النص المفهرس

صفحات 961-980

٩٠٣
فالحقُّ أنَّ كلّ منهما في علم الحديث مُهِم، ولا شَكَّ أنَّ من جَمَعهما حاز
القِدْحِ الْمُعَلَّى، مع قصورٍ فيه إن أَخَلَّ بالثالث، ومن أَخَلَّ بهما فلا حَظّ له في اسم
الحافِظ، ومن أحرز الأولَ وأخلَّ بالثاني كان بعيداً من اسم المحدِّث عُرفاً، ومن أحرز
الثانيَ وأخلَّ بالأول لم يَبْعُد عنه اسمُ المحدِّث، لكن فيه نقصٌ بالنسبة إلى
الأول. قـ
ومن جَمَع الثلاثَ كان فقيهاً مُحدِّثاً كاملاً، ومن انفرد باثنين منهما كان دونه، إلاّ
أنَّ من اقتَصَر على الثاني والثالث فهو مُحدِّث صِرْف لا حَظَّ له في اسم الفقيه، كما أنَّ
من انفرد بالأوَّلِ فلا حَظَّ له في اسم المحدِّث، ومن انفرد بالأول والثاني فهل يُسمَّى
مُحَدِّثً؟ فيه بحث. اهـ.
فإن قيل: هل يمكنُ الجمعُ بين قولِ هذا الناقد ومن نحا نحوَه وقولٍ من قال:
العلومُ ثلاثةٌ: عِلم نَضِجَ وما احتَرَق، وهو علم النحو والأصول. وعِلمٌ لا نَضِجَ
ولا احتَرَق، وهو عِلمُ البيان والتفسير. وعِلْمٌ نَضِجَ واحتَرَق وهو علمُ الحديثِ
والفقه؟
يُقالُ: نعم يمكنُ الجمعُ بينهما، بأن يُرادَ بُنُضْجِ العلم: كونُه قد بُيِنِّ بياناً كافياً،
بحيث لا يَحتاج طالبُه إلى فَرْطِ عناءٍ في تحصيل مطلبِهِ، وباحتراقِه: كونُهُ قد استُقصِيَ
البحثُ فيه، ثم تُجُوِّزَ به الحَدُّ فأفضى ذلك إلى ذكرٍ كثيرٍ مما لا تَمَسُ إليه الحاجة، إما
لكونِهِ مما يُفْرَضُ فَرْضاً، أو لنحوِ ذلك، حتى يَصيرَ الطالبُ - لكثرةِ المباحث مع عدم
معرفتِهِ ما يلزم منها مما لا يَلزم - حائراً في أمرِه.
وهذا المعنى لا يظهر بتمامِه في علم الحديث، وإنما يَظهرُ في نحوِ النحو، فإن
فيه كثيراً مما لا تَمسُّ الحاجةُ إليه، لا سيما الحُجَجِ التي لا يَدِلُّ عليها نقلٌ ولا عقل.
والأُوْلى إخراجُ عِلم الحديث من هذا القسم.
وهذه العبارةُ وإن كانت من قَبِيل المُلَحِ التي تُستَحسَنُ في المحاضرة،
ولا يُستقصىَ البحثُ فيها، إلاّ أنَّ فيها إشارةً إلى أمرٍ ينبغي الانتباهُ إليه، وهو أَنَّ
ما نَضِجَ واحتَرَق من العلوم ينبغي السعيُ في تنقيحه، ليسهُلَ على الطالب تناولُه
:

٩٠٤
والانتفاعُ به، وما لم يَنْضَجِ منها ينبغي السعيُّ في إكمالِ مَباحثِه، لينضَجِ أو يَقْرُبَ من
النُّضج.
ومن أمعَنّ النظر في هذا الأمر تبيّنَّ له أنَّ فَرْطَ النَّضج في علمٍ من العلوم
لا يُفضي إلى احتراقِه، وإنما يفضي في الغالب إلى إفرادِ بعضِ مباحثه بالبحثُ، فإذا
اَّسَع الأمرُ في مبحثٍ منها صارَ فَنّاً مستقلاً بنفسِهِ وإن كان متفرِّعاً عن غيره. وكثيراً
ما يكون الفنُّ المتفرِّعُ من غيره واسعَ الأطراف جداً، قال بعضُ المحدِّثين: عِلِمُ
/٤١٧ الحديث يَشتمِلُ على أنواع كثيرة، كلَّ نوع منها عِلمُ مستقِل، لو / أنفَقِ الطالبُ فيه
عمره لما أدرك نهايته .
ولَّا كان الاستقصاءُ في العلوم غيرَ ممكن، حَثَّ العلماءُ طُلَّبَها على الاقتصارِ
فيها أو الاقتصاد، وقد ذَكّرَ في أوائل ((الإِحياء))(١) ما يتعلق بهذا الأمر، فأحببنا إيرادَ
ذلك - قال: وإن تفرَّغتَ من نفسِك وتطهيرها، وقَدَرْتَ على تركِ ظاهرِ الإِثم
وباطنِه، وصار ذلك دَيْدَناً لك، وعادةً متيسرةً فيك، وما أَبعَدَ ذلك منك؟ فاشتغِلْ
بفُروضِ الكفايات، وراعِ التدريجَ فيها.
فابتدِىءُ بكتاب الله تعالى، ثم بسنةٍ رسوله صلَّى الله عليه وسلَّم، ثم بعلم
التفسير وسائرٍ علوم القرآن، من علم الناسخ والمنسوخ ، والمَفْصُولِ والموصولِ ،
والمُحْكَمِ والمتشابه، وكذلك في السنة. ثم اشتغِلْ بالفروع، وهو علمُ الَذْهَب من
عِلم الفقه دون الخلاف، ثم بأصولِ الفقه، وهكذا إلى بقية العلوم، على ما يتّسِعُ له
العُمِرُ ويُساعِدُ فيه الوقتُ، ولا تَستغرِقْ عُمُرَكَ في فنٍّ واحدٍ منها طلباً للاستقصاء،
فإنَّ العلم كثير، والعُمرَ قَصِير.
وهذه العلومُ آلاتٌ ومقدِّمات، وليست مطلوبة لعينها بل لغيرها، وكلّ
ما يُطلَبُ لغيره فلا ينبغي أن يُنسَ فيه المطلوبُ، ويُستكثر منه.
· فاقتَصِرْ من شَائِع عِلم اللغةِ على ما تَفْهَمُ به كلامَ العرب، وتَنطِقُ به، ومن
(١) ٦٧:١ من طبعة لجنة نشر الثقافة الإسلامية بالقاهرة، سنة ١٣٥٦.
ا

٩٠٥٠
غريبِهِ على غريبٍ القرآن وغريب الحديث، ودَع التعُمُّقَ فيه، واقتَصِرْ من علم النحو
على ما يتعلَّقُ بالكتاب والسنة، فما من علم إلّ وله اقتصارٌ، واقتصادٌ، واستقصاءً،
ونحن نشيرُ إليها في التفسير والحديثِ والفقهِ والكلامِ ، لَتَقِيسَ بها غيرَها.
فالاقتصارُ في التفسير ما يَبلغُ ضِعفَ القرآن في المقدار، كماصنَّفه الواحديُّ
النيسابوري، وهو ((الوجیز)).
والاقتصادُ ما يَبلُغُ ثلاثةَ أضعافِ القرآن، كما صنّفَه من ((الوَسِيط)» فيه،
وما وراءَ ذلك استقصاءٌ مستغنىَّ عنه، فلا مَرَدَّ له إلى انتهاء العمر.
وأما الحديثُ فالاقتصارُ فيه تحصيلُ ما في ((الصحيحين))، بتصحيحِ نُسخٍ على
رجلٍ خبيرٍ بعلم متنِ الحديث. وأما حِفْظُ أسامي الرجال فقد كُفِيتَ فيه بما تحمَّلَهُ
عنك مَنْ قَبْلَك، ولك أن تُعوِّلَ على كتبهم، وليس يَلزمُك حِفظُ متون الصحيحين،
ولكن تُحصِّلُه تحصيلاً تَقدِرُ منه على طَلَبِ ما تَحتاجُ إليه عند الحاجة.
وأما الاقتصادُ فيه فَأَنْ تُضِيفَ إليهما ما خَرَج عنهما، مما وَرَدّ في المُسْنَداتِ
الصحيحة. وأمَّا الاستقصاءُ فما وراءَ ذلك، إلى استيعاب كلَّ ما نُقِلَ من الضعيف
والقويِّ والصحيح والسقيم، مَعَ معرفةِ الطرقِ الكثيرةِ في النقل، ومعرفةِ أحوالٍ
الرجال وأسمائهم وأوصافهم.
وأما الفقهُ فالاقتصارُ فيه على ما يَجوِيه «مُخْتَصَرُ الْمُزَنِيّ»، وهو الذي رتَّبناه في
((خلاصة المختَصَرِ))، والاقتصادُ فيه ما يَبلُغُ ثلاثةَ أمثالِهِ، وهو القَدْرُ الذي أوردناه في
(الوَسِيط من المَذْهَب))، والاستقصاءُ ما أوردناه في ((البسيط))، إلى ما وراء ذلك من
المطوّلات.
وأما الكلامُ فالمقصودُ فيه حمايةُ المعتَقَدات التي نَقَلَها أهلُ السنة عن السلفِ
الصالح لا غيرُ، وما وراءَ ذلك طلَبٌ لكشفِ حقائق الأمور من غير طريقها. ومقصودُ
حِفظِ السُّنَّةِ تَحْصُلُ رُتبةُ الاقتِصَار منه بمعتّقَّدٍ وجيز، وهو القَدْر الذي أوردناه في كتاب
((قواعد العقائد)) من جملة هذا الكتاب.

٩٠٦
والاقتصادُ فيه ما يُبلغُ قَدْرَ مئة ورقة، وهو الذي أوردناه في كتاب («الاقتصاد في
الاعتقاد))، ويُحتاج إليه لمناظرة مُبتدِعٍ ومُعارضةٍ بدعتِهِ بما يُفسِدُها ويَنزِعُها عن قَلْبٍ
العاميّ. وذلك لا ينفَعُ إلَّ مع العَوَامِّ قبلَ اشتدادِ تعصُّبِهم. وأما المبتدِعُ بعدَ أن يَعلم
من الجَدَلِ ولو شيئاً يَسيراً، فقلَّما يَنفعُ معه الكلام. اهـ.
/٤١٨
ومن فروع علمِ الحديث: عِلمُ ناسخ / الحديث ومنسوخه، وهو داخلٌ في
علم تأويل مُختلِف الحديث. وأفردوه عنه لفرطِ العناية به، فإنهم اتفقوا على أنه من
أهم علوم الحديث. والمشهورُ أنه فَنَّ وَعْرُ المسلك. وذَهَب بعضُهم إلى أنَّ الخَطْبَ في
معرفته سهل، وما وَقَع لكثيرٍ ممن ألّف فيه من إِدخالٍ كثير مما ليس منه فيه، ليس
ناشئاً من وُعورةِ مسلكِه، بل لعدم وقوفهم على جميع ما يلزم في معرفته. قال بعض
المحدثين: هذا النوعُ وإِن تَعلَّقَ بعلم الحديث فهو بأُصول الفقه أَشْبَهُ.
ومن فروع علم الحديث: معرفةُ أسبابٍ ورود الحديث، وقد صَنَّف فيه بعض
العلماء، وقد جَرَتْ عادةُ أكثرِ شُرَّاح الحديث التعرُّضَ لذلك إذا كان للحديث سببٌ
ووقفوا عليه، كما أنهم كثيراً ما يتعرَّضون لغير ذلك مما يَهُمُّ الطالبَ معرفتُه، غيرَ أنه
يُنْتَقَدُ على كثير منهم أمرٌ، وهو أنهم كثيراً ما يُدخلون في معنى الحديث ما لا يَدُلُّ عليه
الحدیث .
وقد وقع مثلُ ذلك لكثير من المفسرين أيضاً. وقد حذَّر من ذلك بعضُ
المحققين منهم، فقال: ينبغي للمفسِرِ أن لا يُحُمِّلَ لفظَ الكتابِ العزيزِ ما لا يَجِتَمِلُه،
لئلا يَنْسُبَ إلى الله سبحانه أشياءَ لم يقلها، ولا دَلَّ لفظُ كتابه عليها. فالتفسيرُ في
الحقيقة إنما هو شَرْحُ اللفظِ المستغلَقِ عند السامع، بما هو واضحٌ عنده، مما يُرادفه،
أو يُقاربه، أو له دلالةٌ عليه بإحدى طرقِ الدلالات.
هذا، وفيما ذكرناه كفايةٌ لمن أراد الاقتصارَ والاقتصادَ في هذا الفن. وقد أحببنا .
أن نختِمَ هذا الكتابَ بمقالةٍ متمِّمةٍ لما نحن فيه الآن، ومذكِّرةٍ بما سَلَف من قبل،
وهي للعلامة مجدٍ الدين المباركِ بن الأثير، وقد أوردها في خطبة كتابه ((جامع الأصول

٩٠٧
لأحاديث الرسول)) فقال(١):
وبَعْدُ فِإِنَّ شَرَف العلومِ يَتفاوَتُ بشرفٍ مَدْلُولِها، وقَدْرَها يَعْظُمُ بِعِظَمِ
مَخْصُولِها، ولا خلاف عند ذوي البصائر، أنَّ أجلَّها ما كانت الفائدةُ فيه أعم، والنفعُ
به أتم، والسعادَةُ باقتنائه أدْوَم، والإِنسان بتحصيلِهِ ألزم، كعلم الشريعة الذي هو
طريقُ السُّعَداء، إلى دار البقاء، ما سَلَكه أحدٌ إلَّ اهتَدَى، ولا استَمسّك به من خَابَ
ولا تجنّبُه من رَشِدَ، فما أمنع جنابَ من احتَمَى بحِمَاه، وأرغَدَ مآبَ من ازدان بحُلاه.
وعلومُ الشريعة على اختلافها تنقسمُ إلى فرض، ونفل. والفرضُ ينقسِمُ إلى
فرضِ عَينٍ، وفرضٍ كفاية. ولكلِّ واحدٍ منهما أقسامٌ وأنواع، بعضُها أصول،
وبعضُها فروع، وبعضُها مقدِّمات، وبعضُها متمِّمات. وليس هذا موضعَ تفصيلها
إذ ليس لنا بغَرَض .
إلّا أنَّ من أصولٍ فُرُوض الكِفَايات عِلمَ أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم، وآثارِ أصحابِهِ رضي الله عنهم، التي هي ثاني أدلةِ الأحكام. ومعرفتُها أمرٌ
شريف، وشأن جليل، لا يُحيط به إلَّ من هذَّب نفسَه بمتابعة أوامرِ الشرعِ ونواهيه،
وأزاحَ الزَّيغَ عن قلبِهِ ولسانِه .
وله أصولٌ وأحكامٌ وقواعدُ وأوضاعٌ واصطلاحاتٌ، ذكرها العلماء وشَرَحها
المحدِّثون والفقهاء، يَحتاجُ طالبُهُ إلى معرفتها والوقفِ عليها، بعدَ تقديمٍ معرفة اللغةِ
والإِعراب، اللذينِ هما أصلٌ لمعرفةِ الحديثِ وغيره، لورود الشريعة المطهرةٍ بلسانٍ
العرب .
وتلك الأشياءُ:
كالعلم بالرجالِ، وأسامِيهم، وأنسابهم، وأعمارِهم، ووقتٍ وَفَاتِهم،
والعِلمِ بصفاتِ الرُّوَاة، وشرائطهم التي يجوز معها قبولُ روايتهم.
(١) ١ :٣٦ .
:

٩٠٨
والعِلم بمستَنَدِ الرواةِ، وكيفيةِ أخذِهم الحديثَ، وتقسيمِ طُرُقِه. والعلمِ بلفظٍ
الرواة، وإيرادِهم ما سَمِعوه، وإيصالِهِ إلى من يَأخذُّهُ عنهم، وذكرٍ مراتِبه. والعلمِ
/٤١٩ بجواز نقلِ الحديث بالمعنى، / وروايةِ بعضِه، والزيادة فيه، وإِضافةٍ ما ليس منه
إليه، وانفرادِ الثقة بزيادةٍ فيه.
والعِلمِ بِالْمُسْنَد، وشرائِطِه، والعالي منه، والنازل.
والعِلمِ بالمرسَل، وانقسامِهِ إلى المنقطع، والموقوف، والمُعْضَل، وغير ذلك.
واختلافِ الناس في قبوله، ورَدِّه.
والعِلمِ بالجرح والتعديل، وجوازِهما، ووقوعهما، وبيانِ طبقاتِ المجروحين ..
والعِلمِ بأقسام الصحيح من الحديث، والكَذِب، وانقسام الخبرِ إليهما، وإلى
الغريب، والحسن، وغيرهما.
والعِلم بأخبار الْتَواتِرِ (١)، والآحاد، والناسخ، والمنسوخ، وغير ذلك، مما
تواضَعَ عليه أئمةُ الحديث، وهو بينهم متعارف.
فمن أتقنها أتى دارَ هذا العلم من بابها، وأحاط بها من جميع جهاتها، وبقَدْرٍ
ما يَقُوتُه منها تَنزِلُ عن الغاية درجتُه، وتَنحطُ عن النهايةِ رُتبتُه، إلاّ أنَّ معرفةَ الْتَواتِرِ
والآحادِ والناسخ والمنسوخ، وإن تعلَّقَتْ بعلم الحديث، فإن المحدِّثَ لا يفتقر
إليها، لأنَّ ذلك من وظيفة الفقيه، لأنه يَستنبط الأحكامَ من الأحاديث، فيَحتاجُ إلى
معرفة المُتَواتِر والآحادِ والناسخ والمنسوخ.
وأما المحدِّثُ فوظيفتُهُ أن يَنقُلَ ويَروِيَ ما سَمِعَه من الأحاديث كما سَمِعَه. فإن
(١) وقع في الأصل هنا: (التواتر) في هذا الموضع الأول والثاني والثالثِ الآتيين، وكذا في
((جامع الأصول)) ١: ٣٨ في الموضع الأول والثاني بلفظ (التواتر، والآحاد ... )، وجاء فيه في
الموضع الثالث: (الْمُتَواتِر والآحاد)، وهو الصواب فيها جميعاً، أمَّا (التواتر) فتحريفٌ عِن
(المُتَواتِر)، لأنه هو قسيمُ الآحاد. و(التواتر) مصدرٌ لا دَخْلَ له في التقسيم.

٩٠٩
تصدَّى لما رواه فزيادةٌ في الفضل، وكمالٌ في الاختيار (١). جمعنا الله وإياكم معشر
الطالبين على قبولِ الدلائل (٢)، وألهمنا وإياكم الاقتداء بالسلفِ الصالح من الأئمةِ
الأوائل، وأحَلَّنا وإياكم من العِلم النافعِ أعلَى المنازلِ، ووفَّقَنا وإياكم للعَمَل بالعالي
من الحديثِ والنازل، إنه سميع الدعاء، حقيقٌ بالإِجابة .
يقول مؤلّفُ هذا الكتابِ الموسومِ ((بتوجيه النَّظَر إلى أُصولِ الأَثَرِ)): طاهرُ بنُ
صالح بنِ أحمد الجزائريُّ، وفقه الله سبحانه لما يُحِبُّ من قولٍ وعَمَل:
قد وقع الفراغُ من إتمامِه في سَحَر ليلةِ الأربعاء، لثلاثٍ بَقِيَتْ من
ذي القَعْدة، من شهورٍ سنة ألفٍ وثلاث مئة وثمانيةٍ وعشرين من الهجرة،
وذلك في مدينة مصر. والحمدُ لله، وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطَفَى.
قال عبد الفتاح أبو غدة: فتح الله عليه، وغَفَر له ولوالديه:
وهنا انتهى كتابُ ((توجيه النظر إلى أصول الأثر» للعلامة الجليل
الإِمام الشيخ طاهر الجزائري رحمه الله تعالى. وأُورِدُ بعدَه
رسالة الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى في وصل البلاغات
الأربعة في «الموطأ»، كما أشرتُ إلى هذا في آخر (تقدمتي)
للكتاب ص ١٤، فإليك تلك الرسالة. والحمدُ لله تعالى.
(١) وقع في الأصل: (وكمالّ في الأخبار). وصوابه(وكمالٌ في الاختيار)، كما جاء في ((جامع
الأصول» .
(٢) وقع في الأصل: (على قبول الدليل). وهو تحريف، صوابه (الدلائل) كما في ((جامع
الأصول)»، وهو المساوِقُ لباقي الجُمَل المسجوعة.
1

رسالةٌ في وصل البلاغات الأربعة في الموطَّأ
تأليف الحافظ أبي عَمْرو ابن الصلاح
رحمه الله تعالى
حقّقها
أبو الفضل عبد الله بن محمد بن الصديق
وطُبع منها عدد قليل في الدار البيضاء بالمغرب
سنة ١٤٠٠ = ١٩٧٩
وعلّق عليها
عبد الفتاح أبو غدة

٩١٣
بِسْمِ اللهِالرَّمِ الرَّحَّيِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وعلى آله
وصحبه أجمعين.
وبعد فيقول عبد الفتاح أبو غدة: قال العلامة الشيخ طاهر الجزائري في
كتابه الجليل: (توجيه النظر إلى أصول الأثر)» ص ٤٠٨، في آخر كلامه على
(الحديث المعضَل):
((وقد صنَّف ابنُ عبد البر كتاباً في وصل ما في ((الموطأ)) من المرسَل والمنقطع
والمعضَل، قال: وجميعُ ما فيه من قول مالك: بلغني، ومن قوله: عن الثقةِ عنده، مما
لم يُسنده: أَحَدٌ وستون حديثاً، كلُّها مسندة من غير طريق مالك إلَّ أربعةً لا تُعرف:
أحدُها: إني لا أَنْسَ ولكن أَنَسَّ لأسُنَّ. والثاني: أن رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم أُرِيَ أعمارَ الناسِ قبلَهُ أو ما شاء الله، فكأنه تقاصرَ أعمارَ أمَّتِه. والثالث:
قولُ معاذ: وآخِرُ ما وصاني به رسول الله - وقد وضعتُ رجلي في الغَرْزِ - أن قال:
حَسِّن خُلقَك للناس. والرابع: إذا أنشأتْ بَحْريَّةً ثم تشاءمَتْ، فتلك عَينٌ غَدِيقة)».
انتهى كلام الشيخ الجزائري رحمه الله تعالى.
وقد علَّقتُ عليه هناك: أن الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى ألَّف («رسالةً في
وصل هذه البلاغاتِ الأربعة))، ولطُولِها سألحقها بآخر الكتاب، نظراً لأهميتها وصعوبة
الوقوف عليها، وها أنا ذا أفي بالوعد بعون الله تعالى وفضله.
وقد كان شيخنا العلامة المحدث الفقيه الجليل فضيلة الشيخ عبد الله بن
الصديق الغُمَاري رحمه الله تعالى وأحسن إليه، وقف على هذه الرسالة مخطوطةً،
فحقَّقَها، وطُبعَ منها عددٌ قليل في مدينة الدار البيضاء بالمغرب، في سنة ١٤٠٠،

٩١٤
وأهدى إليَّ منها نسخةً، فأنا أوردُها عَن الطبعة التي حقّقها شيخنا، بتعليق يسير
عليها مني مبدوءٍ أو مختوم باسمي، أو بحرف (ع)، أو بين معترضتين
- .... ، لزيادة النفع بها، ومن الله أستمدُّ السَّداد والتوفيق، والحمد لله رب
و کتبه
العالمين.
عبد الفتاح أبو غدة
وإليك نَصَّ الرسالة بتقدیم شيخنا لها

٩١٥
تقدیم
مما هو معلوم عند أهل الحديث: أنَّ في موطأ الإِمام مالك مراسيلَ وبلاغاتٍ
رواها كما سَمِعَها، ولم تقع له موصولة، وقد وَصَلها الحافظ ابنُ عبد البر في كتاب
التمهيد، إلَّ أربعةَ بلاغات، لم يَجِد لها إسناداً، ولا رآها في كتاب غير الموطأ.
وكان مولانا الشيخ الإِمامُ الوالد رحمه الله ورَضِيَ عنه، ونفعني برضاه، أخبرني
أيام الطلب - حين حدثني عن كتاب الموطأ كما حدثني عن غيره من الكتب الحديثية
وغيرها - : أن الحافظ ابن الصلاح، وَصَل تلك البلاغات، في رسالة خاصة.
فمنذ سمعت ذلك منه، وأنا متشوق إلى الوقوف على تلك الرسالة، إلى أن
يَسَّرَ الله العُثورَ عليها، فقُمتُ بتحقيقها ونَشْرِها.
وهي تحفة نادرة، أقدمها للمشتغلين بعلم الحديث عامة، وللمهتمين بالموطأ
خاصة وأحب أن أشير إلى أمور:
- ١ -
كثير من الناس اعتقدوا أن تلك البلاغاتٍ صحيحةٌ، بمجرَّدٍ أنْ سَمِعُوا أنَّ
الحافظ ابن الصلاح وصَلَها، وبنَوْا على اعتقادِهم: أن أحاديث الموطأ كلَّها صحيحة
بُمُرسَلَاتِها وبلاغاتِها، ليس فيها حديثٌ ضعيف، ومن صَرَّحَ بذلك المرحومُ الشيخ
محمد حبيب الله الشُّنْقِيطي، فإنه نَقَل في كتابه ((دليل السالك إلى موطأ مالك))
ص ١٤ عن الشيخ صالح الفُلَاني: أنه رَدَّ قولَ الحافظ العراقي: إنَّ مالكاً لم يُفرِد
الصحيحَ في الموطأ، بل أدخَلَ فيه المرسَل والمنقطِعَ والبلاغات، ومن بلاغاتِهِ أحاديثُ
لا تُعرَفُ، کما ذكره ابن عبد البر. اهـ.
وهو كلامٌ سليم، فبماذا رَدَّه الشيخُ صالح؟، قال: وما ذكره العراقي أنَّ من
بلاغاتِهِ ما لا يُعرَف، مردودٌ بأنَّ ابنَ عبدِ البَرِّ ذَكَر أنَّ جميعَ بلاغاتِهِ ومراسيله
ومنقطعاتِه كلّها موصولة بطرقٍ صِحاح إلَّ أربعةَ أحاديث، وقد وَصَل ابنُ الصلاح
:

٩١٦
الأربعة في تأليف مستقل وهو عندي، وعليه خَطَّه، فظهَرَ بهذا أنه لا فرق بين
البخاري والموطأ، وصَحَّ أن مالكاً أوَّلُ من صَنَّ في الصحيح. اهـ(١). وعَقَّبَ عليه
الشيخُ الشِّنْقِيطِيُّ بقولهُ :
والعجَبُ من ابن الصلاح رحمه الله، كيف يَطَّلِعُ على اتصالٍ جميع أحاديث
الموطأ حتى إنه وَصَل الأربعةَ التي اعتَرَف ابنُ عبد البر بعدم الوقوف على طرقٍ
اتصالها، ومَعَ هذالم يَزَلْ مُقدِّماً للصحيحين عليه في الصحة !! مع أنَّ الموطأ هو
أصلُهما، وقد انتَهَجَا منهجه في سائر صنيعه. اهـ.
وكلُّ هذا خطأ كبير، يتبينَ بالوجوهِ الآتية : .
١ - ذَكَر محمد فؤاد عبد الباقي (٢) أنه عَرَض الكلامَ السابق على المحدث
المرحوم الشيخ أحمد شاكر، فأملَى عليه ما يأتي:
لكنه لم يذكر الأسانيد التي قال الفُلَِّي: إنَّ ابنَ الصلاح وَصَل بها هذه
الأحاديث، فلا يستطيع أهلُ العلم بالحديث أن يحكموا باتصالِها إلاّ إذا وُجدّت
الأسانيد، وفُحِصَتْ حتى يتبين إن كانت متصلةً أولا، وصحيحةً أولا. اهـ. وهذا
كلامُ خبيرِ بالصناعة الحديثية، عارفٍ بقواعدها، ولا شك أنَّ الشيخ أحمد شاكر أعلَّمُ
بالحديث من الشيخ الشُّنْقِيطي بمراحل، بل لا نسبةً بينهما فيه.
٢ - دعوى الفُلَّاني أن عنده تأليفَ ابن الصلاح، وعليه خَطَّه، دعوى غيرُ
صحيحة، بل هو لم يرَ ذِلك التأليفَ، فضلاً عن أن يَمْتِلِكَه.
والدليلُ على ذلك: أنه لم يَذكر تلك الأحاديثَ في رده لكلام العراقي حافظٍ
الدنيا، وشيخٍ حُفَّاظِها، ولو كانت عنده لبادَرَ بذكرِ تلك الأسانيد، ليُسْنِدَ رَدَّهُ
بالدليل، وأيضاً فإنَّ ابن الصلاح قال في تأليفه ذاك ما نصه:
((والقولُ الفصلُ عندي في ذلك كلَّه ما أنا ذاكرُهُ، وهو أن هذه الأحاديث
(١) وذكر موجزَ كلام الفُلَّيِّ هذا العلامةُ الكتانيُّ في ((الرسالة المستطرفة)) ص ٥ - ٦.(ع).
(٢) في صفحة (هـ) من المقدمة التي كتبها لطبعة ((الموطأ)) التي خَدَمَها، وطُبِعَتْ في جزءين
بالقاهرة سنة ١٣٧١ = ١٩٥١ بمطبعة عيسى البابي الحلبي، ثم صُوَّرَتْ مراراً عنها. عبد الفتاح.

٩١٧
الأربعةَ: لم تَرِد بهذا اللفظ المذكور في الموطأ، إلَّ في الموطأ، ولا وَرَد ما هو في معنى
واحد منها بتمامِهِ في غير الموطأ إلَّ حديثُ ((إذا أَنْشَأتْ بَحْرِيَّةً)) من وجهٍ لا يَثبُت،
والثلاثةُ الْأَخَرُ: واحِدٌ، وهو حديثُ ليلة القدر، وَرَد بعضُ معناه، من وجهٍ غير
صحيح، واثنانِ منها، ورَدَ بعضُ معناهما من وجهٍ جَيِّد، أحدهما: صحيح، وهو حديثُ
النسيان، والآخَرُ: حسن، وهو حديث وصية معاذ رضي الله عنه)). اهـ كلامُه بحروفه.
وهو يصرح بأنَّ حديثين من الأربعة ضعيفان، ولو رآه الفُلَّني لما قال في آخِر
رَدِّهِ: ((فظهَرَ بهذا أنه لا فَرْقَ بين البخاري والموطأ ... )) إلخ. وأنا أقول: ظهَرَ بهذا أنَّ
الفلاني لم يَرَ تأليفَ ابن الصلاح، وأنَّ دعواه غيرُ صحيحة، غَفَر الله لنا وله.
٣ - ولو فرضنا جَدَلِيّاً أنَّ تلك الأحاديثَ الأربعةَ صحيحة، لم يكن الموطأ في
درجة البخاري لأمور:
(١) أنَّ تلك الأحاديث إنما وَرَد ما يُصحِّحُ معناها فقط، ولفظُها غيرُ واردٍ
إطلاقاً، وأحاديثُ البخاري صحيحةً بلفظِها ومعناها.
(٢) أنَّ البخاري صحيحٌ في ذاته، لا يحتاج إلى من يَصِلُ بعضَ أحاديثه،
بخلاف الموطأ فإنه محتاج إلى من يَصِلُ منقطعاتِه ومرسلاتِهِ وبلاغاتِهِ، بحيث
لا نطمئن إلى شيء منها حتى نقف على أسانيدها في ((التمهيد» أو غيره.
(٣) أنَّ الموطأ فيه أحاديثُ مسندة، لم تَبلُغ درجةَ الصحة، ولم يُخرجها
البخاري، فكيف يكون الموطأ في درجته؟
- ٢ -
ابنُ الصلاح هو: الحافظ تقيُّ الدين أبو عَمْرو عثمانُ بنُ صلاح الدين
عبد الرحمن بن عثمان بن موسى الكُرْدِي الشَّهْرَزُوري، الشافعي المفتي ابن المفتي،
ولد سنة ٥٧٧ وتفقّه على والدِهِ بشَهْرَزُور.
قال ابن خَلِّكان: كان أحَدَ فضلاءِ عصره في التفسير، والحديث، والفقه،
وأسماءِ الرجال، وما يتعلق بعلم الحديث، ونَقْلِ اللغة، وكانت لهُ مشاركة في فنون
عديدة، وكانت فتاويه مسدَّدة، وهو أحدُ أشياخي الذين انتفعت بهم. اهـ. وذَكَرَ أنه
i
1

٩١٨
رَحَل إلى خُراسان، وبها حَصَّل علِمَ الحديث، ورَحَل إلى نيسابور وهَمَذانِ ومَرْو،
وحَرَّان وبغداد ودمشق وحلب والقُدس وغيرها.
قال الذهبي: قَدِمَ دمشق ودرَّس بالرَّوَاحِيَّة، ثم وُلَّ مَشْيَخَةَ دار الحديث
الأشرفية وصَنَّف وأفتى، وتَخرَّج به الأصحاب وكان من أعلام الدين، وقال أيضاً:
وكان سَلَفِيًّ حسَنَ الاعتقاد، كافّاً عن تأويل المتكلمين، مؤمناً بما ثَبَت من النصوص،
غيرَ خائض ولا متعمِّق، وكان وافِرَ الجلالة، حسن البِزَّة، كثيرَ الهيبة، مُوقَّراً عند
السلطان والأمراء.
انتقل إلى رحمة الله في الخامس والعشرين من ربيعٍ الآخر سنة ٦٤٣، وكَثُرَ
التأسُّفُ لفقده، وهُملَ نعشه على الرؤوس، وكان على جنازته هَيْبَة وخشوع، فصَلَّوْا
عليه بجامع دمشق، ودفنوه بمقابر الصوفية، وقبرُهُ ظاهرُ يُزار، وعاش سِتّاً وستين
سنة، رحمة الله عليه. اهـ كلامُ الذهبي.
- ٣ -
أُروِي هذه الرسالة عن الشيخ محمد دُوَيْدَار الكَفْرَاوي، عن الشيخ إبراهيم
الباجوري، عن الشيخ محمد السنباوي، عن أبي الحسن علي بن محمد العربي، عن
الشيخ إبراهيم الفَيُّومي، عن الشيخ أحمد الغرقاوي، عن الشيخ علي الأجْهُوري،
عن نور الدين علي بن أبي بكر القَرَافي، عن الحافظ جلال الدين السُّيوطي، عن
القاضي عَلَم الدين البُلْقِيني، عن أبي إسحاق إبراهيم بن أحمد التّنُوخِي، عن
أبي الحسن ابن العطار الدمشقي، عن الحافظ الزاهد أبي زكريا النووي، عن الحافظ
أبي عَمْرو عثمان بن الصلاح رحمه الله تعالى(١).
أبو الفضل
عبد الله بن محمد بن الصديق
(١) قال عبد الفتاح: هنا انقطاع، لأنَّ النوويِّ لم يَلْقَ ابن الصلاح، كما سيأتي بيانُهُ مني
استدراكاً على شيخنا المحقق لهذه الرسالة، في آخرها في ص ٩٣٥، فانظره.

٩١٩
بسْمِ اللهِالرّمِ الرَِّّ
الحمدُ لله المنفرد بكل الحمد والثناء، والصلاةُ والسلام الأفضلان على رسوله خير
الرسل والأنبياء، وعلى آله والنبيين، وآلِهِم والصالحين، دائماً ذلك دوامَ دارِ الخُلْدَ
والبقاء، آمين.
رَغِبْتُمْ رَغَّبَكم اللَّهُ في رغائب المعارف، وهَذَاكم وإيانا مناهجَ العَوَارف، في
إبانةِ الأحاديث الأربعةِ المنقطعة الْمُعضَلةِ - التي ذَكَر الحافظُ أبو عُمَر بن عبد البر،
رحمه الله وإيانا: أنه لا ذِكْرَ لها في شيءٍ من كتب العلماء، إلَّ في ((الموطَّأ)) أو كتابٍ
مَنْ نقَلَها منه، ولم يَروِها غيرُ الإِمام مالك رَضَي الله عنه (١) - وأن أذكُرَ ما عندي
في ذلك:
(١) قال عبد الفتاح: قال الإِمامُ الحافظُ ابنُ عبد البر رحمه الله تعالى، في ((تجريد التمهيد لما
في الموطأ من المعاني والأسانيد)» ص ٢٤٢ و٢٤٩ و٢٥٣: (بابُ بَلَاغاتِ مالك ومُرسَلاتِهِ):
(( ... وذلك أحَدٌ وستون حديثاً، قد ذكرتُها - والحمدُ لله ـــ كلَّها مسندةً متصلةً في ((التمهيد»،
حاشى أربعةً أحاديث، وهي :
١ - الأول: مالك أنه سَمِعَ من يثِقُ به من أهل العلم يقول: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم رأى أعمارَ الناسِ قبلَهُ أو ما شاء الله من ذلك، فكأنما تقاصَرَ أعمارَ أُمَّتِهِ، أَنْ لا يَبلُغوا من
العَمَلِ مِثْلَ الذي بَلَغ غيرُهم في طُولِ العمر، فأعطاه الله ليلةَ القَدْر، خيرٌ من ألفٍ شهر.
وهذا أحَدُ الأحاديث التي انفرد بها مالك، لا يُوجَّدُ مسنَداً ولا مرسَلًا فيما علمتُ إلَّ مِن
الموطأ. وهو أحَدُ الأحاديثِ الأربعةِ التي لا توجد مسندةً ولا مرسَلةً من إرسالٍ تابعيّ ثقة.
٢ - والثاني: مالك أنه بلَغَه أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: إني لَنْسَ أو أُنَسَّى
لُأَسُنَّ. وهذا أيضاً لا يوجد في غير الموطأ، ولا يُحْفَظُ بهذا اللفظ مسنّداً ولا مرسَلًا، من غير روايةٍ
مالك هذه المنقطعة، والله أعلم. والذي يَصحُّ في هذا المعنى عن النبي صلَّى الله عليه وسلّم، من
حديثٍ ابن مسعود: ((إنما أنا بَشَرٌ أَنْسَ كما تُنْسَوْن)».
٣ - والثالث: مالك أنه بلَغَه أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقول: إذا نشأَتْ =

٩٢٠
فسألتُ الله العظيمَ من فضله، واستهديتُه، واستعنتُ به، وتبرَّتُ إليه،
واستغثتُ به.
فها أنا ذا مُورِدٌ ما أوردُوه آثِراً وذاكِراً وبادِئاً بسياقتها على وجهها من الموطأ
بإسنادي العالي فيه.
أخبَرَنا الشيخُ الْمُسْنِدُ أبو الحسن ابنُ أبي الفُتُوحِ ابنِ أبي الحسن ابن المُقْرِي
رحمه الله وإِيَّانا بقِراءتي عليه، قال: أنا الشيخُ الإِمامُ أبو محمد عبدُ الله بن سهل بن
عُمَرِ السَّيِّدِي قِراءةً عليه، قال: أنا أبو عثمان سعيدُ بن محمد البُخَيْرِي قراءةً عليه،
قال: أنا الفقيه أبو علي زاجرك(١) بن أحمد السَّرَخْسِي قال: أنا أبو إسحاق إبراهيمُ بن
عبد الصمد الهاشمي(٢)، قال: حدثنا أبو مُصْعَبٍ أحمدُ بنُ أبي بكر الزهري:
= بَحْرِيَّةً ثم تَشَاءَمَتْ، فتلك عَيْنٌ غَدِيقَة. وهذا أيضاً لا يُحفَظُ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من
وجهٍ يصحُّ من جهةِ الإِسنادِ، ولا يُعرَفُ الحديثُ بهذا اللفظ في غير الموطأ، إلَّ ما رواه الشافعي عن
إبراهيم بنِ أبي يحيى، وإبراهيمُ متروكُ الحديث، ولفظُهُ: إذا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثم استحالَتْ شامِيّةً
فهو أمطَرُ لها. ولم يُسنِده أيضاً، وهو منقطعٌ عنده، مع ضعفِه.
٤ - والرابع: مالك أنَّ معاذ بن جَبَل قال: آخِرُ ما أوصاني به رسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم، حين وَضَعْتُ رِجْلِيُّ في الغَرْزِ أنْ قال: حَسِّنْ خلقك للناس يا معاذُ بنَ جَبَل. هكذا رَوَّى
يحيى هذا الحديث، وتابَعَه ابنُ القاسم والقعنبي، ورواه ابنُ بُكَير عن مالك، عن يحيى بن
سعيد، عن معاذ بن جَبَل، وهو مع هذا منقطع جداً، ولا يُوجَدُ مسنداً عن النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم من حديث معاذٍ ولا غيرِهِ بهذا اللفظ، والله أعلم، ولكن معناه صحيحٌ مسنَد.
وما عدا هذه الأحاديثَ الأربعةَ - من البلاغات -، فهي مسنّدةٌ متصلةً من غير رواية مالك
في کتاب (االتهمید»، والحمدُ لله)».
(١) كذا بالأصل، وهو كثيرُ التصحيف، والصوابُ: زاهِرُ بن أحمد السُّرَخْسِي، قال
الذهبي: عالمُ خراسان، وأرَّخ وفاتَهُ سنة ٣٨٩هـ وقال: لَحِقَ البغويُّ في رحلته، وسَرَخْسُ بفتح
السين والراء، وسكون الخاء، بلدةٌ عظيمة بخراسان.
(٢) العَبَّاسِي، تُوفي سنة ٣٢٥هـ، وهو آخِرُ من رَوَى عن أبي مُصْعَبِ الموطأ، رَوَّى عنه =

٩٢١
- الحديث الأول - قال: نا مالكُ بنُ أَنسٍ رضي الله عنه: أنه بَلَغَهُ: أن
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ((إِني لَ أَنْسَى ولكن أُنَسَّى لَأُسُنَّ))(١).
- الحديث الثاني - وبه عن أبي مُصْعَبٍ قال: نا مالكٌ: أنه بلَغَهُ: أن
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يقولُ ((إذا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةٌ، ثم تَشَاءمَتْ فتلك عَيْنٌ
غَدِيقَةٌ))(٢).
قوله: نَشَأَتْ رُوِّيْنَاهُ من غير همزةٍ في أوله(٣)، وكذا حكاه الأزهري، وهو الذي
= الدارقطنيُّ وغيرُه.
قال ابنُ أم شيبان القاضي: رأيتُ سَمَاعَهُ بالموطأ سَماعاً قديماً صحيحاً، وقال أبو الحسن
علي بن لؤلؤ الورَّاق: رحلتُ إليه إلى سامَرًا، لأسمع منه الموطأ، فلم أرَ له أصلاً صحيحاً فتركتُه
وخرجتُ، قال الذهبي: وَقَعَ لنا جزءُ البَانِيَاسِي من حديثه عالِياً، ولا بأسَ به إن شاء الله
(١) هذه رواية أبي مُصْعَب، وروايةُ يحيى بن يحيى: ((إني لَأَنْسَى أو أُنَسَّى لِأِسُنَ)).
قال القاضي عياض في الشفا: قد رُوِيَ: لست أنسى ولكن أُنَسَّى لأسُنَ، قلتُ: والحديثُ
بالرواياتِ الثلاثِ، لا وجود له إلاّ في الموطأ، - والحديث في ((الموطأ)) ١: ١٠٠، في ٤ -
کتاب السهو، حديث ٢ .
(٢) أخرجه مالك في ((الموطأ)) ١: ٣٢١، في ١٩ - كتاب الاعتكاف، حديث ١٥ .
(٣) قال عبد الفتاح: قولُهُ: (رُوِّينَاهُ ... ). هكذا جَرَتْ عادةُ الحافظ ابن الصلاح أن
يَضْبِطَها في كلامه بالشّكل، قال الحافظ البِقَاعِيُّ رحمه الله تعالى، في ((النِّكَتِ الوَفِيَّة بما في شرح
الألفية)) للحافظ العراقي، في الجزء الأول الورقة ١٩٣، في مبحث (كتابة الحديث وكيفية ضبط
الكتاب)، عند بحث (الكَشْط في الکتاب)، ما يلي:
((قولُ ابن الصلاح: (ورُوِّيْنَا)، مضبوطٌ في نُسَخٍ عديدةٍ، بضم الراءِ وتشديدِ الواو مكسورةً،
وهذا اصطلاحٌ لابن الصلاح، سَلَكَهُ لشدةِ التحرِّي، وهو إذا حَدَّث بما ◌َمَلُه - من لَقِيَهُ هو وسَمِعَ
منه مُباشَرةً - قال: رَوَيْنا، بالفتح والتخفيف، أي نَقَلْنَا لغيرنا، وإلَّ قال: بالضمِّ ـ رُوِّبنا - أي
نَقَل لنا شيوخُنا)». انتهى. بزيادة ما بين المعترضتين.
وهذا الذي سلكه الحافظُ ابنُ الصلاح ليس بلازمٍ ولا واجبٍ صِناعةٌ، إنما هو اختيار له،
وقد أوسعتُ الكلامَ والنقولَ عن العلماء في حكم هذا الاختيارِ لابن الصلاح، فيما علَّقْتُهُ على
((الأجوبة الفاضلة الأسئلة العشرة الكاملة)) للإمام عبد الحي اللكنوي الهندي ص ١٨٤ - ١٨٥ =

٩٢٢
ذكره الحَرَوِيُّ وغيرُهما في هذا الفعل من نَشَأَتْ السَّحَابَةُ(١).
يقال: نَشَأَتْ السَّحَابَةُ نَشْئاً: إذا ابتَدَأتْ وارتفَعَتْ.
والروايةُ الفاشيةُ المشهورةُ فيه: أَنشَأْتْ بَحْرِيَّةً، بالهمزة في أوله، وقد قيل : إنّ
أهلَ اللغة على إنكارها(٢)، والصوابُ عندهم نَشَأَتْ، بغير همزةٍ في أوله، وإنما يقال:
أنشَأَ فلانٌ يَفعلُ كذا ويقولُ كذا، أو أنشَأت السَّحابَةُ تُمْطِرُ (٣).
وقَطَع القاضي أبو الفضل عِيَاضُ بن موسى اليَحْصُبِي فيما وجدناه عنه بأنه
بالهمزة في أوله، هو المنقولُ بغير خلاف، وأنه قد صَحَّحه أهلُ اللسان، والله أعلم.
قوله: بَحْرِيَّةً، أي من ناحِيَةِ البحر، وناحيةُ البحر بالمدينةِ هي ناحيةُ المغْرِب.
= من الطبعة الأولى والثانية والثالثة، فانظره إذا شئت.
ونقلتُ فيها تعليقةً رأيتُها في حاشية ((نُكَت الزركشي)) على ((مقدمة ابن الصلاح)) في النسخة
المخطوطة في مكتبة الشيخ عارف حكمت بالمدينة المنورة، هذا نصُّها: ((قال ابن حجر في
(الإفصاح)) - كذا، ولم أجد هذا النصَّ في ((نكت ابن حجر على مقدمة ابن الصلاح)) ولا في
((التقييد والإيضاح)) للحافظ العراقي -: الذي يَلِيقُ التفرقةُ، فإن كان قد حَدَّثَ بما له به سَمَاعٌ
أو إجازةٌ ولو مرةً: سَاغَ له أن يقول: رَوَيْنا، بالتخفيف، وإن لم يُحدَّث به أصلاً فالأُوْلَى أن يقولَهُ
بالتشدید». انتهى.
وقد توسعتُ أكثرَ كثيراً في بيان قول ابن الصلاح: (رُوِّينا)، فيما علقتُه على الطبعة الرابعة،
من كتاب ((الأجوبة الفاضلة))، المُعَدَّةِ للطبع بعون الله تعالى. فأوردتُ فيها إلى جانب ما ذكرته في
الطبعة الثالثة: نصوصاً كثيرةً وقفتُ عليها، جاء فيها هذا الضبطُ بالقلم قبلَ زُمِنِ ابْنِ الصلاح
وبعدَهُ، وأوردتُ معها رسالةً للشيخ عبد الغني النابلسي خاصَّةً بضبطِ هذه الجملة، فأسألُ الله
تعالى تيسيرَ طَبْعِها ونَشْرِها.
(١) وقع في المطبوعة: (من السحابة)، فأضفتُ إليها (مِن نَشَأَتْ السَّحَابَةُ). عبد الفتاح.
(٢) وهي رواية يحيى بن يحيى، ولا وَجْهَ لإِنكارها، يقال نشأ وأنشأ إذا ابتدأ كما في
((النهاية)) لابن الأثير، فمعنى أنشأت بَحْرِيَّةً أي ابتدأتْ سَحَابَةً بحريةً أي من جهة البحر.
(٣) أنشَأَ، في هذين المثالين من أفعال الشروع، مثلُ جَعَل وطَفِقَ وَعَلِقَ، وأنشَأَ اللَّهُ
الإِنسانَ خَلَقَهُ، ومنه قولُهُ تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْتَاهُنَّ إِنشَاءً﴾ .

٩٢٣
وفي إعرابِهِ وجهان: الرفعُ على أنه فاعل، والنصبُ على الحال(١).
وقوله: ثم تَشَأَّمَتْ، هو بالتشديد على الشِين(٢)، على وزن تفعَّلَتْ أي أخذت
نحو الشَّام.
وقوله: عينٌ غَدِيقَةِ، فالعين هاهنا عبارةٌ عن السَّحَاب، وذكر المَرَويُّ في العينِ
المذكورة في هذا الحديث، عن صاحب (العين)): أنَّ العَيْنَ من السَّحَابِ ما أقبَلَ عن
يمينِ القِبلة أي قِبلةِ العراق، وذلك الصُّفْعُ يُسمَّى العَيْنَ أيضاً.
وغَدِيقة، ذَكَرِها ابنُ عبد البر، بضم الغين على التصغير، وكذا هو الأصلُ في
روايةِ الزهري الذي فيه السماعُ على الإِمام زاهِرٍ بن أحمد، وعنه البُخَيْرِي، وعنه
السَّيِّدِي .
وقال القاضي عياض: غُدَيْقَة بضم الغين على التصغير الذي يراد به التكثير،
قال: وقد رواه بعضُهم غَدِيقَة، قلتُ: غَدِيْقَة بفتح الغين، وجدتُه عن أبي منصور
الأزهري في هذا الحديث، وهو حُجَّة، وذلك هو الظاهرُ من إيراد مَنْ راجَعْنا كلامَهُ
من أصحاب الغريب، وهو الأظهر.
وعلى رواية التصغير، ينبغي أن تَكُونَ تصغيرَ قولهم: عَيْنٌ غَدِقَةٌ، بكسر الدال
أي كثيرةُ الماء، فاعلم ذلك كله، فإنَّ فيه ما يَعِزُّ، والله أعلم.
- الحديثُ الثالث - وبالإِسناد المذكور عن أبي مُصْعَب، قال: حدثنا مالك أنه
سَمِعَ من يَثِقُ به يقول: إنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أُرِيَ أَعمارَ النَّاسِ قَبْلَهُ
فَتَقَالَّهَا(٣) أو ما شاء الله من ذلك، فكأنه تَقْاصَرَ أعمارَ أُمَّتِه أن لا يَبلُغوا من العملِ
(١) فعلى الرفع تكونُ بحريَّةٌ صفةُ لسحابةٍ التي هي الفاعل، وعلى نصب بَحْرِيَّة، يكون
التقدير: إذا أنشأت السحابةُ بَحْرِيُّةٌ .
(٢) لا وجه لتشديد الشين، بل هي مخففة - تَشَأَّمَتْ -، ولعل المؤلف انتقل ذهنُهُ إلى
قولهم: تَشَأْم الرجل بتشديد الهمزة، إذا انتسب إلى الشَّام .- فقوله (بتشديد الشين) سبقُ قلم ...
(٣) فتقأًَّا بتشديد اللام. وفي صحيح البخاري أول كتاب النكاح ٩: ١٠٥، عن أنس =

٩٢٤
الذي بَلَغ غيرُهم في طولِ العُمُر، فأعطاه الله ليلةَ القَدْر، خيراً من ألفٍ شهر (١).
قوله: فَتَّقَأَّها، زيادةٌ وقعَتْ في روايتنا هذه دون غيرها، ووَجْهُها ـــ على
بُعْدِها - أنه استَقَّلَّها بالنسبةِ إلى أعمارٍ أُمَّتِه، والله أعلم.
- الحديث الرابع - وبه عن أبي مُصْعبٍ قال: حدثنا مالك بن أنس، عن
يحيى بن سعيد، عن معاذ بن جَبَل: أنه قال آخِرُ ما أَوصاني به رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم حين جَعلتُ رِجْليْ في الغَرْز، قال: ((حَسِّنْ خُلُقَك للناس مُعَاذُ بَنَ
جبل))(٢).
قوله: عن يحيى بن سعيد، رواه أيضاً يحيى بنُ بُكَّيْرِ وغيرُه، وإِنما فيه عن
مالك: أنه بَلَغَهُ: أنَّ معاذ بن جَبَل (٣).
وقوله: في الغَرْزِ، بغين منقوطة، ثم راء مهملة ساكنة، ثم زاي وهي للجَمَل
مِثْلُ الرِّكابِ للبَغْلِ ، حكاه الأزهري مطلقاً، وحكاه الجوهري مخصوصاً بأن يكون
من جلد، والله أعلم.
= قال: جاء ثلاثةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتِ أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، يَسألون ((عن عبادته، فلما
أُخبِرُوا كأنهم تَقَالُّوها .. )) الحديث، قال الحافظ في فتح الباري: تُقَالُّوها بتشديد اللام المضمومة أي
استَقُلُّوها، وأصلُ تقالُّوها تَقَالَلُوها)).
(١) هذا الأثر في الموطأ من رواية يحيى، عن زياد بن عبد الرحمن، عن مالك، لأنَّ زياداً
أول من أدخَلَ الموطأ إلى الأندلس، وسَمِعَه منه يحيى بنُ يحيى، قَبْلَ سَفَرِهِ إلى مالك بإشارةِ زیادٍ
وتحريضِه، وبَقِيَتْ أشياءُ في الموطأ، شَكَّ يحيى في سَماعِها من مالك، فرواها عن زيادٍ عنه.
- وهذا الحديث في (الموطأ)) ١٩٢:١، في ١٣ - كتاب الاستسقاء.، حدیث ٥ - .
(٢) في الموطأ: حَسِّنْ خُلُقَك يا معاذ بن جبل . - وهذا الحديث أخرجه مالك في ((الموطأ)
٢: ٩٠٢، في ٤٧ - كتاب ◌ُسنِ الخُلُق، حديث ١ -.
(٣) قال ابن عبد البر: هكذا رواية يحيى، وتابعه ابنُ القاسم والقَعْنَبِي، ورواهِ
ابن بُكَيْر، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن معاذ بن جَبَل، وهو مع هذا منقَطِعٌ جداً،
ولا يُوجَدُ مسنداً من حديثِ مُعاذٍ ولا غيرِهِ بهذا اللفظ. اهـ.