النص المفهرس

صفحات 901-920

٨٤٣
فصاروا إذا اضطَرَّهم ضِيقُ النَّفَسِ يتركون الوقفَ على الحسَنِ الجائز، ويتَعمَّدون
الوقفَ على القبيح الممنوع.
فتراهم يقولون: (صِراطَ الذين أنعمتَ عليهم غَيْر)، ثم يقولون: (غيرِ
المغضوب عليهم)، ويقولون: (هُدَّى للمتقين الذين)، ثم يبتدئون فيقولون: (الذين
يؤمنون بالغيب)، فيتركون الوقفَ على (عليهم) وعلى (المتقين) الجائزينِ قطعاً،
ويقفون على (غير) و(الذين) اللَّذَينِ تعمُّدُ الوقفُ عليهما قبيحٌ بالإجماع، لأنَّ الأول
مضاف، والثاني موصول، وكلاهما ممنوعٌ من تعمُّد الوقفِ عليه .
وحُجَّتُهم في ذلك قولُ السجاوندي: لا. قلتُ: ليت شِعري إذْ مَنْع من
الوقفِ عليه. هل أجاز الوقفَ على (غير) أو (الذين)؟ فُعلَمُ أنَّ مرادَ السجاوندي
بقوله: لا، أي لا يُوقَفُ عليه، على أن يُبتدأ بما بعدَه كغيرِهِ من الأوقاف.
ثم ذكر بعضَ / وقوفٍ انتَقَدها عليه ثم قال: ومثلُ ذلك كثير في وقوفٍ /٣٨٥
السجاوندي، فلا يُغتَرَّ بكل ما فيه، بل يُتَّبَعُ فيه الأصوبُ، ويُخْتارُ منه الأقرب.
هذا، وقد قَسَم بعضُهم الوقفَ إلى خمسة أقسام، وزاد بعضُهم سادساً وهو
الجائز، وقد أشار إليها بعضهم حيث قال: والوقوفُ على خمس درجات، فأعلاها
رتبةً التامُّ، ثم الحسَنُ، ثم الكافي، ثم الصالحُ، ثم المفهومُ. وهذه العباراتُ قد
استعملها أبو حاتم في كتابه، وهي وإن كانت كثيرةً فهي متقاربة، فالحَسَنُ والكافي
يتقاربان، والتامُّ فوقهما، والحسَنُ يقارِبُ التام، والصَّالِحُ والمفهومُ يتقاربانِ أيضاً،
والجائزُ دونهما في الرتبة.
والمستَحَبُّ للقارىء أن يقِفَ على التام، فإن لم يجد إليه سبيلاً فالحسَنُ، فإن
لم یمکن فالكافي، وكذلك الصالح.
والمفهومُ أنه ما دام يَقدِرُ على الوقفِ في المواضع المنصوصِ عليها، لا يَعْدِلُ
عنها إلى الجائز، ولا يَعدِلُ عن الجائز إلى المواضع التي يُكرَهُ قطعُ النَّفَسِ عندها.
والحسَنُ المذكورُ هنا أعْلَى درجةً من الحسَنِ المذكورِ سابقاً، فإنه هنا يُقَارِبُ
i

٨٤٤
التامَّ، وكأنه أحَدُ نوعين، ولكنه أدناهما. قال بعضُهم: قد يتفاوت التأمُّ في التمام،
وذلك نحوُ ﴿لقد أضلَّني عن الذِّكْرٍ بعدَ إِذْ جاءفي﴾، فإنَّ الوقفَ عليه تام، ولكنَّ
الوقفَ على ما بعدَه وهو ﴿وكان الشيطانُ للإِنسانِ خَذُولاً﴾ أتمُّ لتعلقِهِ بهِ تعلقاً خفياً،
ولأنه آخِرُ الآية. وقد سَمَّى بعضُهم هذا النوعَ: الشبيه بالتمام.
وينبغي لمن أراد المراجعةَ في كتابٍ من كتبٍ هذا الفن أن يَعرِفَ أولاً حَدَّ كل
قسم من الأقسام عندَ مؤلّف ذلك الكتاب، ليكون على بصيرة في أمره. وقد وضعوا
علائمَ لهذه الأقسام، فجعلوا التاءَ أو الميمَ للتام، والحاءَّ للحَسَن، والكافَ للكافي،
والصادَ للصالح، والجيمَ للجائز. وقد التزموا كتابةَ هذه العلائم بالأحمر، ووَضْعَها
فوقَ مَوْضِع الوقف.
وقد تُوضَعُ في بعض المواضع علامتان، إمَّا للإِشارة بأنه من المواضعَ المحتمِلةِ
لوجهين، وإمَّا للإشارة إلى أن ثَمَّ قولينِ لأرباب الفن، لم يَظهر للواضع رُجحانٌ.
أحدِهما على الآخَر، إلَّ أنَّ هنا أمراً يجبُ الانتباهُ له، وهو أنه كثيراً ما يَرى الناظرُ في
عباراتهم اختلافاً مبنياً على الاختلافِ في الاصطلاح، فيظنُ أن هناك اختلافاً في
الحقيقة، فيَحكُمُ به، مع أنه ربما لم يكن هناك اختلاف، وكما يقَعُ هذا بسبب
الاختلافِ في الاصطلاح، قد يقعُ عكسُه، وهو أن يُظَنَّ بسببِ اتفاقٍ عباراتهم في
الظاهر أنْ لا خِلافَ هناك، مع أنه قد یکون هناك خلاف.
وأما السجاونديُّ فَإِنه قَسَم الوقفَ إلى خمسة أقسام، وجعَلَ لكل قسم منها
علامةٌ تُوضَعُ فوقَ محل الوقف، وتكونُ بالمداد الأحمر، والأقسامُ الخمسةُ هي اللازمُ،
والمُطلَقُ، والجائزُ، والمُجوّزُ لوجهٍ، والمرخّصُ للضرورة. وقد تَّبَعَ أَثْرَه في ذلك جُلُّ
كُتّاب الكتاب العزيز من بعدِهِ، ولذلك انتشرَتْ طريقتُهُ في البلاد.
وقد أحببنا بيانَ ما اصطلَحَ عليه، ليكون التالي في المصاحف التي جَرَى كُتَّابُها.
على طريقتِهِ على بصيرة في الوقفٍ والابتداء، فنقول:
فالوقفُ اللازمُ عنده هو ما قد يُوهِمُ غيرَ المراد إذا وُصِلَ بما بعده، نحوُ قولِهِ.

٨٤٥
تعالى في صفة المنافقين: ﴿وَما هُمْ بُؤْمِنِين﴾، فالوقفُ هنا عنده لازم، إذْ لو وُصِلَ
بقوله: ﴿يُخادِعُون الله﴾، لَتُوهِّمَ قَبْلَ التدبُّرِ أنَّ الجملةَ صِفةٌ لقوله: (بمؤمنين)، فينتفي
بذلك الخِداُ عنهم ويتقرَّرُ الإِيمانُ خالصاً عن الخداع، كما يكونُ ذلك في قولك:
ما هؤلاء بمؤمنين مُخادِعِين، مع أنَّ المقصودَ هو نفيُ الإِيمان عنهم، وإثباتُ الخِداع
لهم .
/٣٨٦
ونحوُ قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْزُنْك قولهم، إنَّ العِزَّةَ لله﴾، ونحوُ قوله تعالى:
﴿وَلا يَحْزُنْكَ قولهم، / إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّون وما يُعْلِنُون﴾، فالوقفُ عند (قولهم)،
لازم، فإنه لو وُصِلَ لتُوهِّمَ أنَّ ما بعده هو المقول، وليس كذلك، بل هو جملةٌ
مستأنفة، وردَتْ تسليةً للنبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وتهديداً لهم.
وعلامةُ الوقفِ اللازمِ الميمُ.
والوقفُ المُطْلَقُ هو ما يكون ما بعدَه مما يَحسُنُ الابتداءُ به، وذلك كالاسمِ
المبتدأ به نحوُ ﴿اللَّهُ يَجِتَبِي﴾، والفعلِ المستأنفِ(١) نحو ﴿سيجعَلُ الله بَعْدَ عُسْرٍ
يُسرأَ﴾، والشرطِ نحو ﴿إِنْ أَحسنتُم أحسَنْتُم لأنفسِكم﴾، والاستفهامِ نحو ﴿أیحسَبُ
الإِنسانُ أن يُتْرَكَ سُدَىٍ﴾، والنفيِ نحو ﴿ما كان لهُمُ الْخِيَرةُ﴾ ﴿إِن يُريدون إلاّ
فِراراً﴾، ونحوِ ذلك حيث لم يكن ذلك مقولاً لقول سابق، وعلامةُ الوقف المُطْلَق
الطاء.
والوقفُ الجائزُ ما يجوزُ فيه الوصلُ والفصلُ لتجاذُبِ الْمُوْجِبَينِ، نحو ﴿وَمَا أُنزِلَ
مِنْ قَبْلِك﴾، فإنَّ واوَ العطف في الجملة التالية لها وهي ﴿وبالآخِرَةِ هم يُوقِنُون﴾
يُرجِّحُ الوصلَ وتقديمَ المفعول على الفعل، ووجودَ الضمير يُرجِّحُ الوقفَ، فتساوَيَا،
وإن كان الوصلُ هنا أرجحَ من جهة. ومِثلُ ذلك ﴿إِنَّ هذا كان لكم جَزَاءً وكان
سعيُكم مشكوراً﴾، فالوقفُ على (جزاءٌ) وإن كان جائزاً إلَّ أنَّ الوصل هنا أحسَنُ،
رعايةً للفواصل، وعلامةُ الوقف الجائز الجيم.
(١) وقع في الأصل: (والفعل مستأنف). وصوابه كما أثبته.
1

٨٤٦
والوقفُ المجوَّزُ لوجهٍ هو ما يكون للوقفِ فيه وجهُ إلَّ أنَّ الوصل فيه يكون أولى
نحو ﴿أولئك الذين اشْتَرَوْا الحياةَ الدنيا بالآخِرَةِ﴾، فإنَّ مجيء ما بعده وهو
﴿فَلا يُخْفَّفُ عنهم العذابُ﴾ بالفاءِ المشعرةِ بالسبب يقتضِي الوصلَ، ومجيءُ هذه
الجملة على هذه الهيئة يَجِعلُ للفصل وجهاً، وعلامَةُ الوقفِ المجوِّزِ الزايُّ.
والوقفُ المرخّصُ فيه للضرورة هو الذي لا يُرخّصُ فيه في حالِ الاختيار،
لكون ما بعده لا يستغني عما قبلَه وإن كان مفهوماً في الجملة، ويُرِّصُ فيه في حالٍ
الاضطرار، وذلك إمَّا لانقطاعِ النَّفَس، أو لطولِ الكلام، غيرَ أنه إذا وَقَفَ عليه
ابتَدَأَ بما بعدَه من غير أن يَعود، وذلك نحو قوله تعالى: ﴿والسَّمَاءَ بِنَاءً﴾، فإنَّ ما بعده
وهو ﴿وَأَنزَلَ من السماءِ ماءً﴾، وإن كان غيرَ مستقِل لوجودٍ ضميرٍ فيه يعودُ على
ما قبله، إلّ أنه جملةٌ مفهومة. ونحوُ كلٍّ من فواصِلِ ﴿قد أفلَحَ المؤمنون) إلى قوله.
﴿هم فيها خالدون﴾، وعلامةُ الوقفِ المرخّص فيه الصادُ.
وأما الوقفُ القبيحُ فهو الوقفُ في موضع لم يَتِمَّ فيه الكلامُ، وذلك كالوقفِ على
الشرطِ دون جزائِه، والمبتدأ دون خبره، وعلى ذي الحالِ دون الحال، وعلى المستثنى
منه دون المستثنى، وعلى أحدٍ مفعولَيْ بابٍ ظننتُ دون الآخَر، وعلى الموصوفِ دون
الصفة، وعلى المؤكَّدِ دونَ المؤكَّد، وعلى المبدَلِ منه دون البَدّل، وعلى المعطوفِ عليه
دون المعطوف، ونحو ذلك. فإن اضطُرَّ القارىءُ إلى الوقفِ على ذلك بسبب عُطاسٍ
أو انقطاع نفس، لزِمَه أنْ يَعودَ إلى ما قبلَه ويبتدىءَ منه حتى يَتَّسِقَ الكلامُ.
والقبيحُ تتفاوَتُ درجاتُه في القُبح، فبعضُه أقبَحُ من بعض، ففي قوله تعالى:
﴿يا أيها الذين آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصلاةَ وأنتم سُكارَى حتى تَعْلَمُوا ما تقولون﴾، يَقُبُحُ
الوقوفُ على سُكَارَى، وأقبَحُ منه الوقوفُ هنا على الصلاة.
وأما الابتداءُ فلا يكون إلَّ اختيارياً، إذ ليس كالوقف قد تدعو إليه ضرورة،.
فلا يجوزُ إلَّ بمستقلٍ بالمعنى وافٍ بالمقصود، وهو ينقسمُ إلى ما ينقسم إليه الوقفُ،
وتتفاوتُ درجاتُه في التمام، والكفاية، والحسن، والقُبح، كما تتفاوت درجاتُ الوقف
في ذلك.

٨٤٧
وقد يكون الوقفُ قبيحاً والابتداءُ حَسَناً، نحو ﴿مِن بَعَثْنا مِن مَرْقَدِنا هذا﴾،
الوقفُ على (هذا) قبيحٌ / للفصلِ فيه بين المبتدأ وخبرِه، ولأنه يُوهم أنَّ الإِشارة إلى /٣٨٧
المَرْقَد. والابتداءُ بهذا كافٍ أو تامٌّ، لاستئنافه، وأما الابتداءُ بما بعدَه فهو قبيح شديدُ
القبح .
وعلامةُ الوقفِ القبيح: لا، فإذا وُضِعَتْ فوق موضع، عُلِمَ أنه لا وَقْفَ
هناك، وأنه ينبغي للقارىء الوصلُ إلَّ أن يكون تحتها علامةُ رؤوس الآياتِ، فله أن
يقف هناك من غير إعادة، بناءً على قولٍ من أجاز الوقوفَ على رؤوسِ الآي مطلقاً
كأبي عَمْرو، فإنه رُوِيَ عنه أنه كان يتعمَّدُ رؤوسَ الآي ويقولُ: هو أحَبُّ إليّ.
إلّ أنَّ كلَّ ذي طبع سليمِ يَحكمُ بأنَّ إجازتهم لذلك مشروطةً بعدم وقوع مانعٍ
خاص، وذلك كما في قوله تعالى في سورة والصَّافَّات ﴿أَلَا إِنَّهم من إِفِكِهم لَيقولُون ﴾
وَلَدَ اللَّهُ وإنهم لكاذبون﴾ - فإنه لا يُتصوَّرُ أن يُجيز أحدٌ الوقفَ على (لَيَقولون)، على
أن يُبْتَدَأ بما بعدَه. قال بعض المفسرين: كلَّ ما في القرآن من القولِ لا يجوزُ الوقفُ
عليه، لأنَّ ما بعدَهُ حکایتُه.
وها هنا علائمُ أخرى قد يضَعُها بعضُ الكُتَّاب.
فمن ذلك: القافُ، وهي علامةُ الوقف الذي قال به بعضُ العلماء، ولم يَقُل
به أكثرُهم. ومن ذلك: قِفْ، وهي علامة على أن الوقف هناك يُؤمّرُ به القارىءُ على
طريق الاستحباب، بحيث إنه إذا لم يَقِف ووَصَل لم يكن عليه شيء. ومن ذلك:
السينُ، وهي علامة على السكنة، وهي وقفةٌ لطيفة من غير تنفُّس .
قال بعضُ أهل الفن: الوقفُ، والقَطْعُ، والسَّكْتُ: عباراتٌ يُطلِقُها المتقدمون
مُرِيدين بها في الغالب الوقفَ، وقد فرَّق المتأخرون بينها فقالوا:
القطعُ عبارة عن تركِ القراءة، فيكون القارىءُ كالمُعْرِض عنها والمنتقِلِ إلى
حالةٍ أخرى غيرها، وهو مشعِرٌ بالانتهاء، ولذا يُطلَبُ منه الاستعاذةُ للقراءة
المستأنفة. وينبغي أن يكون القطعُ عند رأسٍ آية، قال سعيد بن منصور في «سننه»:

٨٤٨
حدثنا أبو الأحوص، عن أبي سِنان، عن ابن أبي الهُذَیل، أنه قال: كانوا يكرهون أن
يقرؤوا بعضَ الآية ويَّدَعُوا بعضَها. وهذا إسنادٌ صحيح، وابنُ أبي الهُذَيل تابعيّ
كبير، وقولُهُ: كانوا، يُرِيدُ به الصحابةَ .
والوقفُ عبارةٌ عن قطع الصوت على الكلمة زمناً يُتنفَّسُ فيه عادةً، بِنِيةِ
استئنافِ القراءة لا بنيةِ الإِعراض، ويكونُ هذا عند رؤوس الآيات وفي أوساطِها،
ولا يكونُ فِي وَسَطِ الكلمة ..
والسَّكْتُ عبارةً عن قَطْعِ الصوت زمناً، هو دون زمن الوقف عادةً من غير
تنفّس. وقد سكت حمزةُ على الساكنِ قبلَ الهمزة سكتةً يسيرة.
وقد اختلَفَتْ ألفاظُ أهلِ الفن في التعبير عنها، فقيل: هي سكتةٌ قصيرة.
وقيل: هي سكتةٌ مختلَسة من غير إشباع، وقيل: هي وَقفةٌ يسيرة، وقيل: هي وقفة
خفيفة، وقيل: هي سكتةٌ لطيفةٌ من غير قطع، وقيل: هي وُقَيْفَةِ . .
قال أبو عليّ الفارسيُ في «حجج القراءة)»: يَسكُتُ حمزةُ على ياء شيء قبلَ الهمزة
سكتةً خفيفة، ثم يَهُمِزُ، وكذلك يَسكتُ على لامِ المعرفة في الأرضِ وفي الأسماءِ
والآخِرةِ ونحوِها. وكأنه أراد بهذه الوُقّيْفَةِ التي وقَفَها تحقيقَ الهمزة وتبينها، فجعل
الهمزةَ بهذه الوُقَيْفَةِ قبلَها في حالٍ لا يجوزُ معها إلَّ التحقيقُ، لأن الهمزة قد صارت
مُضارِعةٌ للمبتدَأ بها، والمبتدَأُ بها لا تُحقَّف، ألا ترى أنَّ أهل التخفيف لا يخففونها
مبتدَأة، فهذه الوقيفة أذْنَتْ بتحقيقها إذ صَيَّرَتْها في حالٍ ما لا يُخْفَّفُ من الهمز.
ومما يُقوِّي ذلك مَدُّهم الألف إذا كانت الهمزةُ بعدَها، نحوُ السَّمَاءِ، وماءً،
ألا ترى أنَّ مَدَّ الألِف ــ إذا كانت الهمزةُ بعدَها - أطولُ منه فيها إذا لم يكن بعدَها
همزة، نحو ﴿وما بكم من نِعمةٍ فمن الله﴾، ليكونَ ذلك أبينَ للهمزة، فكذلك
/٣٨٨ / وَقَفَ حمزةُ هذه الوُقَيْفَة، لتكون أبينَ للهمزة. اهـ.
واختُلِفَ في السكت، فقيل: يجوز في رؤوسِ الآيات مطلقاً في حالةِ الوصل
لقصد البيان، وَمَل بعضُهم الحديثَ الواردَ على ذلك، والمشهورُ أنه مقيّد بالسماع

٨٤٩
والنقل وأنه لا يسوغ إلاّ فيما صحت به الرواية لمعنى مقصود بذاته، وقد رووا عن
حفص أنه كان يَسكُتُ في الكهف على (عِوَجا)، وفي يس على (مَرْقَدنا) وفي القيامة
على النونِ من (مِن راق)، وفي المطفِّفين على اللامِ من (بَلْ رَانٌ).
وقال بعضُ علماء العربية بعدَ أن ذَكرَ أنهم نقلوا عن حمزة أنه قرأ (ومَكْر السَّيٍِّ)
بإسكان الهمزة: لعله اختَلَس، فظُنَّ سكوناً أو وقف وقفة خفيفة ثم ابتدأ.
وقد أوضح بعضُ المفسرين هذه المسألة فقال عند ذكر قولِه تعالى: ﴿فلًّا
جاءهم نذيرٌ ما زادَهُم إلَّ نُفُوراً. استكباراً في الأرضِ ومَكْرَ السيِّءٍ ولا يَحِيقُ المكرُ
السيِّء إلَّ بأهله﴾، قرأ الجمهورُ (ومَكْرَ السيِّءٍ) بكسر الهمزة، والأعمشُ وحمزةُ
بإسكانِها، إمَّا إِجراءً للوصلِ مُجرَى الوقف، وإمَّا إِسكاناً لتوالي الحركات، وإجراءً
للمنفصِل مُجرَى المتصل كايل.
وزعم المبرِّدُ أنَّ هذا لا يجوزُ في كلامٍ منثورٍ ولا شعر، لأنَّ حركاتِ الإِعراب
دخلَتْ للفرقِ بين المعاني. وقد أعظَم بعضُ النحويين أن يكون الأعمشُ يَقرأ بهذا،
وقال: إنما وَقَفَ، والدليلُ على هذا أنه تمامُ الكلام، وأنَّ الثانيَ لَّا لم يكن تمامَ الكلام
أعربُهُ، والحركةُ في الثاني أثقَلُ منها في الأول، لأنها ضمةٌ بين كسرتين.
وقال الزجَّاجُ: قراءةُ حمزة موقوفاً عند الحُذَّاق بيائين لحنٌ لا يجوزُ، وإنما يجوزُ في
الشعر للاضطرار.
وقال أبو عليّ: إنَّ قراءةَ حمزةَ بإسكانِ الهمزة في الوصل مبنيٌّ على إِجرائها في
الوصل مُجَرَى الوقف، ويَحتمِلُ وجهاً آخَرَ، وهو أن يُجُعَلَ (ىء وَلَا) من قوله: (مكر
السيء ولا) بمنزلة إِيل، فأسكّنَ الحرفَ الثاني كما يُسكّنُ من إِل، فيقال: إِبْلٌ، لتوالي
الكسرتين، لا سيما والكسرةُ الأولى هنا في ياءٍ قبلَها ياءٌ، فخفَّفَ بالإِسكان لاجتماع
الياآتِ والكسراتِ، كما خفَّفَتْ العربُ مِثلَ ذلك بالحذف وبالقلب، ونزَّلَتْ حركةً
الإِعراب في هذا بمنزلة حركةٍ غير الإِعراب، ولا تختلُّ بذلك دلالةُ الإِعراب، لأنَّ
الحكمَ بمواضعها معلومٌ كما كان معلوماً في المعتل، والإِسكانُ للوقف، فإذا ساغ في

٨٥٠
قراءته ما ذُكِرَ من التأويل، لم يَسُغ لقائلٍ أن يقول: إنه لحن. وقال الزمخشري: لعله
اختلَسَ فِظُنُّ سكوناً، أو وقَفَ وقفة خفيفة ثم ابتدأ.
تنبيهات
التنبيهُ الأول: يُغْتَفَرُ في طُولِ الفواصِلِ والقِصَصِ والجُمّلِ المعترضة ونُحوِ
ذلك ما لا يُغْتَفَرُ في غيرها، فربما أُجِيزَ الوقفُ والابتداءُ لشيء مما ذُكِر، ولولاه لم يَجُز،
وهذا الذي يُسميه السجاونديُّ الْمُرَخَّصَ فيه للضرورة، وذلك نحوُ الوقفِ على
(المغْرِب) في قوله تعالى: ﴿ليس البِرَّ أن تُولُوا وُجُوهَكم قِبَلَ المشرِقِ والْمَغْرِب﴾، وعلى
﴿النبيِّين﴾ - وعلى ﴿وَآتَى الزكاةَ﴾، وعلى ﴿عاهَدُوا﴾، ونحوُ كلَّ من فواصِلٍ ﴿قد
أفْلَحَ المؤمنون﴾ إلى قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾.
وقد ذكر النحويون أنه يُكرَهُ الوقفُ الناقصُ في التنزيل مع إمكانِ التامّ، فإن
لم يُمكِن بأن طال الكلامُ، ولم يُوجَّد في أثنائِهِ وقفٌ تام، حَسُنَ الأخذُ بالوقفِ
الناقِصِ. وقد يُحسِّنُ الوقفَ الناقصَ أمورُ. منها أن يقَعَ فيه ضَرْبٌ من البيان، نحوُ
/٣٨٩ ﴿ولم يَجِعَلْ له ◌ِوَجا﴾، فإنَّ الوقفَ هنا يُشعِرُ / بأنَّ ﴿قَيِّما﴾ منفصِلٌ عنه. ومنها أن
يكونَ الكلامُ مبنياً على الوقف، نحوُ ﴿يا ليتني لم أُوْتَ كِتَابِيَهْ. ولم أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ﴾.
وأما ما قَصُرَ من الجُمَل فإنهم لم يُسوِّغوا فيها ما سَوَّغوا في غيرها، وإن لم يكن
هناك تعلُّقٌ لفظي، ولذا لم يذكروا الوقفَ على ﴿وآتينا عِيسَ بنَ مريمَ البيناتِ﴾
القُربِ الوقفِ على ﴿القُدُس﴾. ولم يُجِز كثيرٌ منهم الوقفَ على ﴿وَتُعِزُّ من تَشاءُ﴾، لقُرِهِ
مِن ﴿وتُذِلُّ من تشاء﴾، لوجودِ الازدواج بين الجملتين، وهو وحده كافٍ في توكيد
الوصْل، فقد ذكروا أنه ينبغي في الوقف مراعاةُ أمر الازدواج، فُيُوصَلُ ما يوقف على
نظيره، مما يُوجَدُ التمامُ عليه من أجل الازدواج، نحوُ ﴿يُولِجُ الليلَ في النهار ويُولِجُ
النهارَ في الليل﴾، ونحوُ ﴿من عَمِلَ صالحاً فلنفسِهِ ومن أساءَ فعليها﴾.
التنبيه الثاني: قد يَخْتلِفُ الوقفُ باختلافِ الإِعرابِ، أو القراءة:
مثالُ اختلافِ الوقفِ باختلافِ الإِعراب نحوُ قوله تعالى: ﴿وما يَعْلَمُ تأويلَهُ

٨٥١
إلَّ اللَّهُ﴾، فإنه تأمُّ عند من جَعَل ما بعدَهُ مستأنَفاً، وهو الراجح، وغيرُ تام عند من
جعَلَه معطوفاً، فيكون الوقفُ التام عندَ ﴿والراسخون في العلم﴾، وبين الوقفين هنا
مُرَاقبة(١). ونحوُ قوله تعالى: ﴿هُدَىَّ للمتقِين﴾، فإِنَّ الوقفَ فيه حَسَنٌ إن جعلتَ
﴿الذين﴾ في ﴿الذين يُؤمِنُون بالغَيْبِ﴾ مجروراً على أنه صفة للمتقين، وكافٍ إن جعلتَه
مرفوعاً على أنه خبرُ مبتدأ محذوف، تقديرُهُ هُمْ، وتامٌّ إن جعلتَهُ مرفوعاً على أنه مبتدأ
وخبرُهُ ﴿أولئك علی هُدىًّ من ربهم﴾.
ومثالُ اختلاف الوقفِ باختلاف القراءة نحوُ قوله تعالى: ﴿وإذْ جِعَلْنا البيتَ
مَثابةً للناسِ وأَمْنَأَ﴾، فإنَّ الوقفَ فيه تامُّ على قراءة من كَسَرَ الخاءَ مِن ﴿وَاتَّخِذُوا﴾،
وغيرُ تامِّ بل كافٍ على قراءة من فتحها. ونحوُ قوله تعالى: ﴿يُحاسِبْكُم به الله﴾، فإنه
كافٍ على قراءة من رَفَعَ ﴿فَيَغْفِرُ﴾ ﴿ويُعذّبُ﴾ وحسَنٌ على قراءة من جزم.
وقد يختلف الوقفُ باختلاف المذهب، نحوُ قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْبِلُوا لهم شهادةً
أبداً﴾، فإنَّ الوقفَ هنا لازمٌ عند من ذهَبَ إلى أن شهادة القاذِفِينَ لا تُقبَل وإن تابوا،
غيرُ لازمٍ عندَ من ذهَبَ إلى أنَّ شهادتهم تُقبَلُ إذا تابوا.
وقد سَبَق ذكر المراقَبة ومرادُهم بها أن يكونَ في الآية وَقْفَانٍ، لا يَسوغُ للقارىء
أن يَجمع بينهما لتنافيهما، وإنما يَسوغُ له أن يأتيَ بأحدِهما دون الآخر.
وقد جَعَل بعضُ الكُتَّاب علامةً المراقبة بين الوقفينِ واوَينٍ مقلوبتينِ متقابلتينِ،
وجعَلَ من أمثلةِ ذلك قولَه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُوا لا تُحرِّمُوا طَيَِّاتٍ مَا أَحَلَّ اللَّهُ
لكم! ولا تَعْتَدُوا، إنَّ الله لا يُحِبُّ المُعتدِين﴾.
التنبيهُ الثالثُ: لا يقومُ بأمر الوقف حقَّ القيام إلَّ نَحْوِيٌّ بارعٌ في علم
التفسير، واقفٌ على أسرار البلاغة، وقد تصدَّى لهذا الأمر العظيم أناسٌ ممن
لا يُحسنونه، فخبطوا فيه خَبْطَ عَشْوَاء، في ليلةٍ ظَلْمَاءَ، فلا ينبغي أن يُعتَمَّدَ على كل
قولٍ يُذكَرُ فيه، كقولٍ من أجاز أن يقِفَ القارىءُ على قوله تعالى: ﴿فانتَقَمْنا من
(١) سيقول المؤلف بعد أسطر تفسيرها.

٨٥٢
الذين أَجْرَمُوا وكانَ حَقَّأَ﴾، ثم يَبتدِىءُ ويقولُ ﴿علينا نَصْرُ المؤمنين﴾. وقد حذّر
المحققون من مثل ذلك.
قال ابن الجزري: ليس كلُّ ما يتعسَّفُه بعضُ الْمُعْرِبين، أو يَتكلَّفُهُ بعضُ
القُرَّاءِ، أو يتأوَّلُه بعضُ أهلِ الأهواء، مما يقتضِي وَقْفاً أو ابتداءً، ينبغي أن يُعْتَمَّدَ
الوقفُ عليه(١)، بل ينبغي تحرِّي المعنى الأتمّ والوقفِ الأَوْجَه، ومن ثَمَّ لم يَسُغ أن
يقِفَ على ﴿وارْتَمْنا أنتَ﴾، ثم يَبْتدِىءَ فيقولَ (مولانا فانصرنا)، على معنى النداء،
/٣٩٠ ولا على ﴿يا بُنِيَّ / لا تُشْرِكْ﴾ ثم يَبتدىَ فيقولَ: ﴿باللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عظيمٌ﴾
على معنى القَسَم، ولا على ﴿وما تَشَاؤون إلَّ أنْ يَشاءَ﴾، ثم يَبتدىءَ فيقولَ: ﴿اللَّهُ
ربُّ العالمين﴾، فإنَّ هذا وما أشبَهَه تعسُّفُ وتمخُلٌ وتحريفُ للكَلِمِ عن مَوَاضِعِه.
وقال بعضُ العلماء: ينبغي لمن عَرَف العربية، ونَظَر في كتب التفسير، وكان
مِن أُولِي الفَهْمِ: أَن يَنظُرَ في المواضع التي اختَلَفَ العلماءُ في أمرِ الوقفِ فيها، فإن
ترجّح عنده شيء أخَذَ به، وإلاّ فلا يقِفْ هناك، ولْيَتجاوَزْهُ إلى غيرِهِ من المواضع التي
يَحِسُنُ الوقوفُ عليها والابتداءُ بما بعدَها بلا خلافٍ بين المحققين، فهو أسلّم.
التنبيهُ الرابعُ: قَد عَرِفتَ أنَّ المحدِّثين يجعلون بين الحديثين دارَةً لِلفَصْلِ
بينهما، وأنَّ بعضَهم كان يُخلي بقيةَ السطر من الكتابة، ليكون البياضُ الذي فيه مؤكّداً
للفصل، فإنَّ البياضَ من جملةٍ علائِمِه(٢). وقد اقتَصَرَ عليه كثيرٌ من الكُتَّاب، إلّ أَنَّ
منهم من يَجْعَلُ مِقدارَ البياض في جميع المواضع واحداً، والحُذَّاقُ منهم يجعلونهِ مختلِفاً
باختلافِ المواضع، مُراعِينَ فيه ما يقتضِيه الموضعُ.
وقد أشار إلى ذلك ابنُ السِّيْدِ حيث قال: والفَصْلُ إنما يكون بعدَ تمام الكلام
الذي ابتُدِىء به واستئنافِ كلامٍ غيرِهِ.
وسَعَةُ الفُصولِ وضِيقُها على مقدارٍ تَنَاسُبِ الكلامِ، فإن كان القولُ المستأنفُ
مُشاكِلاً للقولِ الأول، أو متعلِّقاً بمعنى منه جُعِلَ الفصلُ صغيراً، وإن كان مُبَايِناً له
(١) وقع في الأصل: (يتعمد ... ).
(٢) تقدم هذا في ص ٧٧٥.

٨٥٣
بالكليةِ جُعِلَ الفصلُ أكبرَ من ذلك، فأمَّ الفَصْلُ قبلَ تمام القولِ فهو من أُعيَبِ
العُيوبِ على الكاتبِ والورَّاقِ جميعاً، وتَرْكُ الفُصولِ عند تمام الكلام عَيْبُ أيضاً، إلّ
أنه دون الأول.
وقد أورَدّ صاحبُ ((الصناعتين)) كثيراً مما قيل في الوَصْلِ والفَصْلِ، وقد أحببتُ
أن أُورِدَ من ذلك شيئاً، ليعلم المُعْرِضون عن مراعاتِهما ما كان لهما قديماً من حُسنٍ
الرعاية .
قال: قيل للفارسيِّ: ما البلاغةُ؟ فقال: معرفةُ الفَصْل من الوَصْل. وقال
المأمونُ لبعضهم: من أبلَغُ الناس؟ فقال: من قَرَّبَ الأمْرَ البعيدَ المتناوَلِ، الصَّعْبَ
الدَّرَكِ، بالألفاظِ اليسيرة، فقالَ: ما عَدَلَ سَهْمُك عن الغَرَض. ولكن البليغ من
كان كلامُهُ في مقدارِ حاجتِه، ولا يُحِيلُ الفِكرَ في اجتلاب ما صَعُبَ إليه من الألفاظ،
ولا يُكرِهُ المعانيَ على إنزالها في غير منازلها، ولا يَتعمِّدُ الغريبَ الوَحْشِيِّ ولا الساقِطَ
السُّوقِيّ، وإنَّ البلاغةَ إذا اعتزلتها المعرفةُ بمواضع الفَصْلِ والوصل، كانت كاللآلىء
بلا نِظام.
وقال المأمونُ: ما أُعْجَبُ بكلامِ أَحَدٍ كإعجابي بكتابِ القاسم بن عيسى،
فإنه يُوجِزُ في غير عجز، ويُصيبُ مفاصلَ الكلام، ولا تدعوه المَقْدِرَةُ إلى الإِطناب،
ولا تَمِيلُ به الغَزَارةُ إلى الإِسهاب، ويُلِّ عن مُرادِه في كتبه، ويُصِيبُ المغْزَى في
ألفاظِه.
وكان أكثَمُ بنُ صَيْفِيّ إذا كاتَبَ مُلوكَ الجاهلية يقولُ لكُتَّابِهِ: أَفْصِلوا بين
منقضِي كلِّ مَعْنَى، وصِلُوا إذا كان الكلامُ معجونً بعضُه ببعض. وكان الحارثُ بن
شِمْرِ الغَسَّانيّ يقول لكاتبِهِ المرقُّش: إذا نَزَع بك الكلامُ إلى الابتداءِ بمعنىَّ غير ما أنت
فيه، فاقْصِلْ بينه وبين تَبِيعِه من الألفاظ(١)، فإنك إن مَذَقْتَ ألفاظَك بغير مَا يَحِسُنُ
أن يُذَق، نَفَرَتْ القلوبُ عن ◌َعْيِها، ومَّتْهُ الأسماع، واستثقلَتْهُ الرواة.
(١) وقع محرفاً في الأصل: (وبين تبعته).

٨٥٤
وكان صالح بن عبد الرحمن التميمي الكاتبُ يفصِلُ بين الآياتِ كلِّها وبين
تبِيعتها من الكِتابِ كيف وقعَتْ، وكان يقول: ما استُؤْنِفَ (إِنَّ) إِلَّ وَقَعِ الفَصْلُ.
وكان جَبلٌ (١) يفصِلُ بين الفاءاتِ كلِّها، وقد كَرِهَ بعضُ الكَتَبَة ذلك وأحبَّه بعض.
وفَصَل المأمونُ عند (حتى) كيف وقعَتْ، وأمَرَ كُتَّابِهِ بذلك، وكان يأمُرُ كُتَّابَه
/٣٩١ / بالفصلِ بين بَلْ، وبَلَى، وَلَيْسَ، وقال المأمون: ما أتفخَّصُ من رجلٍ شيئاً
كتفخّصِي عن الوَصْلِ والفَصْلِ فِي كِتَابِهِ.
وأمْرُ الفصل في الخَطِّ أمرٌ ذو بال، وقد أشار إليه بعضُ الجهابذة في مقالةٍ له في
البسملةِ حيث قال: والقولُ الفصلُ فيها أَنَّا من القرآن حيث كُتِبَتْ في المصحف
بالقلم الذي كُتِبَ به سائرُ القرآن، وأنها ليست من السُّوَر حيث كُتِبَتْ وحدَها في
سطرٍ مفصولةً عن السُّوَرِ.
ويؤيدُ ذلك أنَّ الصحابة قد بالغوا في تجريدِ القرآن، فلم يكتبوا في المصحفِ
شيئاً مما ليس منه، ولذلك لم يكتبوا أسماءَ السُّوَر، ونحوّ ذلك، ولا آمِينَ في آخِرٍ
الفاتحة، ولذا كَرِهَ كثيرٌ من العلماءِ كتابةَ أسماءِ السُّوَر ونحوِ ذلك لمخالفتِهِ لما جَرَى عليه
الصحابة رضي الله عنهم.
رُوِيَ عن النخعي أنه أُتِيَ بمصحفٍ مكتوبٍ فيه سُورَةُ كذا، وهي كذا آية،
فقال: أَمْحُ هذا، فإنَّ ابنَ مسعود كان يَكرَهُه. ورُوِيَ عن ابن سِيرِين أنه كَرِهَ النَّقْطَ
والفواتحَ والخواتمَ. ورُوِيَ عنه وعن الحسَنِ أنهما قالا: لا بأسَ بنَقْطِ المصاحف.
ورُوِيَ عن أبي العالية أنه كان يَكرَهُ الجُملَ في المصحف، وفاتحةَ سُورةٍ كذا، وخاتمةً
سُورةٍ كذا - وكان يقول: جَرِّدوا القرآن _ (٢).
(١) هو: جَبَلُ بنُ يزيد، من الكتاب المترسلين في عهد أبي جعفر المنصور، ذكره ابن النديم
في ((الفهرست)» ص ١٣٢، فقال: ((جبل بن يزيد، كاتبُ عمارة بن حمزة، وكان مترجماً، من معدودي
البُلَغاء والبرّعاء)).
(٢) لفظ (الجُمل) جاء في الأصل خالياً من الضبط، وضبطه المؤلف بالشكل (الجمّل) =

٨٥٥
ورُوِيَ عن يحيى بن أبي كثير أنه قال: ما كانوا يعرفون شيئاً مما أُحدِثَ في
المصاحف إلّ النُّقَطَ الثلاثَ على رُؤوس الآي. وقال غيره: أوَّلُ ما أحدثوا النَّقَطُ عند
آخِرِ الآي، ثم الفواتحُ والخواتمُ. وقال قتادة: بدؤوا فنقَّطوا، ثم لخَّسوا ثم عشَّروا.
وأخرج أبو عُبَيد وغيرُه عن ابن مسعود أنه قال: جَرِّدوا القرآنَ ولا تَخْلِطُوه بشيء.
قال الإِمامُ الحَلِيمِيّ: تُكرَهُ كتابةُ الأعشارِ والأخماسِ وأسماءِ السور وعدَدِ
الآياتِ فيه، لقوله: جَرِّدوا القرآن، وأمَّا النَّقْطُ فيجوزُ لأنه ليس له صُورةٌ فيُتوهّمُ
لأجلها ما ليس بقرآنٍ قرآناً، وإنما هي دلالاتٌ على هيئةِ المَقْرُوءِ، فلا يَضُرُّ إثباتها لمن
يحتاجُ إليها.
وقال بعضُ العلماء: ينبغي أن لا يُخْلَطَّ بالقرآنِ ما ليس منه، كعدَدِ الآياتِ
والسَّجَداتِ والعَشَراتِ والوقوفِ واختلافِ القِراءات ومعاني الآيات.
وقال بعضُ المُقرِئين: لا أُسْتجيزُ النَّقْطَ بالسَّوادِ لما فيه من التغيير لصُورةٍ
الرَّسْم، ولا أستجيزُ جَمْعَ قراءاتٍ شَتَّى في مصحفٍ واحد بألوانٍ مختلفة، لأنه من
أعظم التخليطِ والتغيير للمرسوم، وأَرَى أن تكون الحركاتُ والتنوينُ والتشديدُ
والسكونُ والمَدُّ بالحُمرَةِ،َ والَمْزَاتُ بالصُّفْرَةِ.
والمرادُ بالنَّقْطِ المذكورِ في كلام بعض التابعين هو النَّقْطُ الذي أُحدِثَ في
عصرهم للدلالة على الحركات. قال بعضُ العلماء: كان الشَّكْلُ في الصدر الأول
= بشد الميم في كتابه ((التبيان)» ص ١٧٨ من طبعة المؤلف سنة ١٣٣٤ بالقاهرة، وص ٢١٣ من
الطبعة التي اعتنيتُ بها وطُبعت ببيروت سنة ١٤١١، وهكذا هو (الجمّل) في ((الإِتقان))
للسيوطي ١٦١:٤. وجاء في ((المصاحف)) لابن أبي داود ص ١٥٤ و ١٥٧ (الجمل) مشكولاً
بضم الجيم فقط. ولم أجد من تعرَّض لبيان معناه. وفي (القاموس)) و((شرحه)) ٧: ٣٦٤ في
(جَمَل): ((وكَسُكَّر: حِسابُ الْجُمَّل، وهو الحروف المقطعة على أبي جَاد، وقد يُخَفَّف قاله
بعضهم)). فعلى شكلِهِ (الجُمل) بضم الجيم - وتخفيف الميم - لعل معناه كراهتُهُ كتابةَ جُملةٍ مَّا
في المصحف، سواء كانت للتعشير أي لتعداد عَشْر آيات أو لبيان فاتحةٍ سورة كذا أو خاتمة
سورةٍ كذا. فالله أعلم.

٨٥٦
بطريق النَّقْط، وأوَّلُ من فَعَلَ ذلك الإِمامُ الأجَلُّ أبو الأسْوَدِ الدُّوَّلِيّ، وذلك أنه كان
أراد أن يَعمل كتاباً في النحو، يُقوِّمُ الناسُ به ما فَسَد من لسانِهم، فقال: أَرى أن
أبتدِىءَ بإِعرابِ القرآن أولاً، فَأَحْضَرَ من يُسِكُ المُصحَفَ، وأَحضَرَ صِيغاً يُخالِفُ لُونَ
المِداد، وقال للذي يُسِكُ المصحفَ: إذا فَتَحتُ شَفَتِيَّ فاجعَلْ نقطةً فوقَ الحرف،
وإذا كسرتُهما فاجعَلْ النقطةَ تحت الحرف، وإذا ضممتُهما فاجعل النقطةَ إلى جانبٍ
الحرف، فإن أَتْبَعْتُ شيئاً من هذه الحركات غُنَّةً فاجعَلْ نقطتينٍ، ففَعَل ذلك حتى أتَى
على آخِر المصحف.
ويقال: إنَّ أول من فَعَل ذلك هو نَصْرُ بنُ عاصم اللَّيثي، ويقال: يحيى بنُ
يَعْسَرَ. وهؤلاء الثلاثةُ من أجِلَّة تابعي البصرة. والمعروفُ عند أكثر العلماءِ أنَّ أُولَ من
فَعَل ذلك هو أبو الأسْوَد.
وأمَّا الشَّكْلُ المتداوَلُ الآن فهو من وَضْع الخليلِ بن أحمد، وهو أَوْضَحُ،
فالفتحةُ عنده ألِفٌ صغيرةٌ تُوضَعُ فوق الحرف، والضمةُ واوٌ صغيرة تُوضَعُ فوق
/٣٩٢ الحرف، والكَسرةُ / ياءٌ صغيرة مردودَةٌ تُوضَعُ تحته، والتنوينُ زيادةٌ مثلُها، فإن كان
مُظْهَراً وذلك قبلَ حَرْفِ الحَلْقِ رُكِّبَتْ فوقها، وإِلَّ أُتْبِعَتْ بها.
وتُكتَبُ الألِفُ المحذوفةُ والمبدَلُ منها في محلّها حمراء، والهمزةُ المحذوفةُ تَكتَبُ
همزةً بلا حرف، وهي حمراء أيضاً، ويُوضَعُ على النون قبلَ الباءِ ميمٌ حمراء، علامةً
على القلب، وقبل الحلْقِ سکون، وتُعرَّی عند الإدغام والإخفاء، وُسگّن کل مُسَكَّن
ويُعرَّى المُدْغَم، ويُشدَّدُ ما بعدَه إلَّ الطاءَ قبلَ التَاءِ، فَيُكتَبُ عليها السكونُ نحُوُ
فَرَّطْتُ، ومَدَّةُ الممدودِ لا تُجاوزه.
وكان أبو الأسْوَد قد اقْتَصَر على وَضْع علائم للحركاتِ الثلاثِ والتنوينِ،
فَوَضَعَ الخليلُ لذلك علائمَ على طريقتِهِ، وزاد على ذلك فوَضَعَ لكلٍ من الهَمْزِ
والتشديدِ والرَّوْمِ والإِشمامِ والسكونِ علامةً، رَضي الله عنهم وعمنَ سَعَى سعيّهم
قاصداً نَفْعَ الناس غيرَ مُرِيدٍ بذلك منهم أجراً إلَّ المودَّةَ في العِلْم.

٨٥٧
الفائدةُ السابعة
ينبغي أن يُتَّخَذَ لأجل الوقف أربعُ علائم، وهي كافيةٌ بالنظر إلى أكثر الكتب.
العلامةُ الأُولى: علامَةُ السكت، وهي خَطُّ كالفتحة يُوضَعُ بين يدَيْ الحرفِ
المسكونِ عليه، هكذا (-)، وهذه العلامةُ كان الخليلُ جعَلَها علامةً على الرَّوْمِ،
والرِّوْمِ عندهم هو الإِتيانُ بحركةٍ آخِرِ الكلمة في حالِ الوقف خُفيَةً، حرصاً على بيانِ
حركتها التي تُحرَّكُ بها حالَ الوصل.
قال بعضُ العلماء: للعرب في الوقفِ على أواخرِ الكَلِم أوجهٌ متعددة،
والمستعمَلُ منها عند أئمة القِراءةِ تسعةً، وهي السُّكون، والرّوم، والإِشمام،
والإِبدال، والنَّقْل، والإِدغام، والحذف، والإِثبات، والإِلحاق.
والرَّومُ عندَهم هو النُّطْقُ ببعضِ الحركة. وسُمِّيَ رَوْماً لأنك تَرُومُ الحركةَ
وتُرِيدُها حيث لم تُسقِطها بالكلية، ويُدرِكُ ذلك القويُّ السَّمْع إذا كان منتبهاً، لأنَّ في
آخرِ الكلمة صُوَيْتاً خفيفاً.
ويُشارِكُ الرَّوْمَ الاختلاسُ في كونِ حركةٍ كلٍ منهما غيرَ تامة، إلَّ أنَّ بينهما فَرْقاً،
وهو أنَّ الرَّومَ لا يكونُ في الفتح والنصب، ويكونُ في الوقفِ دون الوصل، والثابتُ
فيه من الحركة أقَلُّ من الذاهب، والاختلاسُ يَدخُلُ في الحركاتِ الثلاثِ كما في
﴿لَا يَهْدِّي﴾ و﴿نِعًا﴾ و﴿يَأْمُرُكم﴾ عند من استعمَل الاختلاسَ فيها، ولا تختصُّ بمحل
الوقف وهو الآخِرُ، والثابتُ فيه من الحركة أكثرُ من الذاهب، فإنَّ المأتيَّ به من الحركة
في الاختلاس نحوُ الثلثين.
ولَّا تَرك الناسُ البحثَ عن الرَّومِ وما أشبهَه، لم تَبقَ لهم حاجةٌ في علامتِها
فُنُسِيَتْ أو كادت تُنْسَى. ولَّ كنا الآن محتاجِين للسَّكْتِ أكثرَ من احتياجنا للرِّوْم، رأينا
جَعْلَها علامةً عليه. ولا يخفى أنَّ بين ما وُضِعَتْ له في الأصل وما نُقِلَتْ إليه الآن
شيئاً من المناسبة.
وكان بعضُ كُتَّابِ الأندلس يَضعُها في آخِرِ السطر إذا بَقِيَتْ فيه بقيةٌ لا تتسِعُ

٨٥٨ .
الكتابة الكلمةِ المرومِ كتابتُها. وهذا من المواضع التي حَيَّرتْ الكُتَّاب حتى اختلفوا
فيها، فإنَّ بعضَهم يَرى أن يُكتَب بعضُها في آخِرِ السطر وبقيَّتُها في أولِ السطر الآخَر
ولا يَرَى بِتجزئةِ الكلمة بأساً للضرورة، وخَصَّ بعضُهم ذلك بالكلماتِ القابلةِ
للفصل في الكتابة، مثل الإِرسال والْرَاسَلة، والتراسُل والاستِرْسَال. وهذا مَعِيبٌ
عند أهل الصناعة لا يختلفون في ذلك.
/٣٩٣
وبعضُهم يَرى أنْ يُكتَبَ بعضُها / في آخِرِ السطر ثم يُبعَدَ عنه قليلاً، ويُكتَبَ
بقيِّتُها. وهؤلاء يَرَوْن هذا أَولى، لأنه بذلك يُمكنُ للقارىء أن يقرأ الكلمةَ بتمامها من
غير انتقال إلى سطر آخرٍ، وغايةُ ما فيه أنه يجد بين الكلمة وتتمتها فاصلاً ألجأ إليه
مراعاةُ التناسب بين أواخر الأسطر.
وبعضُهم يَرى ما رأى الكاتبُ الأندلسيُّ، وهو أن تُكتَبَ الكلمةُ بتمامِها في
أول السطر الآخَر، وبذلك يُخْلَصُ من تجزئة الكلمةِ الواحدة، غير أنَّ البياض الذي
يَبقَى في آخِرِ السطرِ لَّا كان مُوهِماً، لأنه قد تَرَك علامةً للفصل، اقتَضَى رَفْعُهُ بَوَضْعِ
هذه العلامة -، دفعاً لهذا الوَهْم، فكأنَّ هذه العلامةَ تقولُ لناظرها: صِلْ ولا
تَقِفْ.
وقد رأيتُ بعضَهم يَضَعُ هذه العلامةَ في أثناءِ السطر، إذا وقع فيه بياض
بطريقِ السهو، لئلا يَظُنَّ الناظرُ أنَّ ذلك البياضَ قد تُرِكَ بطريقِ القصدِ لكتابةِ شيء
فيه، وهو مما يَقعُ كثيراً.
وعلامةُ السَّكتِ إنما تُوضَعُ في المواضع التي يكونُ ما بعدَها متصلاً بما قبلَها
اتصالاً شديداً، غير أنه لا يَبلُغُ في الشّدةِ درجةَ الاتصالِ الذي بين الفعلِ وفاعِلِه،
والمبتدأ وخبره، والموصولِ وصِلتِه، ونحوِ ذلك، فإنَّ الاتصالَ إذا بلغ مثلَ هذه
الدرجة لم يَسُغِ وَضْعُ علامةِ السكتِ، فإذا رأى القارىءُ علامَةَ السكتِ ساغ له أن
يقِفَ هناك وقفةً خفيفة، لا يكادُ السامعُ يَشْعُرُ بها.
فمما فيه ما يَسُوغُ السكتُ عليه قولُ بعضِ أربابِ الحِكَم المأثورة: على العاقل
أن لا يكون راغباً إلَّ في إحدى ثلاث خصال ـ تَزوُّدٍ لَمَعَاد، أو مَرَمَّةٍ لمعاش، أو لَذَّةٍ

٨٥٩
في غير مُحرَّم. وقولُهُ: ثلاثُ خِصال من أفضلِ أعمال البرـ الصدقُ في الغَضَب،
والجُودُ في الْعُسْرَةِ، والعَقْوُ عند المَقْدِرَة. وقولُه: ثلاثُ خصالٍ ليس معهن غُرْبة -
كفُّ الأذى، وحُسْنُ الأدَب، ومُجَانَبَةُ الرِّيَب. وقولُه: السكوتُ في موضِعه من صفاتِ
صَفْوَةِ الرجال - كما أنَّ النُّطْقَ في موضعِهِ من أشرفِ الخِلال.
وقولُهُ: مما يَدُلُّ على عِلم العالِ معرفتُهُ بما يُدرَكُ من الأمور- وإمساكُهُ عما
لا يُدرَك - وتزيينُهُ نفسَه بالمكارم - وظهورُ عِلمِه للناس من غير أن يَظهَر منه فخرٌ ولا
عُجْب ـ ومعرفتُهُ بزمانِه الذي هو فيه - وبصرُه بالناسِ وأخذُهُ بالقِسط - وإرشادُهُ
المسترشِدَ _ وحُسْنُ مُخَلَقَتِهِ خُلَطَاءَهُ - وتسويتُهُ بين قَلْبِهِ ولسانِه - وتحرِّيه العدلَ في
كل أَمْر - ورُحْبُ ذَرْعِه فيما نابه - واحتجاجُهُ بالحُجَجِ فيما عَمِل - وحُسنُ تبصُّرِهِ.
وقولُهُ: حَبِّبْ إلى نفسِك العلمَ حتى تَأَلَفَه وَتَلْزَمَه - ويكونَ هو لهوَك ولذَّتَك،
وسَلْوَتَك وبُلْغَتك. وقولُه: إن استطعتَ أن لا تُخبِرَ بشيءٍ إلَّ وأنت به مُصَدِّق - وألا
يكونَ تصديقُك إلَّ ببرهانٍ فافعل. وقولُهُ: لا يَصلُحُ العلمُ بغير حِلم ـ ولا الحفظُ
بغير فَهْم - ولا الحسَبُ بغير أَدَب ـ ولا الغِنَ بغير كَرَم - ولا الجدُّ بغير جَدّ.
ولا بأسَ بوضع هذه العلامة في آخِرِ السطر، إذا بقِيَ فيه بياضٌ لا يتسعُ
الكتابةِ الكلمةِ المرومِ كتابتُها، على ما جَرَى عليه بعضُ كُتَّاب الأندلس.
ويَسُوغُ وضعُها في مثلِ قولِ بعضِ علماءِ الأصول، في الكلام على اللغاتِ
وأنها هل هي توقيفيةٌ أم اصطلاحية: والجوابُ عن التمسُّكِ بقوله تعالى ﴿وعَلَّم آدمَ
الأسماءَ كلَّها﴾ - أن نقولَ: لَم لا يجوزُ أن يكون المرادُ من التعليم أنه أَهْمَهُ الاحتياجَ إلى
هذه الألفاظ، وأعطاه ما لأجلِهِ قَدَر على الوَضْع.
مع أنَّ هذا الموضعَ ليس من مواضع الفصل أصلاً، لكن تُوضَعُ العلامةُ لمجرَّدٍ
التمييز بين الكلامين .
ومثلُ قولِهِ والأثارةُ في قوله تعالی : - ﴿أو أثارةٍ من عِلْم﴾ - هو ما يُروَى
أو يُكتبُ فیبقی له أثر.

٠٨٦٠
ويُستغنى عن وضع هذه العلامةِ بوجودِ علامةٍ أخرى لحصول المقصود، وذلك
/٣٩٤ في مثلِ قولِ بعض أربابٍ / التجويد: قال الزمخشريُّ في تفسير قولهِ تعالى -
﴿وَرَتِّلِ القُرآنِ ترتيلا﴾: الترتيلُ هو أن تأتيَ بالقراءةِ على ترسُّلٍ وتُوَّدة بتبيينِ الحروفِ
والحركات.
وقد كان الكُتَّاب قديماً يكتبون الآياتِ في مثلِ هذه المواضع إمَّ بمدادٍ يخالِفُ في
اللون ما يُكتَبُ به غيرُها، أو بقلم أدَقَّ منه، أو بخَطُّ مخالِفٍ في النوع له، فكان
المقصودُ حاصلاً بذلك.
وهنا أمر ينبغي الانتباهُ له وهو أن السَّكْتَ كالوقفِ له درجاتٌ متفاوتة في
المقدار، حتى إنه في بعض المواضع لا يكادُ يُشعَرُ به لشدةِ خفائِه، وذلك في مثل
قولك: جاد لنا فلانٌ، فإنه إذا كان من الجُود تجدُ نفسَك مُسَوِّغةً إلى السَّكتِ عِلى
الدال سكتةً خَفِيفَة خَفِيَّة، بخلاف ما إذا كان من الجدال.
ونحوُ قولك: مَا سَعَى أحدٌ في فَسَادٍ فَـ سَاد. فإنَّ الفاءَ الثانية لابُدَّ فيها من
سكتةٍ خَفِيَّة. ونحوُ قولك: ما لك لا تجعل مالك دُونَ كمالِك وأنت تعلمُ أنه سيكونُ
له دُونَكَ مالِك. وانظُر إلى لفظٍ قد رشاني في قول بعض القُضاةِ مفتخراً بالعدل:
ولا قالوا فلانٌ قد رَشَاني
فما خَفَضَ الأعادي قَدْرَ شاني
فإنك لا تشكُّ أنه لا بد من سكتٍ فيه في الموضعين، أما في الأول فعلى الراء،
وأما في الثاني فعلى الدال. وقد أشار إلى وقوع السَّكت في الشعر السيدُ المرتضى، فإنه
قال عند ذكر قول الكُمَيْتِ:
وما أنا ممن يَزْجُرُ الطَّيْرَ هَنَّهُ أصاحَ غُرابٌ أم تَعرَّضَ تَعْلَبُ
يجبُ الوقوفُ على الطير، ثم يبدأ بهَمُّهُ لُيُفهَم الغَرَضُ. ولا يخفى أنَّ المراد
بالوقف هنا السكتةُ الخفيفةُ لا الوقفُ بالمعنى المشهور، فإنه يوجبُ إسكانَ الراء،
فيَخْتَلُّ الوزنُ. على أنَّ هنا أمراً آخَرَ وهو أنَّ الوقفَ فيه يُوجِبُ التقاء الساكنين. وقد
تقرَّرَ أنه لا يقعُ التقاءُ الساكنين في الشعر إلَّ في الآخِر. وأما في غيرِهِ فلا يقع. نعم

٨٦١
أجاز بعضُهم وقوعَ ذلك في المتقارِب، واستَشهَدَ على ذلك بقول الشاعر:
فَرْضاً وحَتْماً على المُسْلِمِينا
فذاك القِصَاصُ وكان النَّقَاصُّ
أجاز ذلك في عَرُوضٍ هذا الضرب من الشعر، ولم يُجزه في غيرها.
وهذه المسألةُ وما شاكَلَها من متعلقاتِ علم قوانين القراءة، وهو عِلمٌ يُعرَفُ منه
العلاماتُ المميّزةُ بين الحروفِ المشتركة في الصُّوَّرِ والعلاماتِ الدالةِ على الإِدغام
والمدِّ والقصرِ والفصلِ والوصلِ والمقاطِع وأحوالٍ هذه العلامات وأحكامِها ونحوٍ
ذلك. وهذا العِلْمُ وعَلمُ قوانين الكتابة متلازمانِ لغايةٍ واحدة، وهو معرفةُ دلالةٍ
الخطِّ على اللفظِ. وذكر بعضُهم أنَّ شدَة الاحتياج إلى هذين الفنين وفَرْطَ عناية
النفوس الإِنسانية بمعرفتهما وتعلُّمِهما أغنتْ عن التصنيفِ فيهما.
العلامةُ الثانية: الوَقْفُ الحَسَنُ. اعلم أنَّ القومَ قد قرَّروا أن معرفةَ مواضع
الوقفِ متوقفةٌ على معرفة المعنى، وهو أمرٌ بينَّ بنفسِه، والتجرِبةُ تَعْضُدُه، فإنك إذا
راقبتَ من يقرأ وهو عارفٌ بمعنى ما يقرأه، تجدُهُ لا يقِفُ إلَّ في المواضع التي يَسُوغ
الوقفُ عليها، مع إعطاءِ كلِّ موضع ما يَستحقّه من المقدار ويقف.
فتارةً تراه يقفُ وقفةً قصيرةً جداً بحيث تقارب الوقفةَ المسماةَ بالسكتة، وذلك
حيث يكونُ ما بعدَ ذلك الكلامِ متصلاً بما قبلَه اتصالاً فيه قوة، غيرَ أنَّ ذلك
الكلامَ مفهومٌ في الجملة، وهذا الموضعُ هو الموضعُ الذي يُسمَّى الوقفُ عليه بالوقفِ
الحَسَن.
وتارةً تراه يقِفُ وقفةً أطولَ منها، وذلك حيث يكونُ ما بعدَ ذلك الكلامِ
/ متصلاً بما قبله اتصالاً أدنى في القُوَّةِ من الاتصالِ المذكور. وهذا الموضعُ هو الذي
يُسمَّى الوقفُ عليه بالوقفِ الكافي.
وتارةً تراه يقِفُ وقفةً طويلة تكاد تُوهِمُ السامعَ أنه يريد قَطْعَ القراءة، وذلك
حيث يكون ذلك الموضعُ قد تَمَّ فيه الكلام، وهذا الموضعُ هو الموضعُ الذي يُسمَّى
الوقفُ عليه بالوقفِ التامِّ .
/ ٣٩٥

٠ ٠
٨٦٢
ومواضعُ الوقف التام ظاهرةٌ بَيِّنَةٌ في الغالب، ولذلك يَندُرُ الاختلافُ فيها،
وقد تكونُ متعيِّنَةً، وذلك إذا وقعت في آخِرِ الكلام، وذلك كما في الحِكَم الآتية: قَال
عبدُ الله المأمونُ: خيرُ الكلام ما شاكَلَ الزمان. وقال أحمد بن أبي دُؤَاد: الاستصلاحُ
خيرٌ من الاجْتِياح. وقال بعضُ الحكماء: لا تكن تلميذاً لمن يُبادِرُ إلى الأجوبة قبلَ أن
يَتدبِّرَها ويتفكّرَ فيما يتَفرَّعُ عنها.
وأما مواضعُ الوَقْفِ الحَسَنِ أو الكافي فقد تكونُ غيرَ بِّنة، ولذا لم يَنْدُر وقوعُ
الاختلافِ فيها، فكثيراً ما يَحِكُمُ بعضُ الناظرين على وقفٍ بأنه حسن، ويحكمُ غيرُهُ
بأنه كافٍ، وذلك لاختلافٍ نظرهم في درجة التعلّق بين الكلام الموقوف عليه، وبينَ
ما بعدَه. وكثيراً ما يكون المختلَفُ فيه في الدرجةِ الوسطى بين النوعين، فيكون
الاختلافُ هناك غير مستغرب.
والظاهرُ أنَّ المواضعَ التي يُخْتَلَفُ في كونِ الوقف فيها حَسَناً أو كافياً، ينبغي أن
يُجْعَل الوقفُ فيها من قَبِيل الحسَن احتياطاً. ونهايةُ ما في ذلك أن يُجْعَلَ الوقفُ فيها
أقصَرَ، وهو لو لم يَقِفْ أصلاً لم يكن عليه شيء، بل ربما كان أحسَن إذا لم يُؤدِّ ذلك إلى
الاضطرار إلى الوقوف في موقفٍ غير مستحسن.
وقد عرفتَ أنهم ذكروا أنَّ الناظر في كتب القوم إذا وجدَهم قد اختلفوا في
الوقفِ في موضع، فقال بعضهم: يَحِسُنُ الوقفُ فيه، وقال بعضُهم بخلافه، ولم
يَترجَّح عنده أحدُ الوجهين أن الأولى أن لا يقِفَ في ذلك الموضع، لأنه لو لم يقف في
مواضع الوقف لم يكن عليه شيء، وإن وقف في غير مواضع الوقف كان مَلُوماً.
ومن أحكَمَ ما ذكرناه في هذا البحثِ اكتَفَى به في أكثر المواضع، ومن أراد
الزيادةَ فعليه بمطالعةٍ كتابٍ من الكتب المبسوطة فيه، المذكورِ فيها الأسبابُ والعِلَلُ.
وقد نظرتُ في كثيرٍ من الكتب فوجدتُ مناهجَ الكُتَّاب فيها مختلفةً من جهة
الوقف، وذلك أنَّ:
منهم من اقتَصَر على قسمٍ واحدٍ منه، وهو الوقفُ التامُّ الذي هو أحسَنُ