النص المفهرس

صفحات 921-940

٨٦٣
الأوقاف، وجعَلَ له علامةٌ، وأغفَلَ ما عداه، إلاّ أنَّ في هذا نوعَ تقصير، لأنه قد
يُتْعِبُ القارىءَ لا سيما عند طُولِ الكلامِ، فَيُضْطَرُّ إلى الوقوفِ قبل الوصول إليه،
فإذا لم يجد مَوْقِفاً قريباً منه وقَفَ كيف ما كان.
وكثيراً ما يكون الوقوفُ هناك غيرَ حَسَن، فنشأ من ذلك أنْ صار في كثير من
المواضع لا يَصِلُ إلى الأحسَن، مع انقطاعِهِ عن الحسن.
ومنهم من اقتَصرَ من ذلك على قسمين، وهما الوقفُ التامُّ، والوقفُ الكافي
الشبيهُ بالتام، وجعلوا لكل واحدٍ منهما علامة، وهؤلاء لا يَلحَقُهم ملام، لحصولِ
المقصود بذلك في جُلِّ الكتب.
ومنهم من أتَى بالأقسام الثلاثة، إلّ أنهم اقتَصَروا على علامتين، إحداهما
للوقفِ التامِّ، والأخرى للوقف الكافي والحسَن، وجعلوا العلامةً مشتركةً بينهما.
ويُمكنُ أن يقال: إنَّ هؤلاء كالذين قبلَهم، قد اعتبروا الوقفَ قسمين: تاماً
وكافياً، غير أنهم قد ألحقوا بالكافي قسماً من الحسَن، وهو ما لا ريبَ في حُسْنِهِ،
ولذلك اقتَصَرُوا على علامةٍ واحدة.
وهؤلاء منهم من يَجعَلُ علامةَ الكافي والحسَنِ كتابةَ الكلمةِ الأولى أو الحرفِ
الأولِ منها، لا سيما إن كان الواوُ بالحِبر الأحمر، أو يَجعَلُ فوقَها خطّاً / كذلك، إشارةً
إلى أنَّ تلك الكلمةَ مما يَسُوغُ الابتداءُ بها، وأنَّ ما قبلَها يسوغ الوقفُ عليه. ومنهم من
يجعلُ العلامةَ نقطةً صغيرة. ومنهم من يجعلُ العلامةَ واواً مقلوبةً هكذا، .
/٣٩٦
وهذا الذي اخترناه لأمرين: أحدُهما أنَّ هذه العلامةَ هي أكثرُ شيوعاً عندهم.
الثاني أنها لَّا كانت في صُورةِ الواو كانت مذكِّرةً بالوقف. غيرَ أنا رأينا أن تَبقَى هذه
الواوُ المقلوبةُ على حالها عند قصدِ الدلالة بها على الوقفِ الحسن، وأن يُزادَ فيها شيء
كُنُقطةٍ أو خَطُّ عندَ قصدِ الدلالة بها على الوقفِ الكافي، الذي هو أطولُ مما قبلَه في
المدة وأهمُّ منه.
ومما فيه ما يَحسُنُ الوقوفُ عليه قولُ بعض أرباب الحِكمَ المأثورة: العِلمُ زَيْنٌ

٨٦٤
لصاحبه في الرخاء، ومَنْجَاةٌ له في الشِّدَّة. وقولُه: حَقُّ العاقل أن يَتَّخِذَ مِرآتَيْنْ، يَنظُرُ
من إحداهما في مساوِي نفسه فيتصاغَرُ بها، ويَنظُرُ من الأخرى في محاسِن الناس
فُيُحلِّهم بها ويأخُذُ ما استطاع منها.
وقولُه: لا تكونَنَّ على الإِساءة أقوى منك على الإِحسان، ولا إلى البُخل أسرَعَ
منك إلى الجُود. وقولُه: سُوْسُوا أحرارَ الناسِ بمحضِ المَوَدَّة، والعامَّةَ بالرغبةِ
والرَّهْبَة، والأسافِلَ بالمخافة. وقولُه: لا تَعُدَّ الغُنْمَ غُنماً إذا ساق غُرْماً، ولا الغُرْمَ
غُرماً إذا ساق غُنْماً.
العلامةُ الثالثةُ عِلامَةُ الوقفِ الكافي، وهي الواوُ المقلوبةُ، غَيرَ أنه يُزادُ فيها
شيءٌ كنقطةٍ أو خطٌّ، تمييزاً بينها وبين علامةِ الوقفِ الحسن.
ومما فيه ما يكونُ الوقوفُ عليه كافياً قولُ بعض أرباب الحِكَم المأثورة: لا تُقدِمْ
على أمرٍ حتى تَنظُرَ في عاقبتِه، ولا تَرِدْ حتى تَرَى وَجْهَ المَصْدَر. وقولُه: مِن وَزَع
الرجلِ أن لا يقولَ ما لا يَعلم، ومن أَرَبِهِ أن يتثَبَّتَ فيما يعلم. وقولُه: كُنْ في جميع
الأمور في أوسطِها؛ فإنَّ خيرَ الأمور أوساطُها.
وقولُه: العاقلُ لا يُعادِي ما وَجَد إلى المحبةِ سبيلاً، ولا يُعادِي من ليس له منه
بُدّ. وقولُه: مِن أحسَنِ ذوي العقولِ عقلاً من أحسَنَ تقديرَ أمرٍ مَعاشِهِ ومَعادِهِ تقديراً
لا يُفسِدُ عليه واحدٌ منهما الآخر، فإن أعياه ذلك رَفَض الأدنى وآثَّرَ عليه الأعظم.
وقولُه: تحفّظْ في مجلسِكِ وكلامِك من التطاول على الأصحاب، وطِبْ نفساً عن كثيرٍ
مما يَعرِضُ لك فيه صوابُ القولِ والرأيِ مُداراةً، لئلا يَظُنَّ أصحابُك أنَّ ما بكَ
التطاوُلُ عليهم.
العلامةُ الرابعةُ: علامَةُ الوقفِ التامّ. اعلمْ أنَّ الكُتَّابِ قد اختلفَتْ مناهِجُهم
في ذلك.
فمنهم من كان يضَعُ نُقطةً، إلَّ أنَّ بعضَهم كان يجعلُها كبيرةً، لئلا تشتبِهَ
بالنقطةِ التي كان يضعها للوقف الذي ليس بتام. ومنهم من كان يضَعُ ثلاثَ نُقَطٍ على
-۔

٨٦٥
هيئةِ الأثافي كما في نُقَط الشين. ومنهم من كان يضَعُ واواً مقلوبة. ومنهم من كان
يجعلُها ثلاثاً على الهيئة المذكورة. ومنهم من كان يضَعُ دارةً إما مُطْبَقَة، أو منفرجة.
ومنهم من كان يضَعُ هاءً لها عينانِ، وهي ذاتُ طَرَفٍ مردودٍ إلى الجانبِ الأيمن هكذا
مع، وكأنها رمزٌ إلى لفظِ انتهى.
ومن الكُتَّاب من لم يقتصر على واحدة مما ذُكِرَ، فربما وضَعَ في موضعٍ دارةً،
وفي موضعٍ آخَرَ نُقَطأَ ونحو ذلك. ولَّا كان الوقفُ التامُّ متفاوتَ الدرجات في التمامِ،
ينبغي لمن جَعَل له علامات أن يَخِصَّ كل واحدة منها بنوع منه، غيرَ أن الدارة
لا ينبغي أن تُوضَع إلّ لأتمِّ أنواعه، كأن يكونَ الموضعُ آخِرَ قصةٍ ونحو ذلك.
وفي هذا المبحثِ شيء وهو أن يقال: قد ذكرتم أنَّ بعضَ المواضع قد يتجاذبه
أمرانٍ، أحدُهما يقتضِي الوصل، والآخَرُ يقتضي الفصلَ، وهو ثلاثةُ أقسام، فهل
يُمكِنُ أن يُجْعَلَ لكل قسمٍ منها / علامةٌ يُعرَفُ بها؟ فيقال: نعم، وذلك بالجمع بين
الخطِّ الذي هو علامَةُ الوَصْلِ، والنُّقطةِ التي هي علامةُ الفَصْلِ، فإذا كان الموضعُ مما
يُرجَّحُ فيه جانبُ الوَصْلِ على الفَصْلِ وُضِعَ فِيهِ خَطٍّ بعدَه نُقطةٌ هكذا - . وإذا كان
الموضعُ مما يُرجَّحُ فيه جانبُ الفَصْلِ على الوَصْلِ وُضِعَتْ فيه نقطةً بعدَها خَطّ
هكذا . - وإذا كان الموضعُ مما لم يُرجَّح فيه أحدُهما على الآخَرِ وُضِعَ الخطُّ بين نقطتين
هكذا . - .
/٣٩٧
هذا، وما ذكرنا من العلائم المختلفةِ التي تدلُّ كلَّ واحدة منها على قسم من
أقسامه، إنما يُحتاجُ إليه في الكلام المنثور الذي لم يُقَيِّد بسَجْع، وأمَّا الكلامُ المنثورُ
المقيِّدُ بالسجع فيكفي فيه علامتانٍ، تُوضَعُ إحداهما في آخِر الفِقْرةِ الأولى، للدلالة
على موضع الوقفِ، وعلى أنَّ السجعةَ لم تَتَمّ بعدُ، والأخرى في آخِر الفقرة الثانية،
للدلالة على الوقفٍ، وعلى أنَّ السجعة قد تَمَّتْ، إلَّ أنه ينبغي أن تكون أقوى في
الدلالة على الوقفِ من التي قبلَها.
وعلى ذلك يَسُوغُ أن تكون الأولى علامةَ الوصل، والثانيةُ نُقطةً، أو الأولى

٨٦٦
نقطةً صغيرة، والثانيةُ نقطةً كبيرة، أو الأُولَى واواً مقلوبةً، والثانيةُ واواً مقلوبةً متميزةً
بزيادة فيها .
ومن أمثلةِ السجع قولُ بعض أرباب البلاغة: إياكم ومقابلةَ النعمةِ بالكُفران
- واذكُرُوا هَلْ جَزَاءُ الإِحسانِ إلَّ الإِحسان. وأبرزُوها في مَعْرِضٍ من حُسْنٍ
الذِّكْر - وقابِلُوها بما يَليقُ بها من الشُّكر. وقولُه: بلغني أنَّ فلاناً ناظَر. فلما توجهت
عليه الحُجَّةُ كَابَر . وقد كنتُ أحسَبُ أنه أعرَفُ بالحق من أن يَعُقُّه. وأهيب حجابٍ
العدلِ والإِنصافِ منَ أن يَشُقَّ. أوَلم يَعلم أنَّ المكابرةَ تُشعِرُ بضعفِ الحسِ.
ومَهانةِ النَّفْس .
وقولُه: اعتَذَرَ الأستاذُ من صِغَرِ الكتاب واختصارِه، وقد أغناه الله عما تكلَّفه
من اعتذارِهِ وإنما الصغيرُ ما صَغُرَ قَدْرُه، لا ما صَغُرَ حَجْمُه فأمَّا مَا أفاد، وجاوَزٌ
المراد؛ فليس بصغير، بل هو أكبرُ من كل كبير.
وقد يَعرِضُ في السجع في بعض المواضع أمورٌ تُوجِبُ الإِشكالَ في وضع
العلائم، فمن المواضع المُشكِلَةِ أن تكون السجعةُ مركبةً من ثلاثٍ فِقَر، وينبغي هنا
أن تُوضَعَ العلامةُ المشعِرةُ بانتهاءِ السجعة عند الفقرة الثالثة، ويُوضَعَ عندِ الثانيةِ
علامَةٌ مِثلُ العلامة التي تُوضَعُ عند الأولى ..
مثالُ ذلك قولُه: جَزَى الله الأستاذَ عن الجُوْدِ خيراً، فقد أقام له سُوقاً كانت
كاسِدَهْ، وأَهَبَّ منه رِيحاً كانت راكِدَهْ، وأحيا منه أرضاً كانت هامِدَهُ وعَمَّر
للمعروف داراً طالما تِيْهَ في قِفارها، لاندراسِ آثارِها، وانهدامٍ منارها.
وقولُه: يَعِزُّ علينا أن يكثُرَ بين تلاقينا عَدَدُ الأيام، وتُعبِّرَ عن ضمائرِنَا ألسُنُ
الأقلام، ونتناجَى في الكتب بصُوَرِ الكلام.
وكثيراً ما يَعرِضُ في بعض المواضع هنا ما يَجعَلُ وَضْعَ علامةِ الوصل إِمَّا في
الأولى أو في الثانيةِ أَوَلَى من غيرها، وإن كانت العلامةُ المتخذَةُ في الأصل غيرَها
فعلامةُ الوصل يُحتاجُ إليها في كثير من المواضع التي جُعِلَ غيرُها علامةٌ فيه. ومثالُ

٨٦٧
ذلك قولُه: الظنون - أمرٌ لا يُعوِّلُ عليه المتقون، ولا يخلِطون ما كان بما لعلَّه
لا یکون.
ومن المواضع المشكلة أن تُوجَدَ فِقِرةٌ ليس لها أخت. وينبغي هنا أن تُعطَى
حُكمَها في حَدِّ ذاتها، نحوُ قوله: إن للعقولِ مغارسَ كمغارس الأشجار، فإذا طابت
بِقاعُ الأرض للشَّجَرِ زكا ثمرُها، وإذا كَرُمَتْ النفوسُ للعقولِ حَسُنَ نظرُها.
ومن المواضع المشكِلَةِ المواضعُ التي يكون فيها سَجْعٌ في سجع. وينبغي هنا أن
تُوضَع علامةُ الوَصْلِ فِي السَّجْعِ الذي يكون في السَّجع. ومثالُ ذلك قولُ بعضهم
/ في علم البيان: وهو فَنُّ قد نَضَبَ ماُه، فلم يَظهَرْ له ثَمَرٌ، وذَهَبَ رُواؤه، فلم يؤثر
فيه غيرُ الأثَر؛ وقولُ بعضهم: هذا كتابٌ قد أُودِعَ من جواهر الكَلِم - ما يَفُوقُ قلائدَ
العِقْيَان - وُعُقُود الذُّرَر، ومن زَوَاهِرِ الحِكُم - ما يُرُوقُ الْجَنَان - وتَجِلُو الْبَصَرَ.
/٣٩٨
وقد اختَلَف العلماءُ في أنه هل يجوزُ أن يقال: إنَّ في القرآن سَجْعاً أم لا؟ فقال
قومٌ: إنه لا يجوز، ووافَقَهم على ذلك الرُّمَّاني، وقد أشار إلى ذلك في ((إعجاز
القرآن)»، حيث قال: إنَّ السَّجْعَ هو الذي يُقْصَدُ في نفسه ثم يُحالُ المعنى عليه،
والفواصِلَ هي التي تْبَعُ المعاني ولا تكونُ مقصودةً في نفسها، ولذلك كانت الفواصلُ
بلاغةً، والسجعُ عَيْباً.
وقال قوم: إنه يجوزُ ذلك، قال بعضُهم ليس كلُّ السَّجْعِ يُقصَدُ في نفسِه ثم
يُحالُ المعنى عليه، بل منه ما يَتْبَعُ المعنى وهو غيرُ مقصودٍ في نفسه، وهذا مما لا يُعابُ
بل مما يُستَحْسَن.
والظاهرُ أنَّ الذي دعا قوماً إلى تسمية جميع ما في القرآن فواصِلَ، مع الامتناع
عن تسميةِ ما تماثَلَتْ حُروفُه منه سَجْعاً: رغبتُهم في تنزيهِ القرآن عن الوصفِ اللاحِقٍ
بغيره من الكلام المرويّ عن الكُهَنة وغيرهم، لا كونُ السُّجْعِ في نفسِهِ مَعِيباً، فإنَّ
السجع في نفسه يَرجعُ إلى تماثُلِ الحروف أو تقاربها في مقاطع الفواصل.
وإنما لم يجىء في القرآن كلَّه ولا أكثرِهِ سجعٌ، لأنه نَزَل بلغة العربِ وعلى

٨٦٨
عُرْفِهم وعادتِهم، وكان البليغُ منهم لا يكون في كلامِهِ كلِّه ولا أکثرِهِ سَجْعَ، لما فيه
من أمَاراتِ التكلف، لا سيما مع طولِ الكلام، ولم يَخْلُ من السجع، لأنه يَحسُن في
بعض الكلام لا سيما إن اقتضاه المقام.
قال حَازِمٌ(١): من الناسِ من يَكرَهُ تقطيعَ الكلام إلى مقاديرَ متناسبةِ الأطراف
متقاربةٍ في الطُّول والقِصَر(٢)، لما فيه من التكلف. ومنهم من يرى أنَّ التناسُبَ الواقِعَ
بإفراغ الكلام في قالبِ التقفيةِ وتحليتها بمناسباتِ المقاطع أكِيدٌ جداً. ومنهم - وهُوَ
الوَسَطُ - من يرى أنَّ السجع وإن كان زينةً للكلام فقد يدعو إلى التكلف، فرأيي
أن لا يُستعمَلَ في جملةِ الكلام(٣)، وأن لا يُخْلَى الكلامُ منه جملةً، وأنه يُقبَلُ مِنْه
ما اجتّلَبه الخاطرُ عفواً بلا تكلف.
قال: وكيف يُعابُ السُّجعُ على الإطلاق! وإنما نَزَل القرآنُ على أساليب
الفصيح من كلام العربُ، فَوَرَدَتْ الفواصلُ فيه بإزاء وُرودِ الأسجاع في كلامِهم،
وإنما لم يجىء على أسلوب واحد، لأنه لا يَحِسُنُ في الكلام جميعاً أن يكون مستمراً على
نمطٍ واحد، لما فيه من التكلُّف، ولما في الطبع من المَلَل، ولأنَّ الافتنانَ فِي ضُرُوبٍ
(١) هو أبو الحسن حازمُ بن محمد بن حسن، القَرْطَاجَنّ الأندلسي، الإِمامُ الأديب
البلاغي البارع، والشاعر الألمعي الفارع، ولد سنة ٦٠٨، وتوفي سنة ٦٨٤ رحمه الله تعالى. له
كتاب ((منهاج البلغاء وسراج الأدباء))، طُبع القسم الموجود منه في تونس سنة ١٩٦٦، بتحقيق
الأستاذ محمد الحبيب بن الخوجة ..
وهذا النصُّ من الكتاب المذكور، ولكنه في القسم المفقود، كما أشار إليه الأستاذ ابن الخوجة
في ملحق الکتاب في ص ٣٨٨.
٠٠
(٢) ورد هذا النص هكذا (غير متقاربةٍ في الطول ... ) في ((الإتقان)) للسيوطي ٣: ٢٩٥،
وفي كتاب ((البرهان في علوم القرآن) للزركشي ١: ٥٩.
ولكن المعنى الملائم للمقام على حذف لفظةٍ (غير) كما أوردها المؤلف هنا. فالظاهر أنها
مقحمة قديماً على هذه الجملةَ. والله أعلم.
(٣) وقع في الأصل (فرأى) والتصويبُ المثبتُ من ((البرهان)) للزركشي ١: ٦٠.

٨٦٩
الفصاحة أعلَى من الاستمرار على ضَرْبٍ واحد، فلهذا وردَتْ بعضُ الآيِ متماثلةَ
المقاطع، وبعضُها غيرَ متماثلة.
تنبيهاتٌ مهمةٌ تتعلَّقُ بالسجع، أوردها صاحِبُ ((الإِتقان))(١):
الأولُ: قال أهلُ البديع: أحسَنُ السجع ونحوِهِ ما تساوَتْ قَرَائِنُهُ، نحو: ﴿في
سِدْرٍ تَخْضُودٍ. وطَلْحٍ مَنْضُودٍ. وظِلِّ مَمْدُودٍ﴾. ويليه ما طالت قَرِينَتُهُ الثانيةُ نحوُ:
﴿والنَّجْمِ إذا هَوَى. ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوَى﴾. أو الثالثةُ نحوُ: (خُذُوهُ فِغُلُوهُ.
ثم الجَحِيمَ صَلُّوه. ثم في سِلْسِلةٍ ذَرْعُها سَبْعُون ذِرَاعاً فاسْلُكُوه﴾. وقال ابن الأثير:
الأحسَنُ في الثانية المساواةُ، وإلاّ فأطوَلُ قليلاً، وفي الثالثة أن تكون أطول. وقال
الخفاجيّ : لا يجوزُ أن تكونَ الثانية أقصَرَ من الأولى.
الثاني: قالوا: أحسَنُ السَّجْع ما كان قصيراً لدلالته على قوة المُنْشِىء، وأقلُّهُ
كلمتانٍ نحوُ: ﴿يا أيها الُدَّثِرِ. قُمْ فَأَنْذِرْ﴾، الآيات. ﴿وَالْمُرْسَلاتِ عُرْفاً﴾، الآيات.
﴿وَالذَّارِياتِ ذَرْوَاً﴾، الآيات. ﴿والعادِيَاتِ ضَبْحاً﴾، الآيات. والطويلُ ما زاد عن
العَشْرِ، وما / بينهما متوسط، كآياتِ سورة القَمَر.
/٣٩٩
الثالثُ: قال الزمخشري في ((كَشَّافِهِ القديم)»: لا تَحسُنُ المحافظةُ على الفواصل
لمجردها إلَّ مع بقاءِ المعاني على سَرْدِها، على المنهج الذي يقتضِيه حُسنُ النظم
والتئامُه. فَأَمَّا أن تُهمَل المعاني، ويُهتمَّ بتحسينِ اللفظ وحدَه، غيرَ منظور فيه إلى
مورده، فليس من قبيل البلاغة. وبَنَ على ذلك أنَّ التقديم في: ﴿وبالآخِرةِ هم
يُوقنون﴾ ليس لمجرَّدِ الفاصلة بل لرعاية الاختصاص.
الرابعُ: مَبْنَى الفواصِل على الوقف، ولهذا ساغ مقابلةُ المرفوع بالمجرور
وبالعكس.
کقوله: ﴿إِنّا خلقناهم مِن طِينٍ لاړې﴾ مع قوله: ﴿عَذَابُ واصِبٌ. وشِھابٌ
ثاقِبٌ﴾ .
(١) هو الإِمام السيوطي في كتابه ((الإتقان في علوم القرآن)) ٣١٣:٣.
1

٨٧٠
وقولِهِ: ﴿بماءٍ مُنْهَمِرٍ﴾ مع قولِهِ: ﴿قد قُدِر﴾، و﴿سِحْرٍ مُسْتَمِرٍ﴾.
وقولِهِ: ﴿وما لهم مِن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾. مع قوله: ﴿ويُنشِىءُ السَّحَابَ
الثِّقَالَ﴾.
الخامسُ: كَثُرَ في القرآن خَتْمُ الفواصل بحروفِ المَدِّ واللين وإلحاقِ النونِ،
وحكمتُهُ وجودُ التمكُّنِ من التطرِيب بذلك، كما قال سيبويه: إنهم إذا تَرَّموا يُلحِقون
الألفَ والياءَ والواوَ والنُّونَ، لأنهم أرادوا مَدَّ الصوت، ويتركون ذلك إذا لم يترنموا.
وجاء القرآن على أسهل موقِف وأعذبٍ مقطع.
السادسُ: حُروفُ الفواصل إمَّا متماثلة، وإمَّا متقاربة، فالأولى مثلُ:
﴿والطُّوْرِ. وكتابٍ مسطور. في رَقُّ مَنْشُوْرٍ. والبيتِ المعمور﴾. والثاني مِثلُ ﴿الرَّحْمنِ
الرحيم. مالِكِ يومِ الدين﴾. ﴿قَ والقُرْآنِ المجيد. بل عَجِبُوا أنْ جاءهم مُنذِرٌ منهم
فقال الكافرون هذا شيءٌ عجيبٌ﴾. قال الإِمامُ فخرُ الدين وغيرُه: وفواصِلُ القرآن
لا تَخْرُجُ عن هذين القسمين، بل تنحصرُ في المتمائِلة والمتقارِبة. ورعايةُ التشابه في
الفواصل لازمة.
السابعُ: كَثُرَ في الفواصل التضمينُ والإِيْطَاءُ، لأنهما ليسا مَعِيبين في النثر وإن
كانا معيبين في النظم. فالتضمينُ أن يكون ما بعدَ الفاصلة متعلِّقاً بها، كقوله تعالى:
﴿وَإِنَّكم لَتَمُرُّون عليهمٍ مُصْبِحِينَ وبالليلٍ﴾. والإِيطاءُ تكرُّرُ الفاصِلةَ بلفظِها، كقوله
تعالى في (الإسراء): ﴿هل كُنتُ إلَّ بَشَرَأ رَسُولاً﴾. وخَتَم بذلك الآيتين
بعدها. اهـ.
فإن قيل: هل يَسْوُ وَضْعُ علامةٍ تُشعِرُ بالتضمين؟ يقال: أَمَّا في السجع فإنَّ
ذلك يَسوغُ فيه بل يستحب، ومثالُ ذلك ما كتبه بعضُ البلغاء مُوقِّعاً به على كتاب ورَدَ
بَمَدْحِ رجل وذمِّ آخر: إذا كان للمُحسِنِ من الجزَاءِ ما يُقْنِعُه، وللمُسيءٍ من النَّكَالِ
ما يَقْمَعُه، بَذَلَ الْمُحسِنُ ما يجبُ عليه رَغْبَة، وانقادَ المسيءُ لما يُكَلَّفُهِ رَهْبَة.
وأما في الشعر فلا يَسوغُ، وذلك لأنه يُوجِبُ عدَمَ التناسب في أواخر السطور،
:

٨٧١
وهو مُهمٌّ عندهم مع قلتِهِ في نفسِهِ وقِلَّةِ الاحتياج إليه. نعم لو قيل: إنه يَسوغُ وَضْعُها
إذا بَعُدَ عن آخِرِ السطرِ قليلاً، مع حفظِ التناسُب بينها إذا تكرَّرت: لم يُستبعَد.
قال في ((العمدة)) في باب أحكام القوافي في الخَطِّ (١): إذا صارت الواوُ الأصليةُ
وَصْلاً للقافية، سقَطَتْ في الخط كما تَسقُطُ واوُ الوصلِ وياؤه، وذلك مِثلُ واوُ يَغْزُو
للواحِد، ولم يَغْزُوا للجماعة، إذا كانت القافيةُ على الزاي. ومِثلُ واو يَغْزُو: ياءُ يَقْضِي
للغائب، وتقضِي للمؤنثةِ الغائبةِ والمذكَّرِ المخاطَب. وكذلك ياءُ القاضِي والغازِي إذا
كانّا مُعرَّفَينِ بالألف واللام، هذا هو الوجهُ.
فإن كُتِبَ بإِثباتِ الواوِ والياءِ فعلى بابِ الْمُساعَحة، والأجوَدُ أن تكون الواوُ والياءُ
خارجاً في الغَرَض. وكذلك ياءُ الضمير نحوُ غلامِي إذا كانت القافيةُ المِيمَ، فالوجهُ
سقوطُ الياء، فإن كُتِبّتْ مسامحةٌ ففي الغرض كما قدمت قـ(٢). ومن العَرَبِ مَنْ
يقولُ: هذا الغازِ، ومررتُ بالقاضِ ، بغير ياء. وهذا تقويةٌ لمذهبٍ من حَذَفها في
الخط إذا كانت وصلاً للقافِيَّة.
وإن كان في قوافي القصيدة ما يُكتَبُ بالياء وما يُكتَبُ بالألف، كُتِبًا / جميعاً / ٤٠٠
بالألِف، لتستوِيَ القوافي وتشتَبِهَ صُورتُها في الخط. اهـ.
ولفرطِ عناية الكُتَّاب برعايةِ التناسُبِ بين أوائل السطور بعضها مع بعض،
وكذلك أواخِرُها، قال بعضُ الأدباء في وَصْفِ المِسْطَرة عن لسانِها:
أنا للكاتبِ اللبيبِ إِمامُ ولِمَا تَبتغِي يَدَاهُ قِوامُ
وقَفَتْ عندحَدِّيَ الأقلامُ
فإذا ما حَدَدْتُ للكُنْبِ حَدّاً
فإن قيل: هل يَسوغُ أن يُوضَع في أثناءِ أبياتِ الشعر علائمُ لوقفِ القارىء على
مواضع الوقف، لا ليقِفَ عندها بل لئلا يَقَعَ له في بعض المواضع وَهْمُ يَحِجُبُه عن
(١) ٣٠٩:٢.
(٢) هذه الإشارة ( قـ) رمز اصطلاح للمؤلف، في أنها تشير إلى حذف بعض الكلام من
الأصل المنقول عنه. كما سيذكر ذلك في ص ٨٧٧.

٨٧٢
الفَهْم، فقد ذكرتم(١) أنَّ السيدَ المرتَضَى قال في بيت الكُمَيْتِ المذكور آنفاً: إنه يجبُ
الوقوفُ على الطير ثم يَبْدأ بهَمُّهُ.
يقال: إنَّا لم نُصادِف فيما رأينا من الدواوين وَضْعَ علائم لذلك، ومن أهمَّه هذا
الأمرُ يتيسَّرُ له أن يُشير إلى ذلك في الحاشية، ويُخشى من فتح هذا الباب أن يَدخُلَ في
هذا الأمر الدقيقِ من ليس له أهلًا، فَيَضعَ العلائمَ في غير مواضعها، فيكونَ الضررُ
أكبرَ من النفع، لكن لوقام به من يُحسِنُ لم يكن في ذلك شيء، وعلى ذلك يُكتَبُ
البيتُ هكذا:
أصاح غُرَابٌ أَمْ تَعرَّضَ ثَعْلَبُ
وما أنا ممن يَزْجُرُ الطیرَ، همّه
فإن قيل: فهل يَسْوغُ وضعُ علامةٍ في آخِرِ الشطر الأول إذا وُجِدَ فيه ما يقتضِي
ذلك، لا سيما إن وُضِعَتْ بعيداً عنه قليلاً، بحيث لا تُخِلُّ بالتناسُبِ بين أواخر الشطرِ
الأول ولا أوائلِ الشطر الثاني.
يقال: إنه لا يَظْهَرُ مُلجِىء إلى ذلك، إلَّ إذا وقع في البيت إدماجٌ، ونشأ منه
التباسٌ. والإِدماجُ هو أن يأتي الشاعرُ بكلمةٍ يكونُ بعضُها جزءاً من الشطر الأول،
وبعضُها جزءاً من الشطر الثاني. وقد قصّر بعضُ شُراح ((الحماسة)) في تعريفه حيث
قال عند ذکرٍ قول الشاعر:
ومَا غَمَرَاتُ الموتِ إلَّ نِزالُكَ الكْمِيَّ على ◌ِجْمِ الكَمِيِّ الْمُقَطِّ.
في هذا البيت إدماج، والإِدماجُ أن تكون علامةُ التعريفِ في النصف الأول
من البيت، والمعرَّفُ في النصفِ الثاني. وهو يَقِلُّ في الأوزان الطَّالِ، ويَكْثُرُ في
القِصار، كقول الأعشى:
استأثَرَ اللَّهُ بالمكارِمِ والعَدْلِ وولَى المَلامةَ الرَّجُلَا
والشِّعْرُ قّدْتُهُ سلامةَ ذا الـ إِفضالٍ والشيءُ حيثما جُعِلَاً(٢)
(١) في ص ٨٦٠.
(٢) هكذا البيت في الأصل، وهو في رواية ديوان الأعشى من طبعة صادر كما يلي:
=

٨٧٣
فإذا وقع في البيت إدماجٌ اضطُرَّ الكاتبُ في الغالب إلى تجزئةِ الكلمةِ إلى
جزئين، ووَضْعِ كلِّ واحدٍ منهما في موضعه، فإذا نشأ من ذلك إِشكالٌ تعيّنَتْ إزالته،
فإذا كانت العلامةُ وافيةً بالغَرَض لم يكن بُدُّ منها.
والكلماتُ من جهة التجزئة أقسامٌ، فمنها ما تَسهُلُ فيه التجزئة، ومنها
ما تَعْسُرُ فيه، ومنها ما تكادُ تتعذّر فيه.
ولبعضِ الكُتَّابِ مَهارةٌ في أمرٍ التجزئةِ، حتى إنَّ بعضهم لا يكاد يقَعُ اشتباهٌ
فيها جزَّاه، وقد أحببنا أن نورد من هذا النوعِ أمثلةً كثيرةً لشدةِ الحاجة إليه، وتركنا
تمييزَ كلِّ قسمٍ منه من غيرِهِ للمطالعين، فمما وقع فيه الإِدماجُ قولُ بعض الشعراء في
وصف القَلَم :
ناحِلُ الجِسم ليس يَعرِفُ مُذْكا نَ نعيماً وليس يَعرِفُ ضُرًّا
/ وقولُ بعضهم:
/٤٠١
إِنَّ حَشْوَ الكلامِ من لُكْنَةِ الَرْ .... ◌ِ وإيجازَهُ من التقويم
وقولُ بعضهم - وكان بعضُ الأئمة العظام يُكثرُ إنشادَه، وقد يُنسَبُ إليه - :
فإنَّ لكل نصيح نَصِيحًا
فلا تُفْشِ سِرِّك إلَّ إليك
وإني رأيتُ غُوَاةَ الرجاء ... لِ لا يتركون أَدِيماً صحيحًا
ومما وقع فيه الإِدماجُ قولُ بعضهم:
الإِمامُ الزَكِيُّ والفارسُ المُعْ .... لَمُ تُحْتَ العَجَاجِ غيرَ الكَهَامِ (١)
!ُ وفَقْدُ الْمُسِيمِ فَقْدُ الْمُسَامِ(٣)
راعیاً كان مُسجِحاً(٢) ففَقَدْنا
ستِفْضَال، والشيءُ حيثما وُجِدًا
قلَّدتُكُ الشِّعرَ يَا سَلَّمَةَ ذا الـ
=
(١) يقال: كَهَم الرجلُ يكهَمُ كَهامةً: بَطُؤْ عن النُّصرة والحرب، فهو كَهَامٌ.
(٢) أي محسناً كريماً.
(٣) المُسِيمُ هنا المقصودُ به الراعي الْمُحْسِن، والمسام: الَّرْعِيُّ له.

٨٧٤
وقولُ بعضهم :
إِنَّ شَرْخَ الشباب والشَّعَرَ الأســ . . .وَدَ ما لم يُعَاصَ كان جُنُونا
وقولُ بعضهم:
وأزجُرُ الكاشِحَ العَدُوَّ إذا اغ .. .. تابَكَ عندي زَجْراً على أَضَمْ
ومما وقع فيه الإِدماجُ قولُ بعضهم:
أحْلٍ وامْرِزْ وضُرَّ وَأَنْفَعْ ولِنْ وأَخْـ . ... شِنْ ورِشْ وابنِ وانتَدِبْ للمَعَالِ
وقولُ بعضهم :
فَوَحَقِّ البيانِ يَعْضُدُه البُرْ .... هانُ في مَأْقِطٍ (٢) ألدِّ الْخِصام
ما رأينا سوى السماحةِ شيئاً جمَعَ الُحُسنَ كلَّه في نِظامٍ
هي تجرِي مَجَرَى الإِصابة في الرأ .... ي ومَجَرَى الأرواح في الأجسام
ومما وقع فيه الإِدماجُ قولُ بعضهم:
الأَلْمَعِيُّ الذي يَظُنُّ بك الظَِّنَّ كأنْ قد رَأَى وقد سَمِعًا
وقولُ بعضهم :
خَيرُ إخوانِك الْمُشَارِكُ في الضُّرِّ .... وأين الشَّرِيكُ في الضُرِّ أَيْنَا؟
وقولُ بعضهم :
قَرِّبًا مَرْبِطَ النَّعَامَةِ مِنِّي لَقِحَتْ حَرْبُ وائلٍ عن حِيالٍ
لا بُجَيرُ أَغنَى فَتِيلاً ولا رَهْــ ... طُ كُلَيْبٍ تزاجَرُوا عن ضَلالٍ
لم أكن من جُنَاتِها عَلِمَ الله وإني بحَرِّها اليومَ صَالِي
وقولُ بعضهم:
مَزَجَ المَرارَةَ بِالحَلاوَةْ
احْذَرْ مَوَدَّةَ ماذِقٍ
(١) أي أزجره على حقدٍ وكراهيةٍ له.
(٢) في ((القاموس)) في (أقط): ((الَأْقِط: موضعُ القتال أو الْمَضِيقُ في الحرب)) .

٨٧٥
/٤٠٢
/ يحصي الذنوبَ عليك أيام الصَّداقَةِ للعَدَاوَةْ
وينبغي الانتباهُ هنا لأمرين:
أحدُهما أنَّ بعضاً من المواضعِ قد يُظَنُّ فيها إدماج، فَيُجْزِّىءُ الكاتبُ الكلمةَ،
مع أنه لا إدماجَ هنالك، وذلك مثلُ قولِ بعضهم:
فإنَّ العواقِبَ للمُتَّقِي
بُنَيَّ عليك بتَقْوَى الإِلَّه
تَجِدْ بَابَه غيرَ مُسْتَغْلَقِ
وإنك ما تأتِ من وَجْهِهِ
من الصاحِبِ الجَاهِلِ الأخرَقِ
عَدُؤُك ذو العَقْلِ أبقَىعليك
وقد يَعرِضُ الوَهَمُ للكاتب الشاعر في بعض المواضع، ولا يزولُ عنه ذلك إلاّ
إذا وَزْنَ البيتَ بميزانه.
الثاني أنَّ بعضَ الكَتَبَة قد يقَعُ لهم بسبب الذُّهول أو عدَمِ المعرفة، أن يُجُزِّوا
الكلمةَ في الأبياتِ التي وقع فيها إدماجٌ، تجزئةً غيرَ صحيحة، فينبغي الانتباهُ إلى
ذلك، وانظُر إلى لفظِ (النَّاسِ) مثلاً، فإنه قد يكونُ آخِرُ جُزئِها الأولِ هي النونَ
الأولى، وهي النونُ الساكنةُ المنقلبَةُ عن لام التعريف، وأوَّلُ جُزئِها الثاني هي النونَ
المتحركة، وهي النونُ الأصلية، وقد يكون آخِرُ جزئِها الأولِ هي الألِفَ، وأَوَّلُ
جزئِها الثاني هي السينَ، فمن الأول قولُ بعضهم:
سناسٍ مَهْلاً عنِ الْمَغِيبَةِ مَهْلاً
أيها الفارِغُ الْمُرِيدُ لعَيْبِ الـ
سكَ عن النَّاسِ لو تَفكّرتَ شُغْلَاً
إنَّ في نفسِكَ التي بين جَنْـ
ومن الثاني قولُ بعضهم:
سٍ ومالي من رَفِيقٍ
تَرَكَثْنِي صُحبَةُ النَّا
فِ كإِشفاقِ الصَّدِيقِ
لم أجِد إِشفاقَ نَدْمَا
ومما يُعَدُّ من علائم الوقف: الألفُ والهاء، فقد جَرَتْ عادةٌ كثير من المتأخرين
أنهم إذا نَقَلوا عبارةً عن أحدٍ أن يكتبوا في آخِرِها ألفاً ورأسَ هاء، إشارةً إلى لفظِ

٨٧٦
(انتهى)(١). وكان حَقُّهم أن يَكتَفُوا برأسٍ الهاء فقط، لأنَّ قاعدة أربابٍ العلائم أنهم
يكتفون بأقلِّ ما يَحصُلُ به المقصود، ولا يُسَوِّغُون الزيادةَ عليه، فلو كان رأسُ الهاء قد
جُعِلَ علامةً على شيءٍ آخَرِ، واضطُرُّوا إليها ساغ لهم أن يزيدوا الألف للتمييز بينهما،
ولم يَقَعْ ذلك، ولذا ذَهَب أُناسٌ الآن إلى الرجوع إلى مقتضى القاعدة، فاقتَصَرُوا على
رأسِ الهاء، وربما وَضَعَ بعضُهم قبلَها نقطة (٢).
وأما المتقدمون فقد كانوا يُصرِّحون بما يَدلُّ على الانتهاء فيقولون: انتهى
ما ذكره فلان، أو هذا آخِرُ كلامِ فلان، أو نحوَ ذلك، ولا يكتفون بقولهم: انتهى
ما ذكره، من غير تصریح بالاسم.
والظاهرُ أنَّ الداعي لهم إلى ذلك أنه قد يكونُ في العبارةِ المنقولةِ عبارةٌ أخرى
قد نقَلَها المنقولُ عنه عن غيره، فلو اكتَفَوْا بذلك من غير تصريح بالاسم، حَصّل
اشتباهٌ في كثير من المواضع، ولم يَدْرِ المُطالعُ لمن يَرجعُ الضميرُ، فالتزموا التصريحَ دفعاً
لذلك، ولذلك قد يتركونه في مواضعَ لا يقعُ فيها اشتباه، بل قد يتركون الإشارةَ إلی
انتهاء العبارة في مثل ذلك.
والاختصارُ ومنه الإِضمارُ إنما يَستجيزه البلغاءُ في المواضع التي لا يقَعُ فيها
/٤٠٣ اشتباهٌ ولا إخلال / بالفهم، إلاّ إذا كان المقامُ يقتضِي ذلك لنكتةٍ مهمة.
واعلم أنه قد خَرَتْ عادةُ النقَلَةِ أنهم إذا نقلوا عبارةً من العبارات، غير أنه
دعاهم الحالُ إلى حذفِ شيء منها، مما وقع في أثنائها، لعدم تعلُّقِ الغَرْضِ بَه: أن
يُشيروا إلى ذلك بقولهم: ثُمَّ قال، ثم يأتوا بتْتِمَّةِ العبارةِ المرومِ نقلُها مما تعلَّقَ به
غرضُهم، وبذلك يَعلمُ المُطالِعُ أنه قد طُوِيَ شيءٍ فيما بينَ ما قَبْلَ ثُمَّ قالِ، وبينَ
ما بعدَهُ، وقد تجذفون ثُمَّ، ویقتصرون على قال.
وهذا أمرٌ يُلامُ من أخلَّ به عندهم إلاَّ أن يُصرِّح بأنه قد تصرَّف في العبارةِ،
(١) حَقُّهُ أن يقول: ويُلحَقُّ بعلائم الوقف في الذكر علامةُ الانتهاء، إذ ليس هو من علائم الوقف .
(٢) ومنهم المؤلف، فقد مَشَى على ذلك في كتابه هذا، كما نَبَّهتُ إليه في التقدمة ص ١٢ .

٨٧٧
والظاهرُ أنَّ تصريحَه بذلك لا يَرفعُ عنه اللومَ في كثير من المواضع، مع إمكان الإِشارة
إلى مواضع الحذف.
وأَرَى أنَّ المختَصِرِين الذين يُحُبُّون أن يُحافظوا على الألفاظ الواقعةِ في الأصل،
ولا يُبَدِّلونها بألفاظٍ من عندهم، غيرَ أنهم يرون حَذْفَ بعضِ العبارات التي لا يَتعلَّقُ
بها غَرَضُهم: أن يَضَعُوا في مواضع الحذفِ رأسَ القاف، إشارةً إلى ذلك، وهي
مذكِّرَةٌ بلفظِ قال، التي جَرَتْ عادتهم باستعمالها في مثل هذا الموضع. وكنتُ قديماً
أضَعُ رأسَ الفاءِ، إشارةً للفظِ (الحذفِ)، على أنه لو لم تُوضَع نقطةٌ أصلًا لم يكن
بأس، لامتيازِ هذه الصورةِ بنفسِها. وهذه العلامةُ مهمةٌ، فإنه قد يَعرِضُ في بعض
المواضع إشكالٌ للمُطالِعِ، فلا يَدرِي هل هو ناشىء من حذفٍ شيء هناك لو بقي
لم يكن ثَمَّ إشكال؟ أو ناشىءٌ من الأصلِ؟ والغالبُ أنه ينسبُه للمختصر، فيَترُكُ
السعيَ في حله لتصوره أنَّ ذلك نشأ من إخلال المختصر، مع أنَّ ذلك الموضعَ ربما
كان من المواضع التي لم يُحذَّف فيها شيء، بل قد يَعرِضُ الإِشكالُ للمختَصرِ في وقتٍ
لا يتيسر له فيه الرجوعُ إلى الأصل، فيندَمُ على تقصيرِهِ حيث لا ينفعُه ندَمُه، فإذا
وُضِعَتْ هذه العلامةُ كان الخطبُ أسهَلَ، وهاك مِثالَ ذلك، قال أوحَدُ عصره
أبو عثمان عَمْرُو بن بَحْر الجاحظُ في أول ((البيان والتبيين)»(١):
اللهم إنا نعوذ بك من فتنةِ القول، كما نعوذُ بك من فتنةِ العمل، ونعوذُ بك
من التكلُّفِ لما لا نُحْسِن، كما نعوذُ بك من العُجْب بما نُحْسِن؛ ونعوذُ بك من
السَّلاطَةِ والَهَذَر، كما نعوذُ بك من العِيِّ والحَصَرِ، وقديماً تعوَّذُوا بالله من شَرُّهما،
وتضرَّعُوا إلى الله في السلامةِ منهما، قال النَّمِرُ بنُ تَوْلَب:
ومِن نَفْسٍ أُعالجُها عِلاجَا قـ
أُعِذْنِي رَبِّ من خَصَرٍ وعِسيِّ
وقد ذَكَر الله جميلَ بلائه في تعليم البيان، وعظيمَ نعمته في تقويم اللسان،
فقال: ﴿الرحمنُ. عَلَّم القرآن. خَلَقَ الإِنسان. علَّمه البَيَان﴾، وقال: ﴿هذا بَيَانٌ
(١) ٣:١ و٨ و١١.

٨٧٨
للناس﴾، ومَدَح القرآنَ بالبيان والإِفصاح، وبحُسنِ التفصيلِ والإِيضاح، وبجودة
الإِفهام وحكمةِ الإِبلاغ، وسَمَّه فُرقاناً، وقال: ﴿عَرَبِيِّ مُبِينٍ﴾، وقال: ﴿وكذلك
أنزلناه قرآناً عَرَبِيّاً﴾، وقال: ﴿ونزّلْنا عليك الكتابَ تِبياناً لكلِّ شيءٍ﴾، وقال:
﴿وكلَّ شيء فصَّلناه تفصيلاً﴾ قـ.
ومَدارُ الأمر على البَيَانِ والتبيين، وعلى الإِفهام والتفهيم، وكلّما كان اللسانُ
أبينَ كان أحْمَدَ، كما أنه كلَّما كان القلبُ أشدَّ استبانةً كان أحْمَدَ قـ (١). ومن أجْلِ
الحاجة إلى حُسنِ البيان وإعطاءِ الحروفِ حقوقَها من الفصاحة رامَ أبو حُذيفة
[واصِلُ بنُ عطاء وكان أَلَثَغَ] إسقاطَ الراءِ من كلامِه، وإخراجَها من حروف مُنْطِقِهِ،
فلم يَزِل يُكابِدُ ذلك ويُغَالِبُهُ، حتى صار لغرابتِه مَثَلًا(٢)، ولظرافته مَعْلَماً. اهـ.
إرشاد: لا ينبغي أن تُوضَعَ علامةُ من العلائم في موضع من المواضع، إلاّ بعدَ
/٤٠٤ أن يَدْعُو إليها داعٍ مُهِمَّ / ويُتحقَّقَ أنَّ ذلك الموضعَ من مواضعها. وقد جَرَتْ عادةٌ
بعض الكُتَّاب أن يضعوا كثيراً من العلائم مع عدم الداعي إليها، فكأنهم يظنون أنَّ
الإكثارَ منها مطلوبٌ لذاته. وهؤلاء وإن كانوا غيرَ محسِنِينَ في ذلك فَهُمْ غيرُ مُسِيئِين
فيه، وأما الذين يضعونها في غير مواضعها فهم مُسيئون جداً، لإيقاعهم القارىءَ في
شَرَك الوَهْم، الُبْعِدِ له عن الفَهْم، وكأنَّ هؤلاء يَظُنُّون أنَّ العلائم من قَبِيلِ الزيتَةِ في الخطّ.
وقد وقع هذا الظنُّ لكثيرِ ممن عُنِيَ بالخط من المتأخرين، من غير بحثٍ عما
يَتَعلَّقُ به فكانوا يَرَون في كثيرٍ من الخطوطِ علائمَ وُضِعَتْ لأمر خاص، فَظَنُّوها من
قَبِيل الزينة، فصاروا يضعونها كيفَ ما أَتَّفَق، وإذا سُئلوا عن ذلك قالوا: إنَّ هذا من
(١) أورد المؤلف هذا النص نموذجاً لرمز الحذف وهو قـ في المواضع التي حذفها من كلام
الجاحظ، وقد وضع هنا رمز قـ ثلاث مرات. مع أن المواطن التي طوى جملاً منها في كلام الجاحظ
أكثرُ من ثلاثة مواضع، فرمز إلى بعضها وأغفل بعضها من الرمز . .
وهذا الاختيار للمؤلف لم يلق قبولاً. واستقر الاصطلاح على الرمز للحذف بوضع ثلاث
نُقَط هكذا ...
(٢) وقع في الأصل: (حتى صار لقرابته مثلاً) وهو تحريف.
۔۔

٨٧٩
تتمةِ الصناعة، وقد رأينا أساتِذَتَنا يفعلونه، ولا يَسعُنا إِلَّ اتّباعُهم، فكلُّ خير في اتِباع
من سَلّف.
فإن قلتَ: إنهم كثيراً ما يَضَعون علامةً للاستفهام وعلامةً للتعجب، فهل
يَحسُن ذلك؟ يُقال: يَحسُنُ ذلك إذا كان في العبارة احتمالٌ لغيرهما، أما في الاستفهام
ففي نحو: ما يَكتُبُ زيدٌ؟ وأما في التعجُّب ففي نحو: ما أحسَنَ هذا الفّتَ!
غير أنَّ كثيراً منهم يضعون علامةَ الاستفهام في مثل أأُسِيءُ إليه وقد أحسَنَ
إليّ، مع أنه لا استفهامَ هنا في الحقيقة، ويضعون علامةَ التعجُّب في مواضعَ لا يَجِدُ
الناظر فيها شيئاً يُتعجّبُ منه غيرَ وضع تلك العلامة.
وأمَّا وَضْعُ علامةٍ قبلَ مقولِ القول، للدلالةِ عليه، فإنما يَحسُنُ في بعض
المواضع بسبب داعٍ يدعو إليه، كأن يَفْصِلَ بين القولِ والمقولِ شيء ربما يَنشَأ عنه
التباس.
ومَبْحَثُ العلاماتِ وما يتعلَّقُ بها مَبْحَثُ واسِعُ الأطراف، جدير بأن يُفرَدَ
بالتأليف، وقد دللناك على الطريقٍ، فاسْلُك فيه إن شِئتَ حتى تَصِل إلى الغاية(١).
(١) قلت: قد أُلُّف بعد طبع هذا الكتاب: ((توجيه النظر)) بسنتين، كتابٌ في العلامات
التي أشار المؤلف إلى أهميتها ورعايتها، فقد أَلَّف العلامة أحمد زكي باشا رحمه الله تعالى كتاباً لطيفاً
في العلامات، وسمّه ((التَّرقيم وعلاماته في اللغة العربية))، في نحو خمسين صفحة، وطبع في المطبعة
الأميرية بمصر سنة ١٣٣٠ = ١٩٢١، وكان العَدَدُ المطبوع منه ٣٠٠ نسخة، فعز وجوده، وقل
الاطلاع عليه .
ولما رأيته كتاباً نفيساً فريداً في بابه، مفيداً لتنظيم الكتابة وتوحيد النهج في علاماتها، أعدت
طباعته في سنة ١٤٠٧ في بيروت كما هو، مع كتابة مقدمة يسيرة تعرف بأهميته، رجاء شيوعه
وانتشاره في أيدي القراء، ليقتبسوا منه ويحذوا حذوه، فطبعه بعض الناس عن طبعتي هذه بالقاهرة
سنة ١٤٠٨، فزاد شيوعاً وانتشاراً والحمد لله.
وقد استوفى فيه مؤلفه بيان علامات الفصل، والوقف بأنواعه، والاستفهام، والانفعال،
والمقول، والمنقول، والحذف، والإضافة، وغيرها. وقعَّدَ لها قواعد مع ذكر الأمثلة لإِيضاحها،
فعليك بالوقوف عليه لمعرفة تلك العلامات المفيدة.
i

٨٨٠
الفائدةُ الثامنةُ
قلَّما يخلو كتابٌ أُلِّفَ في فن من الفنون من ذكر مسائل ليسَتْ منه على سبيل
الاستطراد، وقد اختَلَفَتْ أحوالُ المؤلفين فيه، فمنهم من كان يؤثر الإِقلالَ منه،
ومنهم من كان يَرى الإِكثارَ منه، ومن المُقِلِّين منه المؤلِّفون في أصولِ الأَثَرِ، لِمَا أَنَّ لهم
فیه عما سواه شُغلًا شاغلاً.
وأمَّا تَرْكُ بعضِ مباحثَ من الفن، اعتماداً على أنها قد ذُكِرَتْ في فنٌّ آخَر فهو
قليل. وقد وقع ذلك لهم، فإنَّ أكثرهم لم يَذكر مبحثَ الترجيح، ومن ذكره منهم
اكتَفَى ببيانه على طريق الإِيجاز، بحيث لا يتجاوزُ ما كُتِبَ فيه ورقتين، مع أنَّ مبحث
الترجيح مهمٌّ جداً، لأنه الذي يُفزَعُ إليه عند اختلافِ الروايات مع عدَمِ إمكان
الجمع بينها .
ووجوهُ الترجيح كثيرةٌ يَصعُبُ حَصْرُها، وقد قَسَمها بعضُهم إلى سبعة أقسام:
القسمُ الأولُ: الترجيحُ بحَال الراوي، كأن يكونَ أحدُهما أكثَر ضبطاً، أو أشدَّ
ورعاً من الآخَرِ، فإنه يُرجِّحُ عليه.
القسمُ الثاني: الترجيحُ بالتحمُّل، كأن يكون أحدُهما تحمَّل جمیعَ ما یرویِهِ بعدَ
البلوغ، فإنه يُرجَّحُ على الآخَرِ الذي تحمُّل بعضَ ما يرويه قبلَ البلوغ، وبعضَهُ
بعده .
القسمُ الثالثُ: الترجيحُ بكيفية الرواية، كأن يكون أحدُهما ممن لا يَروي
الحديثَ إلَّ باللفظ، فإنه يُرجَّحُ على من قد يَروِي الحديثَ بالمعنى.
القسمُ الرابعُ: الترجيحُ بوقت الورود، كأن يكون أحدُهما مكياً والآخَرُ مَدَنياً،
فَيُرجَّحُ المَدَنيُّ لدلالتِهِ على التأخّر.
القسمُ الخامسُ: الترجيحُ بلفظِ الخَبَرِ، كأن يكون أحَدُ الخَبَرِينِ فصيحاً دونٍ
الآخَر، فيُقدَّم عليه، لأنَّ الفصيح أقرَبُ إلى أن يكون هو الصحيحَ، وكأن يكون
أحَدُ الخبرينِ قد وَرَد بلغةٍ قريش دون الآخَرِ، فإنَّ ما وَرَدَ بلغةٍ قريش أشْبَهُ بأن يكونَ

٨٨١
لفظَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، / وكأنْ يكونَ حُكمُ أحَدِ الخبرينِ معقولَ المعنى /٤٠٥
دون الآخر.
القسمُ السادسُ: الترجيحُ بالحكم، كترجيح الناقل عن البراءة الأصلية على
المقرّر لها، وقيل: الأمرُ بالعكس. وكترجيحِ الدالِّ على الحَظْرِ على الدالِّ على
الإِباحة. وقيل: لا ترجيحَ في ذلك، لأنَّ الحظرَ والإِباحةَ حكمانٍ شرعيان، وصِدْقُ
الراوي فيهما على وتيرةٍ واحدة.
القسمُ السابعُ: الترجيحُ بأمرٍ خارجي، كأن يكون أحَدُ الخبرين يشهد له
القرآن، أو الحديثُ المشهور، أو الإِجماعُ، أو دليلُ العقل، دون الآخر، فيُرجَّحُ عليه
لمعاضدة الدلیل له.
والذي حَمَلهم على تركِ هذا المبحثِ أو عدمِ التوسُّع فيه أنهم رأوا أنَّ وجوه
الترجيح كثيرةٌ، وقد أبلَغَها بعضُهم إلى أكثر من مئة وجه، فإذا ذكروا ذلك مستوفى
موضّحاً بالأمثلة، لم يكفِ فيه نحو مئة ورقة، فإن ذكروا مسائلَه خاليةً عن المثال،
كانت شبيهةً بالمسائل التي لا تَخْرُج عن دائرةِ الخيال.
على أن كثيراً من وجوهِ الترجيح قد اختُلِفَ فيه، حتى صار بعضُهم يُرجِّحُ
وجهاً، ويُرجِّعُ الآخَرُ مقابله، وربما نَفَى بعضُهم رُجحانَ أحدِ المتقابلين، فإذا حاوَلَ
المؤلِّفُ بيانَ دليل كل فريق، ثم بيانَ الراجحِ منهما بمقتَضَى ما تبيَّن له بالدليل، طال
الأمرُ جداً، فتركوا هذا المبحثَ المهمَّ لعلماءِ أصول الفقه، لما بين الفَنَّنِ من التناسُب،
مع ما بين أهلِهما من التقارُب.
وما ذُكِرَ هنا لا يُستغرَبُ أصلاً بالنظر إلى ما ذكره العلامة السّكّاكي في حالٍ
علم المعاني والبيان قبلَ أن يَكْتُبَ فيه ما كَتَبَ، فإنه قال(١) - بعدَ أن أبان فَضْلَ
ذلك، وأنه لا عِلمَ بعدَ علم الأصولِ المشهور بعلم الكلام أعوَنُ على معرفةٍ
(١) في ص ٦٥٨ - ٦٥٩، في مباحث (الأصل الثالث من علم البيان في الكناية).
1

٨٨٢
المشتبهات من الكتاب العزيز، ولا أنْفعُ في دَرِّ لطائفٍ نُكَتِه وأسرارِه منه، وأنَّ كثيراً
من الآياتِ قد تصَدَّى لها من ليسوا من أهل هذا العلم، فأخذوا بها في مآخِذَ
مردودة،وخَلوها على محامل غیر مقصودة، وهم لا يدرون! ولا یدرون أنهم لا يدرون -:
ثم مَعَ ما لهذا العلم من الشَّرفِ الظاهر، والفضلِ الباهر لا تَرى عِلماً لَّفِيَ من
الضيم ما لَقِي، ولا مُنِيَ منِ سَوْمِ الْخَسْفِ بما مُنِي، أين الذي مَهَّد له قواعد، ورَتَّبُ
له شواهد، وبَيَنَّ له خُدوداً يُرجَعُ إليها، وعَيْنُ له رُسوماً يُعرِّجُ عليها، ووَضَعَ له
أصولاً وقوانين، وجمع له حُجُجاً وبراهين، وشَمَّرَ لضبطِ متفرقاتِهِ ذيلَه، واستنهض في
استخلاصِها من الأيدي رَجِلَهُ وخَيْلَه .
عِلْمٌ تَراهُ أیادِيْ سَبًا
فجُزْءٌ حَوَتْهُ الدَُّورُ
وُجُزْءٌ: حَوَتْهُ الصَّبَا
انظر بابَ التحديد(١)، فإنه جُزء منه في أيدِي من هو، انظر بابَ الاستدلال
فإنه جزء منه في أيدي من هو، بل تَصفَّحْ معظمَ أبوابٍ أصولِ الفقه من أيٍّ علم
هِيَ ومن يَتولاَها؟ وتأمَّلْ في مُودَعاتٍ من مباني الإِيمان ما تَرَى من منَّاها سوى
الذي تَمَنَّها، وعُدْ وعُدْ ـ ولكنَّ الله جلَّتْ حِكمتُهُ إِذْ وَفَّقَ لتحريكِ القَلَم فيه،
عَسَى أن يُعطَى القوسَ باريها بحولٍ منه عَزَّ سُلطانُهُ وقُوَّتُهُ فما الحولُ والقُوَّةُ إِلَّ به.
وقد تدارَكِ(٢) ما ربما يُوهِمُهُ هذا الكلامُ من نسبةِ التقصير الشديدِ إلى من تقدَّمَه
من أهل هذا العلم الذين عُنُوا بشأنه، فيكونُ من قَبِيلِ الإِساءةِ إلى المحسنين، كما
يفعلُه كثيرٌ من الأغمار الذين يَظَنّون أنَّ في إنكار فضلِ غيرهم دلالةً قويةً على
فضلهم، فقال مِن قَبْلِ ذلك(٣)، دفعاً لهذا الوَهْم: هذا ما أمكّنَ من تقرير كلامِ
(١) يقصد الباب الذي يُتكلّمُ فيه على شروط (الحَدّ) أي تعريفِ الشيء، فهو بأيدي علماء
المنطق، ولكن السكاكي تعرَّض له في كتابه لاستكمال مباحثه في ص ٦٧٩ - ٦٨٢.
(٢) أي العلّامة السكاكي.
(٣) في ص ٦٥٠. ولا تَنْسَ أن العلامة السكاكي عَجَميُّ اللسان، خُوَارزميُّ الولادة
والنشأة والوفاة، ولد سنة ٥٥٥، وتوفي سنة ٦٢٦ رحمه الله تعالى. وقد ألّف كتابه ((مفتاح العلوم)) =