النص المفهرس

صفحات 841-860

٧٨٣
من جملة الكلام (١) كلمةً أو أكثرَ، وما أشبه ذلك.
فُيُمَدُّ على مثلِ هذا خَطِّ، أوَّلُه مِثلُ الصاد، ولا يُلزَقُ بالكلمةِ المُعلَّمِ عليها،
كيلا يُظَنَّ ضرباً، وكأنه صادُ التصحيح بمَدَّتِها دون حائها كُتِبَتْ كذلك، ليُفرَّق بينّ
ما صَحَّ مطلقاً من جهةِ الرواية وغيرها وبينَ ما صَحَّ من جهة الرواية دون غيرها،
فلم يُكمَّل عليه التصحيحُ، وكُتِبَ حرفٌ ناقص على حرفٍ ناقص، إشعاراً بنقصِهِ
ومَرَضِه، مع صِحَّةِ نقلِهِ وروايتِه، وتنبيهاً بذلك لمن يَنظُر في كتابه، على أنه قد وَقَفَ
عليه ونقَلَه على ما هو عليه، ولعلَّ غيرَه قد يُخْرِجُ له وجهاً صحيحاً، أو يَظهَرُ له بعدَ
ذلك في صِحَّتِهِ ما لم يَظهر له الآنَ .
ولو غيّر ذلك وأصلَحَه على ما عنده، لكان متعرِّضاً لما وقَعَ فيه غيرُ واحد من
المتجاسِرِين الذين غيَّروا، ثم ظهَرَ الصوابُ فيما أنكروه والفسادُ فيما أصلحوه!
وأما تسميةُ ذلك ضَبَّة، فقد بلغنا عن أبي القاسم إبراهيم بن محمد اللغويُّ
المعروفِ بابن الإِقْلِيلي: أنَّ ذلك لكون الحرف مُقْفَلا بها، لا يَتَّجِهُ لقراءةٍ، كما أنَّ
الضبّةَ مُقْفَلٌ بها. قال المؤلف: ولأنها لما كانت على كلامٍ فيه خَلَل، أَشَبَهَتْ الضبّةَ
التي تُجعَلُ على كَسْرٍ أو خَلَل، فاستُغِير لها اسمُها، ومِثلُ ذلك غيرُ مُستنكر في بابٍ
الاستعارات .
ومن مواضع التضبيب أن يقع في الإِسناد إرسالٌ أو انقطاع، فمن عادتهم
تضبيبُ موضع الإِرسالِ والانقطاع، وذلك من قَبِيل ما سبَقَ ذكرُهُ من التضبيب على
الكلام الناقص.
ويُوجَدُ في بعضِ أصولِ الحديثِ القديمةِ، في الإِسنادِ الذي تَجتمِعُ فيه جماعةٌ
معطوفةٌ أسماؤهم بعضُها على بعض: علامةٌ تُشبِهُ الضبَّة فيما بين أسمائِهم، فيتوهّمُ
(١) وقع في الأصل: (من جهة ... )، والصواب المثبت من ((مقدمة ابن الصلاح))
ص ١٧٩ .

٧٨٤
من لا خبرة له أنها ضَبَّة، وليسَتْ بضبَّة، وكأنها علامةُ وَصْل فيما بينها (١)، أُثبِتَتْ
تأكيداً للعطفِ، خوفاً أن تُجعَل (عن) مكانَ (الواو)، والعلمُ عند الله تعالى.
ثم إنَّ بعضَهم ربما اختَصَر علامةَ التصحيح، فجاءت صورةً تُشبِهُ صورةً
التضبيب، والفطنةُ من خير ما أُوتِيَهُ الإِنسان والله أعلم، اهـ.
وقد اعتَرَض بعضُهم على ما ذكره ابنُ الصلاح من أنَّ الضبَّةَ سُمِّيَتْ بهذا
الاسم لأنها لما كانت على كلام فيه خَلَل أشبهَتْ الضبةَ التي تُجعَلُ على كَسٍْ أو خَلَلِ،
فاستُغِيرَ لها اسمُها، فقال: هذا بعيدٌ، لأنَّ ضَبَّةَ القَدَحِ جُعِلَتْ للجَبْرِ، وهذه ليست
/٣٥٥ جابرة، وإنما هي علامةٌ لكون / الروايةِ هكذا، ولم يَتَّجِه وجهُها، أي علامةٌ لصحةٍ
وُرودِها، لئلا يَظنّ الرائي أنها غلَطْ فُيُصلِحَها، وقد يأتي مِن بعدِ ذلك من يَظهَرُ له
وجهُ ذلك، وقد غيِّر بعضُ المتجاسِرِين ما الصوابُ إبقاؤه.
وأُجِيبَ عن ذلك بأنَّ وجهَ الشَّبَه بينهما كونُهما موضوعين على ما فيه خَلَل، وهذا
كافٍ في صحةِ التشبيه، وفي صحةِ الاستعارة. على أنَّ في الإِشارة إلى أنَّ في ذلك
الموضع خَلَلَا مَّا نوعاً من أنواع الجَّبْر وإن لم يكن جَبراً تاماً ..
وقال بعض العلماء: التضبيبُ هو كتابةُ صُورةٍ ضَبٍّ فوقَ ما هو ثابتٌ من جهة
النقل، غير أنَّ فيه خللاً ما.
وقد أَشكَّل ذلك على بعضِ الباحثين فقال: إن المعروف أنَّ الضبّة خَطٌّ يكون
أوَّلُهُ مِثلَ الصادِ المهملة، وهذا يقتضِي أن يكون أولُهُ مِثلَ الضادِ المعجمةِ، وعلى هذا
يَجبُ أن تُوضَعَ نقطةٌ فوقَ أولِهِ، ولم تجر عادتُهم بذلك.
ويرتفعُ الإِشكالُ إذا عُلِمَ أنَّ واضعي العلائم، التزموا أن يُجرِّدوا ما له نُقِطَةٌ
عن نُقطتِهِ اختصاراً من جهةٍ، ودفعاً للالتباس من جهةٍ أخرى، ألا ترى أنَّ النُّحَاةَ
جعلوا علامةَ السكون الخاءَ المأخوذةَ من أولِ خَفِيف، ولما لم يَنقُطوها صارت هكذا
(حـ)، وعلامةَ الحرف المشدَّد الشينَ المأخوذةَ من أوَّل شَدِيد، ولما لم يَنقُطوها صارت
(١) وقع في الأصل: (بينهما)، وهو تحريف عن (بينها).

٧٨٥
هكذا (سـ)، وعلامةَ الكسرةِ الياءَ، ولما لم يَنقُطوها صارت هكذا (4).
غير أنَّ أكثرَ العلائم يَلحَقُها فيما بعدُ تغيُّرٌ، حتى إنه ربما بَعُدَتْ عن أصلِها بُعداً
شديداً. وقد أشار سيبويه إلى شيء من ذلك في باب الوقفِ، حيث قال: ولهذا
علاماتٌ، فللإِشمامِ نُقطةٌ، وللذي أُجرِيَ مُجْرَى الْجَزْم والإِسكانِ الخاء، ولرَوْمٍ
الحركةِ خَطٌّ بين يدَيْ الحرف، وللتضعيف الشينُ.
وقال بعض الكتاب: التصحيحُ هو وَضْعُ: صَحّ، فوقَ ما صَحَّ من جهة
الرواية وغيرها، وهو عُرْضَةٌ للشك، إشارةً إلى أنه كان شاكاً فيه، فبحَثَ عنه إلى أن
صَحَّ، فخشَيَ أن يُعاوِدَهُ الشكُّ فَكَتَبها ليزولَ عنه الشك فيما بعدُ.
والتضبيبُ هو وَضْعُ الضَّبَّة وهي بعضُ صَحَّ، تُكتَبُ على شيء فيه شكٌّ،
ليَبحَثَ عنه، فإذا تبيَّنَّ له صحتُه أنّها بضم الحاء إليها، فَتَصِيرُ صَحَّ ولو جَعَل لها
علامةً غيرَها لتكلَّف الكَشْطَ لها. وكَتَبَ صحَّ مكانَها. وإن وقع في الروايةِ خطأً محضّ
لا شك فيه، فينبغي أن يُكتَبَ فوقه: كذا، بخطٌّ دقيق، ويُبينَّ الصوابُ في الهامش.
الأمر السادس: ينبغي الاعتناءُ بأمر اللَّحَق، واللَّحَقُ في اصطلاح أهلٍ
الحديث والكتابةِ: ما سَقَطَ من أصل الكتاب، فأُلحِقَ بالحاشية. وهو بفتح اللام
والحاءِ - ويجوز بسكون الحاء-، وهو في اللغة: الشيءُ الرائدُ وكلُّ شيءٍ لَحِقَ شيئاً.
وقد استَعمَلَ اللَّحَقُ بالمعنى الاصطلاحي بعضُ الشعراء فقال: كأنه بين أسطُرٍ لَحَقُ.
والمختارُ في تخريج الساقط في الحواشي أن يُخُطَّ الكاتبُ من موضع سُقوطِهِ من
السطر: خطأً صاعداً إلى فوق، ثم يَعطِفَه بين السطرين عطفةً يسيرةً إلى جهة الحاشية
التي يَكْتُبُ فيها اللَّحَقَ، ويَبدَأَ في الحاشيةِ بكتبِهِ اللَّحْقَ مُقابِلًا للخَطُّ المنعطف،
وليكن ذلك في الحاشيةِ ذاتِ اليمين، وإن كانت تلي وَسْطَ ورقةٍ إن اتسعَتْ له فليكتُبُهُ
صاعداً إلى أعلى الورقة، لا نازلاً به إلى أسفل.
وإنما اختِيرَ كتابةُ اللَّحَق صاعداً إلى أعلى الورقة، لئلا يَخْرُجَ بعدَهُ نَقْصٌ آخَرُ
فلا يَجِدَ ما يُقابِلُهُ من الحاشية فارغاً له لو كَتَبَ الأولَ نازلاً إلى أسفل، وإذا كَتَب الأولَ
صاِداً فما يَجِدُ بعدَ ذلك من نقص يَجِدُ ما يقابلُهُ من الحاشية فارغاً له.

٧٨٦
وهذا إن لم يَزِدِ اللَّحَقُ على سطر، فإن كان اللَّحَقُ سطرين أو سطوراً، فلا
يبتدِىءُ بسُطورِهِ من أسفلَ إلى أعلى، بل يبتدىءُ بها من أعلى إلى أسفل، بحيث
/٣٥٦ يكونُ منتهاها / إلى جهةٍ باطنِ الورقة إذا كان التخريجُ في جهة اليمين، وإذا كان في
جهة الشِّمال وَقَع منتهاها إلى جهةٍ طَرَفِ الورقة .
وإنما اختِيرَ تخريجُ اللَّحَق في جهة اليمين، لأنه لو خَرَّجه إلى جهة الشمال، فربما
ظَهَر بعدَه في السطر نفسِهِ نقصٌ آخَرُ، فإن خَرَّجه قُدَّامَه إلى جهةِ الشمال أيضاً وقَ
بين التخريجين إشكال، حيث يَشتبِهُ موضعُ هذا السَّقْطِ بموضع ذاك السَّقْطَ، وإن
خَرَّج الثاني إلى جهةِ اليمين تقابلَتْ عطفةُ التخريج إلى جهة الشمال، وعطفةُ التخريج
إلى جهةِ اليمين، وربما تلاقَتَا، فأشبَهَ ذلك الضربَ على ما بينهما، بخلافٍ ما إذا خَرَّج
الأولَ إلى جهةٍ اليمين، فإنه حينئذٍ يُخرِّجُ الثاني إلى جهة الشمال، فلا يلتقيان ...
ولا يَلزمُ إشكالٌ إلَّ أن يتأخّر النقصُ إلى آخِرِ السطر، فلا وَجْهَ حينئذٍ إلّ
تخريجُه إلى جهةِ الشمال لقُربِ التخريج من اللَّحَق، وسُرعةٍ لحاقِ الناظرِ به، وللأمنِ
من نقصٍ يَجِدُثُ بعدَه: نعم إن ضاق ما بعدَ آخِرِ السطر لقُربِ الكتابة من طَرَفٍ
الورق لضيقِهِ، أو لضيقِهِ بالتجليد، بأن يكونَ السَّقَطُ في الصحيفة اليمنى، فلا بأسَّ
حينئذٍ بالتخريج إلى جهة اليمين، وقد وقع ذلك في خَطِّ غيرٍ واحدٍ من أهل العلم.
وينبغي أن يَكتُبُ عند انتهاءِ اللَّحَق: صَحَّ، ومنهم من يَكْتُبُ مع صَحّ:
رَجع. ومنهم من يكتُبُ: انتَهَىَ اللَّحَق. ومنهم من يَكتُبُ في آخِرِ اللَّحَقِ الكلمةَ.
المتصلةَ به داخلَ الكتابُ، في موضع التخريج، ليُؤْذِنَ باتصالِ الكلام.
وهذا اختيارُ بعض أهل الصنعة من أهل المغرب، واختيارُ القاضي
أبي محمد بن خَلَّد صاحب كتاب ((الفَاصلِ بين الراوي والواعِي))(١)، من أهل
المشرقِ مع طائفة، وليس ذلك بِمَرْضِيّ، إذ قد يقعُ في الكلام ما هو مكررٌ مرتين فأكثر
المعنى صحيح، فإذا كُرِّرَتْ الكلمةُ لم يُؤمَن أن تُوافِقَ ما يتكرَّرُ حقيقةٌ، أو يُشكِّلُ
(١) هو الكتاب المشهورُ المسمَّى باسم ((المُحدِّث الفاصِل بين الراوي والواعي)» للمرامُهُرْ مُزِيّ.

٧٨٧
أمرُها، فَيَحصُل بذلك ارتيابٌ وزيادةُ إشكال، فالأولى الاقتصارُ على كتابة: صَحّ .
وذَكَر بعضُ أرباب النُّكَت أنَّ كلمةَ صَحّ، قد ينتظمُ بها الكلامُ بعدَها، فيُظَنُّ
أنها من أصلِ الكتاب. وأُجِيبَ بأنَّ هذا نادرً بالنسبة لما قبلَه، على أنَّ الْحُذَّاقَ من
الكَتَبَة يكتبونها صغيرةً، وبعضُهم يكتبها بمدادٍ أحمر، وبعضُهم لا يُتِمُّ كتابةَ الحاء
منها .
وقال بعضُهم: الأحسَنُ الرَّمْزُ لذلك بشيءٍ لا يُقرأ، ويَحَصُلُ ذلك بطَمْسِ
صَادِ صَحّ وعدم تعریفِ حائها.
واختار ابنُ خلَاد أيضاً في عَطفةِ خَطُّ التخريج أن تُمَدَّ حتى تُلْحَقَ بأول اللَّحَقِ
في الحاشية. وهذا غيرُ مَرْضِيّ، لأنَّ فيه تسويداً للكتابِ لا سيما عند كثرةِ الإِلحاقاتِ،
مع عدَمِ الاضطرارِ لذلك، فإنَّ العَطْفَةَ اليسيرةَ إلى جهة الحاشية التي يُكتَبُ فيها
اللَّحَقُ كافيةٌ في رفع اللَّبْس، وإن كان فيما ذَهَب إليه مِن مدَّها إلى أول اللَّحَقِ زيادةٌ
في رفعِه(١).
قال العراقي: فإن لم يكن اللَّحَقُ قُبالَةَ موضع السقوط، بأن لا يكونَ ما يُقابِلُهُ
خالياً، وكَتَبَ اللَّحَقَ بموضعٍ آخَرَ، فَيَتعينٌ حينئذٍ جَرُّ الخطُّ إلى أول اللَّحَق، أو يَكُتُبُ
قُبالَتَهُ: يتلُوهُ كذا وكذا في الموضع الفلاني، ونحوّ ذلك، لزوالِ اللَّبس. وقد رأيتُ في
خطٌّ غير واحد ممن يُعتمَدُ عليه: اتصالَ الخط إذا بَعُدَ اللَّحَقُ عن مُقابِل موضِع
النَّقْصِ ، وهو حينئذٍ حسَنٌ، والأصلُ في التخريج قولُ زيدٍ بن ثابت - في نزولِ
قولِهِ تعالى: ﴿غيرُ أولي الضرر﴾(٢) بعدَ نزول ﴿لا يَستوي القاعِدُون من المؤمنين﴾،
كما في ((سنن أبي داود)) -: فألحقتُها والذي نفسي بيده، ولكأني أنظُرُ إلى مُلْحَقِها عند
صَدْعٍ فِي كَتِف.
وأما ما يُكتَبُ في حاشية الكتاب من غير أصلِ الكتاب، من شرحٍ أو تنبيهٍ
(١) وقع في الأصل: (وزيادة في رفعه). والواو هنا مقحمة غلطاً، فلذا حذفتها.
(٢) من سورة النساء، الآية ٩٥.

٧٨٨
على غلطٍ أو اختلافِ رواية أو نسخةٍ أو نحو ذلك، فقال بعضهم: إنه لا ينبغي أن
يُخرَّجَ له / لئلا يَدخُلَ اللَّبْسُ ويُحسَبَ من الأصل، وإِنَّه لا يُخرَّج إلَّ لما هو من نفس
الأصل، لكن يُجُعَلُ على ذلك الحرفِ المقصودِ علامةٌ كالضبَّةِ والتصحيح، لتدُلَّ
عليه .
واعتُرِضَ عليه بأنَّ كلّ من الضبَّةِ والتصحيحِ اصطُلِحَ به لغير ذلك، فخوفُ
اللَّبْس أيضاً حاصلٌ بل هو فيه أقرب. وقال بعضُهم: ينبغي أن يُخْرِّجَ له، لكن على
نفس الكلمة التي من أجلها كُتِبَتْ الحاشية، لا بينَ الكلمتين. قال ابنُ الصلاح:
التخريجُ أَولى وأدلُّ، وفي نفسِ هذا المُخرَّجِ ما يَمِنْعُ الالتباسَ.
ثم هذا التخريجُ يُخَالِفُ التخريجَ لما هو من نفس الأصل، في أنَّ خَطَّ ذَاك
التخريجِ يقعُ بين الكلمتين بينهما سَقَطُ الساقط، وخَطَّ هذا التخريج يقَعُ على نفس
الكلمة التي من أجلها خَرَّجَ المخرِّجُ في الحاشية، والله أعلم.
وقد جرَتْ عادةُ كثيرٍ من الكُتَّاب أن يُشيروا: إلى الحاشيةِ بالحاءِ المهملةِ مفردةً،
وقد يُدُّونها، وقد يكتبون لفظَ: حاشية بدون نَقْط. وإلى النسخةِ بالخاءِ المعجمةِ
مفردةً، ويلتزمون نَقْطَها لئلا تَشتبِهَ بالحاشية، وقد يكتبون لفظً: نُسخة : والأكثرُ كتابتُها
على صورةٍ غير واضحة مع عدم النَّقْط، لتكونَ كالزمر.
وينبغي أن يُلاحَظَ في الحواشي عدَمُ كتابتها بين السطور لا سيما إن كانت
ضيقة، وتَرْكُ شيء من جوانبِ الورقة، ونحوُ ذلك، وقال بعضُ الشعراء(١) في الحثِّ
على اقتناءِ الكتب الجِّدة الخَطِّ والضَّبْطِ:
مُحُكَمُ النَّقْلِ مُتَقَنُ التقييدِ
خَيزُ ما يَقْتَنِيِ اللبيبُ كتابٌ
هُ فصَحَّ التبييضُ بالتسويدِ
خَطَّه عارفٌ نَبِيلٌ وعَانًا
لا ولا عابَهُ لَحَاقُ المَزِيدِ
لم يَخُنْه إِتقانُ نَقْطِ وَشَكْل
طُرَرٌ صُفِّفَتْ بِيضِ الحُدودِ
فكأنَّ التخريجَ في طُرَّتَيْهِ
(١) هو القاضي عياض أورده في كتابه «الإلماع» ص ١٦٥ .
/٣٥٧

٧٨٩
ويُنادِيك نَصُّه من بعيدِ
فيُناجيك شَخْصُه من قريبٍ
واختبرُهُ تَجَدْهُ أُنْسَ الفَرِيدِ (١)
فاصْحَبَتْهُ تَجِدْهُ خيرَ جليسٍ
وقال بعضُهم في الحثِّ على نَسْخِ الكتبِ النافعة:
وكلٌّ على نْجِ السَّدادِ يُعِينُهُ
فوائدُ نَسْخِ الكُتْبِ شَتَّى كثيرةٌ
وصُحبةٍ من يُردِي الفتى ويَشِينُهُ
فلو لم يكن منها سِوى تَرْكِ غِيبةٍ
وإن سَئِمَتْ في الطُّرْس منه يَمِينُهُ
لكان جديراً باللبيبِ التزامُهُ
وغُنيتُهُ عن ذِي نَوَالِ يَمُونُهُ
ومنها اكتسابُ القُوتِمن وَجْهِ حِلِّهِ
وعِلمُ الفتى يَسْمُو به ويَزِينُهُ
ومنها اكتسابُ العِلم وهو أجُها
إذا نَسِيَاهُ إِلْفُهُ وقِرِينُهُ
ومنها بقاءُ الذكرِ بعدَ وفاتِهِ
وهذا إذا ما كان في الخير خَطُّهُ
وإلَّ ففي يومِ المَعَادِ يَخُونُهُ
الأمرُ السابع: إذا وقَعَ في الكتاب ما ليس منه، فإنه ينبغي أن يُنفَى عنه،
وذلك إما بالضَّرْبِ عليه والحَكِّ له أو المَحْو، والضربُ خيرٌ من الحكِّ والمحو. قال
ابن خَلَّد: قال أصحابنا: الحَكُّ تُهمة، وقال غيره: كان الشيوخ يكرهون خُضورَ
السِّكِّين مجلسَ السماع، حتى لا يُبشَرَ شيءٌ، لأن ما يُبشَرُ منه ربما يَصِحُّ في روايةٍ
/ أخرى، وقد يُسمَعُ الكتابُ مرةً أخرى على شيخٍ آخَرَ، يكون ما بُثِرَ وحُكَّ من
روايةٍ هذا صحيحاً في رواية الآخَرِ، فَيَحتاجُ إلى إِلحاقِهِ بعدَ أن يُشِرَ وحُكَّ، وهو إذا
خَطَّ عليه من روايةِ الأول، وصَحَّ عند الآخرَ، اكتَفَى بعلامةِ الآخَرَ عليه بصحته.
/٣٥٨
وقال بعضُ العلماء: إِنْ تَحقَّقَ كونُ ما كُتِبَ غِلَطاً سَبَق إليه القلمُ، فالكشطُ
أولى، لئلا يُتوهّم بالضرب أنَّ له أصلاً، وإلَّ فلا، على أنَّ الكشطَ فيه مَزِيدُ تَعَبٍ مع
إضاعة الوقتٍ، وربما أَفسدَ الورقة وما تنفُذُ إليه، وكثيرٌ من الوَرَقِ يُفسِدُه الكَشْطُ.
(١) جاء في ((الإِلماع)) وفي (((فتح المغيث)) ص ٢٥٦ وحاشية ((محاسن الاصطلاح)) ص ٣١٤
(أَنْسَ الْمُرِيد). وما هنا أعلى.

٧٩٠
والكَشْط مأخوذ من قولهم: كَشَطَ البعيرَ إذا نَزَعِ جِلدَه، ولا يقالُ فيه: سَلَخْ،
وإنما يقالُ ذلك في الشأة، تقولُ: سَلَخ الشاة إذا نَزَع جِلْدَها. ومُرادُهم بالكشط هنا
الحَكُّ والبَشْرِ، والبَشْرُ مأخوذ من قولهم بَشَرتُ الأديمَ إذا قَشرتَ وجهَهُ. والأكثرُ في
الاستعمالِ لفظُ الحكّ، لإِشعارِهِ بالرِّفق بالقِرطاس، وقد وقع الكَشْطُ في قولِ
الشاعر في ذمّ کاتبٍ:
حِذْقُك في الكَشْطِ دليلٌ على أنَّك في الخَطِّ كثيرُ الغَلَطْ
وأما المحوُ فإنه يُسوِّدُ غالباً القِرطاسَ، وهو لا يُمكِنُ إلَّ إذا كانت الكتابةُ في
لوحٍ أو رِقُّ أو وَرَقٍ صَقِيلٍ جداً، وكان المكتوبُ في حالِ الطَّرَاوة.
وتتنوَّعُ طُرقُ المُحو، فتارةً يكون بالإِصبَعِ، وتارةً يكون بخِرقة. ومِن أُغرِبِهِا
- مع أنه أسلَمُها - ما رُوِيَ عن سحنون بنِ سَعْد أحدِ الأئمة من فقهاء المالكية: أنه
كان ربما كتَبَ الشيءَ ثِم لَعَقَه .
وهذا يُومِىءُ إلى ما رُويَ عن إبراهيم النَّخَعِي، أنه كان يقول: من المروءةِ أن
يُرَى في ثوبِ الرَّجُلِ وَشَفَتَيْهِ مِداد. وذُكِرَ عن أبي إسحاق الشيرازي أنَّ ثيابَه كانت
كأنما أُمِطِرَتْ مِداداً، وكان لا يأتَفُ من ذلك. وذُكِرَ عن عُبَيد الله بن سُليمان أنه رأى
على ثوبِهِ أثرَ صُفْرَةٍ، فَأَخَذَ مِن مِدادِ الدَّواةِ وطَلَاه به، ثم قال: المِدادُ بنا أحسَنُ من
الزعفران، وأَنشَد:
إنما الزعفرانُ عِطْرُ العَذَارى ومِدَادُ الدُّوِيُّ عِطْرُ الرِّجَالِ
ويُحكَّى عن بعض الفضلاء أنه كان يأكلُ طعاماً، فوقع منه على ثوبه، فكساه
حِبراً وقال: هذا أَثَرُ عِلمٍ، وذاك أثّرُ شَرَهٍ. وللأديب أبي الحسن الفَنْجُكِرْدِي(١).
(١) هكذا ضبطه الحافظ السمعاني في ((الأنساب)) ٢٤٧:١٠، هو من شيوخ السمعاني
بالإِجازة، قال: ((هذه النسبة إلى قرية بنواحي نيسابور، والمشهور بهذه النسبة أبو الحسن علي بن
أحمد الفَنْجُكِرْدِي، الأديب البارع، صاحب النظم والنثر، وكان عفيفاً خفيفاً ظريفَ المحاورة،
قاضياً للحقوق، محمودَ الأحوال، سَمِعَ الحديث من القاضي الناصحي، وكتب لي الإِجازة بجميع =

٧٩١
الغالِيَةْ
أحَبُّ إلينا من
مِدادُ الفقيهِ على ثَوْبِهِ
عالِيَةْ
فإن له ھِمًّ
ومن طَلَبَ الفقهَ ثم الحديثَ
غالية
بأرواحھم لم تکن
ولو تَشتري الناسُ هذِي العلومَ
نُجُومٌ وفي الأعصُرِ الخَالِيَةُ
رُواةُ الأحاديثِ في عصِرنا
وأما الضَّرْبُ فلا محذورَ فيه، وهو علامةٌ بَيِّنة في إلغاءِ المضروبِ عليه، مَعَ
السلامةِ من التهمة، لإِمكانٍ قراءتِهِ بعدَ الضرب، ولذلك قالوا: أجودُ الضرب أن
لا يَطمِسَ المضروبَ عليه بل يَخُطَّ مِن فوقِه خطأً جيداً بيِّناً، يَدُلُّ على إبطالِهِ، ويُقرَأُ
من تحتِهِ ما خَطَّ عليه .
وقد اختلفوا في الضرب على خمسة أقوال:
القولُ الأول: أن يُخُطَّ فوق المضروبِ عليه خطأً مختَلِطاً بالكلماتِ المضروبِ
عليها، ويُسمَّى هذا: الضَّرْبَ عند أهل المشرق، والشَّقَّ عند أهلِ المغرب. ومثالُ
ذلك على هذا القول.
القولُ الثاني: أن يَخُطَّ فوقَ / المضروبِ عليه خَطَّأَ لا يكونُ مختلِطاً بالكلماتِ /٣٥٩
المضروب عليها، بل يكونُ فوقَها منفصلا عنها، لكنه يَعطِفُ طرفَيْ الخَطُّ على أولِ
المضروبِ عليه وآخِرِه، بحيث يكون كالباءِ المقلوبة . أومثال ذلك على هذا القول.
القول الثالث: أن يَكْتُبَ في أَوَّلِ الزائدِ ( لا)، وفي آخره ( إلى). وقد يكتُبُ
عوضاً من لفظِ ( لا) لفظً ( مِن)، أو لفظَ (زائد)، وقد يقتَصِرُ بعضُهم على الزاي.
منها. قال بعضُ العلماء: ومِثلُ هذا يَحِسُنُ فيما صَحَّ في روايةٍ وسَقَط في روایةٍ أخرى.
وقد يُضافُ إليه الرمزُ لمن أثبتَه أو لمن نَفَاه من الرواة. وقد يُقْتَصَرُ على الرمز، لكن
حيث يكونُ الزائدُ كلمةً أو نحوها.
= مسموعاته، وتوفي سنة ٥١٣، ودُفِنَ بالحِيرة في مقبرة نوح)». انتهى. وله ترجمة في ((معجم الأدباء)»
لياقوت ١٢: ٢٧٠ وضبَطَّه ياقوت في ((معجم البلدان)): (الفَنْجَكِرْدِي) بفتح الجيم وكسر الكاف.

٧٩٢
القولُ الرابع: أن يُحوِّقَ على أولِ الكلام المضروبِ عليه بنصفِ دائرةٍ
كالهلال، وكذلك على آخرِه (ومثالُ ذلك على هذا القول).
القولُ الخامس: أن تُكتَبَ في أول الزيادة دائرةٌ صغيرة، وكذلك في آخِرِها،
وقد سَمَّاها واضِعُها صِفْراً، لُخُلِّ ما أُشِيرَ إليه بها من الصحة، كما سمّاها الحُسَّابُ
بذلك لخلوِّ مَوْضعِها من العَدَدِ، ° ومثالُ ذلك على هذا القول٥، ثم إذا أُشِيرَ إلى الزائد
بنصفِ دائرة أو بصِفرٍ، فليكن ذلك في كل جانب في أصل الكتاب، فإن ضاق المحلُّ
فلتُجعَلْ في الأعلى (مثالُ ذلك في نصفِ الدائرة٥ مثالُ ذلك في الصِّفر.
وإذا كَثُرَتْ سُطورُ الزائد فلك على هذه الأقوالِ الثلاثة الأخيرةِ أن تُكرِّرَ علامةَ
الإِبطال، بأن تَضَعَها في أولِ كل سطرٍ وآخِرِهِ، لما في ذلك من زيادةِ البيان، ولك أن
لا تُكرِّرَها، بأن تكتفِيَ بوضعِها في أول الزائد وآخرِهِ.
وقد اختلفوا في الضَّرْبِ على الحرفِ المكرّر. فقال بعضهم: أَولاهُما بالإِبطالِ
الثاني، لأن الأولَ كُتِبَ على الصواب، والثانيَ كُتِبَ على الخطأ، والخطأُ أَولى
بالإِبطال. وقال بعضهم: أَولاهُما بالإِبقاءِ أجوَدُهُما صُورةً وأدَّهُهما على قراءتِه .
وفصِّل بعضُهم تفصيلاً حسناً فقال: إن تكرَّرَ الحرفُ في أولِ السطر، فينبغي
أن يُضرَب على الثاني صيانةً لأولِ السطر عن التسويد والتشويه، وإن تكرَّر في آخِرِ
السطرِ، فينبغي أن يُضْرَبَ على أوَّلهما صيانةً لآخِرِ السطرِ عن ذلك، فإنَّ أوائلَ
السطور وأواخِرَها أولى بالصيانة عن ذلك، فإن اتفق أن يكونَ أحدُهما في آخِر السطر
والآخَرُ في أولِ السطرِ الآخَر، فينبغي أن يُضرَبَ على الذي يكون في آخِر السطر،
فإنَّ أول السطر أَولى بالمراعاة.
فإن كان التكرُّرَ في المضافِ أو في المضافِ إليه، أو في الصفةِ أو في الموصوفِ،
أو نحوِ ذلك، لم يُراعَ حينئذَ أولُ السطر وآخِرُه، بل يُراعَى الاتصالُ بين المضافِ
والمضافِ إليه ونحوِهما في الخط، فلا يُفصَلُ بالضرب بينهما ويُضرَبُ على الحرفِ
المتطرِّف من المتكرر دون المتوسط. وإذا وقع في الكتاب تقديمٌ وتأخيرٌ، فينبغي أن
i
٠
;

٧٩٣
يُشار إلى ذلك، فمنهم من يكتُبُ أولَ المتقدم كتابةً: (يُؤخَّر)، وأولَ المتأخَّر:
(يُقدَّم)، كلُّ ذلك بأصل الكتاب إن اتسع، وإلاّ فبالهامِش، ومنهم من يَرمزُ إلى ذلك
بصورةٍ (م)، وهذا حسن إن لم يكن المحلُّ قابلاً، لتوهم أنَّ الميم رَمْزٌ لكتابٍ
مسلم .
الأمرُ الثامن: ينبغي للطالب إذا كان الكتابُ مروياً بروايتين أو أكثرَ، ووقع في
بعضِها اختلاف وأراد الإِشارةَ إلى ذلك أن يَحترِزَ مما يُوقعُ في اللَّبْس.
قال ابن الصلاح في الأمرِ الرابعَ عشَرَ من الأمورِ المفيدةِ في كتابةِ الحديثِ
وضبطه: ليكن فيما تختلِفُ فيه الرواياتُ قائماً بضبطِ ما يختلف فيه في كتابه، جَيِّدَ
التمييز، كيلا تَخْتلِطَ وتَشتبِهَ، فَيَفسُدَ عليه أمرُها، وسبيلُه أن يَجِعلَ أولاً متنَ كتابِهِ على
/ روايةٍ خاصة، ثم ما كانت من زيادةٍ لروايةٍ أخرى ألحقها، أو من نقصٍ أَعلَم
عليه، أو من خلافٍ كتبَهُ إما في الحاشية وإما في غيرها، معيِّناً في كل ذلك من رواه،
ذاكراً اسمَه بتمامه، فإن رَمَز إليه بحرفٍ أو أكثرَ فعليه ما قدمنا ذكرَه، من أنه يُبِينٌ
المرادَ بذلك في أولِ كتابه أو آخِرِهِ، كيلا يَطُولَ عهدُهُ به فينساه، أو يقَعَ كتابُه إلى
غيرِهِ فِيقَعَ من رموزه في خَيْرةٍ وعمى. وقد يُدفَعُ إلى الاقتصارِ على الرموزِ عند كثرةٍ
الروايات المختلفة .
/ ٣٦٠
واكتَفى بعضُهم في التمييز بأن خَصَّ الروايةَ الملحقةَ بالْحُمْرةِ، فَعَلَ ذلك أبو ذر
الَرَوِي من المشارقة، وأبو الحسن القابسي من المغاربة، مع كثير من المشايخ وأهلٍ
التقييد، فإذا كان في الروايةِ الملحقةِ زيادةً على التي في متن الكتاب، كتَبَها بالحُمرة،
وإن كان فيها نقصٌ والزيادةُ في الرواية التي في متن الكتاب، حَوَّقَ عليها بالحُمرة، ثم
على فاعلِ ذلك تبينُ من له الروايةُ المُعلَّمةُ بالْحُمرة في أولِ الكتاب أو آخرِهِ، على
ما سَبَق، والله أعلم.
والذي سَبّق هو ما ذكره في الأمر الرابع، حيث قال: لا ينبغي أن يَصطَلِحَ مع
نفسِهِ في كتابه بما لا يفهمه غيرُهُ، فيُوقِعَ غيرَه في خَيْرةٍ، كفعلٍ من يَجمعُ في كتابِهِ بين

٧٩٤
رواياتٍ مختلفة، ويَرمِزُ إلى روايةِ كل راو بحرفٍ واحدٍ من اسمِه أو حرفين وما أشَبَهَ
ذلك، فإن بَيِّنَ في أول كتابه أو آخِرِهِ مُرادَهُ بتلك العلامات والرموز، فلا بأس، ومع
ذلك الأولى أن يَتجنّبَّ الرمزَ، ويكتُبَ عندَ كل رواية اسمَ راوبها بكماله مختصراً، ولا
يقتصر على العلامةِ ببعضِها، والله أعلم.
تنبيه: لا يَسوُ للكاتب أن يَكتُبَ الحواشيَ في كتابٍ لا يَلِكُه، إلاّ بَإِذْنِ
مالكه. فإن قيل: فهل يُسَوِّغُ ذلك وجودُ عبارةٍ في الأصل تُخالِفُ معتقده، ويخشى إذا
لم يكتُب حاشيةً تتضمّنُ الإِشارةَ إليها أو الردَّ عليها، أن تَضُرَّ بعضَ المطالعين. يُقال:
لا ، فإنَّ له مندوحةً عن كتابةِ الحاشية في نفسِ الكتاب، بكتابتها في فَرْخَةٍ تُوضَعُ
هناك، على أنه كثيراً ما تصدَّى لمثلِ هذا الأمرِ من ليس له بأهل، ممن يَظُنُّ أنه له
أهل، حتى ربما كان إفسادُهُ أكبرَ من إصلاحه، حتى صحَّ أن يقال: كم حاشِيَة أَتَّتْ
بغاشية . وقد وقع في ذلك القديم والحديث.
الأمرُ التاسع: ينبغي لكاتبِ الحديث تحقيقُ الخَطِّ وتجويدُه، دون المَشْقِ
والتعليق. قال بعض الأئمة: شَرُّ الكتابةِ المَشْقُ، وشَرُّ القراءةِ الهَذْرَمَة، وأجوَدُ الخط
أبيّنُه. وقال بعضُهم: الخَطُّ عَلامَة، فكلّما كان أبينَ كان أحسَنَ. وقال بعضهم: وَزْنُ
الخَطِّ وَزْنُ القِراءة، وأُجَوَدُ القراءةِ أَبيّنُها، وأجوَدُ الخَطِّ أَبيّنُه.
والَشْقُ سُرعةُ الكتابة قاله الجوهري. وقال بعضُهم: المَشْقُ خِفَّةُ اليدِ وإرساءُها
مع بعثرةِ الخروف، وعدَمِ إقامةِ الأسنان.
والتعليقُ خَلْطُ الحروفِ التي ينبغي تفرُّقُها وإذهابُ أسنانِ ما ينبغي إقامةٌ
أسنانِهِ، وطَمْسُ ما ينبغي إظهارُ بَيَاضِه، فيجتمعانٍ في عدمِ إقامة الأسنان، وينفردُ
التعليقُ بخلطِ الحروفِ وضَمِّها، والمشقُ ببعثرتها وإيضاحِها بدون القانون المألوف،
وهو مُفسدٌ لخطَّ المبتدي، ودليلٌ على تهاون غيره.
وأهلُ العلم وإن لم يستقبحوا الَشْقَ والتعليقَ وإغفالَ النَّقْطِ والشَّكلِ في

٧٩٥
المكاتبات(١)، إذا كان المكتوبُ إليه ممن لا يَستعجِمُ عليه، فإنهم يَعُدُّون ذلك في كتب
العلم مستقبَحاً.
وتحقيقُ الخَطّ هو أن يُميّزْ كلُّ حرف بصورته المميزة له. وتجويدُ الخط تحسينُه.
والحُسنُ في أيِّ شيء كان مما تَمِيلُ إليه النفسُ طبعاً، وكثيراً ما دَعَا حُسنُ الخَطِّ إلى
المطالعةِ في كتابٍ لا يَميلُ المطالع إليه .
/ وسأل الصُّوليُّ بعضَ الكُتَّب عن الخط متى يستحق أن يُوصَف بالجودة؟ /٣٦١
فقال: إذا اعتدلَتْ أقسامه، وطالت ألِفُه ولامُه، واستقامَتْ سُطُورُه، وضاهَى
صُعودَه حُدُورُه، وتفتَّحت عيونُه، ولم تشتبه راؤه ونونُه، وأَشرَق قِرطاسُه، وأظلمت
أَنْقَاسُه(٢)؛ وأسرَع إلى العيون تصوُّرُه، وإلى القلوب تنوُرُه؛ وقُدِّرَتْ فُصولُه،
واند ◌َجَتْ أصولُه، وتناسَبَ دقيقُه وجليلُه، وتساوَتْ أطنابُه، واستدارت أهدابُه،
وصَغُرَتْ نواجذُه، وانفتَحَتْ مَحَاجِرُه، وخَرَج عن نَخَطِ الوَرَّاقين، وبَعُدَ عن تصنُّع
المحرِّرين، وخُيِّلَ إليك أنه يتحرَّكُ وهو ساكن.
ولا تَحصُلُ جودةُ الخط إلّ بإعطاءِ كلِّ حرفٍ ما يَستحقُّهُ من التقُسِ والانحناءِ
والانبطاح وغير ذلك، من الطُول أو القِصَرَ والرِّقَّة أو الغِلظةِ ومُراعاةِ المناسبةِ بين
الحروفِ بعضِها مع بعض، وبين الكلماتِ كذلك، إلى غير ذلك مما هو معروفُ عندَ أهلِه.
ومن تتمةِ ذلك مراعاةُ الفواصل وحُسْنُ التدبُّر في فَصْل الكلمات.
قال علماء الأثر: يُكرَهُ في مثلِ عبد الله بنِ فلان، أن يكتّبَ عبدٌ في آخِرِ
(١) وقع في الأصل: (وإغفالَ اللفظ)، وهو تحريف عن (وإغفالَ النَّقْط)، كما أثبته. وقد
شرح هذا الموضوع القاضي عبد الرحيم القرشي تلميذ القاضي الفاضل، في كتابه «معالم الكتابة
ومغانم الإصابة)) ص ٦٦ - ٦٩.
(٢) الأَنْقَاس - بالقاف - جمعُ نِقْس بكسر النون، وهو الحِبْرُ المعروف، وما أُخِذَ على
الفيروز آبادي صاحبٍ ((القاموس المحيط)) رحمه الله تعالى: قولُه في تفسير الخِبْر - في مادة (حبر) -:
((الحِبْرُ النّفْسُ)). ففسَّرِ الواضحَ المعروفَ بالغامضِ الغريب!

٧٩٦
السطر، والباقي في أول السطر الآخَر، ومثلُ ذلك ما أشَبَهَه مما يُستقِبَحُ صُورةً وإن
كان غيرَ مقصود، نحو قاتلُ فلانٍ في النار. فلا يُكتَبُ قاتل، في آخِر سطر، وما بعده
في أولِ السطرِ الآخَر.
وتشتّدُّ الكراهةُ إن وقع عبدٌ ونحوُه في آخِرِ الصَّحِيفَةِ الْيُسرَى، وما بعدَه في
أولِ الصَّحِيفةِ اليُمنى التي تليها، فإنَّ الناظرَ فيها ربما يبتدىءُ بالقراءة فيها كذلك من
غير تأمل، وإذا انتَبَه لذلك احتاج إلى قلبِ الورقة ليَرَى ما كُتِبَ في الصحيفةِ اليُسرى
السابقةِ. وجعَلَ ذلك ابنُ دقيق العيد من باب الأدبِ، لا من بابِ الوجوب ...
وحُسنُ الخط تتفاوَتُ درجاتُه تفاوتاً شديداً، وذلك على حسبِ تفاوتِ رعايةٍ
النسبة المطلوبة فيه، وقد أشار إلى ذلك بعضُهم في أثناءِ البحث عن فَنٌّ تركيبٍ
الحروف حيث قال: كما أنَّ للحروف حُسناً مخصوصاً في حالِ إفرادها، كذلك لها
حُسْنٌ مخصوصٌ في حالٍ تركيبها، من تناسُبِ الشَّكْل ونحوِهِ.
ومبادىءُ ذلك أمور استحسانية، تَرجِعُ إلى رعايةِ النسبةِ الطبيعيةِ في الأشكال،
وله استمدادٌ من الهندسةِ، ولذلك قال بعضُ الحكماء: الخَطُّ هندسَةٌ رُوحانية، وإن
ظهرَتْ بآلَةٍ جسمانية.
والناسُ كثيراً ما يختلفون في ترجيح بعض الخطوط على بعض في الحسن، وهو
غيرُ مستغرَب، فإنه نظيرُ اختلافِهم في ترجيح بعض الناس على بعض في ذلك.
والاستحسانُ كثيراً ما يختَلِفُ باختلاف الإِلْفِ والعادةِ والمِزاجِ، إلَّ أنَّ المَرْجِعَ في ذلك
إلى أربابِ الفن، ممن عُرِفَ بسلامةِ الطبع، ودقةِ النظر، وفَرْطِ البراعة فيه.
واعلم أنَّ الخط العربي يُمكِنُ فيه من السرعةِ ما لا يُمكِنُ في غيره، ويَحَتَمِلُ من
تكبير الحروفِ وتصغيرها ما لا يَحتَمِلُ غيرُه، ويقبل من التنوع ما لا يقبلُه غيرُه،
ولذلك كثُرَتْ أنواعُ الخَطِ العربيِّ، والمشهورُ منها عند المتأخرين ستةُ أنواع، وهي
الثُّلُث، والنّسْخُ، والتعليقُ، والرّيحان، والمحقَّقُ، والرِّقَاعِ.
والمرادُ بالتعليق هنا خَطٍّ وضَعَه بعضُ الفرس، ثم عُنُوا به عنايةً شديدةً حتى

٧٩٧
صار يقال له: الخَطُّ الفارسيّ، ويقال له أيضاً: الخَطُّ المعلَّق، وهو خطٌّ تصعُبُ
الإِجادةُ فيه، وهو غيرُ قديم العهد، فلا ينبغي أن يُتوهَّمَ من قولِ المتقدمين بكراهةٍ
الخطِّ المعلَّق أنهم يعنون هذا، بل مُرادُهم به الخَطُّ الذي أُذْهِبَتْ أسنانُه وخُلِطَ فيه بين
الحروف التي ينبغي تفرّقُها، وطُمِسَ فيه بَيَاضُ ما ينبغي إظهارُ بياضِه. ويُشبِهُ هذا
الخطُّ من وجهٍ الخَطَّ / المُسَلْسَل، وهو خَطِّ متصِلُ الحروف، ليس في حروفه شيء /٣٦٢
منفصل.
وأما المتقدمون فقد اشتهر عندهم أنواعٌ كثيرةٌ من أنواع الخط العربي، وقد
تصدَّى لذكرها أبو الفرج محمدُ بن إسحاق البغداديُّ، المعروفُ بابن النديم في
((كتاب الفهرست))، وقد أحببتُ إيرادَ شيء مما ذكره على طريق التلخيص، قال في
المقالةِ الأولى في وصفِ لغاتِ الأمَم من العَرَبِ والعَجَم ونعوتِ أقلامِها وأنواع
خطوطِها وأشكالٍ كتاباتها(١):
أوَّلُ الخطوط العربية الخَطُّ الْمَكيُّ، وبعدَه المدني، ثم البَصْريّ، ثم الكوفيّ،
فأما المكيُّ والمدنيُّ ففي ألِفاتِهِ تعويجٌ إلى يَمنةِ اليَدِ وأعلى الأصابع، وفي شكلِهِ إِضجاعٌ
يسير. ثم استَخرَجَ الأقلامَ الأربعةَ واشتَقَّ بعضَها من بعض قُطْبَةُ، وكان أكتَبَ
الناس على الأرض بالعربية، وكان في أيام بني أمية. ثم جاء الضحَّاكُ بعدَه، فزاد
على قُطْبَة، وكان أكتَبَ الخلق بعدَه، وكان في أول خلافةٍ بني العباس.
ثم ذَكَر من جاء بعدَهما، وأتبَعَ ذلك بذكرٍ أربعة وعشرين قَلَماً، وذَكَر أن
غْرَجُها كلِّها من أربعةِ أقلام، قلمِ الجليل، وقلمِ الطَّوْمَار الكبير، وقلم النَّصْف
الثقيل، وقلم الثُّلُث الكبير الثقيل، وأنَّ مخرج هذه الأقلام الأربعة من القلم الجليل،
وهو أبو الأقلام. نَقَل ذلك من خط أبي العباس بن ثَوَابة .
ثم نَقَل عن غيره أنه قال: ولم يَزل الناسُ يكتبون على مِثالِ الخط القديم الذي
ذكرناه، إلى أولِ الدولة العباسية، فحين ظهر الهاشميون اختَصَّتْ المصاحفُ بهذه
(١) ص ١٠.

٧٩٨
الخطوط، وحَدَث خطٌّ يُسمَّى العراقيَّ، وهو المحقّق الذي يُسمَّى الورَّاقي، ولم يَزل
يزيدُ ويَحِسُن حتى انتَهَى الأمرُ إلى المأمون، فأخَذَ أصحابُه وكُتَّابُه بتجويدِ خطوطهم،
فتفاخَرَ الناسُ في ذلك
وَظهَرَ رجلٌ يُعرفُ بالأحولِ المحرِّر، من صنائع البرامكة، عارفٌ بمعاني الخط
وأشكاله، فتكلَّم على رسومِه وقوانينه، وجعَلَه أنواعاً، وكان هذا الرجل يُحرِّرُ الكتبَ
النافذةَ من السلطان إلى ملوكِ الأطراف في الطوامير، وكان في نهاية الحِرْفَة
والوَسَخ (١)، وكان مع ذلك سمحاً لا يَلِيقُ على شيءٍ(٢)، فلما نشأ ذو الرياستين
الفضلُ بن سهل، اختَرَع قلماً وهو أحسَنُ الأقلام، ويُعرَفُ بالرِّياسيّ، ويتفرَّعُ إلى
عِدَّةِ أقلام.
وفي أيام المقتدر ظَهَر إسحاقُ بن إبراهيم التميميّ، ويكنى بأبي الحسين، وكان
يُعلِّم المقتدرَ وأولادَه، وله رسالة في الخط سمّاها ((تُحفة الوامِقِ))، ولم يُرَ في زمانه أحسَنُ
منه خطأً ولا أعرَفُ بالكتابة، وأخوه أبو الحسن نظيرُه، ويَسلكُ طِرِيقَتَهِ، وَابْنُه
إسماعيلُ بن إسحاق، وابنُه القاسمُ بنُ إسماعيل، ومن ولدِهِ أبو العباس عبدُ الله بن
أبي إسحاق، وهؤلاء كانوا في نهاية حُسنِ الخطِّ والمعرفةِ بالكتابة.
وممن كتَبَ بالمِداد من الوزراءِ الكُتَّابِ أبو أحمد العباسُ بن الحسن، وأبو الحسن.
علي بن عيسى، وأبو عليّ محمد بن علي بن مُقْلَة، ولد سنة ٢٧٢، وتوفي سنة ٣٢٨.
(١) الحرفة هنا بكسر الحاء وسكون الراء يليها فاء ثم تاء مربوطة. ويعنون بها: الفَقْرَ،
يقال: حُرِفَ فلان في مالهُ: ذهب منه شيء، وحُورف فلان: قُدِرَ عليه رِزْقُه وكَسْبُه وضُيِّق عليه
فيه. وقال الزغشري في ((أساس البلاغة)) في (حرف): (ورجلٌ مُجازَفٌ: محدود - أي محرومٌ
فقير -، وحُورف فلان، وأدركته حِرفةٌ الأدَب ـ أي الفقر)). انتهى. وما بين المعترضتين مُدرّجْ منِي
للتفسير .. ووقع في الأصل: (وكان في نهاية الحرقة)، أي بالقاف، وهو تحريف عن (الحرفة) بالفاء
كما جاء في ((الفهرست)).
(٢) أي لا يُمسِكُ ولا يُبقي على شيءٍ.
1

٧٩٩
وممن كتَبَ بالحِبر(١) أخوه أبو عبد الله الحسن بن علي، ولد سنة ٢٧٨ وتوفي
سنة ٣٣٨. وهذان رجلان لم يُرَ مثلُهما في الماضي إلى وقتنا هذا، وعلى خط أبيهما مُقلة
كَتَبَا، واسمُ مُقْلَة علي بن الحسن بن عبد الله، ومُقْلَةُ لقبٌ.
وقد كتَبَ في زمانهما جماعةٌ، وبعدَهما من أهلهما وأولادهما فلم يقاربوهما، وإنما
يَندُرُ من الواحد منهم الحَرْفُ بعدَ الحرفِ والكلمةُ بعدَ الكلمة، وإنما الكمالُ كان
لأبي علي وأبي عبد اللّه. وقد رأيتُ مصحفاً بخطٌّ مُقْلَة. اهـ.
قال بعضُ الكتاب: يَظُنُّ كثيرٌ من الناس أنَّ الوزير أبا عليّ، هو أولُ من ابتَدَع
هذا الخطَّ المعروف، وليس كذلك، فقد وُجِدَ من الكُتُبِ فيما قبلَ المئتين ما ليس
/ على صُورةِ الكوفي، بل يَبعُدُ عنه إلى بعضِ هذه الأوضاعِ المتداولةِ الآن، وإن /٣٦٣
كان هو إلى الكوفيِّ أقربَ منها وأمَيَلَ، لقُربِهِ من أصلِه المنقولِ عنه.
نعم إنَّ ابنَ مُقْلَة قد زاد في التأثُّق في هندسةِ الحروف، وفي إجادةٍ تحريرها،
ومنه انتشر الخط. ثم جاء بعده عليٌّ بن هلال المعروفُ بابنِ البَوَّاب، فزاد في التأنّق
(١) ذَكَر فيما سَبَق (من كتب بالمداد)، وذَكَّر هنا (من كتب بالحبر)، ويَظهَرُ من العبارة أن
هناك فرقاً بين المداد والجبر، ولم أتمكن من كشفه الآن.
ثم كشفته، وبمراجعة كتب اللغة: كتبِ الألفاظ للمعاني ((كالقاموس))، وشرحه ((تاج
العروس)»، وغيرهما، وكتبٍ المعاني للألفاظ ((كفقه اللغة)) للثعالبي و((المُخَصَّص)) لابن سِيْدَه
الأندلسي الضرير، وغيرهما: تبينَّ أنَّ المِدادَ والحبرَ عندهم سواء.
قال الزَّبيدي في ((تاج العروس)) في (حبر) ١١٧:٣ ((فسَّرَ الجماهير: الحِبرَ بالمداد)). انتهى.
وقال ابن سِيْدَهْ في ((المخصَّص)) في السِّفر ٦:١٣ في المجلد الرابع: ((المدادُ: الذي يكتَبُ به،
والحِبْرُ: المِدَادُ)). انتهى.
والذي ألحظه من الفرق بينهما أن الحبر يحمل معنى الحسن والجمال، من التحبير، وأن المِداد
يحمل معنى الإِعطاء والتقوية، قال الزبيدي في ((تاج العروس)) في (حبر) ٣: ١١٧ ((واختُلِفَ في وجه
تسميتهِ حِبراً، فقيل: لأنه مما تُحبِّرُ به الكتب أي تُحُسَّنُ، وقيل: لتحسينه الخطّ وتبيينه إياه، وقيل:
لتأثيره في الموضع الذي يكون فيه)). وقال في (مدد) ٢: ٤٩٨ ((قال ابن الأنباري: سُمِّي المدادُ مداداً
الإِمدادِهِ الكاتب، من قولهم: أمددتُ الجيشَ بمدَدَ)).

٨٠٠
فازداد الخطُّ بهجةً وطلاوةً، ولشهرةِ خَطِّهِ بالحُسنِ الباهر. قال أبو العلاء المعري :
يُجَارِي النُّضَارَ الكاتبُ بنُ هِلالِ
ولاحَ هِلالٌ مِثلُ نونٍ أجادها
وقد اخترَع كثيراً من الأقلام، وكانت وفاته سنة ٤١٣، ورثاه بعضُ الشعراء
فقال:
وقضَتْ بصِحَّةِ ذلك الأيامُ
اسْتَشْعَرَ الكُتَّابُ فَقْدَك سالِفاً .
أسَفاً عليك وشُقَّتِ الأقلامُ
فلذاك سَوَّدَتِ الدُّوِيُّ وُجوهَهَا
ثم جاء بعدَهما كثيرٌ ممن اتَّبَعَهما بإحسان، وهم مذكورون في طبقات
الخطّاطين.
وقد تعرَّضَ بعضُ المتأخرين من الكتاب لذكر الأقلام، على حسَبٍ ما وقَفَ
عليه فقال: اعلم أنَّ أصل الأقلام اثنانٍ، ومنهما تُستنبَطُ بقيَّةُ الأقلام.
الأولُ: المحقّقُ، وهو أصلٌ بذاته، ويقال: إنه أولُ قلم وُضِعَ، والرَّيحانُ
مستنبط منه، ويُكتَبانِ بِالقَلَم المحرَّف، وهو ما كان ذا سِنِّ مرتفِعةٍ من الجهةِ اليُمنَّى
ارتفاعاً كثيراً إذا كان مكبوباً، وذلك لأن الفَرَكات وهي رِقَّةُ الزوايا تَظْهَرُ به أكثر،
ويُرفَّقُ المنتصباتِ كالألِفِ ورأسِ اللام، كما أنَّ المدوَّر يُتْخُّنُها. والمدوَّرُ هو ما استَوَى
سِنَّاه. وخُصَّا بأن لا يُطْمَس فيهما عينٌ ولا فاءٌ ولا قافٌ ولا ميمٌ ولا واو، وأن يكونا
مُنِیرینِ.
والفَرْقُ بينهما أنَّ الرَّيحانَ بقَلَمِه مفتَّحُ الأعينُ، والمحقَّقَ بغيره. وقال
ابنُ البَوَّاب: نِسبةُ الرَّيحانِ إلى المحقَّقِ كنسبةِ الحواشي إلى النَّسْخِ. وَالنَّسْخُ مستنبطٌ
من الرِّيحان، والفَرْقُ بينهما أنَّ النسخَ إعرابُهُ أقلُّ من الرَّيحان، وفيه تعليقٌ وطَمْس،
فَقَرُبَ من الرِّقاع، ويُكتَبُ النسخُ بالقلم المدوَّر، وكذلك التواقيعُ الصِّغارُ
والمراسلات .
والثاني: الثُّلثُ، وهو أصلٌ بذاته، وقلَمُ التوقيع مستنبطٌ منه، والرِّقاعُ مستنبط
من التوقيع، فحدُّ التوقيع أن لا يحتمِلَ الإِعرابَ، وإلَّ فهو ثُلُثّ خفيف، ولعدم

٨٠١
استدعائِهِ الإِعرابَ قَصُرَتْ ألِفُه، فإن قيل: لم وُفِّرَتْ شَحْمَتُه؟ قيل: ليزيدَ مع تدويره
في تثخين مُنْتَصِباتِه وإخفاءِ فَرَكاتِه .
والمؤنَّقُ وهو قلَمُ الأشعار، مستنبطٌ من المحقّقِ والثُّلُثِ على رأي جماعة، فلك
إذاً أن تكتُبَه بقَطَّةٍ قَلَم المحقَّق، وإن شِئتَ بقَطَّةِ قلم الثُّلُثِ لترُبِهِ منهما، والقُّلُثُ
يُكتَبُ بالقلم الذي يكونُ بين التحريفِ والتدوير، وهو ما كان ذا سِنَّ مرتفعةٍ من
الجهة اليُمنى ارتفاعاً يسيراً إذا كان مكبوباً، ويُكتَبُ بهذا القلم أيضاً التواقيعُ الشبيهةُ بالثُّلُث.
وقال ابنُ البوَّاب: هو أصلٌ بذاته، وأنكَرَ على من جعله مركَّباً منهما، فقال:
المؤَّقُ وهو قلَمُ الأشعار، ليس مُرَكَّباً من المحقَّقِ والثُّلُثِ كما يُخِيَّلُ لبعض المبتدئين،
وإنما وقع الاشتباهُ لُشاكلةِ بعضِ حروفِه حروفَ المحقّق، وبعضِها حُروفَ الثلث،
لكن بينهما مُباينة يُدركُها حُذَّاقُ هذه الصناعة.
والمحقَّقُ من أحسن الخطوط وأصعبِها على الكُتَّاب، وقلَّ من يَقْدِرُ على كتابتِهِ
بحيث لا يَزِجُ شيئاً من حروفِهِ بحروف المؤنَّقِ. والثُّلُثُ مما تُقَوِّي المداومةُ عليه اليَدَ
وتُعينُها على بقيّة الأقلام.
ومما يُبيّنُّ الفرقَ أَنَّ الراءَ والنونَ والواوَ والياءَ المفرداتِ إذا كانت في المؤنَّق لم تَحْلُ
عن قِصَرَ وعَمَاقة، والمحقَّقُ / بالعكس في هذه الأحرف الأربعة، وإذا كانت في الُّلُثِ
كانت أعمَقَ وأقصَرَ، فتبيَّنَ بما ذُكِرَ أن المؤنَّقَ ليس مركَّباً من المحقّقِ والثُّلُث، فمن قام
في هذه الثلاثةِ على الصراط، وجانَبَ طَرَفَيْ التفريطِ والإِفراط، فهو الكاملُ في علم
الكتابة، المشارُ إليه بالإِصابة .
واعلم أنَّ لكل قلم من السبعة شيئاً يَختصُّ به. فالمحقَّقُ والرِّيحانُ بالمصاحف
والأدعية، والنَّسْخُ بالتفسير والحديثِ ونحوِهما، والثُّلُثُ بالتعليم، والتوقيعُ بالتواقيعِ
الكِبارِ التي للأمراءِ والقُضاةِ والأكابر، والرِّقاحُ بالتواقيع الصِّغارِ والمراسلات، والمؤنق
بكتابة الشعر.
ولنرجع إلى ذِكرِ ما يُكرَهُ في الخط فنقول: قد عرفتَ أنهم يكرهون فيه التعليق
والْمَشْقَ، وكما يكرهون فيه ذلك يكرهون فيه التدقيقَ، لأنَّ الخطَّ الدقيقَ لا يَنتَفِعُ به
/ ٣٦٤

٨٠٢
مَنْ في نظرِهِ ضعفٍ، وربما ضَعُفَ نظرُ كاتبِهِ بَعْدَ ذلك فلا يَنتفِعُ به، قال أحمد بن
حنبل لابن عمه حنبلِ بنِ إسحاق، وقد رآه يكتُبُ خطاً دقيقاً: لا تَفْعَل، فإنه يُونُك
أحوَجَ ما تكونُ إليه.
وقال أبو حَكِيمة : كنا نكتُبُ المصاحفَ بالكوفة، فَيَمُرُّ بنا عليّ بن أبي طالب
فَيَقُومُ علينا فيقول: آجْلُ قلمَك، قال: فقَطَطْتُ منه ثم كتبتُ فقال: هكذا، نَوِّروا
ما نَوَّر الله عز وجل.
وكان بعضُ المشايخ إذا رأى خطاً دقيقاً قال: هذا خَطُّ من لا يُوقِنُ بالخَلَفُ
من اللَّهِ. يريد أنه لو يَعلَمُ أنَّ ما عنده من الوَرَق لو توسَّعَ فيه لأتاهُ الخَلَفُ من الله ،
لم يَجرِص عليه ذلك الحِرصَ، فكأنَّ تدقيقَهُ الخَطَّ لعدم إيقانِهِ بالخَلَفِ من الله تعالى.
وقال بعض العلماء: إنَّ الذي يَكْتُبُ الخَطَّ الدقيق، ربما يكون قصيرَ الأمَل،
لا يُؤْمِّلُ أن يعيشَ طويلاً. وقد يقال: إنه قد يكونُ طويلَ الأمَل، غير أنه لا يَخْطُرُ
ببالِهِ ضَعفُ البصر في الكِبر. وقد كان أناسٌ مُؤْلَعينَ بتدقيقِ الخط حتى بُعْدَ تقدُّمِهِمْ
في السن، منهم الحافظُ شمس الدين ابنُ الجزري. ومنهم من المتقدمين أبو عبد الله
الصُّوْرِي، فإنه كتَبَ صحيحَ البخاري ومسلم في مجلّد لطيف، وبيع بعشرين
دیناراً(١).
(١). قلت: وقد توجّهَتْ هِمَمُ بعض العلماء إلى تنعيم الخط جداً، ونجمْعِ الكتاب الكبير
أو الكتب الكثيرة في مجلد واحد، بحيث لو طُبع ذلك الكتاب، أو ما في ذلك المجلد من كتب، في
عصرنا هذا لخرج في مجلدات كثيرة جداً تزيد على عشرة مجلدات أو تبلغ العشرين مجدداً.
وباعثُهم إلى هذا قديماً ثلاثةُ أسباب:
أولاً: الفقر، والفقر صديق العلماء ورفيقهم، كما قال العلامة الأديب الأريب القاضي
أحمد بن عمران المُزَجَّد اليمني الزَّبيدي المتوفى سنة ٩٣٠ رحمه الله تعالى:
قال لي في عمائم الفقهاءِ
قلتُ للفقر أين أنت مقيمٌ
وعزيزٌ علَّ قطعُ الإِخاءِ!
إِنَّ بيني وبينهم لإِخاءً
وثانيا: التخفف من أثقال كثرة الكتب في الأسفار والارتحال إلى العلماء للسماع منهم والأخذ
11