النص المفهرس

صفحات 821-840

٧٦٣
ومن الغريب أنَّ بعضَ الناس يَنسُبُ إلى بعضِ الأئمة قواعدَ لم يَذكُرِها، وإنما
استخرَجها من بعضِ الفروعِ المنقولةِ عنه، ثم يَبْني عليها ما رآه مناسباً لها من
المسائل، ولذا قال بعضُ العلماء في الردِّ على من نَسَب إلى بعضِ الأئمة أنهم يقولون:
إِنَّ الخاصَّ لا يَلْحَقُه البيان، وإنَّ العامَّ قطعيُّ كالخاص، وإنَّه لا ترجيحَ بكثرةٍ
الرواة، وإنه لا عبرةً بمفهومِ الشرطِ والوصفِ ونحو ذلك أصلاً: إنَّ هذه أصولٌ
مخرَّجَةٌ على كلامِهم، ولا تَصِحُّ بها روايةٌ عنهم، وليست المحافظةُ عليها والتكلُّفُ في
الجوابِ عما يَرِدُ عليها، بأحقَّ من المحافظةِ على من يُخالِفُها والجوابِ عما يَرِدُ عليه.
وقد اختَلَف المُخرِّجون في كثير من التخريجات، ورَدَّ بعضُهم على بعض،
فنيبغي التفريقُ بينَ الأقوالِ التي هي أقوالهم في الحقيقة، وبينَ الأقوالِ التي هي
مُخرَّجة على أقوالهم، كما يفعله المحققون من العلماء، وبذلك يُنْحَلُّ كثيرٌ من الشُّبَهِ
التي تَعرِضُ في كثيرٍ من المواضع، والله الموفق.
فوائدُ شَتی
الفائدةُ الأولى
قد ذكر الحافظ ابنُ الصلاح طريقَ نقلِ الحديث من الكتبِ المعتمدةِ التي
صَحَّتْ نسبتُها إلى مصنِّفيها، فقال في آخِرِ النوع الأول: إذا ظَهَرَ بما قدَّمناه انحصارُ
طريقٍ معرفةٍ الصحيح والحسن الآنَ، في مراجعةِ الصحيحين وغيرهما من الكتبِ
المعتمَدَة، فسبيلُ من أراد العملَ أو الاحتجاجَ بذلك، إذا كان ممن يُسوغُ له العمَلُ
بالحديثِ أو الاحتجاجُ به لِذِي مذهب: أن يَرجِعَ إلى أصلٍ قد قابَلَه هو أو ثقةٌ غيرُه
بأصولٍ صحيحةٍ متعددةٍ مرويَّةٍ برواياتٍ متنوعة، ليَحصُلَ له بذلك مع اشتهارِ هذه
الكتب وبُعْدِها عن أن تُقْصَدَ بالتبديلِ والتحريفِ الثقةُ بصحةِ ما اتَّفَقَتْ عليه تلك
الأصول، والله أعلم.
وقال بعضُهم: ومن أراد أخْذَ الحديثِ من كتابٍ من الكتبِ المعتمدة، للعَمَلِ

٧٦٤
به أو الاحتجاج به إن كان أهلاً لذلك ـ والأهليّةُ في كل شيء بحَسَبِهِ - فسبيلُه كما
قال ابنُ الصلاح أن يأخُذَهُ من نسخةٍ معتمدة، قد قابلَها هو أو ثقةٌ غيرُهُ بأصولٍ
صحيحةٍ معتمدةٍ مرويَّةٍ برواياتٍ متنوعة، يعني فيما تَكْثُرُ الرواياتُ فِيه كالفِرَبْرِيِّ
والنَّسَفِيِّ وحَّادِ بن شاكر بالنسبة إلى صحيح البخاري، أو أصولٍ متعددةٍ فيما مَدَارُهُ
على روايةٍ واحدة كأكثر الكتب.
وقد فَهِمَ جماعةٌ من عبارتِهِ اشتراطَ التعدُّد. وقال بعضهم: ليس في عبارتِهِ
/ ٣٤٥ ما يقتضِي ذلك، فينبغي ◌َمْلُ كلامِهِ هنا على كونِ التعدُّد / مستحبّاً لا واجباً، ليكون
موافقاً لما ذكره بعدُ في مبحثِ الحسَنِ حيث قال: وتختلِفُ النَّسَخُ من كتاب الترمذيِّ
في قوله: هذا حديثٌ حسن، أو هذا حديثٌ حسنٌ صحيح، ونحوَ ذلك، فينبغي أن
تُصحِّحَ أصلَك بجماعةٍ أصولٍ ، وتعتمِدَ على ما اتَّفقَتْ عليه .
فقولُه هنا: فينبغي، قد يُشيرُ إلى عدم اشتراطِ ذلك، وأنه إنما هو مستحب،
وهو كذلك إلاّ أن يقال: إنَّ ما ذَكَر هنا إنما هو في مقابلة المرويّ، وما ذَكَرَ سابقاً إنما
هو في مقابلة ما يُرادُ أخذُه للعمل به أو الاحتجاج به، وهو مما ينبغي زيادةُ الاحتياطِ
فيه .
وقال النوويُّ في شرح مسلم(١): قال الشيخُ الإِمامُ أبو عمرو بن الصلاح:
اعلَمْ أنَّ الروايةَ بالأسانيدِ المتصلةِ ليس المقصودُ منها في عصرنا وكثير من الأعصار قِيلَه
إثباتَ ما يُروَى، إذ لا يخلو إسنادٌ منها عن شيخٍ لا يَدْرِي ما يَروِيه، ولا يَضْبِطُ ما في
كتابِهِ ضَبْطاً يَصْلُحُ لأنْ يُعتَمَدَ عليه في ثبوتِه، وإنما المقصودُ بها بقاءُ سلسلةِ الإِسنادِ
التي خُصَّتْ بها هذه الأُمَّةُ زادها الله كرامة .
وإذا كان كذلك فسبيلُ من أراد الاحتجاجَ بحديثٍ من صحيح مسلم
وأشباهِهِ: أن يَنقُلَه من أصلٍ مقابَلٍ على يدَيْ ثقتينِ بأصولٍ صحيحةٍ متعدِّدةٍ مرويَّةٍ
برواياتٍ متنوّعة، ليَحِصُلَ له بذلك - مع اشتهارِ هذه الكتب ويُعْدِها عن أنْ تُقصَّدَ
(١) ١٣:١. في الفصل الخامس.

٧٦٥
بالتحريف والتبديل - الثقةُ بصحةِ ما اتَّفَقَتْ عليه تلك الأصول، فقد تَكثُرُ تلك
الأصُولُ المقابَلُ بها كثرةً تتنزّلُ منزلةَ التواتر، ومنزلةَ الاستفاضة. هذا كلامُ الشيخ .
وهذا الذي قاله محمولٌ على الاستحباب والاستظهار، وإلّ فلا يُشتَرَطُ تعدُّدُ
الأصولِ والرواياتِ، فإنَّ الأصلَ الصحيحَ المعتمّدَ يكفي، وتكفي المقابلةُ به،
والله أعلم.
ثم هل يُشتَرطُ في نقل الحديث للعملِ به أو للاحتجاج به: أن تكون له به
رواية؟ فالظاهِرُ مما تقدَّمَ عدَمُ اشتراطِ ذلك .
وذَكَر العراقيُّ أنَّ بعض الأئمة حكى الإِجماعَ على أنه لا يَحِلُّ الجزمُ بنقلِ
الحديث إلَّ لمن له به رواية، وهو الحافظُ أبو بكر محمدُ بن خَيْرِ الْأمَوِيُّ، بفتح الهمزة،
الإِشبيليُّ، وهو خالُ أبي القاسم السُّهَيْلِيّ، فقال في بَرْنَامَجِهِ المشهور(١): وقد اتَّفَق
العلماءُ على أنه لا يَصُّ لمسلم أن يقول: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: كذا
حتى يكونَ عنده ذلك القولُ مرويًّاً ولو على أقلِّ وجوهِ الرواياتِ، لقولِ رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم: من كَذَبَ عليَّ متعِّداً فليتبؤَّأْ مقعَدَهُ من النار. وفي بعض
الروايات: من كذَبَ عليَّ مطلقاً دون تقييد.
قال في ((تدريب الراوي))(٢): وقد تعقّبَ ذلك الزركشيُّ في جزءٍ له فقال فيما
قرأتُهُ بخطه: نَقْلُ الإِجماع عجيب، وإنما حُكِيَ ذلك عن بعض المحدِّثين، ثم هو
مُعارَضٌ بنقلِ ابن بَرْهان إجماع الفقهاءِ على الجواز، فقال في الأوسط: ذهَبَ الفقهاءُ
كافةً إلى أنه لا يَتوقَّفُ العمَلُ بالحديث على سماعِهِ، بل إذا صَحَّ عندَهُ النَّسْخَةُ جاز له
العمل بها وإن لم يَسمع .
وحَكَى الأستاذ أبو إسحاق الإِسفِرائينيُّ الإِجماعَ على جوازٍ النقل من الكتبِ
المعتمَدَة، ولا يُشتَرَطُ اتَّصالُ السَّنَدِ إلى مصنّفيها، وذلك شاملٌ لكتبِ الحديثِ
(١) هو المطبوع باسم ((فهرسةُ ما رواه أبو بكر بن خير عن شيوخه))، في ص ١٦ - ١٧ .
(٢) ص ٨٥ و١٥١:١.

٧٦٦
والفقه، وقال إِلْكِيَا الطََّرِيُّ في تعليقه: من وجَدَ حديثاً في كتاب صحيحٍ جاز له أن
يَرويَه ويحتجَّ به. وقال قوم من أصحاب الحديث: لا يجوزُ له أن يَروِيَه، لأنه
لم يَسمعه، وهذا غلط، وكذا حكاه إمامُ الحرمين في البرهان عن بعض المحدثين،
وقالَ: هم عُصْبَةٌ لا مبالاةَ بهم في حقائق الأصول يعني المقتصرين على السماع لا أئمةً
الحديث(١).
وقال الشيخ عزّ الدين بن عبد السلام في جواب سؤالٍ كتبه إليه أبو محمد بنُ
عبد الحميد(٢): وأمَّا الاعتمادُ على كتبِ الفقهِ الصحيحةِ الموثوقِ بها فقد اتَّفَقِ العلماءُ
/٣٤٦ / في هذا العصر على جوازِ الاعتمادِ عليها والاستنادِ إليها، لأنَّ الثقة قد حَصَلَتْ بها،
كما تَحَصُلُ بالرواياتِ، ولذلك اعتمد الناسُ على الكتبِ المشهورة في النحوِ واللّغةِ
والطبِ وسائرِ العلوم، لحصولِ الثقة بها ويُعْدِ التدليس.
ومن اعتقَد أنَّ الناس قد اتفقوا على الخطأ في ذلك، فهو أولى بالخطأ منهم،
ولولا جوازُ الاعتمادِ على ذلك لتعطَّلَ كثيرٌ من المصالح المتعلقةِ بها، وقد رَجَع الشارعُ
إلى قول الأطباء في صُوَر، وليسَتْ كتبُهم مأخوذةً في الأصل إلَّ عن قومٍ كُفَّار، ولكن
لما بَعُدَ التدليسُ فيها اعتَمَدَ عليها، كما اعتَمَد في اللغةِ على أشعار العرب، وأكثرُهِم
كفار لُبُعدِ التدليس. اهـ.
قال: وكُتُبُ الحديثِ أولى بذلك من كتب الفقه وغيرها، لاعتنائِهم بضبطٍ
النُّسَخِ وتحريرِها، فمن قال: إنَّ شرطَ التخريج من كتابٍ يَتوقّفُ على اتصالِ السند
إليه فقد خَرَق الإِجماعَ! وغايةُ الْمُخرِّجِ أن يَنقُلَ الحديثَ من أصلٍ موثوقٍ بصحتِهِ،
ويَنسُبَه إلى من رواه، ويَتكلَّمْ على عِلَّتِهِ وغريِهِ وفقهه.
قال: وليس الناقلُ للإِجماع مشهوراً بالعلم مثلَ اشتهارِ هؤلاء الأئمة. قال: بل
نَصَّ الشافعيُّ في الرسالة على أنه يجوز أن يُحدِّثَ بالخبر وإن لم يَعلم أنه سَمِعَه، فليت
شعري أُّ إجماع بَعْدَ ذلك؟
(١) تأويلٌ بعيد، وكلمةٌ نابيةٌ لا تقبلُ من قائلها! وسيأتي له نحوُها بالصفحة التالية!
(٢) انظر بَسْطَ هذه المسألة في ((الأجوبة الفاضلة))اللكنوي ص ٥٩ - ٦٥.

٧٦٧
قال: واستدلالُه على المنع بالحديثِ المذكورِ أعجَبُ وأعجَبُ إِذْ ليس في
الحديث اشتراطُ ذلك، وإنما فيه تحريمُ القولِ بنسبةِ الحديث إليه حتى يَتحقَّقَ أنه
قاله. وهذا لا يتوقَّفُ على روايتِهِ، بل يكفي في ذلك عِلمُه بوجودِه في كتب من خرَّج
الصحيح، أو كونُهُ نَصَّ على صحتِهِ إمام، وعلى ذلك عَمَلُ الناس. اهـ.
وعبارةُ ((البرهان))(١) في هذه المسألة هي: وإذا وَجَد الناظرُ حديثاً مسنَداً في
كتابٍ صحيح، ولم يَسترِب في ثبوته، واستبان انتفاءَ اللَّْسِ والرَّيْبِ عنه، ولم يَسمع
الكتابَ من شيخ، فهذا رجلٌ لا يَروِي ما رآه، والذي أراه أنه يَتعينُ عليه العمَلُ به.
ولا يتوقَّفُ وجوبُ العملِ على المجتهدين بُجُوجَبَاتِ الأخبار على أن تنتظِمَ لهم
الأسانيدُ في جميعها، والمعتّمَدُ في ذلك إن رُوجِعنا فيه الثقةُ. والشاهدُ له أنَّ الذين
كانوا يَرِدُ عليهم كِتَابُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، على أيدي نَقْلةٍ ثقات(٢)،
كان يتعينُ عليهم الانتهاءُ إليه والعمَلُ بُوجَبِهِ، ومن بلَغَه ذلك الكتابُ، ولم يكن
مُخاطَباً بمضمونِهِ ولم يَسمعه من مُسْمِع، كان كالذين قُصِدوا بمضمونِ الكتاب،
ومقصود الخطاب .
ولو قال هذا الرجلُ : رأيتُه في صحيح محمد بن إسماعيل البخاري، وقد وَثِقْتُ
باشتمالِ الكتاب عليه، فعلى الذي سَمِعَه يَذكُّرُ ذلك أن يثِقَ به ويُلحِقَهُ بما يلقاهُ
بنفسِه ورآهُ، أو رَوَاه من الشيخ المُسمِع.
ولو عُرِضَ ما ذكرناه على جملةِ المحدِّثين لأبَوْهِ، فإنَّ فيه سقوطَ منصِب الروايةِ
عندَ ظهور الثقةِ وصحةِ الرواية، وهم عُصْبةٌ لا مُبالاةً بهم في حقائق الأصول.
وإذا نَظَر الناظرُ في تفاصيلِ هذه المسائل، وجدها جاريةً في الردِّ والقبولِ على
ظهورِ الثقة وانخرامِها. وهذا هو المعتَمَدُ الأصولي، فإذا صادفناه لَزِمناه، وتركنا
وراءنا المحدِّثين ينقطعون في وَضْع ألقاب، وترتيبٍ أبواب.
(١) هو ((البرهان في أصول الفقه)) لإمام الحرمين ٦٤٧:١ - ٦٤٩.
(٢) هذه الجملة أضفتُها زيادة على الأصل هنا، من بعض نسخ كتاب ((البرهان)).

٧٦٨
وقال بعضُ الفقهاء: وإذا أراد المفتي المقلِّدُ أن يَنقُلَ عن المجتهدِ فله في ذلك
طريقان: أحدهما: أن يكونَ له إلى إمامِه في ذلك سَنَدٌ صحيحٌ يَعتمِدُ عليه. الثاني:
أن يأخُذَه عن كتابٍ معروفٍ قد تداوَلَتْهُ الأيدي، لا سيما إن كان من الكتب التي
ثَبْتَتْ بالتواترِ أو الشهرةِ نِسبتُها إلى مصنِّفيها الذين يُعتَمَدُ عليهم في النقل.
فإن لم يَجد إلَّ في كتابٍ لم يَشتهر في عصرِهِ، أو اشتهَرَ فيه ولكن لم يشتهر في
ديارِه، لم يَسُغ له النقلُ عنه، إلّا أن يكون ما يُريدُ نقله عنه قد نقَلَه عنه كتابٌ
/ مشهور، فيكونَ التعويلُ في النقلِ عليه لا على الكتابِ الآخَر الذي لم يشتهر.
وقال بعضهم: ما يُوجَدُ من كلامِ رجلٍ أو مذهبه في كتابٍ مشهورٍ معتمَدٍ
عليه، يَجُوزُ للناظر فيه أن يقول: قال فلان كذا وإن لم يَسمعه من أحد، لأنَّ وجودَ
ذلك على هذه الصفة بمنزلةِ الخبر المتواترِ أو المستفيض، فلا يُحتاجُ في مثلِهِ إلى إسناد.
وقد بَحَثَ جماعةٌ في عبارةِ ابن خَيْرِ المذكورةِ، فقال بعضهم: إنه لو لم يُورِد
الحديثَ الدالَّ على تحريم نسبةِ الحديث إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم حتى يَتحقَّق
أنه قاله، لكان مقتضى كلامِهِ مَنْعَ إيرادِ ما يكون في الصحيحين أو أحدِهما حيثُ
لا روايةً له به، وجَوَازَ نقلِ مَا لَهُ به روايةٌ ولو كان ضعيفاً.
وأمَّا ما ادَّعاه من الإِجماع، فيُمكِنُ حملُه على إِجماعٍ مخصوص، وهو إجماعُ
المحدِّثين، وإن قال كثيرٌ من العلماء: إنه لم يَقُل به إلاّ بعضُ المحدثين.
وقال بعضهم: إنَّ كلامَه ليس على ظاهره، وإنَّه إنما قَصَد به رَدْعَ العامَّةِ ومن
لا عِلْمَ له بالحديث، عن الإقدام على الرواية عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بغير
سند، وأمَّا جِلَّةُ العلماءِ الذين يُمكنهم مُراجعَةُ الكتبِ والنقلُ منها، فلم يَقصِدِ منعَهم
من ذلك، ويكونُ مستنَدُهم في ذلك الوِجادَةَ، وهي إحدى وجوهِ الرواياتِ وإن
كانت من أدناها .
وإنما قالَ: حتى يكونَ ذلك القولُ عندَهُ مَرْوِيَّاً، ولم يَقُل: حتى يكون مَرْوِيًَّ له،
لأنَّ العبارةَ الثانيةَ تُشعِرُ بأن يكون له به روايةٌ، بخلافِ الأولى فإنها لا تَدِلُّ على

٧٦٩
ذلك، بل تدلُّ على أنه قد ثبتَ عندَه أنه رُوِيَ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وإن
لم يَتَصِل السندُ إليه، بأن يَروِيَه غيرُه ويتحقَّقَ هو ذلك.
الفائدةُ الثانيةُ
الوِجادَةُ، بالكسر، هي قسمٌ من أقسامِ أخذِ الحديث ونقلِهِ، وهي ثمانيةٌ:
السماعُ من الشيخ. والقراءةُ على الشيخ. والإِجازةُ. والُنَاوَلَةُ. والمكاتَبَةُ. وإعلامُ
الشيخ. والوصيَّةُ بالكتاب(١). والوِجادّةَ .
وذكر ابن الصلاح الوِجادةَ فقال: الثامنُ الوِجادَةُ، وهي مصدر لوَجَدَ يجِدُ،
مُولَّد غيرُ مسموع من العرب، روينا عن المعافَى بن زكريا النَّهْرَواني العلاّمةِ في العلوم:
أنَّ الموَلَّدين فرَّعوا قولهم: وِجَادة، فيما أُخِذَ من العلم من صحيفةٍ، من غير سماعٍ ولا
إجازةٍ ولا مُناوَلة، من تفريقِ العرب بين مَصادِرٍ وَجَدَ، للتمييز بين المعاني المختلفة .
يعني قولهم: وَجَدَ ضاَتَهُ وِجداناً، ومطلوبَهُ وُجُوداً، وفي الغضب: مَوْجِدةً، وفي
الغنى: وُجْداً، وفي الحُبّ: وَجْداً.
ومثالُ الوِجادةِ أن يقِفَ على كتابٍ شخصٍ فيه أحاديثُ يروبها بخَطِّه، ولم
يَلْقَه، أو لَقِيَهُ ولكن لم يَسمع منه ذلك الذي وجَدَه بخطه، ولا له منه إجازةٌ ولا
نحوُها، فله أن يقول: وَجدتُ بخطِّ فلان، أو في كتابٍ فلان بخطِّه: أخبرنا فلان بن
فلان، ويَذْكُرَ شيخَه، ويَسُوقُ سائرَ الإِسنادِ والمتن، أو يقولَ: وجدتُ، أو قرأتُ:
بخط فلان عن فلان، ويَذْكُرَ الذي حذَّثه ومَنْ فَوْقَه .
وهو الذي استَمرَّ عليه العمَلُ قديماً وحديثاً، وهو من باب المنقطعِ والمرسَل،
غير أنه أخَذَ شَوْباً من الاتصالِ لقوله: وجدتُ بخطٌّ فلان. وربما دلَّس بعضُهم فذكَرَ
الذي وَجَدَ خطه وقال فيه: عن فلان، أو: قال فلان. وذلك تدليسٌ قبيح إذا كان
بحيث يُوهِمُ سماعَه منه، على ما سَبَق في نوع التدليس. وجازَفَ بعضُهم فأطلَقْ
فيه: حدثنا وأخبرنا. وانتُقِدَ ذلك على فاعله.
(١) وقع في الأصل: (بالكتابة). وهو تحريف.

٧٧٠
وإذا وَجَد حديثاً في تأليفٍ شخص وليس بخطِّه، فله أن يقول: ذَكَّر فلان،
:
/٣٤٨ أو: قال فلان: أخبرنا فلان، أو: ذكر فلان عن فلان. وهذا منقطع لم يأخُذ / شَوْباً
من الاتصال. وهذا كلُّه إذا وَثِقَ بأنه خَطُّ المذكورِ أو كتابُه .
فإن لم يكن كذلك فليقل: بلَغَنِي عن فلان، أو: وجدتُ عن فلان، أو نحوَ
ذلك من العبارات. أو لِيفصِحْ بالمستنَدِ فيه بأن يقولَ كما قاله بعضُ من تقدَّمَ: قرأتُ
في كتابٍ فلانٍ وأخبَرَني فلان أنه بخطه، أو يقولَ: وجدتُ في كتابٍ ظننتُ أنه بخطٌّ
فلان، أو في كتابٍ ذَكَرَ كاتِبُهُ أنه فلان بن فلان، أو في كتابٍ قيل: إنه بخط فلان.
وإذا أراد أن يَنْقُلَ عن كتابٍ منسوبٍ إلى مصنّف، فلا يقل: قال فلان كذا
وكذا إلَّ إذا وَثِقَ بصحةِ النسخةِ، بأنْ قابَلَها هو أو ثقةً غيرُهُ بأصولٍ متعددة، كما
نَّهنا عليه في آخِرِ النوع الأول.
وإذا لم يُوجَد ذلك ونحوه فليقل: بلَغَني عن فلان أنه ذكّر كذا وكذا. ووجدتُ
في نسخةٍ من الكتابِ الفلاني، وما أشبه هذا من العبارات.
وقد تسامَحَ أكثرُ الناس في هذه الأزمان بإِطلاقِ اللفظِ الجازم في ذلك، من غير
تحرِّ وتثبّت، فيُطالعُ أحدُهم كتاباً منسوباً إلى مصنُّفٍ معينَّ، ويَنقُلُ منه عنه من غير أن
يثِقَ بصحةِ النسخة، قائلاً: قال فلان كذا وكذا، أو: ذَكَر فلان كذا وكذا.
والصوابُ ما قدمناه.
فإن كان المُطالِعُ عالماً فَطِناً بحيث لا يخفى عليه في الغالب مواضعُ الإِسقاط
والسَّقَطِ وما أُحِيلَ من جهتِهِ إلى غيرها، رجونا أن يَجُوزَ له إطلاقُ اللفظِ الجازم فيها
يحكيه من ذلك. وإلى هذا فيما أحسَبُ استَروَحَ كثيرٌ من المصنّفين فيما نقلوه من كتب
الناس، والعلمُ عند الله تعالى. هذا كلُّه كلامٌ في كيفيةِ النقلِ بطريق الوجادة.
وأما جَوَازُ العملِ اعتماداً على ما يُوثَقُ به منها، فقد روينا عن بعض المالكية أنَّ
مُعظم المحدِّثين والفقهاء من المالكيين وغيرهم لا يَرَوْن العملَ بذلك. وخُكِيَ عن
الشافعي وطائفةٍ من نُظَّارِ أصحابه جَوازُ العمل بذلك.

٧٧١
قلتُ: قطَعَ بعضُ المحققين من أصحابه في أصول الفقه(١)، بوجوبٍ العمل به
عندَ حصول الثقة به، وقال: لو عُرِضَ ما ذكرناه على جملةِ المحدِّثين لأَبَوْهُ. وما قَطَع
به هو الذي لا يَتَّجِهُ غيرُه في الأعصارِ المتأخرة، فإنه لو تَوقَّفَ العملُ فيها على الروايةِ
لا نسدَّ بابُ العملِ بالمنقول، لتعذُّر شرطِ الروايةِ فيها على ما تقدَّمَ في النوع الأول،
والله أعلم.
قال بعضُ العلماء: قد ذَكَر ابنُ الصلاح حكم الوجادة المجرّدة، وهي
ما لا يكونُ فيها للواجِد إجازةٌ ممن وَجَدَ ذلك بخطه، ولم يَتعرَّض لحكم الوٍجادة مع
الإِجازة، وقد استعمّل ذلك غيرُ واحد من أهل الحديث، كقول بعضهم: وجدتُ
بخط فلان وأجازه لي، وقد لا يُصرِّحُ بالإِجازة كقول عبد الله بن أحمد: وجدتُ بخطٌّ
أبي: حدَّثنا فلان. وهذا ليس فيه شيء. والَّرْوِيُّ بالوِجادةِ المجرّدةِ في حكم المنقطع
والمرسَل. وقال بعضُهم: الأولَى جعلُهُ في حكم المعلِّق.
وأجاز جماعةٌ من المتقدمين الروايةَ بالوٍجادة، مما ليس لهم به سماع ولا إجازة،
ويُروَى عن ابن عمر أنه قال: إنه وَجَدَ في قائمِ سيفِ أبيه صحيفةً فيها كذا. وعن
یحیی بن سعيد القطان أنه قال: رأيتُ في كتابٍ عندي عتيقٍ لسفيان الثوري : حدَّثّني
عبدُ الله بنُ ذكوان، وذَكَر حديثاً. وعن يزيد بن أبي حَبِيب أنه قال: أودَعَنِي فلان
كتاباً أو كلمةً تُشبِهُ هذه، فوجدتُ فيه عن الأعرج. وكان يُحدِّثُ بأشياءَ مما في الكتاب
ولا يقولُ: أخبرنا ولا حدَّثنا.
والظاهرُ أنهم اقتَصَرُوا في ذلك على من سَمِعوا منه في الجملة، وعَرَفوا حديثَه
مع إيرادِهم له بوجدتُ أو رأيتُ ونحوهما.
وقد كرِهَ الروايةَ عن الصُّحُفِ غير المسموعةِ غيرُ واحدٍ من السلف، ومنعوا
النقلَ والروايةَ بالوجادةِ المجرّدة، ولذا قال بعضُهم: إنَّ ما وقع من ذلك ليس من
(١) هو إمام الحرمين كما تقدمت عبارته هذه في ص ٧٦٧، عن كتابه ((البرهان في أصول
الفقه» .
i

٧٧٢
/٣٤٩ باب الرواية، وإنما هو / من بابِ الحكايةِ عما وجَدَه. وقال بعضُهم: قولُ القائل:
وجدتُ بخطٍّ فلانٍ، إذا وثِقَ بأنه خَطَّ أقوَى من قولِهِ: قال فلان. وذلك لأنَّ القولَ
يَقبَلُ الزيادةَ والنقصَ والْتغييرَ، لا سيما عندَ من يُحِيز النقلَ بالمعنى، بخلاف الخطّ.
وقد استدلَّ بعضُهم للعمل بالوِجادة بحديثٍ: أيُّ الخَلْقِ أُعجَبُ إيماناً؟ قالوا:
الملائكةُ، قال: كيف لا يُؤمنون وهم عند ربهم؟ قالوا: الأنبياء، قال: كيف لا يُؤمنون
وهم يأتيهم الوحيُّ؟ قالوا: نحن، قال: كيف لا تُؤمنون وأنا بين أظهركم؟ قالوا:
فمن يا رسول الله؟ قال: قومٌ يأتون من بعدِكم يجدون صُحُفاً يُؤمنون بما فيها.
رَوَى هذا الحديثَ الحَسَنُ بن عَرَفة في ((جزئه))، من طريق عَمْرِو بن شعيبٍ،
عن أبيه، عن جده. وله طُرُقٌ كثيرة، وفي بعضها: بل قومٌ من بعدِكم يأتيهم كتابٌ
بين لَوْحَينِ يؤمنون به وَيَعملون بما فيه، أولئك أعظَمُ منكم أجراً. أخرجه أحمد
والدارمي والحاكم.
وفي هذا الاستدلال نظر، لأنَّ تلك الصُّحُفَ لم يأخذوا بها لمجرَّدِ الوجدان، بل
لوصولها إليهم على وجهٍ يُوجِبُ الإِيقان.
الفائدةُ الثالثةُ
قد ذكرنا سابقاً(١) أنَّ سبيلَ من أراد العملَ أو الاحتجاجَ بالحديث: أنْ يَرجِعَ
إلى أصلٍ قد قابَلَهُ هو أو ثقةٌ غيرُهُ بأصولٍ صحيحة. وقد تعرَّض أهلُ الفنِّ لأمرٍ
المقابلةِ في مبحث كتابةِ الحديث وضبطه، وقد أحببنا ذكر ذلك فنقول :.
ذكروا أنَّ على الطالب مقابلةً كتابه بكتابٍ شيخِه الذي يَروِيهِ عنه سماعاً
أو إجازة، أو بأصلِ أصلِ شيخِه المقابَلِ به أصلُ شيخه، أو بفَرْعٍ مقابَلٍ بأصلِ
السماع المقابل، بالشروط، أو بفَّرْعٍ مقابَلٍ بفَرْعٍ قُوبِلَ كذلك .. والغَرَضُ أن يكون
کتابُ الطالب مطابقاً لکتاب شيخه الذي رواه عنه.
(١) في ص ٧٦٣.

٧٧٣
وإنما قيَّدوا أصلَ الأصلِ بكونِهِ قد قُوبِلَ عليه الأصل، لأنه قد يكونُ لشيخه
عِدَّةُ أصولٍ قد قُوبل أصلُ شيخه بأحدِها، فإنها لا تكفي المقابلَةُ بغيره، لاحتمالٍ أن
تكونَ فيه زيادةٌ أو نقصٌ، فيكونَ قد أتى بشيء لم يَروِهِ شيخُه له، أَوَ حَذَف شيئاً مما
رواه شيخه له.
ويقالُ للمقابَلَة: المُعَارَضَةُ، تقول: قابَلْتُ الكتابَ بِالكتابِ مُقابلةً إذا جعلتَهُ
قُبالَةَ الآخَر، وصَيَّرتَ فيه مِثلَ ما في الآخَر. وعارَضْتُ الكتابَ بالكتاب مُعارضةً إذا
عَرَضَتَه على الآخَرِ، وصَيَّتَ ما فيه مِثلَ ما في الآخَر. وقد تُسمَّى المعارضَةُ عَرْضاً.
والمقابلَةُ متعيّنةٌ لا بد منها. قال هشام بن عروة، قال لي أبي: أكتبتُ؟ قلتُ:
نعم، قال: عارضتَ؟ قلتُ: لا، قال: لم تَكْتُب. وقال أفلحُ بن بَسَّامٍ: كنتُ عند
القَعْنَبِيّ، فقال لي: كتبتَ؟ قلتُ: نعم، قال: عارضتَ؟ قلتُ: لا، قال: لم تَصْنَعْ
شيئاً. وقال الأخفش: إذا نُسِخَ الكتابُ ولم يُعَارَض، ثم نُسِخَ منه ولم يُعارَض خَرَج
أعجمياً. وقال بعضهم: من كتَبَ ولم يُقابِل، فهو كمن غَزَا ولم يُقاتِل.
وأفضَلُ المعارضة أن يُعارِضَ الطالبُ كتابَهُ بنفسِهِ مع شيخه بکتابه في حالٍ
تحدِيثه به، فإنه يَحصُلُ في ذلك غالباً من وجوهِ الاحتياطِ من الجانبينِ ما لا يَحصُلُ في
غيره. هذا إذا كان كلَّ منهما أهلاً لهذا الأمرِ وذا عنايةٍ به، فإن لم تجتمع هذه الأوصافُ
نَقَص من مرتبتِهِ بقَدْرٍ ما فاته منها.
وقَّد ابنُ دقيق العيد: الأفضليةَ بتمكُّنِ الطالب مع ذلك من التثُبّتِ في القراءةِ
والسماع، وإِلَّ فتقديمُ المقابلةِ حينئذٍ أولى، بل قال: إنه يقول: إنه أولَى مطلقاً، لأنه
إذا قُوبِلَ أولاً كان في حالةِ السماع أيسَرَ، وأيضاً فإنه إذا وقع إشكالٌ كُشِفَ عنه
وضُبِطَ، فقُرِىءَ على الصحة، فكم من جزءٍ قُرِىءَ / بغتةً، فوقَعَ فيه أغاليطُ / ٣٥٠
وتصحيفاتٌ لم يَتبيَنَّ صوابُها إلاّ بعد الفراغ، فأُصلِحَتْ. وربما كان ذلك على خِلافٍ
ما وقَعَتْ القراءةُ عليه فكان كذِباً إن قال: قرأتُ، لأنه لم يقرأ على ذلك الوجه .
وقال الحافظ أبو الفضل الجارُودِي: أَصْدَقُ المُعارَضةِ مع نفسِك. وقال
.
1
1

٧٧٤
بعضهم: لا تصِحُّ مقابلتُهُ مع أحدٍ غير نفسِه، ولا يُقلَّدُ غيرَه، ولا يكونُ بينه وبين
كتابٍ الشيخ واسطة، بل يُقابِلُ نسختَه بالأصل حرفاً حرفاً، حتى يكونَ على ثقةٍ
ويقين من مُطابقتها له .
قال ابن الصلاح: وهذا مذهبٌ متروك، وهو من مذاهب أهل التشديد
المرفوضةِ في أعصارنا، ولا يَخْفَى أنَّ الفكر يتَشعَّبُ بالنظر في النسختين بخلافٍ
الأولِ .
وقال ابن دقيق العيد: هذا يختلِفُ باختلاف الناس، فمن عادتُهُ عدَمُ السهو
عند النظر فيهما فهذا مقابلتُه بنفسِه أولى، ومن عادتُه السهوُ فهذا مقابلته مع غيره
أولى.
ويُستحَبُّ أن يَنْظُرَ معه في نسخته مِن حَضَر من السامعين، ممن ليس معه
نسخةٌ لا سيما إن أراد النقلَ منها، وقد رُوي عن يحيى بن معين أنه سُئل عمن لم يُنظر
في الكتاب والمحدِّثُ يقرأ، هل يجوزُ أن يُحدِّثَ بذلك عَنْهُ؟ فقال: أَمَّا عندي فلا
يجوز، ولكن عامَّةُ الشيوخ هكذا سماعُهم.
وهذا من مذاهبٍ أهل التشديد في الرواية، والصحيحُ أنَّ ذلك لا يُشترط،
وأنه يَصُّ السماعُ وإن لم يَنظُر أصلاً في الكتاب حالةَ القراءة، وأنه لا يُشترَطُ أن
يُقابِلَه بنفسه، بل يكفيه مقابلةُ نسختِهِ بأصلِ الراوي وإن لم يكن ذلك حالةَ القراءة
وإن كانت المقابلةُ على يَدَيْ غيره إذا كان ثقةً موثوقاً بضبطه .
وأمَّا من لم يُعارض كتابَه بالأصل ونحوِه أصلاً فقد اختُلِفَ في جواز روايتِهِ منه،
فمَنَعَ من ذلك بعضُهم وقال: لا يَجِلُّ للمسلم التقيُّ الروايةُ مما لم يُقابَّل بأصلٍ شيخِه
أو نسخةٍ تحقَّقَ ووَثِقَ بمقابلتها بالأصل، وتكون مقابلتُه لذلك مع الثقةِ المأمونِ على
ما يَنْظُرُ فيه، فإذا وقع مُشكِلٌ نَظَر معه حتى يَتَبِيِنَّ ذلك. وقد نحا قريباً من منحاهُ مَنْ
قال: لا يجوزُ للراوي أن يَروِيَ عن شيخِه شيئاً سَمِعَه عليه من كتابٍ لا يَعلَمُ هل هو
كلُّ الذي سَمِعَه أو بعضُه، وهل هو على وجهِهِ أم لا .

٧٧٥
وأجاز ذلك الأستاذ أبو إسحاق الإِسفراييني وجماعةٌ منهم أبو بكر الخطيب، غيرَ
أن الخطيب ذَكَر أنه يُشترَطُ أن تكون نسختُهُ نُقِلَتْ من الأصل، وأن يُبيِنَّ عند الرواية
أنه لم يُعارِض، وحَكَى عن شيخه أبي بكر البَرْقانيّ أنه سأل أبا بكر الإِسماعيليَّ: هل
الرَّجُلِ أن يُحدِّث بما كَتَب عن الشيخ ولم يُعارِض بأصلِه؟ فقال: نعم ولكن لا بد أن
يُبينَ أنه لم يُعارِض. قال: وهذا هو مذهبُ أبي بكر البرقاني، فإنه رَوَى لنا أحاديثٌ
كثيرة، قال فيها: أخبرنا فلان ولم أُعارِض بالأصل.
قال ابن الصلاح: ولا بُدَّ من شرطٍ ثالث، وهو أن يكون ناقلُ النسخةِ من
الأصل غيرَ سقيم النقل، بل صحيحَ النقل قليلَ السَّقَط. ثم إنه ينبغي أن يُراعِيَ في
كتابٍ شيخه بالنسبة إلى من فوقه مثلَ ما ذكرنا أنه يراعيه في كتابه، ولا يكونَنَّ كطائفةٍ
من الطلبة إذا رأوا سماعَ شيخ لكتابٍ، قرؤوه عليه من أيِّ نُسخٍ اتَّفَقَتْ.
الفائدة الرابعة
قد ذكر أهلُ الفن في مبحث كتابة الحديث وضبطِه أموراً مهمة، لا يَسعُ
الطالبَ جهلُها.
الأمرُ الأولُ: ينبغي لكاتب الحديثِ أن يُجعل بين كل حديثينِ دارَةً تَفصِلُ
بينهما، وتُميِّزُ أحدهما عن الآخر. والدارَةُ حَلْقة منفرجةٌ أو منطبقة، وممن جاء عنه
الفصلُ بين الحديثين بالدارة أبو الزناد وأحمدُ بن حنبل / وإبراهيمُ بن إسحاق
الحربي ومحمدُ بن جرير الطبري، ومن المحدِّثين من لا يقتصر عليها بل يَتَرُكُ بقيةً
السطر خالياً عن الكتابة، مبالغةً في الفصلِ والتمييز، وكذا يَفعلُ في التراجم
ورؤوس المسائل وما أشبه ذلك.
/٣٥١
واستَحبَّ الخطيبُ أن تكون الداراتُ غُفْلًا، فإذا عارَضَ فكلُّ حديث يَفرُغُ
من عَرْضِهِ يَنْقُطُ في الدارة التي تليه نُقطةً، أو يَخُطُّ في وسَطِها خطاً، قال: وقد كان
بعضُ أهل العلم لا يَعتَدُّ من سماعِهِ إلَّ بما كان كذلك أو في معناه.
الأمرُ الثاني: ينبغي للكاتب أن يُحافِظَ على كتابة الثناء على الله تعالى عند ذكر

٧٧٦
اسمِه، نحو عَزَّ وجل، وتبارَكَ وتعالَى، وكذلك كتابةُ الصلاة والتسليم على النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم عند ذكره، ولا يَسأمَ من تكرُّر ذلك، فأجْرُه عظيم، فإن كان
الثناءُ والصلاةُ والتسليم ثابتاً في أصلِ سماعِه أو أصلِ الشيخ فالأمرُ واضح، وإن
لم يكن في الأصل فلا يتَقْيَّدُ به، ولْيَكْتُبُهُ ولْيتلفّظ به عند القراءة، لأنه ثناء ودُعاء يُثِتِه
لا کلامٌ یروِیه .
قال ابن الصلاح: وما وُجِدَ في خط أبي عبد الله أحمد بن حنبل، من إغفالٍ
ذلك عند ذكرٍ اسم النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فلعلَّ سَبَبَهُ أنه كان يَرى التقيد في
ذلك بالرواية، وعَزَّ عليه اتصالها في ذلك في جميع من فوقه من الرواة.
قال الخطيب أبو بكر: وبلَغَني أنه كان يصلي على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم
نُطقاً لا خَطّاً، قال: وقد خالفه غيرُهُ من الأئمةِ المتقدمين في ذلك، ورواه عن عليّ بن
الَّدِيني وعباس بن عبد العظيم العنبري، قالا: ما تركنا الصلاة على النبي صلَّى الله
عليه وسلَّم في كل حديث سَمِعناه، وربما عَجِلنا فنُبيِّضُ الكتابَ في كل حديث حتى
◌ُرجع إلیه. اهـ.
قال بعضهم يُريدانِ أنهما لم يَتْرُكا الصلاةَ على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم في كل
حديث سَمِعاهُ، سواءً وقِعَتْ الصلاةُ في الرواية أم لا، وإذا دعاهما الاستعجالُ إلى
تركِ كتابتها بَيَّضا لها في الكتاب، ليتيسَّرَ لهما كتابتُها فيما بعدُ.
ويحتمِلُ أن يكون إغفالُ أحمد بن حنبل له للاستعجال، إمَّا لكونِهِ في حالٍ
الرحلة، أو لنحوِ ذلك. والظاهرُ ما أشار إليه ابنُ الصلاح من أنه كان يرى التقُّدَ بما
في الرواية، ويؤيد ذلك ما ذكره في مبحث صفةٍ الرواية حيث قال: ثبَتَ عنْ
عبد الله بن أحمد بن حنيل، أنه رأى أباه إذا كان في الكتاب عن النبيّ، فقال
المحدِّثُ: عن رسولِ الله، ضَرَّبَ وكتَبَ عن رسولِ الله.
وقال الخطيبُ أبو بكر: هذا غيرُ لازم، وإنما استَحَبَّ أحمدُ اتّباع المحدِّثِ في.
لفظِهِ، وإلَّ فمذهَبُه الترخيصُ في ذلك، ثم ذَكَر بإسنادِهِ عن صالح بن أحمد بن

٧٧٧
حنبل، قال: قلتُ لأبي: يكونُ في الحديث قال رسولُ الله، فَيَجعَلُهُ الإِنسانُ: قال
النبي، فقال: أرجو أن لا يكونَ به بأس. وذَكَر الخطيبُ بسنده عن حماد بن سَلَمة،
أنه كان يُحدِّثُ وبين يديه عقَّان وبَهْز، فجعَلَا يُغَيِّرانِ النبيَّ إلى رسولِ الله، فقال لهما
حماد: أمَّا أنتما فلا تفقهانٍ أبداً.
ومال ابنُ دقيق العيد إلى ما جَرَى عليه أحمد، فإنه قال في ((الاقتراح))(١): والذي
تَميلُ إليه أن تُتَبَعَ الأصولُ والرواياتُ، فإِنَّ العمدة في هذا الباب هو أن يكون الإخبارُ
مُطابِقاً لما في الواقع، فإِذا دَلَّ اللفظُ على أنَّ الروايةَ هكذا، ولم يكن الأمرُ كذلك،
لم تكن الروايةُ مُطابِقةً لما في الواقع، ولهذا أقول: إذا ذُكِرَتْ الصلاةُ لفظاً من غير أن
تكون في الأصل، فينبغي أن تَصحبَها قرينةً تَدُّ على ذلك، مثلُ كونِهِ يَرفَعُ رأسَه عن
النظر في الكتاب بعدَ أن كان يقرأ فيه، ويَنوِي بقلبه أنه هو المصلِّ لا حاكياً عن
غيره(٢).
وعلى هذا فمن كَتَبها ولم تكن في الرواية فينبغي له أن يُنَبِّهَ على ذلك، وعليه
جَرَى الإِمامُ الحافظ شرفُ / الدين أبو الحسين علي بن محمد اليُوْنِيني في نُسخةٍ
صحيح البخاري، التي تجمع فيها بين الروايات، فإنه يُشيرُ بالرمزِ إليها إثباتاً ونفياً.
/٣٥٢
وينبغي أن يُجْتَنَبَ في أمر الصلاة والتسليم شيئين:
أحدُهما أن يَجعلهُمَا منقوصَين في الخط، بأن يَرمُزَ إليهما بحرفين أو أكثر، نحوُ:
ص ل، كما يفعله الكُسَالى من النُّسَّاخِ، قال بعضهم: وقد وُجِدَ بخط الذهبيِّ
وبعضِ الحفاظ كتابتُهما هكذا: صلَّى الله علم. والأولى خلافُه. وقد وجدتُهُما بخطه
كما ذُكِرَ، ولم يكتبهما على أصلهما في موضع. وسَبَبُ ذلك فيما يظهرُ هو الاستعجالُ
والحرصُ على إكمال ما هو بصدده.
ويؤيِّدُ ذلك أنه لم يَكتُب عند ذكرٍ أحدٍ من الصحابة رضي الله عنهم: رَضِيَ الله
(١) ص ٢٩١.
(٢) هنا انتهى كلام ابن دقيق العيد.

٧٧٨
عنه، مع أنه من المعروفين بالخِرصِ على ذلك. ولا يخفى أنَّ مثل هذا يمكنُ تداركُهُ
فيما بعدُ بواسطةِ الناسخ، بأن يُقالَ له: اكتُبْ: عليه وسَلَّم، على أصلِهما، وأَكُتُبْ؛
رَضِيَ الله عنه، عند ذكرٍ اسمِ كلِّ صحابي، فإن كان ذلك من جهةٍ المؤلف لم يكنّ
من قبيل التصرُّفِ في الأصلِ أصلاً.
والثاني أن يجعلَهُما منقوصَينِ في اللفظ، بأن يَقتَصِرَ على أحدهما، كأن يقول:
صلَّى الله عليه، أو عليه السلام، فإنَّ الأمْرَ قد وَرَدَ بالأمرِ بالصلاةِ والتسليم معاً،
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وملائكتَهُ يُصَلُّون على النبيّ يا أيها الذين آمنوا
م
صَلُّوا عليه وسَلِّموا تسليماً﴾.
وقال بعضُ العلماءِ: إنما تَظهَرُ الكراهةُ فيما إذا اقتَصَر المرءُ على أحدِهما دائماً،
:
وأما من كان يأتي بالصلاة تارةً وبالتسليم تارةً، من غير إخلالٍ بواحدٍ منهما، فلا تَظهَرُ
الكراهةُ فيما أَتَّى به، ولكنه خِلافُ الأولى، إذ لا نزاعَ في كون الجمع بينهما مستحباً.
ويُؤَيِّدُ ذلك وقوعُ الصلاةِ مفردةً في رسالة الإِمام الشافعيّ، وصحيح مسلم،
والتنبيه لأبي إسحاق الشيرازي، وغير ذلك من كتب العلماء الأعلام(١).
الأمرُ الثالث: ينبغي لطالب العلم ضبطُ كتابه بالنَّقْطِ والشَّكْل، ليؤدِّيه كما
سَمِعَه، فقد قيل: إعجامُ المكتوب يَمنعُ مِن استعجامِه، وشَكْلُهُ يَمِنْعُ من إشكالِه.
والإِعجامُ هو النقطُ، تقول: أَعجمتُ الحرفَ إذا أزلتَ عُجمَتَهِ وميَّزْتَهُ عن
غيره بالنَّقْط. والاستعجامُ الاستغلاقُ، يقال: استَعجَم عليه الكلامُ واسْتَغْلَقَ
واستَبهَم إذا أُرْتِجَ عليه فلم يَقْدِر أن يَتكلّم. والشكلُ هو إعلامُ الحرفِ بالحركة،
تقول: شَكلتُ الكتابَ شكلاً إذا أعلمتَهُ بعلاماتِ الإِعراب. والإِشكالُ الالتباسُ،
تقول: أُشكَّلَ الأمرُ إذا التَّس.
(١) ذكرتُ جملةً ممن فعَلَ هذا فيما علَّقْتُه على أول ((الرفع والتكميل)» لعبد الحي اللكنوي
ص ٣٩ من الطبعة الثانية، أو ص ٤٨ من الطبعة الثالثة.
:

٧٧٩
وقد اتفق العلماءُ على استحسان الضبط، إلَّ أنهم اختلفوا في أنه هل ينبغي أن
يُقْتَصِرَ على ضبطِ المُشْكِل، أو ينبغي أن يُضَبَطَ هو وغيرُه.
فقال بعضهم: إنما يُشْكَلُ ما يُشكِّلُ، ولا حاجة إلى الشَّكْل مع عدم
الإِشكال، قال عليٌّ بن إبراهيم البغدادي في كتاب ((سِمَاتُ الخطُّ ورقومُه)): إنَّ أهل
العلم يكرهون الإِعجامَ والإِعرابَ إلَّ في الملتِس.
وقال بعضُهم: ينبغي أن يُشْكَلَ ما يُشكِلُ وما لا يُشكِل، وذلك لأنَّ المبتدِىءَ
وغيرَ المتبحر في العلم لا يُميِّزُ ما يُشكِلُ مما لا يُشكِل، على أنه قد يُظَنُّ أنَّ الشيءَ غيرُ
مُشْكِل لوضوحه في بادىء الرأي، وهو عند التأملِ وإِمعان النظر يكون مُشْكِلاً،
وكثيراً ما يَتهاوَنُ الطالبُ الوائقُ بمعرفتِهِ، فَيَتْرُكُ الضبطَ في بعض المواضع، لاعتقادِهِ
أنها واضحةٌ، ثم يَبْدُو له بعدَ حين إشكالٌ فيها، فَيَندَمُ على تفريطِه. والتهاوُنُ وخيمُ
العاقبة، والإِنسانُ مُعرَّضٌ للنسيان، وأوَّلُ ناسٍ أَوَّلُ الناسِ ، فالاحتياطُ إنما هو في
شَكْلِ ما يُشكِّلُ وما لا يُشْكِل(١)، وفي ذلك عمومُ النفع لجميع الطبقات.
وينبغي للطالب أن لا يَغْفُلَ عن ضبطِ الأسماء، فقد قال أبو إسحاق إبراهيم
النَّجِيرَمِي: أولَى الأشياءِ بالضبطِ أسماءُ الرجال، لأنها لا يَدْخُلُها القياسُ، ولا قَبْلَها
ولا بعدَها شيء / يَدِلُّ عليها. وذكر أبو عليّ الغساني أنَّ عبد الله بن إدريس قال: لَّا
حدَّثني شعبةُ بحديثٍ أبي الحَوْرَاء السعدي، عن الحسن بن علي، كتبتُ تحته ﴿حُوْرٌ
عِين﴾ لئلا أغلَط، يعني فيَقرأه أبا الجَوْزاء بالجيم والزاي.
/٣٥٣
(١) قلت: لا تتوهّمْ من هذا أنه يَقصِدُ شكلَ مثل: قال، جاء، ذهب، عند، منه، إلیه،
فيه ... ، فإنَّ شكل الواضح الجلي تعكيرٌ للخط، وتهوين بشأن القارىء، وإضاعةٌ للوقت في
شكله، وإنما يَقصِدُ: شَكْلَ ما قد يُشكِلُ أو يَشتَبِهُ، فيكون كما قال دُرَيْدُ بن الصِّمَّة في وصفٍ
ممدوح له: يَضَعُ الهِناءَ مَواضعَ النُّقْبِ. والهِناء بكسر الهاء: القَطِران يُطْلَى به الجَمَلُ الأجربُ.
والتُّقْبُ والنَّقَبُ: القِطَعُ المتفرقة من الجرب. يَصِفُهُ بالمهارة والدقة ووضع الشيء في موضعه اللائقٍ
به لا غير. وهكذا ينبغي أن يكون الشَّكْلُ للكلام.

٧٨٠
ويُستحَبُّ في الألفاظِ المُشْكِلَةِ أن يُكرِّرَ ضبطَها، بأنْ يَضبِطَها في متنِ الكتاب،
ثُم يَكتُبَها قُبالةَ ذلك في الحاشيةِ مفردةً مضبوطة، فإنَّ ذلك أبلَغُ في إِبانتها وأَبعَدُ من
التباسها، لأنَّ المضبوطَ في أثناءِ الأسطر ربما داخله نُقَطُ غِيرِهِ وشَكْلُهُ مما فوقه أو تحتُه،
لا سيما عند ضِيقِها ودِقَّةِ الخط، وأوضَحُ من ذلك أن يُقطَّعَ حروفَ الكلمة المُشْكِلةِ في
الهامش، لأنه يَظهَرُ شَكلُ الحرفِ بكتابتِهِ مفرداً، وذلك في بعض الحروفِ كالباء
والياء، بخلاف ما إذا كُتِبَتْ الكلمةُ مجتمعةً والحرفُ المذكورُ في أولها أو وسطها.
قال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) (١): ومن عادة المنْقِنِين أن يُبالغوا في إيضاح
المُشْكِلِ، فيُفرِّقوا حُروفَ الكلمة في الحاشية، ويَضْبُطُوها حرفاً حرفاً، فلا يَبقى بعدَه
إشكال.
وينبغي التنبّهُ لما يقَعُ من الضبطِ نَقْطأً أو شَكْلًا في خط العلماء الأعلام من جهة
غيرهم، فإنه قد يخفى حتى على الحُذَّاق، ومن القبيح ما يفعله بعضُهم من ذلك،
قصداً لرفع نسبةِ الخطأ إليه فيما وقع منه من قَبْلُ، وأقبَحُ من ذلك من يفعله قَصْداً
لنسبة الخطأ إليهم.
الأمرُ الرابع: وكما ينبغي أن تُضبَطَ الحروفُ الْمُعْجَمةُ بالنَّقْط، ينبغي أن تُضَبَطَ
الحروفُ المهملَةُ بعلامةٍ تَدُلُّ على عدم إعجامها. وسبيلُ الناسِ في ذلك مختلف،
فمنهم من يَقلِبُ النّقَطَّ، فَيَجعلُ النُّقَطَ التي فوقَ المعجمات تحت ما يُشاكِلُها من
المهملات، فَيَنقُطُ تحتِ الراءِ والصادِ والطاءِ والعينِ ونحوِها من المهملات.
وقد اختلفوا في كيفية نَقْطِ السين المهملة، فقال بعضهم: ينبغي أن تكون
النَّقَطُّ التي تحت السين المهملةِ مبسوطةً صَفّاً، والتي فوق الشين المعجمة كالأثافي
هكذا .. ، وقال بعضهم: ينبغي أن تكون النُّقَطُّ التي تُوضَعُ تحت السين على صورة
النُّقَطِ التي توضع فوق الشين، والأولى أن تكون مقلوبةً هكذا:"، ويُستثنى من هذا
(١) ص ٢٨٦.

٧٨١
الأمر الحاء، فإنها لو نُقِطَتْ من تحتُ لالتَبَسَتْ بالجيم(١).
ومن الناس من يجعلُ علامةَ الإِهمال فوقَ الحروف المهملةِ كقُلَامةِ ظُفْرٍ مُضْجَعةٍ
على قفاها، لتكون فُرْجَتُها إلى فوقُ. ومنهم من يجعلُ علامةَ الإِهمال أن يَكْتُبَ تحت
الحرفِ المهمَلِ مثلَه مفرداً، فَيَجعَلُ تحت الحاءِ المهملة حاءً مهملةً صغيرة، وتحت
الصادِ صاداً مهملةٌ صغيرة، وكذا تحت سائرِ الحروف المهملةِ الملتبسة مثلَ ذلك(٢)،
فهذه العلاماتُ الثلاثةُ شائعةٌ معروفة .
وهناك من العلامات ما هو موجودٌ في كثير من الكتب القديمة، ولا يَفطنُ له
كثيرون، كعلامةِ من يجعل فوقَ الحرف المهمَل خَطّاً صغيراً. قال الحافظ العراقي:
سَمِعتُ بعضَ أهل الحديث يفتح الراء من رِضْوان، فقلتُ له في ذلك، فقال: ليس
لهم رضوان بالكسر، فقلتُ: إِنما سُمِّيَ بالمصدر وهو بالكسر، فقال: وجدتُهُ بخط
فلان بالفتح، وسَمَّى من لا يَحِضُرُني ذكرُه الآن.
ثم إني وجدتُ بعدَ ذلك في الكتب القديمة هذا الاسمَ وفوقه فتحة، فتأملتُ
الكتابَ فإذا هو يَخُطُّ فوقَ الحرف المهمَل خطاً صغيراً، فعَلِمتُ أنه علامةُ الإِهمال،
وأنَّ الذي قاله بالفتح مِن ها هنا أُتيَ.
(١) قال العلامة المحقق المدقق الضابط المتقن الشيخ نصر المُؤْرِيني رحمه الله تعالى، في
كتابه النفيس ((المطالع النَّصْرية للمَطابع المصرية)) ص ٢١١ ((وكانوا يميزون المهمَلَ تمييزاً خطياً،
بوضع النُّقَط تحته التي توضع فوق شريكه المعجَم، لتحقيق إهماله، وتعيّنه، سوى الحاء فلا
ينقطونها أصلاً، لئلا تلتبسَ بالجيم في مثل الجاسوس والحاسوس». انتهى.
وقال العلامة أبو أحمد العسكري في ((تصحيفات المحدِّثين)) ٦٧١:٢ ((فأمَّا جَرَادٌ بالجيم
وآخِرُهُ دال تحتها نقطة ففي الصحابة رجلٌ يسمَّى جَراداً ... )). انتهى. فقوله: تحتها نقطة، إنما
يضعون النقطة تحت الحرف المهمّل توكيداً على إهماله، دَفْعاً للاشتباه فيه. وانظر ((الإلماع)) للقاضي
عیاض ص ١٥٧ .
(٢) وعلى هذه الطريقة مَشَى الإِمام الحَسَنُ بن محمد الصَّغَاني اللغوي الضابط المتقين، فيما
يكتبه بيده، انظر إذا شئت: مقدمة الدكتور أحمد خان لكتاب «المرتجَل في شرح القِلادَة السِّمْطِيَّة،
فی توشیح الدُّریدیة)» للصّغَاني ص ١١ .
!

٧٨٢
ومن العلامات التي لم تَشِع علامةُ مَنْ يَجِعلُ تحت الحرفِ المهملِ مِثْلَ النَّبْرَةِ،
والنَّبْرَةُ هي - كما ذكر الجوهري وابن سِيْدَهْ ـ الهمزةُ، ومنهم من يَجِعِلُ ذلك فوقَ
الحرف المهمّل.
ومن الناس وهم الأكثرُ من يقتصرُ في بيان الحروفِ المهملة على ما هو الأصل
/٣٥٤ فيها، وهو إخلاؤها عن العلامة. ولا يخفى / أنَّ مُخالَفَةَ ما هو الأصلُ لا تنبغي إلَّ إذا
دَعَا إلى ذلك داعٍ ، وهو الخوفُ من وقوع الاشتباه في موضع لا يُستبعَدُ فيه ذلك،
فَوَضْعُ علامةِ الإِهمال على مثلِ الراءِ من رضوان من قَبِيلِ وَضْع الشيءٍ في غير محلِّهِ .
ولم يتعرض أهلُ هذا الفن للكافِ واللام، وذكرهما المصنفون في الخَطّ،
فقالوا: إنَّ الكاف إذا لم تُكتَب مبسوطةً يُجِعَل في وسطها كافٌ صغيرة، وقد يختصرُها
بعضُهم حتى تكون كالهمزة، واللامُ يُجْعَلُ في وسطها لامٌ، أي هذه الكلمةُ بتمامها
لا صورة ل. والهاءُ إذا وقعَتْ في آخِرِ الكلمة، وخِيفَ اشتباهُها بهاءِ التأنيثِ جُعِلَ
فوقها هاءٌ مشقوقة .
الأمر الخامس: قال ابنُ الصلاح(١): من شأنِ الْحُذَّاقِ الْمُتَقِنين: العنايةُ
بالتصحيح، والتضبيبٍ والتمريض.
أما التصحيحُ فهو كتابةُ: صَحّ، على الكلامِ أو عندَه، ولا يُفعَلُ ذلك إلَّ فيما
صَحَّ روايةً ومعنىٍّ، غير أنه عُرضَةٌ للشك أو للخلاف، فيُكتَبُ عليه: صَحَّ، ليُعرَفَ
أنه لم يُغْفَل عنه، وأنه قد ضُبِطَ وصَحَّ على ذلك الوجه .
وأمَّا التضبيبُ ويُسمَّى أيضاً التمريضَ، فيُجعَلُ على ما صَحَّ ورُودُهُ كذلك من
جهةِ النقل، غيرَ أنه فاسدٌ لفظاً أو معنى، أو ضعيفٌ، أو ناقصٌ، مثلُ أن يكونَ غِيرَ
جائز من جهة العربية، أو يكونَ شاذاً عندَ أهلها يأباه أكثرُهم، أو مُصَحَّفاً، أو يَنقُضَ
(١) في (النوع الخامس والعشرون في كتابة الحديث، وكيفية ضبط الكتاب وتقييده)
ص ١٧٩ .