النص المفهرس
صفحات 861-880
٨٠٣ ٠٠ = عنهم، فقد كانوا يحملون كتبهم على ظهورهم ويمشون بها في الأيام والليالي المسافاتِ الطوال، إذ كانوا لفقد المال يفقدون الركوبة أو أجرتها، فإذا نَعَّمُوا خط الكتاب صَغُرَ حجمه، وخَفَّ حمله، وقلت تكلفته. وفي خبر الخطيب التبريزي (أبي بكر يحيى بن علي، أحد أئمة اللغة، المولود سنة ٤٢١، والمتوفى ببغداد سنة ٥٠٢ رحمه الله تعالى)، مع كتاب ((التهذيب في اللغة)) للأزهري المطبوع في خمسة عشر مجدداً ضخماً: شاهد ناطق من حال هؤلاء النفر من العلماء، ذكرتُه في كتابي (صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل))، وقد حكى واقعته هذه العلامة ياقوت الحموي في («معجم الأدباء)) ٢٦:٢٠، والقاضي ابنُ خَلِّكان في «وفَيَات الأعيان)» ١٩٢:٦، قالا: ((قرأ على الشيخ أبي العلاء المعري، وكان سبب رحلته إليه أنه حصلت له نسخة من كتاب ((التهذيب في اللغة)) لأبي منصور الأزهري، في عِدَّةٍ مجلدات لطاف، وأراد تحقيقَ ما فيها، وأخْذَهَا عن عالم باللغة، فدُلَّ على المَعَرِّي، فجعل الكتاب في غِثْلَاةٍ وحملَها على كتفه من تِبريز إلى الْمَعَرَّة - قرب مدينة حلب-، ولم يكن له ما يستأجرُ به مركوباً، فَنَفَذَ العَرَقُ من ظهره إليها، فأثّر فيها البلل، وهذه النسخة ببعض المكتبات الموقوفة ببغداد، وإذا رآها من لا يعرفُ خبرها، ظنَّ أنها غريقة، وليس بها سوى عرق الخطيب التبريزي. ثالثاً: ضِيقُ المكان الذي يعيشون فيه، فالعلماء قديماً كانوا ــ على الغالب - يسكنون الحُجَر في المدارس، والحجرة كما هو مشاهد في المدارس التي بقيت عامرة إلى أيامنا، لا تكاد تبلغ أربعة أمتار طولاً وثلاثة أمتار عرضاً، في المدارس المرفهة الممتازة البناء، فلا تتسع هذه الحجرة للكتب الكثيرة، مع القيام والمنام والطعام فيها، فلذا كان يتوجه بعضهم إلى نعومة الخط ودِقَّتَه، وكَتْب الكتب الكبار في مجلد واحد، غير عابى بإجهاد العين بكتابته وقراءته، أو بفوات انتفاعه به عند ضعف بصره في شيخوخته! وأذكر هنا نماذج أربعة من تلك الكتب: ١ - نسخةٌ من ((تهذيب الكمال)» للمِزِّي، قال شيخنا العلامة أحمد شاكر رحمه الله تعالى في ((شرحه على مسند الإمام أحمد)) ٢٤٩:١٥، وهو يذكر المراجع التي استعان بها في شرح ((المسند)): (تهذيب الكمال في أسماء الرجال» للحافظ المِّي، وهو أصل كتاب ((تهذيب التهذيب» للحافظ ابن حجر، وهو يقع في عددٍ كبير من المجلَّدات الضخام، تختلف باختلاف النسخ، ولكنه يكاد يوازي ضعفَ حجم ((تهذيب التهذيب»، المطبوع في اثني عشر مجدداً كبيراً. وجدنا نسخة مخطوطة منه نفيسة بدار الكتب المصرية، بخطّ نسخي دقيق جداً، أمكن من = ٨٠٤ = كتابة الكتابِ كلِّهِ في مجلد واحد متوسط، على ورق رفيع جميل، وهي منقولة عن نسخة نُقِلَتْ عن خط المؤلف، وقُوبلت وصُححَت، ويَغلبُ عليها الصحة وفرغ من كتابتها في ٨ من ربيع الآخر سنة ١٠٥١). ٢ - نسخة من ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر، ومعها كتب أخرى متعددة كلها في مجلد واحد. رأيتها في الخزانة العامة في مدينة الرباط، في مكتبة شيخنا العلامة المحدث عبد الحي الكَتَّاني رحمه الله تعالى، برقم ٥٨٣، مكتوبةً بخط ناعم كأنه دَبِيبُ النَّمْل کما یقول أهل بلدنا حلب، لدقته ونعومة الخط فيه، وهي في ١٢٩٣ صفحة لا ورقة، من القطع الكبير، بخط مغربي دقيق، وهذا الخط الناعم مألوف ــ بأقلَّ مما في هذا المجلد- عند ساداتنا العلماء المغاربة، فهو كثير في كتبهم المخطوطة قديماً وحديثاً، ولهم بالخط الناعم تفنُّنٌ وذوق رفيع . وكتب الأخ الصديق الأستاذ الشيخ محمد إبراهيم الكتاني أمين المخطوطات في الخزانة رحمه الله تعالى، بخطه على وجه النسخة هذه: ((هذه النسخة العجيبة من فتح الباري في مجلد واحد، هي بخط المحدث الكبير أبي العباس أحمد بن العربي ابن سُليمان الأندلسي ثم الفاسي، المتوفى سنة ١١٤١، قال الإِمام محمد بن جعفر الكتاني أثناء ترجمته من ((سَلْوة" الأنفاس)): ((ومن براعته نسخ نسخة من ((فتح الباري)) لابن حجر في سفر واحد)). وهي هذه، كتبه محمد إبراهيم الکتاني. انتھی . قال عبد الفتاح: ويَسبقُ أولَ هذه النسخة ٤٦ صفحة، فيها الكتب التالية: شرح ألفية العراقي في المصطلح له، من الأول حتى صفحة ٢٩، ثم يليه شرح نظم في الحديث للسيد عبد القادر الفاسي المحدث، من صفحة ٣٠ - ٣٥، ثم يليه منظومة أبي العباس أحمد بن زَكَري في المصطلح، من صفحة ٣٦ - ٣٧، ثم يليه متنُ ((نخبة الفكر)) للحافظ ابن حجر من صفحة ٣٧ - ٣٨، ثم متن الألفية للعراقي من صفحة ٣٨ - ٤٦. وكلها بخط ناعم دقيق لكاتب ((فتح الباري)). وكل صفحة لا تقل عن ٧٨ سطراً، وكل سطر يحوي ٣٥ كلمة، في صفحات ((فتح الباري))، وبعضُ الصفحات تحوي ٨١ سطراً، وبعضها يحوي ٨٧ سطراً، فليست مِسْطَرَةُ الصفحات واحدةً في كل الكتاب، وبعض الصفحات تحوي ١٢٠ - مئةً وعشرين - سطراً، فكأن الكتاب كُتب برأس الإِبرة. ٣ - قرأتُ في كتاب ((نيل الوطر من تراجم رجال اليمن في القرن الثالث عشر)) للعلامة محمد بن يحيى زُبَارَة اليمني ٢٧٩:٢، في ترجمة الشيخ العلامة المحدث محمد عَابِدِ السِّندي المكي، المتوفى سنة ١٢٥٧ رحمه الله تعالى، ما يلي: = ٨٠٥ وذكَرَ بعضُهم أنَّ في تدقيق الخط رياضةً للبصر، كما يُراضُ كلُّ عُضْوِ بما يَخُصُّه، وأنَّ من لم يفعل ذلك وأدمَنَ على سواه، ربما تَصعُبُ عليه مُعاناتُه فيما بَعْدُ إذا دعاه إلى ذلك داعٍ ، فيكون كمن تَرَك الرياضةَ بالمشي، فإنه يَحِصُلُ له مشَقَّة فيه فيما بعدُ، بخلافٍ من اعتادَهُ أحياناً . وهذه الكراهةُ إنما تكونُ فيما إذا كان ذلك بغير عذر، فإن كان ثَمَّ عُذْرٌ، كأنْ لا يكونَ في الوَرَقِ سَعَة، أو يكونَ رَجَّلاً يُرِيدُ حَمْلَ كَتبِه معه لتكون خفيفةَ المَحْمِل لم يُكرَه ذلك، قال محمد بن المسيّب الأَرْغِياني: كنتُ أمشي في مصر، وفي كُمِّي مِنْهُ جُزء، في كل جزءٍ ألفُ حديث. وقيل لأبي بكر عبد الله الفارسي وكان يكتُبُ خطاً دقيقاً: لم تفعلُ هذا؟ فقال: لقلةِ الوَرَقِ والوَرِق، وخِفَّةِ الحَمْلِ على العُنُقِ. ((واشتغل بجمع الأمهات الست في مجلد واحد، ونَسَخ ((فتح الباري بشرح البخاري)» في = مجلد واحد، ولما أكمل الأمهات جَمَع الأعيان من أبناء الزمان لذلك الشأن، وأظهر السرور، وكذلك فعل عند إكماله لفتح الباري)). انتهى. وقال شيخنا العلامة عبد الحي الكتاني في كتابه («فهرس الفهارس والأثبات)) ٧٢٢:٢، في ترجمة العلامة السُّندي المحدِّث المذكور: ((وخلّف مكتبة نفيسة، أوقفها في المدينة المنورة، اشتملت على نفائس وأصول عتيقة، عليها سماعاتُ أعلام الحفاظ. ومن أهمها وأغربها وأنفسِها سِفرٌ واحد، اشتمل على الموطأ، والكتب الستة، وعلوم الحديث لابن الصلاح، مقروءةٌ مهمّشةً بخط واضح، وهو سِفرٌ لا نظيرَ له فيما رأيتُ من عجائب ونوادر الآثار العلمية، على كثرتها في أطراف الدنیا)». ٤ - وجاء أيضاً في ((فهرس الفهارس والأثبات)) ٢: ١٠٤٤، في ترجمة (ابن السنوسي: محمد بن علي السنوسي) ما يلي: ((قال الحافظ أبو عبد الله محمد بن صَعْد التُّلِمْسَاني الأنصاري، في كتابه «روضة النِّسرين»: كان سيدي أبو القاسم العَبْدُوسي الفاسي نزيلُ تونس، حافظُ المغرب وإمامُ الدنيا في وقته: ممن فُتح عليه في حفظ البخاري، والقیام علیهِ نسخاً وفهماً وقراءة، رأيتُ في بعض التقابيد أنه نسخ منه ثماني نسخ وربما فَعَل أكثر، أكثرُها في سِفرٍ واحد، ونَسَخ من صحيح مسلم تسع نسخ ، وأما غيرهما من كتب الحديث والفقه فَتَسخَ من ذلك ما لا يأتي عليه العد والإحصاء ... )). انتهى. ومعذرةً من إطالة هذه التعليقة، فقد أردت بها تحميض القارىء لطرافتها وغرابتها. ٨٠٦ الأمرُ العاشر: كما وَقَع التصحيفُ في غيرِ الحديث، وقَعَ التصحيفُ في الحديث، وقد عرفتَ(١) أن التصحيف المتعلّقَ بالحديث منه ما يتعلَّقُ بالمتن ومنه ما يتعلق بالإِسناد. وقد ألّف كثيرٌ من العلماء الأعلام كتبا في ذلك، فمنهم من تُعرَّضَ لبيان التصحيف مطلقاً. ومنهم من اقتَصَرَ على بيانِ التصحيفِ الذي وقع في غير الحديث من کتب الأدب ونحوها. ومنهم من اقتصر على بيانِ التصحيفِ الذي وقع في کتب الحديث فقط . وليس مُرادُ من ألَّف في ذلك الطعنَ في المصحِّفين والوَضْعَ من قدرهم، فإِنَّ فيهم من وَقَع ذلك منه نادراً، وهو من أهل التثبت، لا سيما إن كان في موضعٍ تَعسِرُ /٣٦٥ فيه السلامةُ من الخطأ، ولذا قال بعضُ الحفاظ: إنَّ كثيراً من التصحيفِ / المنقول عن الأكابر الجلَّةِ، لهم فيه أعذار لم يَنقُلها ناقلوه، ومن يَعرَى عن الخطأ؟ والنبيلُ من عُدَّتْ غَلَطَاتُه، بل مرادُهم بيانُ الصواب، والتنبيهُ على ما يُخْثَىَ أن يَزِلَّ فيه من لم ينتبه له من الطلاب. والتصحيفُ قسمان: تصحيفُ بَصَرَ، وهو الأكثر، وذلك كتصحيفٍ بِشْر بُيُسْر، وتصحيفُ سَمْع كتصحيفِ عاصمٍ الأحوَل بواصِلٍ الأحدب. قال الدارقطني في حديث لعاصم الأحول، رواه بعضُهم فقال: عن واصِلٍ الأحدب: هذا من تصحيفِ السَّمْع، لا من تصحيفِ البصر: يُريد أنَّ ذلك مما لا يَشْتِبَهُ من حيثُ الكتابةُ، وإنما أخطأ فيه سَمْعُ من رواه. والتصحيفُ ينشأ غالباً من الأخذِ من الصُّحُف من غير تدريبِ الأساتذة، حتى قيل: إنه مأخوذٌ منها، فإذا قيل: صحَّفَ كذا فكأنه قيل أخذه من الصَّحِيفة ويقال له: الصّحفِيُّ. قال بعضُ اللغویین: الصَّحِیفةُ قِطعةً من چِلْد أو قرطاس ◌ُتِبَ فيه، وإذا نُسِبَ إليها - قيل - : رَجُلٌ صَحَفِيٍّ، بفتحتين، يُريدون أنه يأخذُ العِلمَ منها دون المشايخ . (١) مما تقدم في ص: ٤٣٩. ٨٠٧ والتصحيفُ تغييرُ اللفظِ حتى يتغيَّرَ المعنى المرادُ من الموْضِع، يقال: صَحَّفه فتصحَّفَ أي غيَّرَهُ فتغيَّر حتى التَبَس. ونُقِلَ عن الحافظ المِّيّ - وكان من أبعَدَ الناسِ عن التصحيف، ومن أحسنهم أداءً للإِسنادِ والمتنِ - أنه كان يقول: إذا أَغْرَبَ عليه أحَدٌ بروايةٍ مما يَذكُرُهُ بعضُ شُرَّاح الحديث، وكان ذلك على خلافٍ المشهور عنده: هذا من التصحيفِ الذي لم يَقِف صاحبُه إلَّ على مجرَّدِ الصُّحُف، ولم يأخُذ إلَّ منها. وقد ذَكَر بعضُ من تعرَّض لبيان عِلَل الحديث التي تَعْرِضُ له فتُحِيلُ معناه: أنَّ من جملةِ ذلك نَقْلَ الحديثِ من الصُّحُفِ دون السماع من أئمته، وأنَّ كثيراً من الناس يُعوِّلُ على إجازةِ الشيخ له دون لِقائِهِ والتلفِّي منه، ثم يأخُذُ بعدَ ذلك عِلمَه من الصُّحُف والكتبِ التي لا يَعلم صِحَّتَها من سَقَمِها، وربما كانت مخالفةً لروايةٍ شيخِه، فيُصحِّفُ الحروفَ ويُبدِّلُ الألفاظ، ويَنسُبُ جميعَ ذلك إلى شيخِه وهو له ظالم. ومن ثَمَّ وجب على النُّقَّاد المَلِين بمعرفة الصحيح من السقيم - إذا وَرَد عليهم حديثٌ يخالف المشهور، لا سيما إن كان مما يُنْبُو عنه السمعُ - أن ينظروا أولاً في سندِهِ، فإن وجدوا في رُواتِهِ من لا يُوثَقُ به لم يُعوِّلوا عليه، وإن لم يجدوا ذلك رَجَعوا إلى التأويل، فإن أمكن تأويلُه بغير تعسُّف قَبِلوه ولم يُنكروه، وإلَّ ردوه وحَمَلوا ما وقع فيه على وَهَمٍ عَرَض لبعض الرواة. والتحريفُ العُدولُ بالشيء عن جِهِتِه. وحَرَّفَ الكلامَ تحريفاً عَدَل به عن جهته، وهو قد یکون بالزيادة فیه والنقص منه، وقد یکون بتبدیل بعض كلماتِه، وقد يكون بحملِهِ على غير المرادِ منه. فالتحريفُ أعمُّ من التصحيف. وخَصَّ الأدباءُ: التصحيفَ بتبديلِ الكلمةِ بكلمةٍ أخرى تُشابِهُهَا في الخطّ، وتُخالِفُها في النَّقْط، وذلك كتبديل العَذْلِ بالعَدْل، والغَدْر بالعُذْرِ، والعَيْب بالعَنْب. والتحريفَ بتبديلِ الكلمةِ بكلمةٍ أخرى تُشابهها في الخط والنَّقْط معاً، وتُخالفها في الحركاتِ كتبديل الخَلَقِ بالخُلُق والفَلَك بالفُلك والقَدَم بالقِدَم. ٨٠٨ وقد كان الخَطُّ العربيُّ في أول الأمر خالياً من النَّقْطِ والشَّكل، فكان لا يُؤْمَنُ فيه التصحيفُ والتحريفُ على كل قارىء، ثم وُضِعَ بعدَ ذلك النَّقْطُ وَالشَّكلُ. أمَّا النَّقْطُ فللتمييز بين بعضِ الحروفِ المشتَرِكةِ في صورةٍ واحدة، فأُمِنَ بذلك من التصحيف. وأما الشَّكلُ فلبيانِ الحركاتِ التي للحروفِ، فأُمِنَ بذلك من التحريف، فصار الخَطُّ العربيُّ مع حُسنِ الصورةِ وافياً بالغَرَضِ المطلوبِ من الخط. وإنما اختاروا جَعْلَ الشكل مُسْتَقِلًا / لما أشرنا إليه في بعض رسائلنا في الخط، حيث قلنا: قد اختلفَتْ مناهجُ أرباب الكِتابة في أمر الحركات، فمنهم من لم يُتخذ لها علائمَ في الخط كالسامِرة. ومنهم من اتخذ لها علائم. وهؤلاء أقسام: منهم من النَّخَذَّ لها علائمَ متصلةً بالحروف، حتى تتغيَّرَ صُورةٌ الحرفِ بتغير حركتِهِ، كأهل الحَبَشة، فإنَّ لكل حرفٍ عندهم صُوَراً شتى تختلِفُ باختلافٍ حركته، ومنهم من اَخَذ لها علائمَ لا تتغير صورةُ الحرفِ بتغيّرها. وهؤلاء قسمانٍ: قسمٌ اختاروا أن تكون علائمُ الحركات في أثناءِ الكلمة فرسموا حركةَ كلِّ حرفٍ متحركٍ بعدَه في أثناء السطر كاليونانيين واللاتينيين، وكأنّ هؤلاء جعلوا الحركةَ جُزْأَ من الكلمة في الكتابة، وبذلك سَهُلَتْ القراءةُ وضَعُبَتْ الكتابةُ، وذلك أنَّ الكاتب بها يغدو كأنه يكتبُ الكلمةَ مرتين. وقسمٌ اختاروا أن تُجعَل علائمُ الحركاتِ مستقلَّةً خارجةً عن السطر، فتُوضَعَ علامةُ الحركة فوقَ الحرفِ المحرَّكِ بها أو تحتَه، كالعَرَب والعِبرانيين والسُّريانيين. وهؤلاء قد جعلوا زِمامَ الحركاتِ في أيديهم، وبذلك يتيسرُ لهم أن يَجِرُوا على مقتضى الحالِ من الشَّكْلِ عند الإِشكال، وتركِهِ عند عدم الإِشكال، أو شِدةِ الاستعجال. وقد بلغ الخطُّ العربيُّ من الكمالِ ما لا يخفى على من نَظَر في الكتب التي غَفَل عنها الزمان، فلم يُصبها بآفةٍ فيقِيَتْ إلى هذا العهد، فإنَّ كثيراً منها كُتِبَ بخط يَرُوقُ الطَّرْفَ، مع حسُنِ الضبطِ ووَضْعِ علائم الوقف، بحيث يقرأ فيها كلُّ قارىء بدون أدنى توقف. /٣٦٦ ٨٠٩ وقد توهّم بعضُ أهلِ الأدب من أهل الأندلس: أنَّ في الخط العربي من الاشتباهِ ما لا يُوجد في غيرِهِ من الخطوط، متلقِّفاً ذلك من أناسٍ لم يقفوا على حقيقةٍ الأمر، ثم ظَهَر بعدَ أعصُرٍ أُناسٌ من غيرِ أهلِ الأدبِ فزعموا ذلك، وقد شَعَرُوا بشيءٍ يقال في الخط العربي، فبادروا للاعتراض عليه والإِزراء به، وظنوا أنَّ ذلك يُشعِرُ بنباهتهم، ويُقرِّبُهم عند الأمم الأخرى، وهم في الأكثر لا يُحسنون خطوطَهم. وبينما هم ينتظرون الشكر، وحُسنَ الذكر عندهم، إذا بكثير من أربابٍ تلك الخطوطِ والمهيمِنين عليها، قد رَدُّوا عليهم، وسَدَّدُوا سِهامَ اللوم إليهم، وقالوا لهم: قِفُوا مكانكم، فما لكم ولأمرٍ لم تَّخْبُرُوه، وأبانوا أنَّ شِكايتهم ليسَتْ من نفسِ الخط العربي، كما فَعَل أولئك الأغمار، بل من بعض الأنواع السقيمةِ الشديدةِ الاشتباه، التي ألّفها كثيرٌ من الناس، وحَثُّوا على الاعتناءِ بالخطِّ المحقّق، والتزامِ الشَّكْلِ ولو فيما يُشْكِلُ فقط، ووَضْعِ العلائمِ الدالةِ على الوقفِ ونحوه . ولا يخفى أنه يوجد في بعض أنواع الخط العربي ما تَعسُرُ قراءتُه حتى على كثير من الحُذَّاق، كالخطِّ المسلسل، وهو الذي تتصل حروفُه ولا ينفصِلُ منها شيء، وكأنَّ واضعَه قَصَد به أن يجعله من قَبِيل الإِلغاز في الخط، فلا ينبغي أن تُكتَبَ به وبما شابهه في عُسْرِ الحل إلّ المذكِّراتُ التي يُحِبُّ صاحبُها أن لا يَطّلع عليها غيرُهُ، ويَسُوغُ أن تكتب به المراسَلاتُ الخاصةُ إذا كان المرسَلُ إلیه من العارفین به، لا سيما إن كانا يُحِبَّانِ أن لا يَطّلع عليها غيرُهما، والحكيمُ من وَضَع كلَّ شيء في موضعه. وليس الاعتراضُ على الخطّ واللغةٍ ونحوهما منكراً، بل هو مطلوب إذا كان على وجهه، فإنَّ بيانَ النقص في الشيء ربما دعا إلى إزالته، فیکون من مُوجِباتِ الكمال، وإنما المنكَرُ التهافتُ على الاعتراضِ من غير معرفةٍ ولا اخْتِبار، كما يفعله كثيرٌ من الأعمار. وقد وقفتُ على مقالاتٍ فيها بيانُ حالِ الخط العربي، وما قاله أهلُ المعرفة فيه، وهي صادرة ممن خَبَر كما خَبَرَ غيرَه من /خطوط الأمم المشهورة. وقد أحببت أن /٣٦٧ أوردَ هنا، ما ذُكِرَ فيها بعد الجمع بينها مع الاختصار والتنقيح، وها هو ذلك. ٨١٠ مما لا شك فيه عند الباحثين في أمرٍ الخطوط وتولّدِ بعضِها من بعض: أنَّ الخطّ العربي المعروفَ بالخط الكوفي، قد تولَّد من الخطِّ السُّرياني المعروف بالخط السرتجیلي، ويدل على ذلك أمور: الأول: شدةُ التشابه بين الخطين، بحيث يَظُّ الناظرُ في أول الأمر أنهما من نوع واحد. الثاني: أنَّ الحروفَ المفصولةَ عما بعدَها في الخطّ السُّرياني، وهي الألف، والدالُ، والراء، والزائيُ، والواوُ، والتاءُ، والصادُ، والهاءُ، هي الحروفُ المفصولة عما بعدَها في الخط العربي، ويُستثنى من ذلك التاءُ والصادُ والهاءُ، فإنَّ العَرَبَ التزمَتْ وصلَها. الثالث: أنَّ العرب كانوا كالسُّريانيين يَعُدُّون حروفَ الهجاءِ على نَسَقِ أَبْجَدُ، فيقولون: أَبْجَدْ، هَوَّزْ، حُطِّيْ، كَلَمُنْ، سَعْفَصْ، قَرَشَتْ. ولَّا رأوا أنَّ في لغتهم سِتَّةِ أحرُفٍ لم تُوجَد فيها، زادوا لفظتين وهما ثَخَذٌ ضَطَغٌ. فاجتَمَع بذلك شَمِلُ الحروف العربية . ولما رأى العربُّ أنَّ هذه الحروفَ الستة ليس فيها صُوَرٌ في الخَطِّ السُّرياني، لعدم الاحتياج فيه إلى ذلك، عَمَدوا إلى كل حرف منها، فنظروا إلى الحرفِ الذي يُنَاسِبُه، فجعلوه على صُورته، فنشأ من ذلك أن صارَتْ الثاءُ مع التاء، والخاءُ مع الحاء، والذالُ مع الدال، والضادُ مع الصاد، والظاءُ مع الطاء، والغينُ مع العينِ، على صورةٍ واحدة. وقد استحسَنَ ذلك منهم بعضُ المحقّقين في اللغات السامِيَّةِ، ووصَفَهُم بالبراعة حيث قال: إنَّ العرب لَّا رأوا أنَّ صُوَر الحروف في الخَطُّ السُّریاني اثنتانٍ وعشرون، والحروفَ العربية ثمانيةٌ وعشرون، لم يخترعوا صُوَراً جديدةً للخروفِ المختصةِ بهم، كما فَعَلَ بعضُ الأمم الغربية الشِّيمالية، ولا اتخذوا طريقةُ وَضْعِ صُورتين أو أكثرَ لكل حرفٍ من الحروفِ المختصّةِ بهم، كما فعَلَ اللاتينُ في الفاءِ والخاءِ والثاءِ والراءِ اليونانياتِ، وكما فَعَل من اقتَفَى أثرَهم من الأمم الغربية، حين ٨١١ رأَوْا أنَّ صُوَرَ الحروفِ اللاتينيةِ لا تشتمِلُ علی جمیع حروفهم، فجعلوا لكل حرفٍ من الحروفِ المختصةِ بهم صُورتينِ أو أكثرَ من صُوَر الحروف اللاتينية. انظر إلى الشِّين مثلاً وهي مما لا يُوجَدُ في اللاتينية، فَتَرى بعضَهم يُصوِّرُها بالسين والهاء، وبَعْضَهم بالسينِ والزَّاي، وبَعْضَهم بالكافِ والهاء، وبَعْضَهم بالسینِ والكافٍ والهاء، وبَعْضَهم بغير ذلك، وقِس عليه سائرَ الحروف التي تُوجَدُ في لغتهم ولا تُوجَدُ في لغة اللاتين، وليتهم كانوا سلكوا في ذلك مسلكاً واحداً حتى لا يقَعَ المطالعُ في كثيرٍ من المواضع في الحَيْرة. وقد أظهر العربُ فيما استعاروه لهذه الأحرف من الصُّوَرِ حِكمةً بالغةً، تَظهَرُ مما قَرَّره العارفون باللغاتِ السامية، وهو أنَّ اللغة العربية والسُّريانية والعِبرانية قد نشأت من أصلٍ واحد، هو لهنَّ بمنزلةِ الأم، وهي اللغةُ الآرامِية، نسبةً إلى آرام أحَدٍ أبناءِ سام، وهذه اللغاتُ الثلاثُ بمنزلةِ الأخوات، ومما يدلُّ على ذلك كثرةُ التشابه بينهن. ولَّا كان الأمرُ كذلك، أحبُّوا أن يُراعوا في أمر تصوير هذه الحروف جانبَ الأُخْتَين، إلَّ أنَّ مُراعاتَهم لجانب السُّريانيةِ التي أخذوا هذا الخطَّ من أربابها كان أكثرَ، وذلك أن الألفاظَ العربيةَ التي فيها ضاد، وهي موجودةٌ في السُّريانيةِ والعِبرانية، يَجعلُ السريانيون ضادَها عيناً، والعِبرانيون صاداً، نحوُ أرْض، وضان، وضاق، وقبض، فإنها في السريانيةِ: أرع، وعان، وعاق، وقبع، والعبرانية: أرص، وصان، وصاق، وقبص، فاستعاروا للضادِ صُورةً للصَّاد، مجاراةً للعبرانيين الذين يجعلون الضادَ صاداً، ولم يستعيروا لها صُورةً العينِ / مجاراةً للسريانيين الذين يجعلون الضاد /٣٦٨ عيناً، لما بين الضادِ والعينِ من البعدِ في اللفظ. وقد فعلوا عكسَ ذلك في الظاء، فإنهم لم يُصوَّروها بالصاد كما يلفظها العبرانيون، ولكن صوَّروها بالطاء كما يلفظها السريانيون، وذلك لأنَّ الْبُعدَ ما بين الظاءِ والصادِ أكثرُ من البعدِ ما بين الظاءِ والطاء، ولأنَّ صورةَ الصاد قد استُعِيرت الصورةِ الضاد، ولأنَّ مجاراةً من أخذوا عنهم الخطَّ أولى. ٨١٢ والألفاظُ العربيةُ التي فيها ذالٌ وهي موجودةٌ فيهما، يجعلُ السريانيون ذاتها: دالاً، والعبرانيون: زاياً، نحوُ ذِكْر وذَهَب وذِراع، فإنها في السريانية دِكر ودَهَب ودراع، وفي العبرانية زِکر وزهب وزِراع. والألفاظُ العربيةُ التي فيها ثاءٌ وهي موجودةٌ فيهما، يَجْعِلُ السریانیون ثاءًها تاءً، والعبرانيون: شِيناً، نحو ثَلْج وثَعْلَب وثقلْ وَثَوْرٍ وَثب واثنانٍ وثلاثة. وقد نشأ من الاستعارةِ المذكورةِ أن صار لاثنيْ عَشَرَ حرفاً سِتُّ صُوَرِ، يَشتركُ في كل صورةٍ منها حرفانٍ، فحصَلَ بذلكِ التباسٌ، وزادَ بجعلِ الحاءِ كالجيم، والزاي كالراء، والشين كالسين، والقافِ كالفاءِ، مع التشريك بين التاءِ والباءِ والياءِ والنونٍ في صورة واحدة، إذا كنَّ في غير آخرِ الكلمة، فصار الالتباسُ شديداً. وكيف لا والحروفُ العربية ثمانيةٌ وعشرون، والصُّوَرُ الدالةُ عليها في الكتابةِ سبعةً عَشَر. : وبَقُوا على ذلك حيناً من الدهر، ثم حَزَبهم الأمرُ إلى رفع الالتباس، فاخترعوا طريقةَ النَّقْط، فامتاز كلُّ: حرفٍ بصورةٍ لا يُشاركُهُ فيها غيرُه، إلَّ أنه بعدَ اختراع هذهِ الطريقة، قد كُتِبتْ كتبٌ كثيرة بدون نَقْط، جرياً على الطريقةِ القديمة، إلَّ أنهم الآن قلّما يكتبون شيئاً بغير نَقْط إلَّ أسماءهم في بعض المواضع كالرسائل ونحوها، فإنَّ أحدَهم إذا كتَبَ رسالةً إلى غيره، أو كُتِبَتْ من طَرَفِهِ، فإنه يضعُ اسمه في آخرها بغير نَقْط، وكثيراً ما يفعلون ذلك في الشهادات والصكوك، ويُسمَّى ذلك عندهم بالإِمضاء، وهو من الأمور التي تُنكّرُ عليهم. وقد جرى العربُ في أول الأمر على ما جَرَى عليه الأممُ السامِيَّة، من عدم وضع علائمَ للحركات، فكانوا يكتبون الحروفَ فقط، ثم بعدَ حينٍ اخترعوا لها علاماتٍ، وجعلوها فوق الحروف أو تحتها، ولم يُدخِلوها في صفها كما فَعّل كثيرٌ من الأمم غير السامِيّة، إلاّ أنَّهم انتبهوا من أول الأمر لأمرِ المَدّ، فجعلوا له علامةُ تدل عليه، واعتنَوْا به حتى جعلوا العلامةَ حَرفاً من الحروف، يُوضَعُ بعدَ الحرفِ الممدودِ داخلاً معه في الصف، فإن كان الممدودُ مفتوحاً جعلوا علامةً مدِّهِ الألِف، وإن كان 1 ٨١٣ مضموماً جعلوا علامَةً مذِّه الواو، وإن كان مكسوراً جعلوا علامةَ مدُّه الياء. وقد غَفَل عن هذا الأمر الذي انتبه له العربُ من أول الأمر كثيرٌ من الأمم التي لها عنايةٌ شديدة بأمر الكتابة، حتى إنهم لم يَضَعُوا له علامة أصلاً. -- وقد أصبح الخطُّ العربيُّ بعد وضع علائم الحركاتِ مع النَّقْطِ وافياً بتمام الغرض، بحيث صارَتْ الكلماتُ العربية يَقرؤها الواقفُ على حروفها وحركاتِها من غیر توقف. وهذه المزية قلّما تُوجدُ في خَطِّ أُمَّةٍ من الأمم، حتى إنَّ بعض الأمم المتقدمة في العلوم والمعارف، يَحتاجُ المرءُ بعد تعلُّم خطّها أن يتعلم قراءَةَ جُلِّ الكلمات التي في لغتهم كلمةٌ كلمة، حتى يَتَيسَّرَ له بعدَ ذلك أن يَقرأ في كتبهم قراءةً خاليةً عن الشوائب، إلَّ أنَّ كتابةً مِثلِ اللغة الفارسيةِ بها لا يخلو عن إِشكال، لمخالفة طِباع اللغاتِ الساميَّة لطباع غيرها من سائر اللغات. ومما يُستغرَبُ أنَّ الأمم الغربية مع اتفاقهم في صُوَرِ الحروفِ الهجائية، قد اختلفوا في لفظِ كثيرٍ منها، فَتَرَى كثيراً من الألفاظ إذا كُتِبَتْ / بحروفهم يقرؤها كلَّ / ٣٦٩ فريق منهم على وجهٍ يخالف غيرَه. وعلى ذلك فلا تستغرِبْ اختلافَهم في أسماءِ كثيرٍ من المُدُن ونحوِها. وقد نشأ من ذلك أن صار أغلَبُ الألفاظِ الْمُصوَّرَةِ بحروفهم - إذا كان من اللغاتِ الغرِيَّة عندهم، كالصِّينيةِ والهِنديةِ والفارسيةِ ــ مجهولاً لا يُعرَفُ كيف يُلفَظُ به عند أهلِه، وذلك أنَّ الذين تلقّوْا أولاً تلك الألفاظَ من العارفين بها، قد كتبوها على مقتضى اصطلاحِهم، فإذا قرأها غيرُهم من الأمم الأخرى قرأها كلَّ فريقٍ منهم على مقتضى اصطلاحِه. فنشأ من ذلك اختلافٌ في اللفظ، وكان الواجبُ عليهم كما اتفقوا في صُوَرِ الحروفِ مع اختلافٍ لغاتهم، أن يتفقوا على ما تدلُّ عليه، بحيث إنه إِذا كُتِبَتْ كلمةٌ بحروفِهم أن تكون قراءتهم لها على وجهٍ واحد، واتفاقُهم في هذا الأمر أهمُ من ٨١٤ اتفاقِهم في أمورٍ تتعلَّقُ بالأكلِ والشربِ واللباسِ ونحو ذلك، مما لا يتعلّقِ ضَرَرٌ عظیم باختلافِه. وقد نشأ من اختلافِهم اختلافُ كتَبَةِ العَرَب في هذا العصر، في بعض الألفاظ الأعجمية المأخوذة من اللاتينية أو الیونانیة، فإنَّ كلَّ فریق منہم ینطقُ بها کما ینطقُ بها القومُ الذين تلقى عنهم ذلك، وهم مختلفون فيه. وقد تصدَّى بعضُهم لتغيير بعض الألفاظِ المذكورة في الكتب العربية القديمة، مع أنها أقربُ إلى الأصل، فلْيُحذر من ذلك، ولُيُتْرَك القديمُ على حاله، وليُنتَبَه إلى غيره حتى لا يَبْعُدَ عن أصلِهِ بُعداً شاسعاً. ولنذكُرْ لك أمراً ربما تستغربُه جداً، وهو أنَّ اللغة اللاتينية، وهي اللغةُ العلميةُ المتفَقُ عليها بينهم، لا يتفقون في أمر التلفظِ بها، حتى إنه قد يَتكالُم بها اثنانِ منهم، فلا يَفهمُ أحدُهما ما يقول له الآخر! وهذه عَثْرةٌ لا تُقَال. وقد وقع في خط السُّریانيين شيءٌ من الشوائبِ تُوجبُ الإِشكال فيه في کثیر من المواضع، وهو أنهم كثيراً ما يكتبون من الحروف ما لا يُقرأ، وذلك أنَّ لغتهم كان قد أصابها مع طُولِ العهد بعضُ تغيّرِ، فسَقَط بعضُ الحروف من بعض الكلمات، غيرَ أنَّ الكَتَبَةَ لم يُحِبُّوا أن يُسقِطوا تلك الحروفَ من الكتابة، لئلا يُخالِفِوا من كان قبلَهم من أسلافهم في كتابتها، فأبقَوْها على حالها، غيرَ أنهم يُسقِطونها حالَ القراءةِ ولا يَلِفِظون بها، وهذا يدل على أنهم كانوا يكتبونَ قبلَ سقوط تلك الحروف، فيكون أمرُ الكتابة عندهم قديم العهد . وأما العبرانُّون فإنهم کالعرب لا يكتبون إلاّ ما يلفظون به، وما وقع من العرب على خلاف ذلك فإنه قلیل لا يُذكَر، وذلك کواو أُولئك وألف مائة. وأما الأَمَمُ الأخرى فقد أَفرطَتْ في ذلك، فكأنها جَعَلت الأصلَ في الكتابةِ تصويرَ اللفظِ بصورته التي كان عليها من قبلُ، فصار من يُريدُ أن يَتَعلَّمَ القراءةَ في لغتهم، يَحتاجُ بَعْدَ إتقانِ مبادىء القراءةِ والكتابة، أن يَتعلَّم قراءةَ ما لا يُحصَ منْ الكلماتِ كلمةً كلمةً، حتى تتيسَّرَ له القراءةُ على وجهٍ لا شائبةَ فيه، فحاكَوْا بذلك 1 ٨١٥ أهلَ الصين. وقد سَعَتْ فئةٌ من علمائِهِم في إصلاح هذا الخَلَلِ العظيم، فلم يُجْدِ سعيُهم شيئاً. وقد اعتَرض كثيرٌ من علماءِ الآثار على المتأخرين من كُتّاب اللغةِ العربية من ثلاثة أوجه : الأول: تصرُّفُهم في الخطِّ القدیم الذي كان يُكتبُ به، على وجهٍ جعَلَه أدنى مما كان عليه من التناسُبِ والوضوح، حتى إنَّ حروفَ خَطّهم أمسَتْ غيرَ متناسبةٍ في المقدارِ والشكل، وصار كثيرٌ منها شديدَ الاشتباهِ بغيره، بحيث إنَّ القارىء يَحتاجُ إلى إمعان النظر في کثیر من الحروف حتی یهتدي إلى قراءتها . الثاني: تركُهم الشَّكلَ إلَّ قليلاً جداً، ونشأ من ذلك أن يَصِيرَ القارىءُ - إن لم يكن / بارعاً في العربية لا سيما إن لم يكن من أهلها - في اضطرابٍ شديدٍ حينَ / ٣٧٠ القراءة، لأنه إمَّا أن يَقرأ الكلماتِ المحتمِلةَ لوجوهٍ شتّى بأيِّ وجهٍ اتَّفَقَ له، فيكونَ خطؤه أكثرَ من صوابه، وإمَّا أن يَقِفَ وهو حائر حتى يَجِدَ من يُزِيلُ حَيْرتَه إن تيسّرَ ذلك. الثالثُ: تركُهم علائمُ الفصلِ بين الجُمَلِ، حتى صار القارىءُ لا سيما إن كان يقرأ بسرعةٍ لا يدري أين يقف، وربما وَقَفَ في موضعٍ ليس موضعَ الوقف، فيُضطرُّ حينئذٍ إلى البحثِ عن موضع الوقفِ فيما مَضَىَ أو فيما يأتي، وكثيراً ما يُحِيلُ ذلك المعنى، وكثيراً ما يُضطَرُّ المُطالِعُ إلى قراءةِ الصحيفة كلِّها، أو الفصلِ كلِّه، حتى يَجِدَ ما يَطلُبُه هناك من المطالب. وقد جرى على آثارهم في هذا الأمر المنكر أربابُ المطابع عندهم، بل زادوا عليهم في ذلك، فإنَّ النُّسَّاخَ في كثير من الأحيان يُعلِّمون بحِبرِ أحمرَ أو بغيرِهِ، على ما يَرونه جديراً بأن يُنتَبَّهَ إليه، أو يُوقفَ عليه. وذكر بعضُهم وجهاً آخَرَ، وهو أنهم لم يضعوا لإِحدى الحركاتِ وهي الفتحةُ المُمالَةُ إلى الكسرة علامةً، مع قلةِ الحركاتِ عندَهم بالنسبة إلى ما عند غيرهم. 1 ٨١٦. وقد نَسَبَ بعضُهم النقصَ إلى لغتهم من هذه الجهة، وإن كان هذا النقصُ ليس بشيء يُذكَرُ بالنظر إلى ما لها من المحاسن الوافرة، فإنه لا يُوجَد شيء ولو كان جَمَّ المزايا فائقاً على غيره في ذلك إلَّ وفيه نقصٌ من جهة. وذلك أنَّ الحركاتِ عند العرب أربعةٌ: الضمةُ، والكسرةُ، والفتحةُ الخالِصَّةِ، والفتحةُ الَّتُوبَةُ، وهي الْمالةُ إلى الكسرة، إلَّ أنَّ أكثَرَ النحاةِ يَجِعلُها ثلاثةً، ويُسقِطُ الفتحةَ الْمَالَةَ لعدمٍ وجودِها عندَ جميع قبائل العرب، ولعدم وقوعِها في كلامِ الفصحاءِ منهم . والحركاتُ عندَ العِبرانيين والسُّريانيين والفُرس خمسةٌ وهي الأربعةُ السابقةُ مع الضمةِ المالِ إلى الفتحة. وقد تبينَّ من البحث والتتبع أنَّ هذه الحركةَ كانت في اللغة العربية قديماً. ومن الغريب أنَّ الضمةَ الُمالَةَ إلى الفتحة، والفتحةَ المُمالَةَ إلى الكسرة، قد رجعَتَا إلى لسانِ جميع أبناءِ العرب في أكثر الأقطار، بحيث يَنْذُرُ من يخلو كلامُه عنهما، وسَبَبُ ذلك سُهولتُهُما مع تأثير اللغاتِ الأخرى وتأثيرُ اللغاتِ بعضِها في بعض مما لا يُنكر. والحركاتُ عندَ غیر السامیین قد تبلُغ إلى ثمانیة. انتهى ما أردنا إيراده من تلك المقالات. وقد وقع فيها ما لا يخلو عن شيء، مما لا تخلو عنه مقالةٌ وإن عُنِيَ صاحبُها بأمرِها كثيراً. فمن ذلك: ما ذُكِرَ فيها من أن كتابةَ الفارسيةِ ونحوِها بالخطَّ العربي، لا يخلو عن إشكال، فإنَّ الاختبارَ دلَّ على خلاف ذلك. وقد عَلِمنا ذلك علمَ اليقين لوقوفنا عليها وعلى أحوالٍ كثير ممن يقرأ بها على اختلاف درجاتهم، ولفرطِ استسهالهم القراءةً بها تَرَك أكثرُهم الشَّكْلَ، حتى إنه يَنْدُرُ أن يُوجَدَ ذلك في كتبهم. وقد استعاروا للحروف التي تُوجَدُ عندهم ولا تُوجَدُ في العربية صُورةً أقرب الحروفِ إليها خْرَجاً، وجعلوا لها علامةً تميّزُها وهي أربعة: ٨١٧ الباءُ الَشُوبةُ بالفاء، وتُكتَبُ على صورةِ الباء، ويُوضَعُ تحتها ثلاث نقط. والجيمُ الْمَشُوبَةُ بالشين، وتُكتَبُ على صورةِ الجيم، ويُوضَعُ تحتها ثلاثُ نُقَط. والزايُ الَشُوبَةُ بالصاد، وتُكتَبُ على صورة الزاي، ويوضع فوقها ثلاث نقط. والكافُ المتولِّدة بين الغين والقاف، وهي المعروفة بالجيم المصرية، وتُكتَبُ على صُورةِ الكاف، ويُوضَعُ فوقها نُقطةٌ، وإنما لم يكتبوها بصورةِ الغين، لكونِ الغين منقوطةً، فَيَحتاجون للتمييز بينهما إلى زيادةِ النَّقْط، وهي كثيرةُ الوجود عندهم، فيكونُ في ذلك كُلْفَة . ومنها: ما ذُكِرَ فيها من نسبةِ النقصِ / إلى اللغة العربية من جهة قلة الحركات /٣٧١ فيها، بالنظرِ إلى غيرها من اللغات، فإن مجرَّدَ قلةِ الحركاتِ في لغةٍ لا يُوجِبُ نقصاً فيها، لا سيما إن كانت الحركاتُ الواقعةُ فيها هي أحسَنَ الحركات، بل ربما جُعِلَتْ كثرةُ الحركاتِ هي الُوجِبةَ للنقص، لا سيما إن وقعَتْ فيها حركاتٌ ثقيلةٌ منصبَّةٌ على أنَّ اللغةَ العربيةَ يُوجَدُ فيها جُلُّ الحركاتِ المعروفةِ في اللغاتِ المشهورة، وإن كان بعضُها خاصاً ببعض القبائل، إلّا أنَّ ذلك أمرٌ خفِيٌّ، لم يقِف عليه إلَّ قليلٌ من أئمةٍ اللغة الذين صَرَفوا عُمَّرَهم في التنقيب عنها، والبحث عن أسرارها. ولنذكر لك مما يتعلق بالحركاتِ ما يمكن إيرادُه في مثلِ هذا الموضع فنقول: الكلامُ: هو اللفظُ المفيد، ويتركَّبُ من الكلمات. والكلماتُ تتركَّبُ من الحروف، وقد تكون الكلمةُ على حرفٍ واحدٍ مثلُ قِ، وهذه الحروفُ التي تتركب منها الكلماتُ تُسمَّى حُروفَ المباني وحُروفَ الهجاء. ثم إنَّ الحرف لا يخلو من حركة، أو سكون. فالحركةُ هي كيفية عارضةٌ للحرف، يمكن معها أن يوجد عقِبّهُ حرف من حروف المد، وذلك كما في الميم مِن: مَن، فإنه يمكنُ مَدُّها فیقالُ في حالٍ فتحِها: مان، وفي حال ضمِّها: مُون، وفي حالِ كسرِها: مِين. وبهذا يظهرُ أنَّ الحركةَ ثلاثةُ أنواعٍ: فتحة، وضمة، وكسرة. فالفتحةُ هي الحركةُ التي إذا مُدَّتْ تولَّد منها الألِفِ. والضمةُ هي الحركةُ التي إذا مُدَّت تولَّدَ أ ٨١٨ منها الواو. والكسرةُ هي الحركةُ التي إذا مُدَّتْ تولَّد منها الياء. ويقال لهذه الحروفِ الثلاثةِ في مثلِ هذا الموضع: حُروفُ الَّ. والسكونُ هو كيفية عارضةٌ للحرف، يَمتنعُ معها أن يوجدَ عِقِبَهِ أحَدُ حُروفٍ المد، وذلك كما في النون مِن: مَنْ، فإنه وهو على حاله من السكون لا يمكنُ أن يَحدُثَ بعده حرف من حروف المد. قال بعض الحكماء: إنَّ الذي تدلُّ عليه الجيمُ أو الميمُ مثلاً، لا يمكنُ أن يُنطَقْ به مفرداً، وكذلك ما تدلُّ عليه الضمَّةُ أو الفتحةُ أو الكسرةُ، وإنما يَحدُثُ الصوتُ بمجموعِهما، وذلك أنَّ الصوتَ المتميِّزَ في السمع يحدُثُ من شيئين: أحدُهما يَتَنَزَّلُ منه منزلةَ المادَّةِ، وهو الذي يُسمَّى حرفاً غيرَ مُصوِّت، والثاني يَتَنزَّلُ منه منزلةَ الصُورةِ، وهو الذي يُسمَّى حرفاً مُصَوِّتاً، ويُسمِّيه أهلُ لساننا حركة. والحركةُ قسمان: مفردةٌ، وغيرُ مفردة، فالمفردةُ هي ما كانت خالصةً غيرَ مشوبة بغيرها، وهي ثلاثة: الضمة، والفتحة، والكسرة، وغيرُ المفردة هي ما كانت مَشْوبةً بغيرها، بأن تكون بينُ حركتينِ غيرَ خالصة إلى إحداهما، وتسمَّى بالحركةِ الْمَشُوبة، كما تُسمَّى الأولى بالحركةِ المَحْضَّة، وهي أيضاً ثلاثة. وحيث كان المَرْجِعُ بالحركاتِ إلى أصواتٍ مخصوصة، لم يُنْبَغِ القطعُ بانحصارِها مطلقاً في عدد، وإنما نقول: إنَّ الذين بحثوا عن اللغاتِ المشهورة، قد استقرؤوا الحركاتِ فوجدوها تبلغُ ثمانية، وقد أوردناها في رسائلنا في الخط على طريق التفصيل إلاّ أنه لغموض هذا المبحث، ربما لم يهتد لفهمِ ما هنالك كثيرٌ من المطالعين، لذكر العبارات المختلفة في الظاهر، فأحببنا إيرادَ ذلك هنا على طريق الإِجمال، وها هو ذلك: الحركاتُ في اللغة العربية تبلُغُ سِتاً. قال العلامة ابن جِنِّ(١): إنَّ ما في أيدي الناس في ظاهر الأمر ثلاث، وهي الضمةُ، والكسرةُ، والفتحةُ، ومحصولها في الحقيقة (١) في كتابه الفريد العجيب: ((الخصائص)) ٣: ١٢٠ - ١٢١ . ٨١٩ سِتُّ، وذلك أنَّ بين كلِّ حركتين حركةً، فالتي بين الفتحةِ والكسرةِ هي الفتحة قبلَ الألف المالة، نحوُ فتحةِ عينِ عَالِمٍ وكَاتِب، كما أنَّ الألف التي بعدَها بين الألِفِ والياء، والتي بين الفتحةِ والضمةِ هي التي قبلَ ألِف التفخيم، نحوُ الفتحةِ التي قبلَ الألِفِ في الصلاةِ والزكاةِ والحياةِ، وكذلك قالَ وعَادَ، والتي بين / الكسرةِ والضمةٍ /٣٧٢ ككسرةٍ قافٍ: قِيلَ، وسِينِ: سِيرَ، فهذه الكسرةُ المشمَّةُ ضَمّاً، ومثلُها الضمَّة الُشَمَّةُ كسراً، نحوُ ضَمَّةٍ قافٍ من الْنْقُرِ (١)، وضَمَّةِ عينِ ابنٍ مَذْهُور، وباءِ ابنِ بُور، فهذه ضَمَّةٌ أُشرِبَتْ كسرة، كما أنها في قِيلَ وشِيرَ كسرةٌ أُشرِبَتْ ضَمَّ، فهما لذلك كالصوتِ الواحِد، لكن ليس في كلامهم ضَمَّةٌ مُشربةٌ فتحة، ولا كسرةٌ مُشربةٌ فَتْحة. ويدلُّ على أنَّ هذه الحركاتِ معتدٌ بها: اعتدَادُ سيبويه بألِفِ الإِمالةِ والتفخيم. وقد عَدَّ الكسرةَ المشمَّة ضماً، والضمَّةَ المشمَّةَ كسراً: شيئاً واحداً، لكونها كالصوتِ الواحد، ولم يَذكُر فتحة الإِمالةِ الصغرى إلحاقاً لها بإحدى الحركتينِ الواقعة هي بينهما، فإذا زدنا ما ذُكِرَ كانت الحركاتُ ثمانية. وقد أحببنا ذكرَها على طريق التفصيل، فنقولُ: الحركَةُ الأُولَى: الضمَّةُ المحضةُ، وهي الحركةُ التي تَحْدُثُ عند ضمِّ الشفتين ضماً شديداً، وهي المعروفةُ باسم الضمَّةِ عند العرب، بحيث إذا ذُكِرَتْ لم يَخْطُر في بالِهِمِ غيرُها. (١) جاء في الأصل: (نحو ضمة قاف من المنقر). والعبارة في ((الخصائص)) ١٢١:٣ (كضمَّة قافِ المُنْقُر)، من غير (مِن). وعلَّق عليه محققه الأستاذ محمد علي النجار رحمه الله تعالى بقوله: (يُريدُ المُنْقُر في قولك: شَرِبتُ من المُنْقُر عند من يُشِمُّ ضمَّةَ القافِ الكسرَ، لمناسبة كسر الراء. والُنْقُر: البئرُ الكثيرة الماء. وانظر (الكتاب)) - لسيبويه - ٢: ٢٧٠)). انتهى. وفي ((الكتاب)) ٢: ٢٧٠ و١٤٢:٤ من طبعة عبد السلام هارون: ((تقولُ: مِن ◌َعَمْرو، فتُمِيلُ العينَ لأن الميم ساكنة، وتقول: هذا ابنُ مَذْعُور، كأنك تروم الكسرة، لأن الراء كأنها حرفان مكسوران، فلا تُميل الواوَ لأنها لا تُشبه الياء، ومِثلُ هذا قولهُم: عَجِبتُ من السَّهُر، وشَرِبتُ من الَّهُر: والَّقُرُ: الرِّكِيَّةُ الكثيرةُ الماءِ». ٨٢٠ الحركَةُ الثانية: الضِمَّةُ الَشُوبَةُ بالفتحة، وهي حركةٌ خفيفة شائعةٌ في اللغاتِ المشهورة، ولخفتِها وشيوعِها كَثُرَ نُطقُ أبناءِ العرب بها، حتى كادوا يَنْسَوْن الضمَّةً المحضة التي هي الضمَّةُ العربية، ومن الغريبِ أنَّ جُلَّ من تُؤْخَذُ عنهم العربيةُ، ينطقون بها كذلك حين تَلَقِّي الناس عنهم، فيقولون: خُذْ وَكُلْ وقُلْ، بضمةٍ مَشُويةٍ بالفتحة . غيرَ أنَّ القُرَّاءَ لَّا وجدوا أنَّ الأمرَ قد تفاقم، شدَّدوا الإِنكارَ في ذلك، ففازوا بعدَ عناءٍ وشدة، وصار كثيرٌ من الناس يتنبّهُ لذلك، ويأتي بالضمةِ المحضةِ حين القراءة، وهذه الضمةُ موجودةٌ في بعض لغات العرب. قال العلامة ابنُ جِنِيْ في ((سر الصناعة))(١): وأما الفتحةُ المالةُ نحوَ الضمةِ : فالتي تكونُ قبلَ ألِفِ التفخيم، وذلك نحو الصَّلاةِ والزَّكَاةِ، ودَعُ وعَزُا، وقُامَ وصُاغ، وكما أنَّ الحركةَ هنا قَبْلَ الألف ليست فتحةً محضة، بل هي مشوبةٌ بشيء من الضمة، فكذلك الألِفُ التي بعدَها ليست ألفاً محضة، لأنها تابعةٌ لحركةٍ هذه صِفَتُها، فجری علیه حُكمُها. وقال العلامة السَّكَّاكيُّ في ((المفتاح))(٢): التفخيمُ هو أن تَكْسِيَ الفتحةَ ضَمَّةً، فَتَخْرُجُ بَيْنَ بَيْنَ إذا كان بعدَها ألِفٌ منقلبةٌ عن الواو، لتميلَ تلك الألِفُ إلى الأصل، كقولك: الصَّلاَةُ والزكَاةُ. وقد سَمَّى سيبويه الألِفَ التي هُنَا بألِفِ التفخيم، كما سَمَّى ألِفَ الإِمالةِ بألفِ الترخيم. والترخيمُ تليينُ الصوت. وهذه الحركةُ واقعةٌ في كلام الفصحاء، ذكر ذلك العلامة عبدُ القاهر الجُرْجَاني في ((شرح الإِيضاح))، حيث قال في باب مخارج الحروف (٣): اعلم أنَّ هذه الحروفَ يأخذ بعضُها شَبَهَ بعض، ويكتسِي طَرَفاً من مَذاقتِهِ، فيتولَّدُ من ذلك فروعٌ، وتلك (١) هو المسمى ((سر صناعة الإعراب)) ٥٩:١. (٢) ص ١٧٤. (٣) لم أجد هذا الباب في كتاب ((المقتصد في شرح الإيضاح)) لعبد القاهر الجرجاني، الذي حققه الدكتور كاظم بحر المرجان، وطبعته وزارة الثقافة والإعلام العراقية في عام ١٩٨٢ .. وظاهر حال المطبوع أنه تامّ، ولكن هذا العنوان هنا ينفي ذلك، فالله أعلم. ٨٢١ الفروعُ أربعةَ عَشَرَ، ستةٌ منها مستحسنَة، يؤخَذُ بها في التنزيل والشعْر والكلام الفصيح : أولها: ألِفُ الأمالة، نحوُ عالٍ وعابِد، جَنَحَتْ إلى الياء، وتشبَّهتْ بها فصارت كأنها حرفٌ آخَر. الثاني: ألِفُ التفخيم، وهي الألفُ التي يَسرِي فيها شيءٌ من الضمة، كقولهم: الصَّلُهُ والزَّكَاةُ، ولميلِها إلى الواو كُتِبَتْ بالواو، كما كُتِبَتْ أَلِفُ الإِمالة في نحو فقَضَیهُنَّ بالياءِ لميلها إليه. وقد وُجِدَتْ هذه الضمةُ في لغةِ الفُرس، وذلك في نحو زُوْر بمعنى القُوَّة. وقد أشار إليها سيبويه حيث قال في باب اضطرادِ الإِبدال في الفارسية(١): البَدَلُ مضطرِدٌ في كل حرف ليس من حروفهم، يُبدَلُ منه ما قَرُبَ منه من حروف الأعجمية، ومِثلُ ذلك تغييرُهم الحركةَ في مِثلِ زوْرْ وَآشوبْ، فيقولون: زُورٌ وآشُوبٌ، وهو التخليط، لأنَّ هذا ليس من كلامهم. اهـ. وتُسمَّى هذه الضمةُ عندهم بالضمةِ المجهولة، والواوِ التي بعدَها بالواوِ المجهولة، وقد يزيدون بعدَ الواو ألفاً إشارةً إلى / كونِ الضمةِ هنا مَشُوبةً بالفتحة، وذلك في نحوِ خُوَاجِه وخُوَابٍ، وكأنهم جَرَوْا في هذه على منهج من يكتُبُ الرِّبًا بواو، ويجعل بعدها ألفاً. /٣٧٣ قال بعض الأفاضل: وكتابةُ الألِفِ بعد الواو في الرِّبَا جارٍ على مذهبٍ من يكتُبُ: زيدٌ يَدْعُو، بالألِف، فإن في كتابتها ثلاثةَ مذاهب: تُكتَبُ مطلقاً، ولا تكتَبُ مطلقاً، تُكتَبُ في الجمع ولا تُكتَبُ في المفرد، والمذهبُ الثالثُ هو المشهور. وكُتِبَتْ في المصحف بواوٍ بعدَهُ أَلِفٌ على لغةِ ن يقول رِبوا وهم أهل الحِيرة الذين تعلَّمَتْ العربُ الكتابةَ منهم، وكان أولئك يكتبون هكذا على لغتهم، فتَبعَهم (١) وقع في الأصل: (باب اضطرار الإبدال في الفارسية). والتصويب من «كتاب سيبويه) ٤ :٣٠٥. ٨٢٢ الصحابةُ رضي الله عنهم في كتابته كذلك وإن لم يكن ذلك لغتهم، ذكره الفَرَّاء وحكاه عنه النووي في ((التحرير))، ويُكتَبُ في الرسم الاصطلاحي بالألف. ومن قَبِيل خُوَاجه لفظ خُوَارزم في لغةٍ أهلها. قال في ((معجم البلدان)»: هي محرَّكة الأولِ بحركةٍ بين الضمة والفتحة، والألِفُ مُسْتَرَقَةٌ مختَلَسَة ليستَ بألِفٍ صحيحة، هكذا يتلفظون به، قال الخطيبُ الموفَّقُ المكي ثم الخُوَارزمي يتشوَّقُ إليها: سَحَابٌ ضَحُوكُ البرقِ مُنْتَحِبُ الرَّعْدِ أبكاكِ لَّا أنْ بَکَی فی رُبًا نَجْدٍ ولي عَبَرَاتٌ كالعَقِيقِ على خَدِّي له قَطَرَاتٌ كَاللّلىءٍ فِي الثَّرَى حَزِيناً ولكن أين خُوارَزْمُ مِن نَجْدِ! تلفَّتُ منها نحوَّ خُوارَزْم والهاً والأولى في مثلِ هذا الموضع أن تُكتَبَ بدونٍ واوٍ هكذاخَارَزْم، وعلیه جَرَی المراعون للقياس، وأما من كتبها بواو بعدها ألِف، فغالبُهم ممن يقول: خُوَارزم بواو مفتوحة بعدها ألف، فلا يكون فيما فعلوا مخالفةٌ للقياس. الحركةُ الثالثةُ: الضمةُ الَشُوبَةُ بالكسرة، وهي الضمةُ التي قد أُشِمَّتْ شيئاً مِن الكسرة، قال في ((سِرّ الصناعة))(١): وأما الضمَّةُ المشويةُ بالكسرة، فنحو قولك في الإِمالة: مررتُ بمَذْعُور، وهذا ابنُ بُوْر، نحوتَ بضمةِ العينِ والباءِ نحو كسرةِ الرَّاءِ، فأشممتَها شيئاً من الكسرة، وكما أنَّ هذه الحركة قبلَ هذه الواو ليست ضمَّةً محضة، ولا كسرةً مرسلة، فكذلك الواو أيضاً بعدَها هي مشوبة بروائح الياء. وهذا مذهَبُ سيبويه، وهو الصواب، لأنَّ هذه الحروفَ تتبعُ الحركاتِ قبلَهَا، فكما أنَّ الحركةَ مشوبةٌ غيرُ مُخْلَصة، فالحرفُ اللاحقُ بها أيضاً في حكمها. وأما أبو الحسن(٢) فكان يقول: مررتُ بِمَذْعِور، وهذا ابنُ بِورِ، فَيُشِمُّ الضمةَ قبلَ الواو رائحةَ الكسرة، ويُخْلِصُ الواوَ واوَأَ محضةً آلبَّةَ، وهذا تكلّفٌ فيه شدة في -. (١ ) ١ : ٥٣ - ٥٦ (٢) هو الأخفش الأوسط: سعيدُ بن مَسْعَدة البَلْخي ثم البصري تلميذُ سيبويه، توفي سنة ٢١٥ رحمه الله تعالی.