كلحيته ◌َّ، فالمشروع تخليلها.
:٠

٢٢٢)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٨ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بن زَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قال: ((إِنَّ النَّبِىَّ
وَ أُنِيَ بِثُلُنَيْ مُدٍّ، فَجَعَلَ يَدْلُكُ ذِرَاعَيْهِ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ، وَصَخَحَهُ ابْنُ
خُزَيْمَةً(١).
** درجة الحديث:
الحديث صحيح. فقد صحَّحه أبوزرعة الرَّازي، وابن خزيمة، وأخرجه
الحاکم، وابن حبَّان.
وقد أخرج أبوداود (٩٤) من حديث أمّ عمارة الأنصارية بإسنادٍ حسن:
((أنَّهِ وَّ توضأ بإناءٍ فيه قدر ثلثي مد)»، ورواه البيهقي (١٩٦/١) عن عبدالله بن زيد.
والخلاصة: أن عباد بن تميم قد روی الحدیث عن عبدالله بن زید، وعن
أم عمارة، وهو ثقة؛ فالروايتان صحيحتان.
* مفردات الحديث:
- مُدّ: بضم الميم المشدَّدة المهملة، المد: وحدة كيل شرعية، وهي رُبُعُ الصاع
النبوي، وقدرها (٧٥٠ ملل).
- يدلك: دلك الجسد بيده ليغسله، ويوصل الماء إلى مغابنه.
- ذراعيه: الذُّراع من الإنسان: هي من طرف المرفق إلى الكف، جمعه أذرع.
ما يؤخذ من الحديث:
١- مشروعية الوضوء بثلثي المد، والمُدُّ: ربع الصاع النبوي، والصاع النبوي
(٣ لتر).
قال في القاموس : هو ملء كف الإنسان المعتدل، إذا ملأهما ومدّيده بهما.
(١) أحمد (١٦٠٠٦)، ابن خزيمة (٦٢/١).

٢٢٣
كتاب الطهارة - باب الوضوء
٢- استحباب التقليل بقدر الحد الذي توضأ به النَّبِي وَله، ومثله الغُسْل؛ فإنَّ
هذا من هدي النَّبِي وَّهِ .
٣- استحباب دلك أعضاء الوضوء؛ لأنَّ ذلك من الإسباغ المستحب.
٤- بهذه الكيفية للغَسْلِ، يُعْرَفُ الفرق بين المسح وبين الغَسْلِ؛ فإنَّ المسح: بَلُّ
اليد بالماء، ومسح المكان بها، وأمَّا الغسل: فهو إجراء الماء على المحل،
ولو أدنی جریان.
٥- الأفضل هو الاقتداء بالنَّبِي وَّر في مثل هذه الكمية في ماء الوضوء، ولا تضر
الزيادة اليسيرة، وأمَّا الإسراف في الماء فحرامٌ؛ لما روى أحمد (٦٦٤٦)
والنسائي (١٤٠) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدِّه قال: ((جاء أعرابي
إلى رسول الله وَليه، يسأله عن الوضوء؟ فأراه ثلاثًا ثلاثًا، وقال: هذا الوضوء؛
فمن زاد على هذا، فقد أساء وتعدّی وظلم)).
خلاف العلماء:
*
اختلف العلماء في حكم الدلك، هل هو مستحبٌّ أو واجبٌ؟:
فذهب الإمام مالك: إلى وجوبه؛ استدلالاً بهذا الحديث.
وذهب الإمام أحمد : إلى عدم وجوبه؛ لأنّه لم يرد ما يدل على الوجوب،
وأمَّا فعل النَّبي ◌َّير فيدل على الاستحباب، والمأمور به هو الغسل، وليس
الدلك منه .
لكن إِنْ كان الماء لا يصل إلى البشرة إلاَّ بالدلك، فهو واجب، وليس
وجوبه من هذا الحديث، وإنَّما مراعاةً للإسباغ الواجب، وإِتمامًا للوضوء.

٢٢٤
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٣٩ - وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ زَيْدٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - ((أَنَّه رَأَى النَّبِيَّ
﴿ يَأْخُذُ لِأُذُنَيْهُ مَاءً غَيْرَ المَاءِ الَّذِي أَخَذَهُ لِرَأْسِهِ)) أَخْرَجَهُ البَيْهَقِيُّ.
وسـ
وَهُو عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الوَجْهِ بِلَفْظِ: ((وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ بِمَاءٍ غَيْرِ
فَضْلِ يَدَيْه)) وهو المَحْفوظُ(١).
* درجة الحديث:
الرواية الأولى من الحديث شاذة، والرواية الثانية محفوظة، وحكم الشاذ
الرد، وحكم المحفوظ القبول؛ ولذا قال المؤلف في التخليص: وفي صحيح
ابن حبّان: ((ومسح رأسه بماءٍ غیر فضل يديه)) ولم يذكر الأذنين.
* ما يُؤخذ من الحديث:
في الحدیث روايتان:
إحداهما: أَنَّ النَّبي ◌َّ أخذ لمسح أذنيه ماء، غير الماء الذي أخذه لرأسه.
الثانية: أنَّه ◌َ﴿ مسح رأسه بماءٍ غير فضل يديه، وهذه الرواية هي الصحيحة؛
لما يأتي :
أوّلاً: أنَّها هي الرواية المحفوظة، فتكون الرواية المقابلة لها رواية شاذة حسب
اصطلاح المحدِّثين؛ فإنَّ الحديث الشاذ: ما رواه راوٍ مخالفًا لمن هو
أو ثق منه، بوجهٍ من وجوه الترجیحات.
ثانيًا: أنَّ الرواية الأولى أخرجها البيهقي، وأمَّا الثانية فهي عند مسلم؛ فلها مزيد
صحة .
(١) مسلم (٢٣٦)، البيهقي (١٩٦/١).

٢٢٥
كتاب الطهارة - باب الوضوء
ثالثًا: تقدَّم أنَّ حديث عبدالله بن عمرو بن العاص الذي أخرجه أبوداود
والنسائي وصحَّحه ابن خزيمة: ((أنَّهِ وَ ل﴿ مسح برأسه، وأدخل إصبعيه
السباحتين في أذنيه، ومسح بإبهاميه ظاهر أذنيه))، ولم يذكر أخذ ماء
جدید لأذنیه.
رابعًا: تقدم لنا أنَّ الأذنين من الرأس؛ فهما داخلتان في مسمَّاه لغةً وشرعًا.
خامسًا: قال ابن القيم في الهدي: لم يثبت عنه وَّ أنَّه أخذ لأذنيه ماءً جديدًا.
وقال في تحفة الأحوذي: لم أقف على حديثٍ مرفوع صحيح خال من
الكلام، يدل على مسح الأذنين بماء جدید.

٢٢٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٠ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ
اللهِ وَّهُ يَقُوْلُ: ((إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُوْنَ يَوْمَ القِيامةِ غُرَّا مُحَجَّلِيْنَ مِنْ أَثَرِ
الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيْلَ غُرَّتَهُ، فَلْيَفْعَلْ)) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ،
وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ (١).
* مفردات الحديث:
- أُمَّتي: الأمة: الجماعة من النَّاس تجمعهم صفات موروثة، أو مصالح واحدة،
أو يجمعهم دينٌ واحد، والمراد هنا: أمَّ محمد ◌َّه المتبعون لهديه.
- يوم القيامة: يوم بعث الله الخلائق للحساب والجزاء، سمي بذلك لقيام النَّاس
فيه من قبورهم، أو لإقامة عدل الله بينهم، أو لقيام الأشهاد.
- غُرًّا: بضم الغين وتشديد الرَّاء، جمع أغر، أي: ذو غرَّة، والغرّة أصلها: لمعةٌ
بيضاء في جبهة الفرس، فأطلقت على نور وجوه هذه الأمَّة المحمدية،
و((غرًا»: حالٌ من ضمير يأتون.
۔ محجّلین: جمع محجّل بتشديد الجيم المفتوحة، من التحجیل، وهو بياضٌ
في قوائم الفرس كلها، والمراد: نور هذه الأعضاء يوم القيامة.
- من أثر الوضوء: علة للغرة والتحجيل المذكورين.
أثر: جمعه آثار، والأثر: العلامة على الشيء، وبقيته.
- الوضوء: بضم الواو مصدر، هو الفعل، مشتق من الوَضَاءة: هي الحُسْن،
تقول: وَضُؤَ الرجل صار وضيئًا؛ وأمَّا الوَضُوء، وبفتح الواو: فهو الماء الذي
يُتوضأ به؛ هذا هو أشهر قولَيْ أهل اللغة في ذلك.
(١) البخاري (١٣٦)، مسلم (٢٤٦).

٢٢٧
كتاب الطهارة - باب الوضوء
ما يؤخذ من الحديث:
*
١ - فضيلة الوضوء، وأنَّه سببٌ قويٌّ لحصول السعادة الأبدية .
٢ - أنَّ أثر الوضوء على الأعضاء سبب لنورها؛ ففي الوجه لمعةٌ بيضاء مشرقة،
وفي اليدين والرجلين نورٌ مضيءٌ.
٣- أنَّ هذه ميزةٌ خاصَّة، وأمارةٌ فارقة لأمَّة محمد وَّهِ، تلك الأمة الممثلة
والقائمة بطاعة الله تعالى.
٤- الرَّاجح: أنَّ الوضوء من خصائص أمَّة محمد زَّ، ولم يكن في الأمم
السَّابقة؛ ذلك أنَّ الله تعالى جعل الغرَّة في وجوههم، والتحجيل في أيديهم
وأقدامهم، سيما خاصَّةً لهم من أثر الوضوء؛ لما في جاء في صحيح مسلم
(٢٤٧)؛ أنَّ النَّبِي وَّه قال: ((لكم سيما ليست لأحدٍ من الأمم تَرِدُونَ عليَّ
غرًّا محجلين من أثر الوضوء))، ولو كان غيرهم يتوضأ، لصار لهم مثل ما
الأمَّة محمد ◌َّهِ .
قال شيخ الإسلام: الوضوء من خصائص هذه الأمة كما جاءت به
الأحاديث الصحيحة، أمّا ما رواه ابن ماجه: فلا يحتج به، وليس له عند أهل
الكتاب خبر عن أحدٍ من الأنبياء، أنَّه يتوضأ وضوء المسلمين.
٥- أنَّ طاعة الله تعالى سببٌ للفلاح والنجاح والفوز، فكل عبادةٍ لله تعالى لها
جزاء يناسبها .
٦ - إثبات المعاد والجزاء فيه، وهو ممَّا علم من الدِّين بالضرورة؛ فإنَّ الإيمان
بالبعث هو من أركان الإيمان الستّة، فلا يصح إسلام أحدٍ إلاَّ بالإيمان
بالبعث والجزاء بعد الموت.
٧- البعث يكون للأرواح والأجساد؛ كما صحَّ بذلك الحديث عن النَّبِي وَلَه: أنَّ
النَّاس يحشرون يوم القيامة حفاة عراةً غرلاً .
٨- قوله: ((من أمتي)): الأمة قسمان: أمة دعوة، وأمَّة إجابة؛ فكل وصفٍ أنيط

٢٢٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
بأمَّة محمد ◌َّ، فالمراد به أمَّة الإجابة، وما عدا ذلك، فهم أمَّة الدعوة.
خلاف العلماء:
ذهب أبو حنيفة، والشافعي وأحمد وأتباعهم: إلى استحباب مجاوزة
الفرض في الوضوء، وهو مذهب جمهور العلماء، واستدلوا ببقية حديث
الباب: ((فمن استطاع منكم أنْ يطيل غرَّته، فليفعل)).
قال النووي: اتفق أصحابنا على غسل ما فوق المرفقين والكعبين.
وذهب الإمام مالك وأهل المدينة: إلى عدم استحباب مجاوزة محل
الفرض، وهو روايةٌ عن الإمام أحمد، اختارها شيخ الإسلام، وابن القيم،
واختار هذه الرواية من علمائنا المعاصرين الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ،
والشيخ عبدالرحمن السعدي، والشيخ عبدالعزيز بن باز، وغيرهم.
واستدلوا على ذلك بما يأتي :
أوَّلاً: مجاوزة محل الفرض على أنَّها عبادة، دعوی تحتاج إلى دليل.
ثانيًا: كل الواصفين لوضوء النَّبِي بَّهِ ذكروا أنَّه ◌َّر كان يغسل الوجه، واليدين
إلى المرفقين، والرجلين إلى الكعبين.
ثالثًا: آية الوضوء حدَّدت محل الفرض: المرفقين والكعبين، وهي من آخر ما
نزل من القرآن.
رابعًا: لو سلمنا بهذا، لاقتضى الأمر أنْ نتجاوز حد الوجه، إلى بعض شعر
الرأس، وهذا لا يسمَّى غرَّة؛ فيكون متناقضًا.
خامسًا: الحديث لا يدل على الإطالة؛ فإنَّ الحلية إنَّما تكون زينة في السَّاعد
والمعصم، لا العضد والكتف.
سادسًا: أمَّا قوله: ((فمن استطاع منكم أنْ يطيل غرَّته وتحجيله، فليفعل)) فهذه
الزيادة مدرجةٌ في الحديث من كلام أبي هريرة، لا من كلام النَّبي ◌َّ؛ كما في
رواية أحمد (٨٢٠٨)، وقد بين ذلك غير واحدٍ من الحقَّاظ.

٢٢٩
كتاب الطهارة - باب الوضوء
ففي مسند الإمام أحمد: قال نُعَيْمٌ المُجَمِّرُ راوي الحديث: لا أدري:
قوله: ((من استطاع منكم أنْ يطيل غرَّته، فليفعل)) من كلام النَّبِي وَّل، أو شيء
قاله أبوهريرة من عنده؟ !.
وقال ابن القيم: وكان شيخنا يقول: هذه اللفظة لا تكون من كلام رسول
الله وَّ؛ فإنَّ الغرّة لا تكون في اليد، ولا تكون في الوجه، وإطالتها غير ممكنة
وإذا كانت في الرأس، فلا تسمَّى تلك غرة. اهـ.
وقال في النونية :
وكذاك لا تجنح إلى النقصان
واحفظ حدود الرب لا تَتَعَدَّهَا
وانظر إلى فعل الرسول تجده قد
ومن استطاع يطيل غرَّته فمو
والرَّاجح الأقوى انتهاء وضوئنا
هذا الذي قد حدَّد الرحمن في الـ
وإطالة الغرَّات ليس بممكن
فأبو هريرة قال ذا من كيسه
وَنُعَيْمٌ الراوي له قد شكَّ في
أبدى المراد وجاء بالتبيان
قوفٌ على الراوي هو الفوقاني
للمرفقين كذلك الكعبان
ـقرآن لا تعدل عن القرآن
أبدًا وذا في غاية التبيان
فغدا يميزه أولو العرفان
رفع الحديث كذا روى الشيباني

٢٣٠
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤١- وَعَنْ عَائِشَةَ - رَضِىَ اللهُ عَنْهَا - قَالَتْ: ((كَانَ رَسُوْلُ اللهِ
وَّ يُعْجِبُ التَّمُّنُ فِي تَنَغُلِهِ وَتَرَجُلِهِ وَطُهُوْرِهِ، وَفِي شَأْنِهِ كُلِِّ) مُتَفَقٌ
عَلَيْهِ(١).
* مفردات الحديث:
- يُعجبه: من الإعجاب، يُقال: أعجبني هذا الشيء لحسنه، والعجيب: الأمر
يتعجَّب منه، والمصدرِ العَجَبُ بفتحتين، وأمَّا العُجْبُ بضم العين وسكون
الجيم، فهو اسم من أَعْجِبَ فلان بنفسه، والمراد: أنَّه وَلَه يُسَؤُ من التَّيمن
ويستحسنه ويفضله ويقدمه، فأمَّا العَجْب بفتح فسكون، فهو أصل الذنب.
- التيمُّن: مصدر تيمَّن، وهو تقديم الأيمن على الأيسر، من الجهات والأشياء.
- في تنعله: أي: في لبسه النعل ونحوه من الخفين والجوربين، ومثله الثياب.
- وترجله: بتشديد الجيم، هو تسريح شعر رأسه ولحيته بالمشط .
- طُهوره: بضم الطاء، المراد التطهير بفعل الوضوء، والغسل، وإزالة الأنجاس.
- في شأنه: متعلِّق بالتيمن.
- في شأنه كله: من الأشياء المستطابة؛ فهذا تعميمٌ بعد تخصيص في كلِّ مُستطاب.
ما يُؤخذ من الحديث:
١- استحباب تقديم اليمين في التنقُّل، والترجُّل، والطهور، وما شابهها من
الأمور المستطابة .
٢ - قوله: ((في شأنه كلُّه)) هو تعميمٌ بعد تخصيص؛ ولكنَّه تعميم في الأمور
المستطابة كما تقدَّم. قال ابن دقيق العيد: هو عامٌ مخصوص بدخول
(١) البخاري (١٦٨)، مسلم (٢٦٨).

٢٣١
كتاب الطهارة - باب الوضوء
الخلاء، والخروج من المسجد، ونحوهما، فإنَّه يبدأ فيهما باليسار.
قال النووي: قاعدة الشرع المستمرَّة: استحباب البداءة باليمين، في كلِّ
ما كان من باب التکریم والتنزيه، وما كان بضدها استحبَّ في التیاسر .
٣- أنَّ جعل اليسرى للأشياء المستقذرة، هو الأليق شرعًا وعقلاً وطبًّا .
٤- أنَّ الشرع الحكيم جاء لإصلاح النَّاس وتهذيبهم، ووقايتهم من الأضرار عامَّة.
٥- أنَّ الأفضل في الوضوء هو البداءة بغسل يمنى اليدين على يسراهما، ويمنى
الرجلين على يسراهما.
قال النووي: أجمع العلماء على أنَّ تقديم اليمنى في الوضوء سنَّة، من
خالفها فاته الفضل، وتمَّ وضوؤه.
قال في المغني: لا نعلم في عدم الوجوب خلافًا .
٦ - استحباب البداءة بأيمن الرأس عند ترجيله أو غسله أو حلقه أو غير ذلك.
٧- يستحب تقديم اليمنى من اليدين ومن الرجلين، على اليسرى منهما في كلِّ
عملٍ طيِّب ومستحسن، وأنْ يخصِّص اليسرى لما يليق بها؛ من إزالة
الأوساخ والأقذار، ومباشرة الأشياء المستقذرة.
٨- في الحديث دليلٌ على أنَّ المسلم الموفَّق يجعل من عاداته عبادات؛ فإنَّ الأمور
العادية حينما يأتي بها متَّبِعًا في ذلك هدي النَّبِي وََّ، وقاصدًا بها القُربة
والعبادة، فإنَّ هذه العادات تصير عبادات، وقربات تزيد في حسنات العبد.
وبالعكس فإنَّ عبادات الغافل تصير عادات؛ لأنَّه يؤديها في حال غفلة وعدم
استحضارِ لنّة التقرب إلى الله تعالى، وعدم استحضار امتثال أمر الله تعالى في
أدائها، وعدم استحضار اقتدائه حين أدائها بالنَّبِي وَّ، وإنَّما يستحضر أنَّه قام
بهذه العبادة، التي تعوَّد أنْ يقوم بها في مثل هذا الوقت، وغَفَلَ عن المعاني
السَّابقة. ففرقٌ بين العبادتين كل منهما بنيّة مخالفة لنيّة الأخرى. والله الموفق.

٢٣٢
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٢ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ الله عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ
وَّ: ((إذا تَوَضَّأْتُمْ، فَابْدَوُوا بِمَيَامِنِكُمْ)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَخَحَهُ ابنُ
خُزَيْمَةَ(١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيحٌ. قال ابن دقيق العيد: هو حقیق بأنْ يُصحَّح. وقد حسَّنه
النووي في المجموع، وقد أخرجه أحمد (٨٤٣٨) وابن حبَّان (٣/ ٣٧٠)
والبيهقي، والطبراني في الأوسط (٢/ ٢١) ويؤيده الذي قبله.
* مفردات الحديث:
- إذا: ظرفٌ للمستقبل غالبًا، متضمِّنٌ معنى الشرط غالبًا، فعله ماضِي اللفظ
مستقبل المعنى كثيرًا؛ كمثل هذا الحديث.
- توضأتم: أردتم الوضوء، أوشرعتم فيه.
- بميامنكم: مفرده يمين، ضد اليسار؛ للجهة، والجارحة.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - استحباب التيامن في الوضوء بين اليدين وبين الرجلين، بأن يبدأ باليد اليمنى
ثمَّ بالید الیسری، ثمَّ يبدأ بالرجل الیمنی قبل اليسرى؛ كما يدل عليه حديث
عائشة المتقدِّم من أنَّه ◌َله: ((كان يعجبه التيمن في تنقُّله وترجله وطهوره وفي
شأنه كلَّه)) رواه البخاري (١٦٨) ومسلم (٢٦٨).
٢ - التيامن يتصوَّر بين اليدين والرجلين، بخلاف الوجه: فعضوٌ واحد يغسله
(١) أبوداود (٤١٤١)، ابن ماجه (٤٠٢)، الترمذي (١٧٦٦)، النسائي في الكبرى
(٤٨٢/٥)، ابن خزيمة (٩١/١).

٢٣٣
كتاب الطهارة - باب الوضوء
جمیعه، والرأس عضو واحدٌ فیمسح جميعه.
٣- أجمع العلماء على أنَّ التيمُّن في الوضوء ليس بواجب، فلو قدَّم الشِّمال
على اليمين، أجزأ الوضوء، مع فوات الفضيلة.
٤ - قوله: ((إذا توضأتم)) يعني: شرعتم في الوضوء، وأخذتم به.
٥- أنَّ اليمين تُجْعَل للأعمال الطَّاهرة، وتقدَّم في الأحوال المُسْتطابة، والشمال
لما سوى ذلك.

٢٣٤)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٣ - وَعَنِ المُغِيْرَةِ بنِ شُعْبَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنَّ النَّبِيَّ وَله
تَوَضَّأَ فَمَسَحَ بِنَصِيَّهِ وَعَلَىَ العِمَامَةِ وَالْخُفَّيْنِ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمُ(١).
* مفردات الحديث:
- بناصيته: النَّاصية: قصاص الشعر، ومقدَّم الرَّأس إذا طال، جمعه نواصٍٍ
وناصیات .
- العمامة: ثوبٌ يُلَف ويُدَار على الرَّأس، وسيأتي الكلام عليها إِنْ شَاءَ الله تعالى
في باب الخفين .
- الخفان: مثنى خف، ما يلبسان في الرجلين، ويكون الخف من الجلد.
* مَا يُؤْخَذُ مِنَ الحَدِيثِ:
١- الحديث فيه حكاية المسح على النَّاصية وعلى العمامة، وقال بالمسح
عليهما معًا بعض العلماء، والرَّاجح أنَّ الجمع بينهما إنَّما هو برواية الحديث،
وأنَّ ◌َّ مسح العمامة وحدها، ومسح الرَّأس وحده مبتدئًا بالنَّاصية، فجاءت
رواية الحديث بالجمع بينهما؛ فظنَّ بعض العلماء أنَّ الجمع هو بالعمل
أيضًا.
٢ - اقتصاره وَ له على مسح النَّاصية لم يُحفظ عنه، قال ابن القيم: لم يصح عنه
وَلّ أنَّه اقتصر على مسح بعض رأسه ألبتة.
٣- الحديث الذي معنا فيه المسح على النَّاصية وعلى العمامة، وتقدَّم أنَّ
الرَّاجح أنَّ الجمع بينهما إنَّما هو برواية الحديث، لا الجمع بينهما بالمسح،
وأنَّ ◌َّ إنْ مسح على العمامة، اقتصر عليها، وإنْ مسح على الرَّأس، مسح
(١) مسلم (٢٧٤).

٢٣٥
كتاب الطهارة - باب الوضوء
علیه کله لا بعضه.
٤- جواز المسح على العمامة، وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد؛ لهذا
الحديث، ولما روى البخاري (٢٠٥) عن عمرو بن أمية قال: رأيت رسول
الله ◌َّر مسح على عمامته وخفيه))، وهو من مفردات مذهب الإمام أحمد؛
فلا يصح المسح عليها عند الأئمة الثلاثة.
٥- قد اشترط أصحابنا لصحّة المسح على العمامة ثلاثة شروط، هي:
(أ) أَنْ تكُونَ علی ذکرٍ دون أُنثى.
(ب) أَنْ تكون ساترةً لغیر ما العادة کشفه من الرأس.
(ج) أَنْ تَكُون محنَّكة، أو ذات ذؤابة .
وتشارك الخف في شروطه؛ كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
٦- قوله: ((توضأ)) استدل به الحنابلة على جواز المسح على الخفين ونحوهما،
إذا لبسهما بعد كمال طهارة بالماء، فإنْ كانت طهارته بتيمم، لم يصح،
وعلى القول الثاني - من أنَّ التيمم طهارة قائمة مقام الطهارة بالماء - فإنَّه
يجوز ولو كان بطهارة تيمم، وهو قولٌ وجيهٌ، ولا يعارضه قوله: ((توضأ))؛
فإنَّه ليس له مفهوم.

٢٣٦
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
ككل الله
٤٤ - وَعَنْ جَابِرِ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - فِي صِفَةٍ حَجِّ النَّبِيِّ
قَالَ: ((ابْدَؤُوا بِمَا بَدَأَ اللهُ بِهِ)) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ هَاكَذا بِلَفْظِ الأَمْرِ، وَهُوَ
عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ الخَيَرِ (١).
* درجة الحديث:
الحديث صحيح. فهو قطعةٌ من حديث جابر في صفة حجَّة الوداع، وقد
رواه مسلم عن جابر بن عبدالله بطوله.
وإنَّما اختلف - هنا - التعبير من لفظ الخبر عند مسلم، إلى لفظ الأمر عند
النسائي .
* مفردات الحديث:
- ابدؤوا: فعل أمرٍ مبني على حذف النون، والواو فاعل.
- بما بدأ الله به: يشير إلى الترتيب بين الأعضاء في الوضوء؛ كما رتَّبته الآية.
* ما يُؤخذ من الحديث:
١ - الله تبارك وتعالى ذكر صفة الوضوء في آية المائدة، في قوله تعالى: ﴿يَتَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ... ) الآية [المائدة: ٦]،
فرتَب أعضاء الوضوء مبتدئًا بالوجه، فاليدين، فمسح الرأس، فغسل
الرجلين؛ فترتيبه حسب هذا الترتيب الحكيم جاء في الآية الكريمة.
٢ - أنَّ هذا الترتيب المذكور في الآية فرضٌ في الوضوء، فلو أتى به على غير
هذا الترتيب، لم يصح وضوؤه، ومن الفقهاء من يصحّحه.
٣- ممَّا استدلَّ به على لزوم هذا الترتيب، هو إدخال الممسوح - وهو الرَّأْس -
(١) مسلم (١٢١٨)، النسائي (٢٣٦/٥).

٢٣٧
كتاب الطهارة - باب الوضوء
بين مغسولين؛ فإنَّه لم يدخله بينهما إلاَّ مراعاةً لترتيب الأعضاء على هذه
الكيفية، وعادة النصوص الكريمة البداءة بالأهم فالأهم.
٤ - أمّا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق، وبین غسل الوجه، والترتيب بین یدٍ
وأُخرى، أو بين رجل وأخرى، أوبين الأُذنين والرَّأس، فالإجماع على أنَّه سنَّـ
لا واجب؛ لأنَّها بمنزلة عضوٍ واحد؛ إلاَّ أنَّ تقديم اليمين أفضل كما تقدَّم.
٥- الحديث جاء في رواية: بالأمر بالبداءة، وفي روايةٍ أخرى: بالإخبار عن
الفعل بالبداءة؛ فاجتمع فيه سنتان: أمره ﴾آل# وفعله.
٦ - الحديث ورد في الحج لتقديم الصفا على المروة؛ كما قال تعالى: ﴿﴿ إِنَّ
الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَابِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨] ، فيشرع أنْ يطبَّق في كلِّ أمرٍ رتَّبه
الله تعالی، فیؤتی به على حسب ما رتبه الله تعالى .
المؤلِّف - رحمه الله تعالى - ساق هذه القطعة من حديث صفة حج النَّبِي
وَلَّ ليبين أنَّ العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فهذا الأمر - وإنْ كان قد
ورد في مسألة السَّعي خاصَّة - لكنَّه بعموم الأمر لفظُهُ يدل على قاعدةٍ كليّةٍ
تدخل تحتها آية الوضوء، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ ... ) الآية،
فيجب البداءة بما بدأ الله به .
......
........- ....

٢٣٨
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٥ - وَعَنْ جَابرٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: ((كَانَ النَّبِىُّ وَّهِ إِذَا
تَوَضَّأَ أَدَارَ المَاءَ عَلَىُ مِرْفَقَيْهِ)) أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ(١).
درجة الحديث:
الحديث ضعيفٌ؛ لأنَّ في إسناده القاسم بن محمد بن عقيل، وهو
متروك، وضعَّفه أحمد، وابن معين، وغيرهما، وصرَّح بضعف الحديث جماعةٌ
من الحفّاظ؛ كالمنذري، وابن الصلاح، والنووي، وغيرهم.
قال الحافظ: يغني عنه ما رواه مسلم عن أبي هريرة: أنَّه توضّأ حتَّى شرع
في العضد، قال: هكذا رأيت رسول الله وَسالفه توضأ .
* مفردات الحديث:
- أدار الماء: أجرى الماءَ، وعمَّمه على جميع المرفقين.
- مرفقيه: تثنية مرفق، بکسر الميم وفتح الفاء، وبالعكس، جمعه مرافق، وهو:
موصل الذراع في العضد، سُمِّيَ مرفقًا؛ لأنَّه يرتفق به في الاتكاء ونحوه.
* ما يؤخذ من الحديث:
١ - قوله: ((إذا توضأ)) يعني: شرَعَ في الوضوء، ووصَلَ إلی غسل اليدين.
٢ - وجوبُ إدارة الماء على المرفقين عند غسل اليدين؛ لأنَّهما بقيّة اليد
ومنتهاها، وقد قال ول﴿ لمَّا توضأ: ((من توضأ نحو وضوئي هذا ... )).
٣- قال تعالى: ﴿وَأَيَدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦]؛ قال جمهور المفسِّرین:
إنَّ ((إلى)) هُنا بمعنى ((مع))، كما قال تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُواْ أَمْوَهُمْ إِلَى أَمْوَلِكُمّ:
[النساء: ٢] يعني: مع أموالكم، وتقدَّم أنَّ ما بعد ((إلى)) تارةً يكونُ داخلاً فيما
(١) الدَّارقطني (١/ ٨٣).
:

٢٣٩
كتاب الطهارة - باب الوضوء
قبلها، وتارةً غَيْرَ داخل، وأنَّ الذي يعيِّنه هو القرينة، وهنا أبانت النصوص
أنَّ ما بعدها داخلٌ فيما قبلها؛ فلا بُدَّ من غسله.
٤ - قال ابن القيم: حديث أبي هريرة في مسلم في صفة وضوء النَّبِي وَلِّ: ((أنَّه
غسل يديه حتَّى شرع في عضديه)) يدل على إدخال المرفقين في الوضوء.

٢٤٠)
توضيح الأحكام من بلوغ المرام
٤٦ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ
وَلِّ: (لاَ وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرِ اسْمَ اللهِ عَلَيْهِ)) أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ
وابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيْفٍ. (١)
وَللِّرْمِذِيِّ عَنْ سَعِيْدِ بنِ زَيْدٍ (٢)، وَأَبِي سَعِيْدٍ (٣) نَحْوُهُ، وَقَالَ
أَحْمَدُ: لاَ يَثْبُتُ فِيْهِ شَيْءٌ.
* درجة الحديث:
الحدیث ضعیف؛ ولکن له طرق یتقوّى بها .
قال الحافظ في التلخيص: قال أحمد: ليس فيه شيءٌ يثبت، فكل ما
روي في هذا الباب ليس بقويٍّ.
وقال العقيلي: الأسانيدُ في هذا البابِ فيها لین.
وقال أحمدُ حينما سُئِلَ عن التسمية: لا أعلَمُ فیه حديثًا صحيحًا.
وقال أبوحاتم وأبوزرعة: إنَّ الحدیثَ ليس بصحيح.
ثمّ قال ابن حجر: الظَّاهِرُ: أنَّ مجموعَ الأحاديث يحدث منها قوَّة، تدل
على أنَّ له أصلاً.
وقال الشوكاني: ولا شكّ أنَّ طرق الحدیث تنهض للاحتجاج بها، وقد
حسَّنه ابن الصلاح وابن کثیر.
(١) أبوداود (١٠١)، ابن ماجة (٣٩٩)، أحمد (٩١٣٧).
(٢) الترمذي (٢٥).
(٣) العلل الكبير للترمذي (١١٢/١).