النص المفهرس
صفحات 881-900
٨٢٣ النطق، وهو مع ذلك ضعيفٌ في القياس، فهذا ونحوه مما لا بُدَّ في أدائِهِ وتصحیحِهِ للسمع من مُشَافهةٍ تُوضحُه وتكشِفُ عن غامِضٍ سيره. فإن قيل: فلِمَ جازَ في الفتحة أن يُنحَى بها نحوَ الكسرةِ والضمة، وفي الكسرةِ أن يُنحَى بها نحوَ الضمة، وفي الضمةِ أن يُنحَى بها نحوَ الكسرة، على ما قدَّمتَ ومثَّلتَ، ولم يَجُزْ في واحدةٍ من الكسرة والضمة أن يُنحَى بها نحوَ الفتحة؟ فالجوابُ في ذلك أنَّ الفتحة أولُ الحركات، وأدخَلُها في الحَلْق، والكسرةُ بعدَها، والضمةُ بعدَ الكسرة، فإذا بدأتَ بالفتحة وتصغَّدتَ تطلُبُ صَدْرَ الفمِ والشفتين، اجتازَتْ في مرورها بَمَخْرَج الياء والواو، فجاز أن تُشِمَّها شيئاً من الكسرةِ أو الضمة، لتطُّقها إياهما، ولو تكلَّفتَ أن تُشِمَّ الكسرةَ أو الضمة رائحةً من الفتحة، لاحتَجتَ إلى الرجوع إلى أولِ الحلق، فكان في ذلك انتقاضُ عادةِ الصوت بتراجُعِهِ إلى ورائِه، وتركِهِ / التقدم إلى صدرٍ الفم والنفوذ بين الشفتين، فلمّا كان في إِشمام الكسرةِ أو الضمةِ رائحةَ الفتحة هذا الانقلابُ والنقضُ تُرِكَ ذلك فلم يُتكلَّف البتّةَ . / ٣٧٤ فإن قلتَ: فقد نراهم نَحَوْا بالضمةِ نحو الكسرةِ في مَذْعُور وابنِ بُّوْر(١) ونحوِهما، والضمةُ كما تَعلمُ فوقَ الكسرة، فكما جاز لهم التراجعُ في هذا، فهلا جاز أيضاً في الكسرةِ والضمةِ أن يُنحَى بهما نحوَ الفتحة؟ فالجوابُ أنَّ بين الضمةِ والكسرةِ من القُربِ والتناسبِ ما ليس بينهما وبين الفتحة، فجاز أن يُتْكلَّفَ نحوُ ذلك بين الضمة والكسرة، لما بينهما من التجانُس فيما قد تقدَّم ذكرُه في صدر هذا الكتاب، وفيما سنذكره أيضاً في أماكنه، وهو مع ذلك قليلٌ مستكرَهُ، ألا تَرى إلى كثرةٍ: قُيْلَ وبْعَ وْغُيضَ، وقلةِ نحوٍ مررتُ بَمَذْعُور وابنِ بُوْر(٢). (١) في ((سر الصناعة)) ١: ٥٤ (في مَذُْور ومَنْقُور ونحوهما). (٢) في ((سر الصناعة)) ١: ٥٤ (وقِلَّةِ نحوِ مذعور وابن بور)، بدون لفظ (مررتُ بـ). ٨٢٤ ولعلَّ أبا الحَسَنِّ أيضاً إلى هذا نَظَر في امتناعِهِ من إعلالِ الواو، في نحوِ مَذْعُور، وتركِها واواً محضة، لأنَّ له أن يقول: إنَّ الحركةَ التي قبلَ الواوِ، لم تتمكن في الإِعلال والإِشمام تمكُّنَ الفتحةِ في الإِشمام في نحوِ عالمٍ وقَامَ، ولا تمكُّنَ الكسرةِ في قِيْلَ وْبَيْعَ، فلما كان الإِشمامُ في مَذْعُور وَنحوِهِ عِندَهُ خَلَّساً خَفِياً، لم يَقْوَا على إِعِلالِ الواوٍ بَعْدَهُ(١)، كما أُعِلَّت الألِف في نحوِ عِالمٍ وقُامَ، والكسرةُ في نحوِ قِيلَ وَغِيضَ، فلذلك لم تعتل عنده الواو في مَذْعُور وابنٍ بُور، وأخلَصها واواً محضة، فهذا قولٌ من القوة على ما تراه. ثم قال: وقد كان يجبُ على أصحابنا إذْ ذكروا فُروعَ الحروفِ نجَوَ ألِفٍ الإِمالة، وألِفِ التفخيم، وهمزةٍ بينَ بينَ، أن يذكروا أيضاً الياءَ في نحو قُيْلَ وبَيْعَ، والواوَ في نحو مَذْهُور وابنٍ وبُور، على أنه قد يُمكِنُ الفصلُ بین الياء والواو، وبينِ الألف، بأنها لا بد أن تكون تابعةً، وأنهما قد لا يَتْبعانِ ما قبلَهما، وما علمتُ أنَّ أحداً من أصحابنا خاضَ في هذا الفن هذا الخوض، ولا أشبَعَهُ هذ الإِشباع، ومن وجَدَ قولاً قاله، والله يُعينُ على الصواب بقُدرتِه. اهـ. الحركةُ الرابعةُ: الكسرةُ الَشُوبةُ بالضمة، وهي الكسرةُ التي قد أُشِمَّتْ شيئاً من الضمة. قال في ((سبر الصناعة)): وأما الكسرةُ المشويةُ بالضمة، فنحوُ قِيلَ وبِيْعَ وغِيضَ وسِيقَ، وكما أنَّ الحركة قبلَ هذه الياء مشوبةٌ بالضمة، فالياءُ بعدَها مشوبةٌ بروائحِ الواو على ما تقدم في الألف. قال بعض المحققين: تُشَمُّ الکسرةُ ضمةً في نحو قِيلَ وچيء وسِيءَ في لغة أَسَد وقَيْس وعَقِيل، فإنهم يُقرِّبون كسرةَ الأول من الضمة إشارةً إلى الأصل، والإِشمامُ في مثل هِبتَ يا زيدُ، إذا أُريدَ أنه صار مهيباً، أحسَنُ من الإِشمام في هِيبٌ لفصلِهِ بين (١) وقع في الأصل: (فلما كان الإِشمامُ في مَذْعُور ونحوِهِ عنده والعمل خَلْسَاً خَفِيّاً، لم يَقْوَ على إعلال الواو وبعده). فأثبته كما ترى، تبعاً لنسخة من ((سر الصناعة)) ليس فيها (والعمل)، ولم ترد الواو قبل (بعدَهُ) في نسخة، فهي مزيدة خطأ، فحذفتها. ٨٢٥ الفعلِ المبنيِّ للفاعل من الفعل المبنى للمفعول، وقد أُشِمَّتْ الكسرةُ ضَمَّةً في مثل تَغْزِين إشارةً إلى الأصل فإنه كان تَغْزِوِينِ . وقال بعضُ القراء: حقيقةُ الإِشمام في نحوسِي ءَ وسِيئَتْ وقِيلَ وغِيضَ وسِيقٌ وحِيلَ: أن يُنْحَى بكسرةِ أوائلِ هذه الأفعالِ نحوَ الضمةِ يسيراً، ليُدَلَّ بذلك على أنَّ الضمَّ الخالصَ أصلُها، كما يُنحَى بالفتحةِ المالِ نحوَ الكسرة قليلاً، ليُدَلَّ بذلك أيضاً على انقلابٍ الألف عن الياء، أو لتَقُرُبَ بذلك من كسرةٍ قبلَها أو بعدَها. وقال بعضُ علماء العربية: للعربِ في الفعل المجهولِ من نحو قالَ وباعَ ثلاثُ لغات: الأولى: قِيلَ وبِيعَ بالكسرة، وهي في اللغاتِ أَشهَرُ، وورودُها في الآثار أكثرُ. الثانية: قِيلَ وِيعَ بالإِشمام، وهي وإن كانت قليلةً فهي فصيحة، الثالثة: قُوْلَ وبُوْعَ بالضم، وهي لغةٌ غيرُ فصيحة. وحقيقةُ الإِشمام هنا هو أن تَنحوَ بالكسرةِ نحوَ الضمةِ، فتُمِيلَ الياءَ الساكنةَ بعدَها نحوَ الواوِ قليلاً، إذ هي تابعةٌ لحركةِ ما قبلَها، هذا هو مُرادُ القراءِ والنحاةِ / بالإِشمام في هذا الموضع. /٣٧٥ وقال بعضهم: الإِشمامُ هنا كالإِشمام في حالةِ الوقف، يعنون ضَمَّ الشفتين فقط، مع بقاءِ الكسر على حالِهِ غيرَ مَشُوب بشيء من الضم. وهذا خلافُ المشهور عند الفريقين . وقال بعضهم: هو أن تأتيَ بضمةٍ خالصةٍ بعدَها ياء ساكنة. وهذا أيضاً غيرُ مشهور عندهم، لأن الإِشمام عندهم هنا هو حركةٌ بين حركتي الضم والكسر، بعدَها حرفٌ بین الواو والياء. وقال في ((الجوهر الزاهر)): قرأ ابنُ عامر: سِيقَ وحِيلَ وسِيءَ وسِيئَتْ، بإِشمام الضم على اللغة الأسَدية، ورَوَى عنه هشامُ الإِشمامَ في قِيلَ وجِيءَ وغِيضَ عليها(١) (١) كذا في الأصل بلفظ (عليها)، ولم يظهر لي وجه ذكرها، فلعلها مقحمة خطأ. ٨٢٦ لأَتِّباع الأثَرِ، وَرَوَى عنه ابنُ ذكوان إخلاصَ الكسر فيها لاتِّبَاعِ الأثّر، وفي ذلك الجمعُ بين اللغةِ القرشية والأسدية . وكيفيةُ التلفُّظِ بالإِشمام أن تلفِظ فاءَ الكلمة بحركةٍ تامةٍ مركبةٍ من حركتين، إفرازاً لا شيوعاً، بحيث يكونُ جزءُ الضمةِ وهو الأقلُّ مقدماً، وجزءُ الكسرةِ وهو الأكثرُ تالياً له، وتنظيرُ بعضهم له بالإِمالة يُوهِمُ الشيوعَ. وقيل: يُشارُ بالضم مع الفاءِ أو قبلَها أو بعدَها، وكلُّ ذلك باطل، أمَّا الأول فلأنَّ الكسر يقتضي التسفّل، والضمَّ يقتضي الانطباقَ، فكيف يجتمعان معاً؟ وأما الثاني وهو الإِشارةُ بالضم قبلَ الفاء فإنه لم يُسمع، ولا قارىءَ به، وأمَّا الثالثُ فإنَّ الياءَ تَمنعُ من ذلك. وقيل: الإِشمامُ هنا صريحُ الضم. وليس بشيء، لأنه إن كان مع الواوٍ فلغةٌ لم يُقْرَأ بها، وإن كان مع الياء فخروجٌ عن كلام العرب .. فإن قيل: هل تُسُّمَعُ الإِشارةُ إلى الضمِّ أو تُرَى؟ وهل يُحكَمُ على الحرف الذي أُشِمَّتْ حرکتُه بالضم أو بالكسر؟ يقال: إنَّ الإِشارةَ إلى الضم تُسمَّعُ وتُرَى في نفس الحرفِ الأولِ هنا، والحرفُ الأولُ محكومٌ عليه بالكسر مع الإشارة إلى الضم. وما ذُكِرَ من كونِ الإِشمامِ هِو الإتيانُ بحركةٍ تامةٍ مركبةٍ من حركتينِ على طريقِ الإِفراز: هو قولُ بعض المتأخرين. وظاهرُ كلام الفراءِ والنحويين أنه الإتيانُ بحركةٍ تامة ممتزجةٍ من حركتين، وهما الكسرةُ والضمةُ على طريق الشيوع. وإذا أُمعِنَ النظرُ وُجِدَ هذا من قَبيلِ اختلافِ العباراتِ لاختلافِ الاعتبارات، قال الإِمام أبو علي الفارسي في كتاب ((حُجَج القراءات)): حُجَّةٌ من أَشَمَّ الضمَّ الكسْرَ ومالَ به نحوَه في هذه الأفعال - وهي قِيلَ وغِيضَ وسِيءَ وحِيلَ وسِيقَ وجِيءَ - أنَّ ذلك أدلُّ على فُعِلَ، ألا تراهم قالوا: كِيدَ زيدٌ يَفعَلُ، وما زِيلَ زيدٌ يَفعلُ، فإذا حرّكوا الفاء بهذه الحركةَ أَمِنوا التباسَ الفعلِ المبنيِّ للفاعل بالفعلِ المبنيِّ للمفعول، وانفَصَل منه، وكان أشدَّ إبانةً للمعنى المقصود. ٨٢٧ ومن الحُجَّة فيه أنهم قد أشَمُّوا رُدَّ وشُدَّ وشِبْهَهُ من المضعَّفِ المبنيِّ على فُعِلَ، مع أنَّ الضمة تَلحَقُ فاءه، فإذا كانوا قد تركوا الضمَّ الخالص إلى هذه، في المواضع الذي يَصحُّ فيها الضمُّ، فلزومُها حيث يَلزمُ الكسرُ فيه في أكثر اللغات أجدر، ودلّ استعمالهم هذه الحركةَ في رُدَّ ونحوه من المضعَّفِ على تمكنها في قِيلَ وشِبهه، وكونها أمارَةٌ للفِعلِ ، ولولا ذلك لم تُترك الضمةُ الخالصةُ إليها في رُدَّ وشِبهه. ومن الحُجَّةِ في ذلك أنهم قالوا: أنتِ تَغْزِين، فَأَشمُّوا الزاي الضم، وزائيُ تَغْزِين كقافِ قِيل، فكما التُّزِمَ الإِشمامُ هناك النُّزِمَ في قِيلَ، وكذا في اختِيرَ أُشِمَّت التاءُ منه لَّا كانت كقافٍ قِيل، وكما أُشِمَّ تَغْزِين لينفصِلَ من باب تَرْمِين، أُشِمَّ قِيلَ ونحوُهُ ليمتازَ من الفعلِ المبنيِّ للفاعل، نحو كِيدَ وزِيلَ، وليكونَ أدلَّ على فُعِل. وما يقوِّي قولَ من أَشَمَّ قِيلَ: أنَّ هذه الضمةَ المنحوَّ بها نحوَ الكسرة قد جاءت في قولهم: شَرِبتُ من المُنْقُر، وهذا / ابنُ مَذْهُور (١)، فأمالوا هذه الضماتِ نحوَ /٣٧٦ الكسرة لتكون أشدَّ مشاكلةً لما بعدَها، وأشبَهَ به، وهو كسرُ الراء، فإذا أخذوا بهذا لِتشاكُلِ الألفاظ وحيث لا ◌ُميّزُ معنی من معنى آخر، فأن يلتزموا ذلك حيث يُزيل ويَخلُصُ معنى من معنى أجدَرُ وأولى. الحركةُ الخامسةُ: الكسرةُ المحضةُ، وهي الكسرةُ الخالصة التي لا يَشُوبُها شيءٍ من غيرها، وذلك كحركة مِن وفي، وحركةِ أوائلِ قِيل وبِيع وهِيب وهِيتَ إذا لم تُشَّ. الحركةُ السادسةُ: الفتحةُ المحضةُ، وهي الفتحةُ الخالصة التي لا يَشُوبها شيء من غيرها، كفتحةٍ مَا ومَنْ. وقد شاب أكثرُ الناسِ الفتحةَ المحضةً إمَّا بالكسرةِ، وذلك في نحو خَيل ولَيل وسَيل ومَيْل، وإمَّا بالضمةِ وذلك في نحو يَوم وقَوم ونَوم. كما شابوا الكسرةَ المحضةً بالفتحة، وذلك في نحو صِلْ وأحسِنْ وأنعِمْ وأبشِرْ وبَشِّرْ. وقد تبينَّ بما ذُكِرَ أنَّ العامة ومن نحا نحوَهم، قد شابوا جميعَ الحركاتِ المحضةِ (١) تقدم نحوُ هذا الكلام في ص ٨١٩، فانظره هناك موضّحاً. ٨٢٨ من ضمةٍ أو فتحةٍ أو كسرةٍ بغيرها في كثير من المواضع، فينبغي الانتباهُ لذلك. الحركةُ السابعةُ: الفتحةُ المالةُ، وهي حركةٌ بين الفتحةِ المحضةِ والكسرةِ المحضة. والإِمالةُ عندهم هو أن يُنحَى بالفتحة نحوَ الكسرة، وذلك مِثلُ فتحةِ النون في النَّاس والباءِ في الكِبر عند من أمال ذلك. وليست الإِمالةُ لغةً جميع العرب، فإنَّ أهلَ الحجاز لا يُميلون ولكن يُفخِّمون، إلاّ أنه قد تقع منهم الإِمالةُ قليلاً. وأربابُ الإِمالة هم تمیمٌ ومن جاورهم من سائر أهل نجد كأَسَد وقیس. ولا يقال: إمالة إلَّ إذا بُولِغَ في إمالة الفتحة نحو الكسرة، وما لم يُبالَغ فيه يقال: الترقيقُ، والإِمالةُ بينَ بينَ، وقد يُسمِّ بعضُهم الترقيقَ إمالةً صُغرى، وما بُولغ فيه إمالةً کبری. وهذه الحركةُ موجودةٌ في اللغة الفارسية، وتسمَّى عند أهلِها بالكسرةِ المجهولة. وإذا مُدَّتْ ظهر بعدَها حرفٌ هو إلى الياء أقرَبُ منه إلى الألف، ويسمَّى بالياءِ المجهولة، ويكتَبُ بالياء، وذلك نحوُ سِير بإمالة كسرةِ السين، وهو بمعنى الشَّبْعَان، والنطقُ بهِ كالنطق بلفظِ سارَ في العربية إذا أُمِيلَ إمالةً كبرى، فإن كان بإخلاصِ كسرةٍ السين كان بمعنى الثُّوْمَ، لأنَّ الإِمالة في العربية طارئة، والتفخيمُ هو الأصل. قالوا: ويدلُّ على ذلك أنَّ كل ما يُمالُ لو فخَّمته لم تكن لاحناً، فإنه ما من كلمةٍ تُمالُ إلَّ وفي العرب من يُفخِّمُها، فدلَّ اطِّرادُ الفتح على أصالتِهِ وفرعيَّتِها. ولو أَمَلتَ كلَّ مفخَّم كنتَ لاحناً، فإن الإِمالة لا تكون إلَّ بسبب، فإن فُقِدَ امتنعت الإِمالةُ وتعيْنَّ الفتحُ . على أنه يمكن أن يقال: إنما كتبوها بالألِف رعايةً للغة قريش التي هي المقصودةُ بالأصالة. وكثيراً ما يُفرِّقُ الفُرس بين معنى الكلمةِ بمثل ذلك، نحو شير فإنه بالکسرِ المحضِ بمعنى اللََّن، وبالكسرِ المالِ إلى الفتح بمعنى الأسَد. ونظيرُ ذلك رُوي فإنه بالضمِّ المحضِ بمعنى الوجهِ، وبالضم المشوبِ بالفتح بمعنى الصُّفْرِ وهو نوعٌ من ٨٢٩ النحاس. وإنما لم تُكتَب ألِفُ الإِمالة في العربية بالياء مع أنها إلى الياءِ أَقَرَبُ منها إلى الألف(١). ومما جاء بالإِمالةِ في لغة قريش (لا) في إِمَّالا، قال في ((النهاية)): جاء في حديثٍ بَيْعِ الثَّمَرِ: إِمَّلاَ فلا تَبَايَعُوا حتى يَبْدُوَ صَلاحُ الثمرَةِ. هذه الكلمةُ تَرِدُ في المحاوراتِ كثيراً، وقد جاءت في غير موضع من الحديث، وأصلُها إِنْ، ومَا، ولا ، فَأُدْغِمَتْ النونُ في الميم، وما زائدةٌ في اللفظ لا حكمَ لها، وقد أمالت العربُ (لا) إمالةً خفيفة، والعَوَامُّ يُشبعون إمالتها فتصيرُ ألِفُها ياءً، وهو خطأ، ومعناها إن لم تفعلُوا هذا فلیکُنْ هذا. /٣٧٧ وأما الفتحةُ الَشُوبةُ بالضمة، فهي الفتحة التي تكون قبلَ ألِفِ / التفخيم، وذلك نحوُ فتحةِ اللامِ في الصلاة، والكافٍ في الزكاة، عند من يَشْوبها بشيء من الضمة، وقد سَبَق ذكرُها(٢)، فإنها عينُ الحركة الثانية المسمّاة بالضمة المشوبة بالفتحة. والمشهور عند الجمهور تسميتُها بالفتحةِ المشويةِ بالضمة، وذلك أنهم لاحظوا أنَّ الأصلَ فيها أن تكون فتحةً، بدليلِ أنها في أكثر لغاتِ العرب هي كذلك، فيكونُ شَوْيُها بالضمة أمراً طارئاً عليها، ولم يلتفتوا إلى أنَّ الضمَّ صار فيها أظهَرَ من الفتح، ولا إلى أنَّ الشَّائِبِين لها بالضم قد كتبوا بعدَها الواو دون الألف، فينبغي الانتباهُ لمثل ذلك، فقد وقع في مبحث الحركاتِ مع شدةِ غموضِه من اختلافِ العبارات، إمّا لاختلافِ الاعتبارات أو لغير ذلك ما ربما يُوقعُ النبيهَ في حَيْرةٍ شديدة. هذا وقد ذكر سيبويه ألِفَ التفخيم والألِفَ التي تُمالُ إمالةً شديدة في الحروف الفرعيةِ التي تُستحسَن. الحركةُ الثامنةُ: الفتحةُ المرقَّقة، وهي المتوسطةُ بين الفتحةِ المحضة والفتحةِ الممالة. قال بعضُ القُرَّاء: الإِمالةُ قسمانٍ: شديدٌ، ومتوسطة، والمتوسطةُ هي التي (١) لم يذكر المؤلف وجه تركِ كتابتهم ألِفَ الإِمالة بالياء. (٢) في ص ٨١٩. 1 ٨٣٠ تكون بين الفتحِ المتوسّطِ والإِمالةِ الشديدة. وينبغي أن يُجْتَنَبَ في الشديدةِ القلبُ الخالصُ والإِشباعُ المبالَغُ فيه، وكلا الإِمالتين جائز في القراءة، غيرَ أني أختارُ الإِمالةَ الوسطى التي هي بينَ بينَ، لأنَّ الغرض من الإِمالة حاصل بها. وقال بعضُ علماء الرسم: الإِمالَّةُ هي أن يُنحَى بالفتحة نحوَ الكسرة، وبالألِفِ إن كانت بعدَها نحوَ الياء، فإن كان جزءُ الكسرةِ أكثرَ سُمِّيَتْ محضةً وربما عُبِّ عنها بالكسر، وإنْ كان جزءُ الكسرةِ أقلَّ سُمِّيَتْ تقليلاً، وإن تساوَيَا سُمِّيَتْ بِينَ بینَ. وهذا يدلُّ على أنَّ بين الفتحةِ والكسرةِ ثلاثَ حركات، وما سَبَقِ يَدِلُّ على أنَّ بينهما حركتين، وإذا أمعنت النظرَ تبينَّ لك أن هذا من قبيل اختلافِ العبارات لاختلاف الاعتبارات. والمرادُ بالفتحةِ المحضةِ الفتحةُ التي تنشأ عن فتح الفم بلا تكلُّف . قال بعض القراء: الفتحُ ويقال له: التفخيمُ ينقسِمُ إلى قسمين: فتحّ شديد، وفتحٌ متوسط. فالفتحُ الشديدُ هو نهايةٌ فتح القارىء فمَهُ بلفظِ الحرف المفتوح، وهو معدومٌ في لغة العرب، والقُرَّاءُ يَعدِلون عنه، وأكثرُ ما يُوجَدُ في ألفاظِ أهلِ خُراسان ومن قَرُبَ منهم، فيما إذا كان بعدَ الفتح ألِفٌ، وهو مكروه عند القراء، مَعِيبٌ في القراءة، غيرَ أنَّ الكراهة في ذلك أخفُّ من الكراهة فيما ليس بعده ألِف، وذلك مثلُ ما يفعله بعض الناس في لام علیھم ودالٍ لديهم. والفتحُ المتوسِّطُ هو ما يكون بين الفتح الشديد والإِمالةِ الصُّغَرَى، وهو الذي يَستعملُه أهلُ الفتح من القراء، وإنما نبهنا على هذا لما ذكره بعضُ الجهابذة من أنَّ بعضَ من يَستعمِلُ الفتحَ الشديد يزعُمُ أنه الفتحُ المتوسط، ويَنسُبُ من اسْتَعمَّل الفتحَ المتوسّطَ إلى الإِمالة. وقد حذَّر بعضُ أرباب الفن من تفخيمِ العَجَم، وترقيقِ العَرَب، والمرادُ بتفخيم العجم الفتحُ الشديد الذي اعتاده أهلُ التفخيم منهم، والمرادُ بترقيق العرب ٨٣١ الإِمالةُ الصغرى التي هي لغةٌ لبعضٍ قبائل العرب، فإنَّ من العرب من لا يُمِيلُ أصلاً، ومنهم من يُميلُ في بعض المواضع إمالةً كبرى، ومنهم من يستعمل في موضعِها الإِمالةَ الصغرى. وأما الحركةُ المختلَسَةُ، فهي حركةٌ غيرُ متميزة في الحس، وتُسمَّى الحركةَ المجهولة، وبها قرأ أبو عَمْرو: ﴿فَتُوْبُوا إلى بارِئكم﴾. قال ابنُ جِنِيّ: وأما الحركةُ الضعيفةُ المختلّسةُ كحركةٍ هَمْزَةٍ بينَ بينَ وغيرها من الحروف التي يُرادُ اختلاسُ حركاتِها تخفيفاً، فليست حركةً مُشَمَّةً شيئاً من غيرِها / من الحركتين، وإنما أُضعِفُ /٣٧٨ اعتمادُها فأُخفِيَتْ لضربٍ من التخفيف، وهي بزِنَتِها إذا وَقَّتْ ولم تُخْتَلَس. وقد تقدَّمَتْ الدلالةُ على أنَّ همزةَ بينَ بينَ كغيرها من سائر المتحركات في میزان العَرُوض الذي هو حاكمٌ وعِيارٌ على الساكن والمتحرك، وكذلك غيرُ هذه الهمزة من الحروفِ المُخفاةِ الحركات، نحو قولِهِ عزَّ اسمُه: ﴿مَا لَكَ لا تأمنُنَا﴾ وغير ذلك، كلُّه محرَّك وإن كان مختلَساً. ويَدِلُّ على حركتِهِ قولُه تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضانَ﴾، فیمن أخفَی، فلو كانت الراءُ الأولى ساكنة، والهاءُ قبلَها ساكنة، لاجتَمَع ساكنانِ في الوصل، ليس الأولُ منهما حرفَ لِيْن والثاني مُدْغماً نحوُ دابَّة وشابَّة. وقال أبو علي: حركةُ البناءِ والإِعرابِ يُستعمَلُ في الضمةِ والكسرةِ منهما وجهانٍ الإِشباعُ والاختلاس، وليس في الفتحة إلّ الإِشباع، والاختلاسُ وإن كان صوتُهُ أضعفَ من الإِشباع وأخفَى فالحرفُ المختلَسُ حركتُهُ بزنةِ المتحرك، فمن رَوَى الإِسكانَ عن أبي عَمْرو في ﴿بارِئكم﴾ فلعلُّ سَمِعَه يختلِسُ فظنَّه لضعفِ الصوتِ والحركةِ أنه سكَّن، وعلى هذا: يَأْمُرُكم ويُشعِرُكم ونحوُه، كلَّه على الاختلاسِ مستقيمٌ حسن، وقد جاء إسكانُ مثلِ هذا في الشِّعر. وقال بعضُ القراء: إذا كانت القراءةُ بشيء مما شاعَ وذاعَ، وقد تلقَّته الأئمةُ بالإِسنادِ الصحيح الذي هو الركنُ الأعظمُ في ذلك، لم يَضُرَّ خِلافُ مخالف، فكم من ٨٣٢ قراءةٍ أنكرها بعضُ أهلِ النحو أو كثيرٌ منهم، ولم يُعتبَرَ إنكارُهم، کإسكانِ بارِثْكم ويأمُرْكم، وأئمةُ القراء لا تجرِي على الأفشَى في اللغةِ والأقيسِ في العربية، بل على الأثبَتِ في الرواية . الفائدة الخامسة رأى كثيرون من أهلِ النُّبْل المولَعين بالعربية وما يتعلَّقُ بها من خَطُّ ونحوِه: أنه ينبغي أن يُوضَعَ في هذا العصر علائمُ للحركاتِ المشويةِ ليكون الخطُّ العربيُّ وافياً بالغَرَض فيه، فإنا كثيراً ما نحتاجُ إلى كتابة كلماتٍ فيها شيء من تلك الحركات، فإن كتبناها بما يَقْرُبُ منها من الحركاتِ المحضةِ كان تحريفاً لها، وربما كان مغيّراً لمعناها، مع أنَّ الأمر في ذلك سهل، إذ ليس فيه تغييرٌ لشيء من الخط، وإنَّ الحاجةَ ماسَّةٌ إليه جداً، فتكونُ قد أجبنا داعيَ الزمان. على أنه ينبغي لنا أن نراعيَ شأن سائرِ الأمم، التي كَتَبَتْ لغاتِها بالخطِّ العربي كالفُرْسِ ومن نحا نخَوَهم، فإنهم كثيراً ما يحتاجون إلى العلائم الأخرى، فإذا وُضِعَتْ كان الخطُّ العربي وافياً بحاجتهم وفاءً تاماً، ولا ينبغي أن يُلْتِفَتَ إلى قولِ من يقول: إنَّ هذا نقصٌ لا يُذكَرُ بالنسبة إلى ما وقع في الخطوط الأخرى، فإنَّ هذا قولُ من يَرضى بالنقص مع إمكان الكمال، ولقد أحسن من قال: ولم أرَ في عُيوبِ الناسِ عيباً كنقصِ القادرين على التمام ولو دَعًا الداعي إلى ذلك في عصر الخليل لبادر هو أو أحَدٌ ممن ينتمي إليه إلى إِجابة الداعي، وأما عدَمُ وضعهم قديماً علامةً للحركاتِ المشويةِ كالإِمالةِ والإِشمام مع وجودِ ذلك في لغة العرب، فيمكنُ أن يكون سببُه كونَ ذلك ليس في لغةٍ قریش التي هي المقصودُ الأول، وعليها عند اختلافِ اللغاتِ المعوَّل، وَيُضَمُّ إلى هذا ما كان لهم من شدةِ العناية بالرواية والتلقي من الأفواه. هذا لُبابُ ما يُقالُ في هذه القضيةِ على كثرتِهِ وتشعبه . / ولا يخفى أنَّ هذا كلامٌ صادر عن أخِلَاءِ لا يَشُوبُ صفاءَهم كَذَر، فينبغي أن يُصغَى إليه ويُقبَل عليه، ولا يُحسَبَ لغواً كما يُفهَمُ من لحن كلام بعضِ اللغاة. /٣٧٩ ٨٣٣ وقبلَ الخوض في غِمار هذا البحثِ نذكُرُ هنا شيئاً وهو: أن ما ظُنَّ من عدم وضع القومِ علامةً للإِمالة والإِشمام، ليس كذلك، فقد تبينَّ من البحثِ والتتبع أنهم وضعوا لهما علامةً، بل زادوا فوضعوا علامةً لاختلاسِ الحركة، ولزيادةِ الحرف، وحذفِهِ، وغير ذلك، مما ربما لا تَمَسُ الحاجةُ إليه كثيراً، كالرَّوْمِ والإِشمامِ والنَّقْلِ فِي حال الوقف . قال بعضُ النحاة: في الوقفِ على المتحرك خمسةُ أوجه: الإِسكانُ والرَّومُ والإِشمامُ والتضعيفُ والنقلُ، ولكلٍ منها علامة، وقد ذكر سيبويه هذه العلائم، في كتابه، وهو تلميذُ الخليل بن أحمد مخترع هذا الشَّكْلِ الُزِيل للإِشكال، وله في ذلك كتاب. ومن أراد البحثَ عن العلائم المذكورةِ، فعليه بكتاب ((المُحْكم في نَقْطِ المصاحِفِ وكيفية ضبطها على مذهبٍ القراءِ وسَنَّن النحويين)) لأبي عَمْرو الداني. وقد كان لأهل المغرب عنايةٌ شديدة بذلك، وهو أمر يَتوقَّفُ إتقانُه والبراعةُ فيه على علمٍ وعمل، وقد أدركنا أناساً لهم في ذلك يَدٌ بيضاءُ منهم العلامةُ الوالدُ، غيرَ أنه قد كاد هذا الأمر أن يُنسَىَ، وعَسَى أن يتنبه بعضُ نبهائهم لدَرْسِه وإحيائه قبلَ أن يُدرَس، والكمالُ يدعو بعضه بعضاً، كما أنَّ النقصَ كذلك. وقد اعترض بعضُ من ألَّف في علم الخط على المؤلِّفين في أصول الحديث، لذكرهم مسائلَ كثيرةً تتعلق بعلم الخط في فنِّهم وإن كان لها فيه مناسبةٌ، وجَعَل الأولى بهم أن يكتفوا بذكرها في الكتبِ الموضوعة في علم الخط، فإنها به أجدر. ويمكنُ أن يقال: إنَّ كتب الخط لَّا كانت في الغالب لا تُقرَأ، اضْطُرُّوا إلى ذكرها، على أنَّ الخط أمرٌ ذو بال، والتساهُلُ فيه ربما أوقع خللاً عظيماً في الحديث، والحديثُ ذو شُجون، وأكثرُ المسائل إذا لم تُذكَر أطرافُها لا يكون فيها كبيرُ طائل، وهذا ليس شيئاً بالنظر لما فَعَله كثير ممن أَلَّفَ في أصول الفقه، فإنهم ذكروا فيه مسائلَ كثيرةً من فنون شتى، حتى وَصَل الحالُ ببعضهم إلى أن ذَكَر فيه فَنَّ المنطِق، وفي مقدمتهم الغزالي. ! 1 ٨٣٤ قال في مقدمة ((المستصفَى))(١): نذكُرُ في هذه المقدمة مَداركَ العقول وانحصارَها في الحَدِّ والبرهان، ونذكُرُ شرطَ الحدِّ الحقيقي، وشَرْطَ البرهانِ الحقيقي، وأقسامَهما على منهاج أوجَزَ مما ذكرناه في كتاب ((بِحَكَّ النظر)) وكتاب ((معیار العلم))، وليست هذه المقدمةُ من جملةِ علم الأصول ولا من مقدماته الخاصة به، بل هي مقدمةٌ العلوم كلِّها، وكلُّ من لا يُحِيطُ بها فلا ثِقةً بعلومِه أصلًا (٢)، فمن شاء أن لا يكتُبَ هذه المقدمةَ، فليبدأ بالكتابِ من القُطْب الأول، فإن ذلك أولُ أصول الفقه. وحاجةٌ جميع العلوم النظرية إلى هذه المقدمة كحاجةٍ أصول الفقه إليها. ولنرجع إلى المقصود فنقول: حيث لم يكن بُدُّ من وَضْع علائمَ للحركاتِ الفرعية، ينبغي أن تكونَ سهلةً قريبةً من أصلها في الصورة، ولذا استحسَن بعضُهم جَعْلَ علامةِ الفتحةِ المالِةِ الفتحةَ بعينها، إلاّ أنه قَلَبها فجعل طَرَفَها متجهاً إلى الجهةِ اليمنى هكذا - ١ -، قال بعضُ شراح ((الصحيحين)) في حديثٍ إِمَّالا فاصْبِرُوا، وحديثٍ وإمَّالا فلا تَبَايَعُوا: إنه بإِمالةِ لامِ ( لا ) إلى الكسر، ولا يُكتَبُ بياء، بل يُوضَّعُ فوقَ اللام شكلةٌ منحرفة، علامةً على الإِمالة. وإنما جَعَل هؤلاء هذه العلامةَ فوقَ الحرف، نظراً إلى أنَّ الأصل في اللغة العربية عدَمُ الإِمالة، فإذا لم يَتَبه القارىء، وظنَّها فتحةً لم يُعَذَّ بذلك لاِناً، بخلاف ٠ /٣٨٠ ما لو جُعِلَتْ تحت الحرف، فإنَّ القارىء إذا لم يَنتبه، وظنَّها كسرةً، / وأتى بالحرفٍ مكسوراً عُدَّ لاحناً. ويَقْوَى هذا الظنُّ في مثلِ موسَىَ وعيسَىَ وذِكرَى وبُشرَى .. وقد جعل بعضُهم هذه العلامةَ مشتركةً بين الإِمالةِ الصغرى والكبرى، إلاّ أنه فَرَّقَ بينهما فجعلها في الإِمالةِ الكبرى تحت الحرف، وربما زاد بعضُهم على ذلك فوضَعُ فوق الألفِ نقطتينِ هكذا - أ-، وجعَلَها في الإِمالةِ الصغرى فوق الحرف، وقد التزم هؤلاء أن يكتبوا ذلك بالمِداد الأحمر. (١) ١ :١٠. (٢) في النسخ المطبوعة من ((المستصفى)) ومنها طبعة بولاق (فلا ثقة لَهُ بعلومِهِ أصلاً). ٨٣٥ وأما الفُرسُ ونحوُهم فإنَّ الأُولى لهم أن يضعوا علامةَ الإِمالة تحت الحرف، وذلك لأمرين: أحدُهما أن الإِمالة ليست من الأمور الطارئة في لغتهم، ولذا كتبوا حرفَ المد الذي بعدَها بصورة الياء. الثاني أنهم وإن عَدُّوا أَنَّ من كَسَرَ نحو سِير وشِير مما أمالوه لاحِناً، فإنهم يعدون أن من فَتَحه أشدَّ لحناً. والظاهرُ أنه ينبغي لمن أراد أن يكتُبَ نحوَ قِسْ وزِنْ وكِلْ بالإِمالة، كما يَنطِقُ به العامة - وهو في الأصل مكسور -: أن يجعلَ علامةَ الإِمالةِ تحت الحرفِ رعايةً لما ذکر. وقد التزم بعضُ الكتاب أن يجعل الفتحةَ إذا تلاها مَدَّ قائمةٌ، وبعضُهم لم يلتزم ذلك إلاّ في بعض المواضع، نحوُ يَرْقَى ويُروى ويَهْوى والمرتقى والمنتقى، ونحوُ راس وياس واستاذن إذا خُفِّفت فيه الهمزةُ، بخلاف مثل كاتِب وكتابة. حتى إنَّ بعضَهم يرى عدمَ لزوم الفتحة فيه مطلقاً لدلالة الألف عليها، وخَصَّها بعضُهم بالمواضع التي حُذِفَ فيها حرفُ المد، نحوُ لهذا ولهؤلاء ولههنا والإِلهُ والرحمن والسموات ولكن ونحو ذلك. وكما التزم بعضُهم أن يَجِعلَ الفتحة إذا تلاها مَذَّ قائمةً، التَّزَم بعضُهم ذلك في الكسرة فجعلها قائمةً إذا تلاها مَدّ، سواء كان ذلك في موضع لا يُخشَى فيه الاشتباه نحو كَرِيم وحَلِيم وكَبِيرِ وجَلِيل، أو كان في موضع يُخْشَى فيه الاشتباه نحو أُدْنٍ وَأُقْصِي وأُعْطِي وأُوْلِيٍ وأُبدِيٍ وأُخفِي، فإنها أفعالٌ مُضارِعةٌ للمتكلم، وهي إذا فُتِحَتْ ياؤها صارت أفعالاً ماضيةً للغائب، إلّا أنَّ الداعيَ هنا أضعَفُ من الداعي فيما قبلَه. والأولى للكاتب أن لا يَلتزم شيئاً لا يَلزَم، خشيةً أن لا يقومَ بحقه. هذا، وقد يُظَنُّ أنَّ الفتحةَ والكسرةَ قد وُضِعتًا من أول الأمر على صورةٍ واحدة، غير أنه فُرِّق بينهما بجَعل الفتحةٍ من فوق، والكسرةِ من تحت، وليس الأمرُ كذلك، فإنَّ الخليل لَّا وَضَع العلائمَ جعَلَ علامةَ الضمة واواً صغيرة تُوضَعُ فوقَ الحرف، وعلامةَ الفتحةِ ألفاً صغيرةً فوقَ الحرف، إلاّ أنه جعَلَها مُضْجَعةٌ، وعلامةً الكسرةِ ياءً تُوضَعُ تحت الحرف، واختار لذلك الياءَ المردودةَ وهي التي يُرجَعُ بها إلى ٨٣٦ الجهةِ اليُمنى هكذا (﴾ )، إلاّ أنها تغيّرت فيما بعدُ حتى صارت كالفتحة. وقد اختار بعضُ العجم وَضْعَها فوق الحرف، علامةٌ على الإِمالة، إلاّ أنه اخْتَصَر فيها حتى صارت هكذا (4)، ومناسبةُ الياءِ للإِمالةِ لا تَخْفَى، ولو وُضِعَتْ تحت الحرفِ لم يكن في ذلك بأس، لتميُّزِها بصورتها، ويمكنُ التصرُّفُ فيها على أوجهٍ شتى مختلفة الوضع، هكذا (> < <>). وينبغي لمن أراد ذلك اختيار أسهلها علیه . وأما الضمةُ المشوبةُ بالفتحة فالأولى أن تُجعَل علامتُها نفسَ الضمةِ المشهورةِ بدون زيادة شيء عليها، إلاّ أنها تُجعَلُ مقلوبة، بأن يكون طَرَفُها متجهاً إلى الأعلى هكذا (،) وذلك مِثلُ: الصلّوة والزكْوة والحيّة في العربية عند من يكتُبُها بالواو، ويَجعَلُ حركةَ ما قبلَها ضمةً مَشُوبةً بالفتحة، ومثلُ زُوْر وَأَشْوب في الفارسية. وينبغي تسميةُ هذه الحركةِ بالضمةِ المَشُوبِةِ. وبزيادةِ هاتين العلامتين يتيسَّرُ كتابةُ الفارسية بدون إخلالٍ بشيءٍ من حركاتها، وذلك أنَّ الفُرسَ وكثيراً من الأمم لا يُوجَدُ في لغتهم إلاّ خمسُ حركات، /٣٨١ / وهي الضمةُ والفتحةُ والكسرةُ والفتحةُ المالةُ إلى الكسرةِ والضمةُ المَشُوبةُ بالفتحة. وأما الضمةُ المشوبةُ بالكسرة فالأولى أن تُجعلَ علامتُها نفسَ الضمةِ المشهورةِ بزيادةٍ خطٌّ تحتها متصل بها هكذا (2)، وهذه الصورةُ مناسبة لما وُضِعَتْ له، لأنَّ وضعَ شِبهِ الكسرةِ تحتَ الضمةِ يُشعِرُ بأنَّ هنا حركةً ممتزجةً من حركتين هما الضمةُ والكسرة، وأنَّ الضمة متقدمة على الكسرة، وعاليةٌ عليها، وإن كان التقدُّم هنا والسبقُ على طريق المجاز، ومثالُ ذلك مررتُ بمذعُور ، وابنٍ بُور . وهذه الحركةُ وإن كانت قليلةً في العربية، فهي كثيرةٌ في بعض اللغات المشهورة، وينبغي تسميتها بالضمة الممالة، لأن في لفظ الإِمالة بحسب العُرف إشعاراً بوجود الميْل إلى الكسر. ومما يُحرَّكُ لهذه الحركةِ رُدُّ ونحوُه من المضاعَف المبنيِّ لما لم يُسمَّ فاعله. وقد أشار إلى ذلك سيبويه حيث قال: أمَّا ما كان من بناتِ الياء فتُمَالُ ألِفُه، ٨٣٧ لأنها في موضعٍ ياء وبدلٌ منها، فَنَحَوْا نحوَها، كما أن بعضهم يقول: قد رُّدَّ وقال الفرزدق : وما حُلَّ من جَهْلِ حُبَى حُلَمائِنا ولا قائلُ المعروفِ فينا يُعنَّفُ فُيُشَم كأنه ينحو نحو فُعِلَ فكذا نحَوْا نحوَ الياء . وأما الكسرةُ الَشُوبَةُ بالضمة فالأولى أن يُجُعَل علامتُها نفسَ علامةِ مُقابِلَتِها وهي الضمةُ المشوبةُ بالكسرة، لكونها أشبَهُ الحركاتِ بها، إلَّ أنها تُوضَعُ مقلوبةً هكذا - ٦ - ومثالُ ذلك: قيلَ وجيءَ وخيفَ وهيبَ وانقيدَ واختيرَ وخفتُ وهبتُ. وينبغي أن يكتب مثلُ قِيلَ وجِيءَ على هذه اللغةِ بالياءِ دون الواو، وذلك لأنَّ الحرف الذي ينشأ عن هذه الحركة، هو إلى الياءِ أقرَبُ منه إلى الواو. وقد ذهب بعضُ الناس إلى كتابتهِ في غير العربية بصورة الواو، وذلك لكونه مَشُوباً به، وجعَلَ الحركةَ التي نشأ عنها نوعاً من أنواع الضمة، لكونها مَشُوبةٌ بها، وهو مخالفٌ للظاهر، فإن الظاهِرَ: كونُ هذه الحركةِ نوعاً من أنواع الكسرة، لكونِ الكسرِ أَغْلَبَ عليها، وکتابةُ الحرفِ الذي نشأ بصورة الياء، لكونه أشبه بها. وأما في اللغة العربية فيتعين كتابتُه بالياء لثلاثة أمور: أحدُها: ما ذُكِرَ وهو كونُه أُشْبَهَ بها. الثاني: أن أشهرَ اللغات فيه هي لغةُ من يلفِظُ به بالياء. الثالثُ: رعايةُ الاحتياط، فإنه إذا كُتِبَ على هذه اللغة بالواو، ولم يَنتبه القارىءُ للإِشمام، وأَتى بالضمّ الخالص يكون قد تَرَك اللغةَ الفصيحة، وهي لغةُ من يُشِمُّ الكسرةَ ضمةً، إلى لغةٍ غير فصيحة، وهي لغةُ من يقول فيه: قُوْلَ، وجُوْءَ، بالضم الخالص. وأما إذا كُتِبَ بالياء فإنه إذا لم يَنتبه للإِشمام وأَتَى بالكسرِ الخالص يكون قد تّرَك اللغةَ الفصيحة، وهي لغة من يُشِمُّ الكسرةَ ضمةً، إلى اللغة التي هي أفصَحُ منها، وهي لغةُ من يقول: قِيلَ وجِيءَ، بالكسر الخالص. وأكثرُ الناسِ في أمر العلائم إمَّا مُفَرِّط وإمَّا مُفْرِط. فمن المُفرِّطِين في ذلك من ٨٣٨ لا يكادُ يضَعُ علامةً في موضع من المواضع، ومن المُغْرِطِين فيه من لا يكادُ يترك موضعاً بغير علامة. وقد رأيتُ بعضَ قُرَّاءِ الفُرس جعَلَ لِـ (ما) ونحوِها علائمٌ، فجعَلَ لِـ (ما) الشرطيةِ: الطاءَ، وللاستفهاميةِ: الميمَ، وللموصولة: الخاءَ، إشارةً إلى أنها خَبَرية لا إنشائية، وللزائدة: الصادَ، إشارةً إلى أنها صِلةٌ في الكلام، والكافَّةِ: الكاف، وجعَلَ ذلك فوقَ میمٍ ما، وكتبه بأحرف صغيرة بمدادٍ أحمر، وجرى على مثل ذلك في كثير من الأشياء. والأولى في أمر العلائم أن لا تُوضَع إلاّ حيث يُضطرُّ إليها أو يَبعَثُ عليها /٣٨٢ باعث، / وهاك جدولاً في الحركات وما يتعلّقُ بها: أسماءُ الحركات العلامات مثالها بالعربية مثالها بالفارسية معناها الضمة . ou جُدْ پر ملآن الضمة المَشُوبَة ٥ صلُوة خودْ نفسه الضمة المحالة فِ صِلْ جه أي شيء الفتحة a ھَبْ ٥٠ سَرْ رأس الفتحة المحالة ﴾ درجهْ سه ثلاثة ٠ الكسرة المُشمَّة 2 eu هِبت u رُدّ الكسرة - وهذا المبحثُ واسعُ الأطراف جداً، وفيما ذكرنا كفاية للطالب المنتبه، والله الموفق. ٨٣٩ الفائدة السادسة قد عرفتَ أنه قد انتُقِدَ على أكثر كُتَّابِ العربية عدَمُ وضعهم علائمَ للوقف في أكثر الأحيان، حتى صار القارىء لا سيما إن كان يقرأ بسرعة لا يدري أين يقف، وإذا وقَفَ فربما وقَفَ في موضع ليس من مواضع الوقف، فيُضْطَرُّ حينئذٍ إلى البحث عن مَوضِع الوقف فيما مَضَى أو فيما يأتي. وهو انتقادٌ في محله، فقد حَثَّ العلماءُ على معرفة مواضع الوقف، ومُراعاتِها في حالِ القراءة والكتابة. وأعظَمُ الناس اعتناءً بأمر الوقف كُتَّبُ الكتاب العزيز والتالُون له حَقَّ تلاوته، وذلك لما ورد عن السلف من الأمر بمعرفتِهِ ومراعاته، رُوِيَ عن عليّ رضي الله عنه أنه سُئل عن قوله تعالى: ﴿وَرَتِّلِ القرآنَ تَرْتِيلًا﴾، فقال: الترتيلُ تجويدُ الحروف ومعرفةُ الوقف. وقال بعضُ القراء: بابُ الوقفِ جليلُ القدَرْ، عظيمُ الخطر، لا يتأتّ لأحد معرفةُ معاني القرآن، ولا استنباطُ الأدلة الشرعيةِ منه إلاّ بمعرفةِ الفواصل. وقال بعضُهم: لَّا لَمْ يُمكِن القارىءَ أن يَقرأ السوْرةَ أو القصةَ في نَفَسٍ واحد، وجَبَ اختيارُ مَوْضعٍ يَسُوغُ الوقوفُ عليه والابتداءُ بما بعده. ويتَحتَّمُ أن يكون موضعاً لا يُحيل الوقوفُ عليه المعنى، ولا يُخِلُّ بالفهم، وبذلك يَحِصُل القصدُ، وَتَظهَرُ دلائلُ الإعجاز. وقد حثَّ كثيرٌ من السلف عليه، واشترَط كثيرٌ من الخَلَف على المُجِيز أن لا يُحيز أحداً إلَّ بعدَ معرفتِه بالوقف والابتداء، فإذا عَرَف ذلك ساغ له أن يَصِلَ في مواضعِ الوَقْفِ عند امتدادِ النَّفَس، فإنَّ التاليَ كالضارب في الأرض، / ومواضعُ الوقفِ بین يديه كالمنازل، فالعارفُ لا يتعدَّى منزلاً إلَّ إذا أيقَنَ أنه يَصِلُ إلى المنزلِ الذي بين يديه والنهارُ قائم. والجاهلُ بالمنازلِ يُعرِّسُ حيث أجنَّهُ الليل، وقد يكونُ في موضع يَلحَقُه فيه ضَرَرٌ من تَلَفِ نفس أو مالٍ أو غير ذلك. فالقارىءُ العارفُ بالمقاطع يقِفُ حيث لا يَلحقه لوم، والجاهلُ يقِفُ عند انتهاء نَفَسِه، فقد يقِفُ في موضع يُضِرُّ الوقوف به، لإِحالتِهِ المعنى أو إخلالِهِ بالفهم. وقد /٣٨٣ ٨٤٠ حذَّر العلماءُ من الوقف على المواضع التي لم يَتمَّ فيها الكلامُ، وحَثَّوا على تجنبها. وقد قَسَم بعضُهم الوقفَ إلى قسمين: تامٍّ وقبيح، قالوا: ولو قال: جائزٌ وقبيح، أو حسنٌ وقبيحٌ، لكان أقرَبَ إلى التقَابُلِ بين القسمين. وكأنَّ صاحبَ هذا التقسيم جعَلَ ما يقابلُ القبيحَ قسماً واحداً، وهو قولٌ غريب. وقسَمَه بعضُهم إلى قسمينِ: تامٍّ وحسن، فالتامُّ عنده هو الذي يَحِسُنُ الوقفُ عليه، والابتداءُ بما بعدَه، والحسَنُ هو الذي يَحسُنُ الوقفُ عليه ولا يَحسنُ الابتداءُ بما بعده . والمشهورُ تقسيمُ الوقفِ إلى ثلاثة أقسام: تام، وكافٍ، وحسن. ووَجْهُ الحصر في ذلك أن يقال: إنَّ القارىء إذا وَقَف على كلامٍ تام، فإن انقطع عنما بعده لفظاً ومعنى فهو التامّ، وإن تعلَّق بما بعدَه، فإن كان من جهةِ المعنى دون اللفظ فهو الكافي، وإن كان التعلّق من جهةِ اللفظِ فهو الحسن. فالوقفُ التامُّ هو الذي لا يَتعلَّقُ به ما بعدَه لا من جهةِ اللفظ ولا من جهةٍ المعنى، وأكثرُ ما يكون عند انتهاءِ القِصَص وعند رُؤوس الآي، نحوُ الوقف على ﴿مالِكِ يومِ الدين﴾، فإنه يليه ﴿إِيَّاكِ نَعْبُدُ وإِيَّاكِ نستعين﴾، ونحوُ الوقف على نستعين، فإنه يليه ﴿أَهْدِنا الصراطَ المستقيم﴾، ونحوُ ﴿وَأَولئِك هُمُ المفلحون﴾، فإنه يليه ﴿إِنَّ الذين كَفَرُوا﴾ . والكافي هو الذي يتحسُنُ الوقفُ عليه والابتداءُ بما بعدَه، إلاّ أنَّ ما بعدَه له تعلُقُ به من جهة المعنى، ولذلك کان دون التام. ویکونُ الکافي في رُؤوس الآي وفي غيرها، وقد يكون بعضُه أكفَى من بعض، وذلك في نحو قوله تعالى: ﴿يُؤْتِ الحِكمةَ من يَشاءُ ومن يُؤْتَ الحِكمةَ فقد أوتي خيراً كثيراً وما يَذَّكَّرُ إِلَّ أُولو الألباب﴾. فالوقفُ على (من يشاءُ) كافٍ، والوقفُ على (كثيراً) أكفَى منه. : والحسنُ هو الذي يُحِسُنُ الوقفُ عليه ولا يَحسُنُ الابتداءُ بما بعدَه لتعلَّقِه به من جهة اللفظ. ويُسمَّى أيضاً الصالحَ لصُلوح الوقفِ عليه، وذلك نحوُ (الحمدُ لله)، ٨٤١ فإِنَّ الوقفَ عليه حَسَنٌ، لأنَّ المرادَ معقول، غيرَ أنه لا يَحسُنُ الابتداءُ بما بعدَه، فلا بُدَّ من أن يُعيدَ ما قبلَه ليتسِقَ بذلك الكلامُ. ونحوُ الوقف على ﴿رَبِّ العالمين﴾، فإنه يَحسُنُ الوقفُ عليه ولا تَحِسُنُ الابتداءُ بما بعدَه إلاّ عندَ أناسٍ قالوا: إذا كان رأسَ آية كما هنا جاز ذلك، بل قال بعضهم: إنَّ الأفضل الوقفُ على رؤوس الآياتِ وإن تعلَّقَتْ بِما بعدَها، اتّباعاً لَذيِ النبي صلَّى الله عليه وسلّم. واستدلوا على ذلك بما رُوِيَ عن أمّ سَلَمة رضي الله عنها، أنها قالت: إنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كان إذا قرأ قَطَع قراءَتَهُ آيَةً آيةً، يقول: ﴿بسم الله الرحمن الرحيم﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الحمدُ للَّهِ رَبِّ العالمين﴾، ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرحمنِ الرحيمِ مالِكِ يومِ الدين). رواه أبو داود ساكتاً عليه والترمذيُّ وأحمدُ وغيرُهم، وهو حديثٌ حسَنّ، وسندُهُ صحيح. والذي مال إليه أكثرُ الباحثين في الوقف: أنَّ كلَّ موضع یتعلّقُ به ما بعده من جهةِ اللفظِ لا يَسُوغُ إِنْ وُقِفَ عليه أن يُبْتَدَأَ بما بعدَه ولو كان رأسَ آية. قال العُماني: الناسُ مختلفون في الوقف، فمنهم من قال: هو على الأنفاس، فإذا انقطع النَّفَسُ في التلاوةِ فعندَه الوقف، فكأنهم جعلوا الوقفَ تابعاً لَقْطَع الأنفاس، / وجعلوها الأصلَ، والوقوفَ مبنيةٌ عليها. / ٣٨٤ وقال آخرون: الفواصلُ كلها مقاطع، فكلُّ رأسٍ هو وقف، واحتجوا بما رُوِيَ عن النبي صلَّى الله عليه وسلُّم أنه كان يقطع قراءته آيةً آيَةً، وبما رُوِيَ عن أبي عَمْرو وعامَّةِ الأئمة أنَّ الوقفَ على رأس الآية تامٌّ وكافٍ وحَسَن. ثم قال: وأعدَلُ الأقوالِ عندنا أنَّ الوقفَ قد يكون في أوساطِ الآي، وقد يكون في أواخرها، والأغلَبُ في رؤوس الآي أنها وقوف، وليس آخِرُ كلِّ آيةٍ وقفاً، فإنَّ المعاني معتبرة في سائرها. وفي القرآنِ كثيرٌ من رُؤوسِ الآي لا يَحِسُنُ الوقوفُ عندها، وأكثرُها في السُّور ذواتِ الآي القِصار، كسُورةِ مَرْيَمَ وطَه والشُّعَراءِ والصَّافَّاتِ ونحوِها، ألا ترى أنَّ ٨٤٢ قوله تعالى في سورة والصَّفات: ﴿ أَلَا إنهم من إِفكِهم لَيَقُولُون﴾، هو رأسُ آيةٍ، ومع ذلك لا يجوزُ الوقفُ عليه، لأنَّ الابتداءَ بما بعدَه يؤدِّي إلى تُبحٍ فاحش. وكذلك قولُه في الزُّخْرُف: ﴿أبواباً وَسُرُرَاً عليها يَتَّكؤون﴾ هو رأسُ آيَةٍ، وليس بوَقْف، لأنَّ قولَه : (وزُخْرُفاً) معطوفٌ على ما قبله، ولم تكثُر المعطوفاتُ ها هنا فيجوز لطولِ الكلام، فإن وُقِفَ على قولِه: (وزُخْرُفاً)، تمَّ الكلامُ وحَسُنَ الوقف عليه، ومن هذا في القرآن كثير، ذكرتُ نُبَذَاً منه ليُقاسَ عليهِ. قال أبو حاتم: أكثرُ أواخِرٍ الآيِ من أولِ القرآن إلى آخره تامٌّ أو كافٍ أو صالحٌ أو مفهوم، إلاّ الشيءَ بعدَ الشيء. وهذا الذي استثناه هو ما ذكرتُه لك، ولذلك قَلَّتْ كُتُبُ الوقفِ، فلم تكثُر كثرةَ كتب القِراءَة، لأنهم اقتصروا على غير الفواصل التي اعتقدوا فيها أنها مقاطع، فكلُّ من عَمِلَ من المتقدمين كتاباً في الوقفَ، فإنما أورَدَ فيه الوقوفَ التي في أواسطٍ الآي، ولم يتعرَّضوا لغيرها من الفواصلِ إلَّ اليسيرَ، أرادوا أن يُرخِّصوا للقارىء الوقفَ في أواسطِ الآي، كما جاز له الوقفُ على أواخرِها، لأن الآية ربما طالَتْ فلم يَبلغ النَّفَسُ آخِرَها، ولئلا يُتَوَهَّمَ أن انقطاعَ الأنفاس إنما يكون عندَ أُواخِرٍ الآيات دون أواسِطها، فَيَضِيقَ الأمرُ به عند القارىء. اهـ. وممن جَرَى على هذا القولِ العلّامة السَّجَاوَنْدِي، ولذا كتَبَ فوق كثير من الفواصل: لا، قال العلامة ابنُ الجَزَري في ((النَّشْر)): قولُ أئمةِ الوقف: لا يُوقَفُ على كذا، معناه أنه لا يُبتدأ بما بعدَه، إذ كلُّ ما أجازوا الوقف عليه أجازوا الابتداءَ بما بعده، وقد أكثَرَ السَّجَاوَنْدِيُّ من هذا القسم، وبالَغَ في كتابة: لا، والمعنى عنده لا تقِف، وكثيرٌ منه يَجوزُ الابتداءُ بما بعده، وأكثرُهُ يجوزُ الوقفُ عليه. وقد توهَّمَ من لا معرفةً له من مقلِّدي السَّجاوندي أنَّ مَنْعَهُ من الوقفِ على ذلك يقتضي أن الوقفَ عليه قبيح، أي لا يَحسُنُ الوقفُ عليه ولا الابتداءُ بما بعده، وليس كذلك، بل هو من الحسَنِ يَجِسُنُ الوقفُ عليه، ولا يَحسُنُ الابتداءُ بما بعدَه،