النص المفهرس
صفحات 121-140
١٢١ كتاب الطهارة - باب المياه ٤ - عَنْ عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ - رَضِي اللهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَلَّهِ: ((إِذَا كَانَ المَاءُ قُلََّيْنِ، لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ))، وفي لَفْظٍ: ((لَمْ يَنْجُسْ)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ، وَصَخَّحَهُ ابنُ خُزَيْمَةَ، وَالحَاكِمُ، وَابْنُ حِبَّانَ(١). * درجة الحديث: الحديث صحيحٌ، ويسمَّى ((حديث القلتين)). واختلف العلماء في صحّة هذا الحديث: فحكم عليه بعضهم بالاضطراب سندًا ومتنا: فأمَّا اضطراب سنده: فلأنَّ مداره على الوليد بن كثير، فقيل: عنه عن محمد بن جعفر بن الزبير، وقيل: عنه عن محمد بن عباد بن جعفر، وتارة: عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر، وتارة: عن عبدالله بن عبدالله بن عمر : والجواب: أنَّ هذا ليس اضطرابًا قادحًا؛ فإنَّه - على تقدير أنْ يكون الجميع محفوظًا - انتقال من ثقة إلى ثقة، وعند التحقيق: الصواب أنَّه عن الوليد بن كثير، عن محمد بن عبَّاد بن جعفر، عن عبيدالله بن عبدالله بن عمر المكبر، وعن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر المصغر، ومن رواه على غير هذا الوجه، فقد وهم. وقد رواه جماعة عن أبي أسامة عن الوليد بن كثير على الوجهين؛ وله طريقٌ ثالثة رواها ابن ماجه (٥١٨)، والحاكم، وغيرهما، من طريق حماد بن سلمة، عن عاصم بن المنذر، عن عبدالله بن عبدالله بن عمر، عن أبيه، وسُئِل ابن معين (١) أبوداود (٦٣)، الترمذي (٦٧)، النسائي (٥٢)، ابن ماجه (٥١٧)، ابن خزيمة (٤٩/١)، ابن حبان (٥٧/٤)، الحاكم (٢٢٤/١). ١٢٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام عن هذه الطريق؟ فقال: إسنادها جيد، قيل له: فإنَّ ابن عليَّة لم يرفعه، فقال: وإنْ لم يحفظه ابن علية فالحديث جيد الإسناد. وأعلَّه بعضهم بالوقف؛ لأنَّ مجاهدًا رواه موقوفًا، وصحّح وقفه الدَّار قطني، والبيهقي، والمزي، وابن تيمية. وأمَّا اضطراب متنه: فلأَنَّه روي: ((ثلاث قلال))، وروي ((أربعين قلَّةً)). والجواب عنها: أنَّ رواية: ((ثلاث)) ورواية: ((أربعين)) شاذة، وأنَّ الصحيح فيها ((قلتان)). وقال الشيخ الألباني: الحديث صحيح رواه الخمسة، مع الدارمي، والطحاوي، والدارقطني، والحاكم، والبيهقي، والطيالسي، بإسنادٍ صحيح عنه، وقد صحَّحه الطحاوي، وابن خزيمة، وابن حبَّان، والحاكم، والذهبي، والنووي، والعسقلاني، وإعلال بعضهم إيّاه بالاضطراب مردودٌ. وأمَّا تخصيص القلتين بـ((قلال هجر)): فلم يرد مرفوعًا إلاَّ من طريق المغيرة بن صقلاب، وهو منكر الحديث. وقال ابن عبدالهادي في المحرَّر: قال الحاكم: هو على شرط الشيخين؛ فقد احتجا جميعًا بجميع رواته. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: أكثر أهل العلم بالحديث على أنَّه حديثٌ حسن، ويحتج به، وأجابوا عن كلام مَنْ طعن فيه . وممَّن صحح هذا الحديث: ابنَ خزيمة، وابن حبَّان، وابن منده، والطحاوي، والحاكم، والبيهقي، والخطابي، والنووي، والذهبي، وابن حجر، والسيوطي، وأحمد شاكر، وغيرهم. * مفردات الحديث: - قلتين: بضم القاف، تثنية قلة، وهي الجرّة الكبيرة من الفخار، والجمع: قلال بكسر القاف، والقلتان: خمسمائة رطل عراقي، والرطل العراقي تسعون مثقالاً، وبالصاع: (٩٣٫٧٥) صاعًا؛ كما رجَّح ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية، ١٢٣ كتاب الطهارة - باب المياه في شرح العمدة له (١ / ٦٧). - لم يحمل: يُقال: حَمَلَهُ يَحْمِلُهُ - من باب ضرب - حملاً، وللحمل معانٍ؛ أحدها: لم يقبل حمل الخبث، ولم يغلب عليه، وهو المراد هنا. - الخبث: خبُث يخبُث ــ من باب كرم - خبئًا وخبائة، ضد طاب، والخَبَثُ: هو النجاسة الحقيقية. - لم ينجس: يقال: نَجِسَ الشيءُ بالكسر، يَنْجَسُ بالفتح، نَجَسًا بالتحريك، من باب علم، ويقال أيضًا: نَجَسَ بالفتح، يَنْجُسُ بالضم، من باب نصر. والنجاسة: قذرٌ مخصوص يمنع جنسه الصلاة. - لم: حرف نفي وجزم وقلب؛ فهي تنفي الفعل المضارع وتجزمه وتقلب زمانه من الحال أو الاستقبال إلى الماضي، والفعل مجزوم بها. - قلال هجر: جاء تقييد القلال في بعض الروايات بهجر، وتقييدها بهذا المكان لأنَّ قلالها معروفة المقدار كالصِّيعَان المتداولة، وتقدير الماء بها مناسب؛ لأنَّها آنيته . - هجر: قرية من قرى المدينة، والنسبة إليها: هَجَرِيٌّ على القياس، وَهَاجَرِيّ على غير القياس . * ما يؤخذ من الحديث: ١ - أنَّ الماء إذا بلغ قلتين، فإنَّه يدفع النجاسة عن نفسه، فتضمحل فيه، ولا تؤثّر فيه، ما لم تغيره؛ وهذا منطوق الحديث. ٢- مفهوم الحديث: أنَّ ما دون القلتين تؤثِّر فيه النجاسة، فينجس بملاقاتها، تغير بالنجاسة أو لا . ٣- مناط التنجيس هو كون الماء الذي لاقته النجاسة قليلاً، أي: دون القلتين. خلاف العلماء: ذهب الأئمة أبو حنيفة والشافعي وأحمد وأتباعهم: إلى أنَّ ((القليل)) من ١٢٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام الماء ينَجَّس بمجرَّد ملاقاة النجاسة، ولو لم تتغير صفة من صفاته. و ((القليل)) عند أبي حنيفة: هو الذي إذا حركت ناحية منه تحركت الناحية الأخرى. أمَّا ((القليل)) عند الشافعية والحنابلة فما دون القلتين. وذهب الإمام مالك والظاهرية وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم والشيخ محمد بن عبدالوهاب وعلماء الدعوة السلفية بنجد وغيرهم من المحققين إلى أنَّ الماء لا ينجس بملاقاة النجاسة، ما لم يتغير أحد أوصافه الثلاثة: الطعم أو اللون أو الريح. استدل القائلون بنجاسة الماء بمجرد الملاقاة بمفهوم حديث ابن عمر في القلتين؛ فإنَّ مفهومه - عندهم - أنَّ ما دون القلتين يحمل الخبث، وفي رواية: ((إذا بلغ قلتين، لم ينجسه شيء))؛ فمفهومه: أنَّ ما دون القلتين ينجس بمجرَّد الملاقاة . كما استدلوا بحديث الأمر بإراقة الإناء الذي ولغ فيه الكلب، ولم يعتبر التغير . وحديث القلتين لا يخالف فيه الحنفية؛ ذلك أنَّ القلتين إذا صبتا في موضع، فإنَّه لا يتحرك أحد جانبيه بتحريك الآخر . وَأَمَّا أدلَّة الذين لا يرون التنجيس إلاَّ بالتغيُّر، فمنها: حديث القلتين؛ فإنَّ معنى الحديث: أنَّ الماء الذي بلغ قلتين لا ينجس بمجرَّد الملاقاة؛ لأنَّه لا يحمل الأنجاس وتضمحل فيه، وأمَّا مفهوم الحديث: فغير لازم؛ فقد يحصل التنُّس إذا غيرت النجاسة صفة من صفاته، وقد لا يحمل النجاسة. كما يستدلون على ذلك بحديث صب الذَّنُوبِ على بول الأعرابي، وغير ذلك من الأدلة. قال ابن القيم: الذي تقتضيه الأصول: أنَّ الماء إذا لم تغيره النجاسة، ١٢٥ كتاب الطهارة - باب المياه فإنَّه لا ينجس؛ ذلك أنَّه باقٍ على أصل خلقته، وهو طيِّبٌ، داخلٌ تحت قوله تعالى: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَتِ﴾ وهذا هو القياس في المائعات جميعها، إذا وقع فيها نجاسة فلم يظهر لها لونٌ ولا طعمٌ ولا ريحٌ. اهـ. أصدر مجلس هيئة كبار العلماء قرارًا بشأن المياه المتلوثة بالنجاسات إذا عولجت بواسطة الوسائل الفنية ثمَّ زالت منها النجاسة فقرّر مايلي: قرار رقم ٦٤ في ١٣٩٨/١٠/٢٥هـ الآتي بعد البحث والمداولة والمناقشة قرَّر المجلس ما يلي: بناءَ على ما ذكره أهل العلم من أنَّ الماء الكثير المتغيِّرِ بنجاسةٍ، يطهر إذا زال تغيره بنفسه، أو بإضافة ماءٍ طهورٍ إليه، أو زال تغيره بطول مكثٍ، أو تأثير الشمس، ومرور الرياح عليه، أو نحو ذلك؛ لزوال الحكم بزوال علَّته. وحيث إنَّ المياه المتنجِّسة يمكن التخلّص من نجاستها بعدة وسائل، وحيث إنَّ تنقيتها وتخليصها - ممَّا طرأ عليها من النجاسات بواسطة الطرق الفنية الحديثة لأعمال التنقية - يعتبر من أحسن وسائل التطهير؛ حيث يُبذل الكثير من الأسباب المادية لتخليص هذه المياه من النجاسات، كما يشهد بذلك ويقرره الخبراء المختصون بذلك ممَّن لا يتطرّق الشك إليهم في عملهم وخبرتهم وتجاربهم. لذلك فإنَّ المجلس يرى طهارتها بعد تنقيتها التنقية الكاملة؛ بحيث تعود إلى خلقتها الأولى؛ لا يُرى فيها تغيُّر بنجاسةٍ في طعمٍ ولا لونٍ ولا ريحٍ. ويجوز استعمالها في إزالة الأحداث والأخباث، وتحصل الطهارة بها منها . كما يجوز شربها، إلاّ إذا كانت هناك أضرارٌ صحيةٌ تنشأ عن استعمالها، فيمتنع ذلك محافظةً على النفس، وتفاديًا للضرر، لا لنجاستها . والمجلس إذ يقرِّر ذلك، يستحسن الاستغناء عنها في استعمالها للشرب ١٢٦ توضيح الأحكام من بلوغ المرام متى وُجِدَ إلى ذلك سبيلٌ؛ احتياطًا للصحة، واتِّقاءً للضرر، وتنزُّها عمَّا تستقذره النفوس، وتنفر منه الطباع. والله الموفق. وصلَّى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم. هيئة كبار العلماء أمَّا مجلس المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي، في دورته الحادية عشرة، المنعقدة بمكة المكرمة في الفترة من يوم الأحد ١٣ رجب ١٤٠٩ هـ الموافق ١٩ فبراير ١٩٨٩م، إلى يوم الأحد ٢٠ رجب ١٤٠٩هـ: فقد نظر في السؤال عن حكم ماء المجاري بعد تنقيته، هل يجوز رفع الحدث بالوضوء والغُسْل به؟ وهل تجوز إزالة النجاسة به؟ وبعد مراجعة المُختصِّين بالطرق الكيماوية، وما قرَّروه من أنَّ التنقية تتم بإزالة النجاسة منه على مراحل أربع، وهي: الترسيب، والتهوية، وقتل الجراثيم، وتعقيمه بالكلور، بحيث لا يبقى للنجاسة أثرٌ في طعمه ولونه وريحه، وهم مسلمون عدولٌ، موثوق بصدقهم وأمانتهم. قرَّر المجمع مايأتي: أنَّ ماء المجاري إذا نُقِّيَ بالطرق المذكورة وما يماثلها، ولم يبق للنجاسة أثرٌ في طعمه ولا في لونه ولا في ريحه - صار طهورًا، يجوز رفع الحدث وإزالة النجاسة به؛ بناءً على القاعدة الفقهية التي تقرِّر أنَّ الماء الكثير الذي وقعت فيه نجاسة يطهر بزوال هذه النجاسة منه؛ إذا لم يبق لها أثره فيه، والله أعلم. ١٢٧ كتاب الطهارة - باب المياه ٥ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رضِي اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّه : ((لاَ يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائِمِ وَهُوَ جُنُبٌ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وللبُخَارِيِّ: ((لا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الدَّائمِ الَّذِي لاَ يَجْرِي، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ»، وَلِمُسْلِمٌ: (مِنْهُ)» ولأَبِي دَاوُدَ: ((وَلاَ يَغْتَسِلْ فِيْهِ مِنَ الجَنَابَةِ)»(١). * مفردات الحديث: - لاَ يَغْتَسِلْ: لاَ ((ناهية))، يجزم بها الفعل، ويطلب بها ترك الفعل، و(يغتسل) مجزوم بالسكون. - الدَّائم: دام الشيءُ يدوم - من باب نصر - دومًا، ودام الماءُ في المكان: استقر؛ فالدَّائم الساكن الراكد. - ثمَّ يغتسل: يجوز فيه ثلاثة أوجه: الجزم عطفًا على ((لا يبولنَّ))، والنَّصب على إضمار ((أنْ))، والرفع على تقدير: ((ثُمَّ هو يغتسل فيه)). - الَّذي لا يجري: تفسير للدَّائم، والمراد: المستقر في مكانه كالغدران في البرية. - لا يبولنَّ: ((لا)) ناهية، والفعل مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة في محل جزم. والبول: عرّفه الأطباء بأنَّه سائل تفصله الكليتان عن الدم لتخرجه من الجسم، ويحوي ما يزيد على حاجة الجسم من الماء والأملاح، ويمر من الكليتين في الحالبين إلى المثانة؛ حيث يتجمع إلى أن يخرج من الجسم عن (١) البخاري (٢٣٩)، مسلم (٢٨٢، ٢٨٣)، أبو داود (٧٠). ١٢٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام طريق مجرى البول في عملية التبول، ووظيفة إخراج البول أساسية للحياة. - جنب: بضمتين، أي: أصابته الجنابة، وهو الحدث الحاصل من الجماع أو الإنزال. - ثمَّ يغتسل فيه: ((ثمَّ)) للاستبعاد، أي: بعيد من العاقل أنْ يفعل هذا. - الجنابة: من أجنب فهو جُنُبٌ، للذكر والأنثى، والمفرد والتثنية والجمع. والجنابة: صفة من نزل مَّنِيُّهُ، أو حصل منه جماعٌ حتَّى يتطهر. * ما يُؤْخَذ من الحديث: ١ - النهي عن الاغتسال في الماء الدائم من الجنابة، بخلاف الماء الجاري؛ فإنَّه غير داخل في النهي. ٢ - أنَّ النهي يقتضي التحريم؛ فيحرم الاغتسال من الجنابة في الماء الدائم. ٣- النهي عن البول في الماء الدائم ثمَّ الاغتسال فيه من الجنابة، وقال في ((طرح التثريب)): يحتمل أنَّ النهي عن كلٍّ من ((البول والاغتسال))، ويدل عليه رواية أبي داود: ((لا يبولنَّ أحدكم في الماء الدائم، ولا يغتسل فيه من الجنابة))، كما جاء في مسلم: ((لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب)). ٤ - النهي يقتضي التحريم؛ فيحرم الاغتسال من الجنابة في الماء الذي بِيلَ فيه. ٥- ظاهر الحديث أنَّه لا فرق بين الماء القليل والكثير. ٦- الفساد المترتّب على النهيين هو إفسادُ الماء بتقذيره على المنتفعين به، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الخلاف في الماء المستعمل، هل استعماله في الطهارة يسلبه الطهورية أو لا؟ ٧- النهي عن البول أو الاغتسال في الماء الرَّاكد ليس على إطلاقه اتفاقًا؛ فإنَّ الماء المستبحر الكثير لا يتناوله النهي اتفاقًا؛ فهو مخصَّص بالإجماع. ٨- قال في سبل السلام: الذي تقتضيه قواعد اللغة العربية: أنَّ المنهي عنه في الحديث إنَّما هو عن الجمع بين البول والاغتسال؛ لأنَّ (ثُمَّ) لا تفيد ما تفيده ١٢٩ كتاب الطهارة - باب المياه الواو العاطفة في أنَّها للجمع، وإنَّما اختصت ((ثمَّ) بالترتيب. ٩ - قال ابن دقيق العيد: ((يؤخذ النهي عن الجمع من هذا الحديث، ويؤخذ النَّهي عن الإفراد من حديثٍ آخر)). ١٠ - لكن الروايات الواردة في الباب يستفاد منها مايأتي: - ((رواية مسلم)) تفيد النَّهي عن الاغتسال بالانغماس فيه، والتناول منه. - ((رواية البخاري)) تفيد النهي عن الجمع بين البول والاغتسال. - ((رواية أبي داود)) تفيد النهي عن كلٌّ منهما على الانفراد. فحصل من جميع الرِّوايات أنَّ الكلَّ ممنوعٌ، ذلك أنَّ البول أو الاغتسال في الماء الرَّاكد يسبّب تقذيرَهُ وتوسيخَهُ على النَّاس ولو لم يصل إلى تنجیسه . ١١ - يلحق بذلك تحريم التغوط والاستنجاء في الماء الرَّاكِد الذي لا يجري. ١٢ - تحريم أذيّة النَّاس وإلحاق الضرر بهم بأيِّ عملٍ من الأعمال التي لم يؤذن فيها، ولم تترجَّح مصلحتها على مفسدتها . ١٣ - اختلف العلماء هل النَّهي للتحريم أو للكراهة؟ : فمذهب المالكية: إلى أنَّه مكروه؛ بناءً منهم على أنَّ الماء باقٍ على طهوريَّتِهِ. وذهب الحنابلة والظاهرية إلى أنَّه للتحريم. وذهب بعض العلماء إلى أنَّه محرم في القليل، مكروه في الكثير. وظاهر النهي: التحريم في القليل والكثير، ولو لم يكن لِعِلّةِ تنجيسه، وإنَّما من أجل تقذيره وتوسيخه على النَّاس. * تنبيه: يخص من ذلك المياه المستبحرة باتفاق العلماء كما تقدم. ٠ ١٣٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٦ - وَعَنْ رَجُلٍ صَحِبَ النَّبِيَّنَلَقَالَ: ((نَهَىْ رَسُولُ اللهِوَهِ أَنْ تَغْتَسِلَ المَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ أَوِ الرَّجُلُ بِفَضْلِ المَرْأَةِ، وَلْيَغْتَرِفَا جَمِيْعًا)» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، والنَّسَائِيُّ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيْحٌ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. قَالَ الشوكاني ماخلاصته: ادَّعى البيهقي أنَّه في معنى المرسل، وادَّعى ابن حزم أنَّ داود الذي رواه عن حميد بن عبدالرحمن الحميري ضعيف. وَقَالَ ابن حجر في الفتح (٣٠٠/١): رجاله ثقات، ولم أقف لمن أعلَّه على حجَّة قوية . ودعوى البيهقي أنَّه في معنى المرسل مردودة؛ لأنَّ إبهام الصحابي لا يضر؛ ودعوى ابن حزم أنَّ داود راويه عن حميد بن عبدالرحمن هو ابن يزيد الأودي، وهو ضعيفٌ: مردودة؛ فإنَّه ابن عبدالله الأودي وهو ثقة، وقد صرَّح باسم أبيه أبوداود وغيره. وصرَّح الحافظ في بلوغ المرام: بأنَّ إسناده صحيح. وقال ابن عبدالهادي في المحرَّر: صححه الحميدي، وقال البيهقي: رجاله ثقات . * مفردات الحديث: - نهى: النَّهي قولٌ يتضمن طلب الكف على وجه الاستعلاء، بصيغةٍ مخصوصةٍ من الفعل المضارع المقرون بـ((لا)) النَّاهية. (١) أبوداود (٨١)، النسائي (٢٣٨). ١٣١ كتاب الطهارة - باب المياه - المرأة: الأُنْثى من بني آدم، بعد البلوغ. - بفضل: أي: بالماء الذي فَضَلَ وبقي بعد اغتسال الرجال. - الرجل: الغلام إذا احتلَمَ وَشَبَّ سمي رجلاً، والجمع: رجال، وجمع الجمع : رجالات. - وليغترفا: الَّلام لام الأمر، والاغتراف: أخذ الماء بجميع اليدين. * مايؤخذ من الحديث: ١ - نهي الرجل أنْ يغتسل بفضل طهور المرأة. ٢ - نهي المرأة أنْ تغتسل بفضل طهور الرجل. ٣- المشروع هو أن يغتسلا ويغترفا معًا. وقد جاء في صحيح البخاري (١٩٣) عن ابن عمر: ((أنَّ الرجال والنساء كانوا يتوضَّؤون في زمن رسول الله وَيه جميعًا))، وفي رواية هشام بن عمَّار عن مالك قال فيها: ((من إناء واحد)) [رواه ابن ماجه (٣٧٦)، ورواه أبو داود (٧٧) من وجهٍ آخر]. ٤ - هذا الإطلاق مقيَّدٌ بأنهُ ليس المراد به الرجال الأجانب من النساء، وإنَّما المراد الزوجات، أو من يحل له أن يرى منها مواضع الوضوء. ٥- ماجاء في حديث الباب فهو يبين حكم الغسل، وحديث ابن عمر الذي في البخاري يبين حكم الوضوء الذي جاء صريحًا بما رواه الحكم بن عمرو الغفاري قال: ((نهى النبي ◌َّ أنْ يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة))، رواه أحمد وأصحاب السنن. والمشهور عند الحنابلة: أنَّه طهور إلاّ بحق الرجل. ١٣٢ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٧ - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا -: ((أَنَّ النَّبِيِّنَلِ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُوْنَةً)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ، وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ: ((اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِّوَّه فِي جَفْنَةٍ فَجَاءَ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ جُنُبًا، فَقَالَ: إِنَّ المَاءَ لاَ يَجْنُبُ)) وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ(١). درجة الحديث: الحديث صحيحٌ. وما رواه مسلمٌ قد أُعِلَّ بترددٍ وقع في رواية عمرو بن دينار، ولكنَّهُ جاء في البخاري (٢٥٣) ومسلم (٣٢٢) محفوظًا بِلاَ ترددٍ بلفظ: ((أَنَّ النَّبِيَّنَّهُ ومِيْمُونَةَ كَانَا يَغْتَسِلاَنِ مِنْ إِنَاءٍ وَاحِدٍ))، وهذا اللفظ وإنْ لم يعارض رواية مسلمٍ، فإنَّ الذي يعارضه ماجاء في رواية السنن وهي صحيحة . قال ابن عبدالهادي في المحرر: صححه الترمذي وابن خزيمة وابن حبَّان والحاكم والذهبي. قال ابن حجر في التلخيص (١٥/١): وقد أعلَّهُ قومٌ بسماك ابن حرب؛ لأنَّه كان يقبل التلقين، لكن رواه عنه شعبة، وشعبة لا يحمل عن مشایخه إلاَّ صحیحَ حدیثهم. * مفردات الحديث: - بعض أزواج النبي ◌ّلة: هي ميمونة بنت الحارث الهلالية - رضي الله عنها - كما أخرجه الدَّار قطني وغيره. - جَفْنَة: بفتح الجيم وسكون الفاء: هي القصعة الكبيرة، جمعها: جفان، والقصعة: إناءٌ كبيرٌ يوضع فيه الطعام، ويُتَّخذ غالبًا من الخشب. - جُنُبًا: بضمتين هو من أصابته الجنابة، يطلق على الذكر والأنثى، والمفرد (١) مسلم (٣٢٣)، أبوداود (٦٨)، الترمذي (٦٤)، النسائي (٣٢٥)، ابن ماجة (٣٧٠)، ابن خزيمة (١/ ٥٧). ١٣٣ كتاب الطهارة - باب المياه والمثنى والجمع، سُمِّيَ جُنُبًا؛ لأَنَّهُ أُمِرَ أنْ يَجْتَنِبَ مَوْضِعَ الصَّلاَةِ مَا لم يتطهر، أو لأنَّ ماءه جانب وباعد محله ومستقره، وقيل: لمجانبته النَّاس حتَّى يغتسل . - ليغتسل: ((الَّلام)) للتعليل - لام كي - والفعل منصوب بـ((أنْ)) مضمرة بعدها، وما قبلها يكون مقصودًا لحصول ما بعدها. - لا يجنب: من جنب كفَرِح وككَرُم، أي بكسر عين الفعل أو ضمِّها، فيجوز فتح النون وضمُّها من مضارعه، هذا إذا جعلته من الثلاثي، ويصح أنْ يكون رُبَاعیًّا من أجنب يُجْنِبُ، وهو إصابةُ الجنابة، والمعنى: أنَّ الماء لا تصيبه الجنابة. * مَايؤخَذُ من الحديث: ١ - جواز اغتسال الرجل بفضل طهور المرأة، ولو كانت المرأة جنبًا، وبالعكس، فيجوز للمرأة أن تغتسل بفضل طهور الرجل من باب أولى. قال ابن عبدالبر في الاستذكار: الأصل في الماء الطهارة؛ لأنَّ الله قد خلقه طهورًا، فهو كذلك حتَّى يجمع المسلمون أنَّه نجس، والمؤمن لا نجاسة فيه، فالنجاسة أعراضٌ داخلة، والمرأة في ذلك كالرجل إذا سلما ممَّا يَعْرِضُ من النجاسات. ٢ - أنَّ اغتسال الجنب أو وضوء المتوضِّئ من الإناء، لا يُؤثِّرُ في طهورية الماء؛ فیبقی علی طهوريته. ٣- حكى الوزير والنووي وغيرهما الإجماع على جواز وضوء الرجل بفضل طهور المرأة، وإنْ خَلَتْ به، إلاّ في إحدى الروايتين عن أحمد، وهي الرواية المشهورة عند أصحابنا؛ فإنَّهم يرون أنَّ المرأة إذا خلت بالماء القليل لطهارة كاملة عن حدث، فإنَّه لا يُطَهِّر الرجل . والرواية الأخرى: قال عنها في الإنصاف: وعن الإمام أحمد: يرفع حدث الرجل في أصح الوجهين، واختارها ابن عقيل وأبوالخطَّاب والمجد. قال في الشرح الكبير: هو أقيس، وهو مذهب الأئمة الثلاثة. أما وضوء المرأة بفضل الرجل فجائزٌ بلا نزاع. ١٣٤ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٨ - وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ اللهِ إنَّه : ((طُهُوْرُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيْهِ الكَلْبُ: أَنْ يَغْسِلُهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُوْلاَهُنَّ بِالتُّرَابِ)) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ. وَفِي لَفْظِ لَهُ: ((فَلْيُرِقْهُ))، وَلِلتِّرْمِذِيِّ: (أُخْرَاهُنَّ، أَوْ أُوْلاَ هُنَّ)(١). مُفْرَدَات الحَدِيثِ: - طُهُور: بضم الطاء على الأشهر. قال النووي: جمهور أهل اللغة على أنَّ الطهور والوضوء يضمَّان إذا أُريد بهما المصدر الذي هو الفعل، ويفتحان إذا أُرِيدَ بهما ما يُتطهّر به؛ وهنا المراد به المصدر. - ولغ: هو من باب فَتَحَ وَحَسِبَ وَوَرِثَ، ومضارعه: يلَغ بفتح عين الكلمة وكسرها، ويالغ ولغًا، والولوغ: الشرب بأطراف اللسان، وهو شرب الكلب وغيره من السباع. - أخراهنَّ: بألف التأنيث المقصورة، وجمع أخرى: أُخريات، وأُخَر، مثل كبرى وكبريات وكبر، والمراد: إحداهنَّ؛ كما جاء في بعض روايات هذا الحدیث . - التراب: مانَعُمَ من أديم الأرض. - فليرقه: أي: فليصبَّه على الأرض. قال في المصباح: راق الماءُ وغيرُهُ ريقًا: انصَبَّ، ويتعدَّى بالهمزة فيقال: أراقه، وتبدل الهمزة هاء فيقال: هَرَاقَهُ، وقد يجمع بين الهاء والهمزة، فيقال: أَهْرَاقَهُ يُهْرِيقُهُ، ساكن الهاء. - أُوْلاهنَّ: ((أخراهنَّ)) أو ((أُولاهُنَّ)): الرَّاجح أنَّ هذا الشك من الرَّاوي، وليس (١) مسلم (٢٧٩)، الترمذي (٩١). ١٣٥ كتاب الطهارة - باب المیاه للتخيير، ورواية ((أوْلاهنَّ)) أرجحهما؛ لكثرة رواتها، ولإخراج الشيخين لها، ولأنَّ التراب إذا جاء في الغسلة الأولى، كان أنقى. * ما يؤخذ من الحديث: ١ - نجاسة الكلب، وكذا جميع أجزاء بدنه نجسة، وجميع فضلاته نجسة. ٢ - أنَّ نجاسته نجاسة مغلَّظة؛ فهي أغلظ النجاسات. ٣- أنَّه لا يكفي لإزالة نجاسته والطهارة منها إلاّ سبع غسلات. ٤ - إذا ولغ في الإناء، فلا يكفي معالجة سؤره بالتطهير، بل لا بدَّ من إراقته، ثمَّ غسل الإناء بعده سبعًا إحداهن بالتراب. ٥- قوله: ((إذا ولغ)) خرج به ما إذا كان ما تناوله بلسانه جامدًا؛ لأنَّ الواجب إلقاء ما أصابه الكلب بفمه، ولا يجب غسل الإناء إلاَّ مع الرطوبة. ٦ - وجوب استعمال التراب مرَّةً واحدةً من الغسلات، والأفضل أنْ تكون مع الأولى؛ ليأتي الماء بعدها . ٧- تعيُّن التراب، فلا يجوز غيره من المزيلات والمطهرات؛ لأمور: (أ) يحصُلُ بالتراب من الإنقاء مالا يحصُلُ بغيره من المزيلات والمطهِّرات. (ب) ظهر في البحوث العلمية أنَّه يحصُلُ من التراب خاصَّةً إنقاءٌ لهذه النجاسة، لا يحصُلُ من غيره، وهذه إحدى المعجزات العلمية لهذه الشريعة المحمَّدية، التي لم ينطق صاحبها عن الهوى، إن هو إلاَّ وحيٌّ يوحى. (ج) أنَّ التراب هو مورد النَّصِّ في الحديث؛ فالواجب التقيد بالنص، ولو قام غيره مقامه، لجاء نص يشمله؛ ﴿ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا [مريم]. ٦٤ ٨- استعمال التراب يجوز بأن يطرح الماء على التراب أو التراب على الماء، أو أن يؤخذ التراب المختلط بالماء؛ فيغسل به المحل، أمَّا مسح موضع النجاسة بالتراب فلا یجزىء. ٩ - ثبت طبيًّا، واكتُشِفَ بالآلاتِ المكبِّرة والمجاهر الحديثة: أنَّ في لعاب الكلب ١٣٦) توضيح الأحكام من بلوغ المرام ميكروباتٍ وأمراضًا فتَّاكةً، لا يزيلها الماء وحده، ما لم يستعملْ معه التراب خاصَّة؛ فسبحان العليم الخبير !! . ١٠ - ظاهر الحديث: أنَّه عامٌّ في جميع الكلاب؛ وهو قول الجمهور. ولكن قال بعض العلماء: إنَّ الكلب المأذون فيه للصيد والحرث والماشية مستثنى من هذا العموم؛ وذلك بناءً على قاعدة سماحة الشريعة ويسرها؛ فالمشقّة تجلب التیسیر . ١١ - ألحق أصحابنا بالكلبِ الخنزيرَ في غلظ نجاسته، وحكم غسلها بغسل نجاسته؛ كما تغسل نجاسة الكلب، ولكن خالفهم أكثر العلماء؛ فلم يجعلوا حكم نجاسته كنجاسة الكلب، في الغسل سبعًا، والتتريب؛ اقتصارًا على مورد النص؛ لأنَّ العلَّة في غلظ نجاسة الكلب غير ظاهرة. قَال في شرح المهذَّب: لا يجب التسبيع من نجاسة الخنزير، وهو الرَّاجح من حيثُ الدليلُ، وهو المختار لأنَّ الأصل عدم الوجوب حتَّى يرد الشرع. ١٢- اختلف العلماء في وجوب استعمال التراب: فذهب الحنفية والمالكية إلى أنْ الواجب الغسلات السبع، وأمَّا استعمال التراب معهنَّ فليس بواجب، وذلك لاضطراب الرواية في الغسلة التي فيها التراب، ففي بعض الروايات أنَّها الأولى، وفي بعضها أنَّها الأخيرة، وفي بعضها لم يعين مكانها ففي إحداهنَّ؛ ومن أجل هذا الاضطراب سقط الاستدلال على وجوب التراب، والأصل عدمه، وذهب الشافعي وأحمد وأتباعهما وأكثر الظاهرية وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور وابن جرير وغيرهم إلى اشتراط التراب، فإن غسلت نجاسة الكلب بدونه فلا يطهر، وذلك للنصوص الصحيحة في ذلك. وأمَّا دعوى الاضطراب في الرِّواية فمردودة؛ فإنَّه إنَّما يُحكم بسقوط الرِّواية من أجل الاضطراب إذا تساوت الوجوه، أمَّا إذا ترجّح بعض الوجوه على بعض - كما في هذا الحديث - فإنَّ الحكم يكون للرواية الرَّاجحة؛ كماهو مقرَّر ١٣٧ كتاب الطهارة - باب المياه في علم الأصول، وهنا الرَّاجح رواية مسلم أنَّها ((أولاهنَّ)). خلاف العلماء: اختلف العلماء هل نجاسة الكلب خاصَّةٌ بفمه ولعابه، أو عامَّةٌ في جميع بدنه وأعضائه؟ : ذهب الجمهور: إلى أنَّ نجاسته عامَّة لجميع بدنه، وأنَّ الغسل بهذه الصفة عامٌ أيضًا؛ وذلك منهم إلحاقًا لسائر بدنه بفمه. وذهب الإمام مالك وداود: إلى قصر الحكم على لسانه وفمه؛ وذلك أنَّهم يرون أنَّ الأمر بالغسل تعبُّديّ لا للنَّجاسة، والتعبُّدِيُّ يُقْصَرُ على النصِّ؛ فلا يتعدَّاه لعدم معرفة العلَّة. والقول الأوَّل هو الرَّاجح؛ لأمور: ١ - أنَّه يوجد في بدنه أجزاء هي أنجس وأقذر من فمه ولسانه. ٢ - أنَّ الأصل في الأحكام التعليل؛ فيحمل على الأغلب. ٣- أنَّه ظهر الآن أنَّ نجاسة الكلب نجاسة ميكروبية؛ فلم تصبح ممَّا لا تعقل علَّته، وإنَّما أصبحت الحكمة ظاهرة. قال الشافعي: جميع أعضاء الكلب يده أو ذنبه أو رجله أو أي عضوٍ إذا وقع في الإناء، غسل سبع مرَّات، بعد إهراق ما فيه. قال الأستاذ طبارة في كتاب ((روح الدِّين الإسلامي)): ومن حكم الإسلام الوقاية الأبدان تقريرُهُ بنجاسة الكلب، وهذه معجزةٌ علمية للإسلام سبَقَ بها الطب الحديث؛ حيث أثْبَتَ أنَّ الكلاب تنقل كثيرًا من الأمراض إلى الإنسان؛ فإنَّ الكلاب تصاب بدودة شريطية، تتعدّاها إلى الإنسان وتصيبه بأمراضٍ عُضالٍ، قد تصل إلى حد العدوان على حياته، وقد ثبت أنَّ جميع أجناس الكلاب لا تَسْلَمُ من الإصابة بهذه الديدان الشريطية، فيجب إبعادها عن كلِّ ما له صلةٌ من مأكل الإنسان أو مشربه. ١٣٨ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٩ - وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ - رَضِيَ الله عَنْهُ - أَنَّ رَسُوْلَ الله ◌َِّ قَالَ فِى الهِرَّةِ: ((إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسِ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِيْنَ عَلَيْكُمْ)) أَخْرَجَهُ الأَرْبَعَةُ وَصَخَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ(١). * درجة الحديث: الحدیث صحیح. صححه البخاري، والعقيلي، والدَّارقطني، وقال الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيح. وقال الدَّارقطني: رجاله ثقات معروفون. وقال الحاكم: هذا الحديث صحَّحه مالك، واحتج به في الموطَّأ. ومع ذلك: فإنَّ له شاهدًا بإسنادٍ صحيحٍ رواه مالك، ورواه عنه كل من أبي داود والنسائي، والترمذي، والدَّارمي (٢٠٣/١)، وابن ماجه، والحاكم (٢٦٣/١)، والبيهقي (٢٤٦/١)، وأحمد (٢٢٠٧٤) كلهم عن مالك (٤٤) عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن حميدة بنت عبيد، عن خالتها كبشة بنت كعب بن مالك، وكانت تحت عبدالله بن أبي قتادة الأنصاري، وصحَّحه النووي في المجموع ونقل عن البيهقي أنَّه قال: إسناده صحيحٌ. وللحديث طرقٌ أُخُر. وقد أعلَّهُ ابن منده بأنَّ حميدة وكبشة مجهولتان، والجواب: أنَّ حميدة روى عنها ابنها يحيى، وهو ثقة عند ابن معين، وأمَّا كبشة: فقال الزبير بن بكار وأبو موسى وابن حبَّان: لها صحبة، وهذا في خصوص هذا الإسناد، وإلاّ فقد (١) أبوداود (٧٥)، الترمذي (٩٢)، النسائي (٦٨)، ابن ماجه (٣٦٧)، ابن خزيمة (٥٥/١). ١٣٩ كتاب الطهارة - باب المياه جاء من طرق أُخر عن أبي قتادة. وبهذا يندفع إعلال ابن منده للحديث، ويصبح الحديث صحيحًا بتصحيح هؤلاء الأئمة له، والله أعلم. * مفردات الحديث: - الهرَّة: بكسر الهاء وتشديد الرَّاء، آخره تاء مربوطة، هي الأنثى من القطط، جنسٌ من الفصيلة السِّنَّوْرية . - بنجس: بفتح الجيم، وفيها لغاتٌ: ضد الطاهر، وصف بالمصدر يستوي فيه المذكر والمؤنث، وجمعه أنجاس . - إنَّما: ((إنَّ)) من أدوات التأكيد دخلت عليها ((ما)) فكفتها عن العمل، ولكن مجموع الحرفين أفاد الحصر. - الطّوافين: جمع طوَّاف، وهو مَنْ يكثر الطواف والجولان، وهو الخادم. قال ابن الأثير: الطائف الذي يخدمك برفقٍ وعناية، شبَّهها بالخادم الذي يطوف على مخدومه ويدور حوله. وقد جُمِعَ جمع المذكّر السَّالم مع أنَّه لیس بعاقل؛ وذلك تنزيلاً له منزلة من يعقل، حيث وصف بصفة الخادم. * ما يُؤخذ من الحديث : ١ - أنَّ الهرَّة ليست بنجس؛ فلا ينجس ما لامسته أو ولغت فيه. ٢ - العلَّة في ذلك أنَّها من الطوافين، وهم الخدم الذين يقومون بخدمة المخدوم، فهي مع النَّاس في منازلهم وعند أوانيهم وأمتعتهم، فلا يمكنهم التحرز منها . ٣- هذا الحديث وأمثاله من أدلّة القاعدة الكلية الكبرى، وهي: ((المشقَّة تجلب التيسير))؛ فعموم البلوى بها جعل ما تلامسه الهرَّة طاهرًا وإنْ كان رطبًا . ٤- يقاس على الهرَّة كل ما شابهها من الحيوانات المحرّمة، ولكنَّها أليفة تدعو الحاجة إلى استعمالها؛ كالبغل والحمار، أو لا يمكن التحرز منه؛ كالفأر. ١٤٠ توضيح الأحكام من بلوغ المرام ٥ - أنَّ فقهاء الحنابلة وغيرهم جعلوا كل ما كان بقدر خلقة الهِرَّة، أو أصغر منها من الحيوانات المحرَّمة، والطير المحرمة: في حكمها من حيثُ الطهارةُ، وجوازُ الملامسة والمباشرة؛ فطهارة هذه الحيوانات وأمثالها أمرٌ غير حل أكله بالذكاة، وإنَّما المراد طهارة البدن وما أصاب ولامس، ولكن الرَّاجح تقييده بما تعم به البلوى من الحيوانات المحرّمة، سواءٌ كان كبير الخلقة أو صغيرها؛ لأنَّه مناط العلَّة بقوله: ((إنَّها من الطوافين عليكم)). ٦- قوله: ((إنَّها ليست بنجس)) دليلٌ على طهارة جميع أعضاء الهِرَّة وبدنها، وهو أصح من قول من قصر طهارتها على سؤرها وما تناولته بفمها، وجعل بقية أجزائها نجسة؛ فإنَّ هذا خلاف مايفهم من الحديث، وخلاف ما يُفْهَمُ من التعليل، وهو قوله: ((من الطوافين عليكم))؛ فالطَّوَّافُ من شأنه أنْ يباشر الأشياء بجميع بدنه وأعضائه. ٧- قال ابن عبدالبر: في الحديث دليلٌ على أنَّ ما أُبِيحَ لنا اتخاذه فسؤره طاهرٌ؛ لأنَّه من الطوافين علينا، ومعنى الطوافين علينا الذين يداخلوننا ويخالطوننا. ٨- مفهوم الحديث: يفيد مشروعية اجتناب الأشياء النجسة، وإذا دعت الحاجة أو الضرورة إلى ملامستها، فيجب التنزه منها؛ وذلك كالاستنجاء باليد اليسرى، وإزالة الأنجاس والأقذار بها.