النص المفهرس

صفحات 761-780

٧٠٣
فُروعٌ لها تعلُّقٌ بالروايةِ بالمعنى
الفَرْعُ الأولُ للعلماءِ في اختصارِ الحديثِ - وهو حَذْفُ بعضِه والاقتصارُ في
الرواية على بعضِه - أقوال:
القولُ الأولُ المَنْعُ من ذلك مطلقاً، بناء على المنْعِ من الرواية بالمعنى، لأنَّ
حَذْفَ بعضِ الحديث وروايةَ بعضِه ربما أحدَثَ الخَلَل فيه، والمختَصِرُ لا يَشعُر. قال
عُتبةُ: قُلتُ لابنِ المبارك: عَلِمتَ أنَّ حماد بن سلمة كان يريد أن يَخْتَصِرَ الحديثَ
فَيَنْقِلِبَ معناه؟ قال فقال لي: أَوَفَطِنتْ له؟
ورَوَى يعقوب بن شيبة عن مالك أنه كان لا يَرى أن يُخْتَصَرَ الحديثُ إذا كان
عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال أشهب: سألتُ مالكاً عن الأحاديث يُقدِّمُ
فيها ويُؤخَّر والمعنى واحد؟ قال: أمَّا ما كان منها من قولٍ رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم فإني أكرَهُ ذلك، وأكرَهُ / أن يُزادَ فيها ويُنْقَصَ منها، وما كان من قولٍ غير
رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلا أَرى بذلك بأساً إذا كان المعنى واحداً. وكان
عبدُ الملك بن عُمَير وغيرُهُ لا يُحيزون أن يُحُذَفَ منه حرفٌ واحد، فإن كان لشكِّ فهو
سائغٌ كان مالكٌ يفعله كثيراً.
/ ٣١٥
القولُ الثاني الجوازُ مطلقاً، وينبغي تقييدُ الإِطلاق بما إذا لم يكن المحذوفُ
متعلِّقاً بالمأتيِّ به تعلُّقاً يُخلّ حَذْفُه بالمعنى كالاستثناءِ والشرط، فإن كان كذلك لم يَجُز بلا
خلاف، وهو ظاهر.
القولُ الثالثُ أنه إن لم يكن رواه على التَّمَامِ قبلَ ذلك هو أو غيرُه لم يَجْز، وإن
کان قد رواه على التمام قبل ذلك هو أو غيره جاز.
القولُ الرابعُ أنه يجوزُ ذلك للعالم العارِف إذا كان ما تَرَكه مُتميّزاً عما نقَلَه، غيرَ
متعلّقٍ به بحيث لا يَخْتَلُّ البيانُ ولا تختلِفُ الدلالةُ فيما نقَلَه بتركِ ما تَرَكَه.
وهذا ينبغي أن يَجوزَ حتى عندَ من لم يُجز الروايةَ بالمعنى، لأنَّ المحذوفَ والمرويَّ
حينئذ يكونانِ بمنزلةٍ خبرينِ منفصلين، وهو الصحيحُ كما قال ابن الصلاح. ولا فَرْقَ

٧٠٤
في هذا بین أن یکون قد رواه قبلُ علی التمام أوْلا .
ومحلُّ جوازٍ روايتِهِ مختَصَراً ما إذا كان الراوي رفيعَ المنزلة، مشهوراً بالضبطِ
والإِتقان، بحيث لا يُظَنُّ به زيادةُ ما لم يَسمعه، أو نُقصانُ ما سَمِعَه، بخلافٍ من
لیس کذلك.
قال الخطيب: إِنَّ من رَوَى حديثاً على التمام، وخاف إنْ رَوَاه مرةً أخرى على
النقصانِ أن يُتَّهَم بأنه زادَ في أولِ مرةٍ ما لم يكن سَمِعَه، أو أنه نَسِيَّ في الثاني باقيَ
الحديثِ لقلةٍ ضبطِهِ وكثرةٍ غلطِهِ، فواجبٌ عليه أن يَنفيَ هذه الظَِّّةَ عن نفسه. وقال
سُلَيْمٌ الرازي: إنَّ منِ رَوَى بعضَ الخبر، ثم أراد أن يَنقلَ تمامَهُ، وكان ممن يُتَّهَمُ بأنه
زاد في حديثِهِ، كان ذلك عُذْراً له في تركِ الزيادةِ وكتمانِها.
قال ابن الصلاح: من هذا حالُه فليس له من الابتداءِ أن يَروِيَ الحديثَ غيرَ
تام إذا كان قد تعينّ عليه أداءُ تمامِه، لأنه إذا رواه أولاً ناقصاً أخرَجَ باقيَه عن حَيِّزٍ
الاحتجاج به، ودار بين أنْ لا يَروِيَه أصلاً فيُضِيعَه رأساً، وبين أنْ يَروِيَه مُتَّهَماً
- فيه - فَتَضِيعَ ثمرتُه لسقوطِ الحجة فيه.
وممن ذَهَب إلى جوازٍ اختصارِ الحديث مُسْلِمٌ، وقد أشار إلى ذلك في مقدمةٍ
صحیحِهِ حیث قال(١):
ثم إنَّا إن شاء الله مُبتدِئون في تخريج ما سألتَ عنه وتأليفِهِ على شريطةٍ سوف
أذكُرها، وهو أنَّا نَعمِدُ إلى جملةٍ ما أُسنِدَ من الأخبار عن رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم، فنَقسِمُها على ثلاثة أقسامٍ ، وثلاث طبقاتٍ من الناس، على غير تكرارٍ إلَّ أن
يأتيَ موضعٌ لا يُستغنى فيه عن تردادِ حديثٍ فيهِ زيادةُ معنى، أو إسنادٌ يَقَعُ إلى جنبٍ
إسنادٍ لعلةٍ تكونُ هناك، لأنَّ المعنى الزائدَ في الحديثِ المحتاجِ إليه يقومُ مقامَ حديثٍ
تام، فلا بُدَّ من إعادةِ الحديث الذي فيهِ ما وصفنا من الزيادة، أو أن يُفَصَّلَ ذلك
المعنى من جملةِ الحديثِ على اختصارِهِ إذا أمكن، ولكن تَفْصِيلُه ربما عَسُرَ من جملتِهِ،
(١) ٤٨:١ بشرح النووي.

٧٠٥
فإِعادَتُه بهيئتِهِ إذا ضاق ذلك أسلَمُ. فأمَّا ما وجدنا بُدّأَ من إعادتِهِ بجملتِهِ من غير
حاجة منا إليه، فلا نتولَّى فَصْلَهُ(١) إن شاء الله تعالى.
قال بعضُ الشراح(٢) عند قولِهِ: أو أن يُفضَّلَ ذلك المعنى من جملةِ الحديث:
هذه مسألةٌ اختلَفَ العلماءُ فيها، وهي روايةُ بعضِ الحديث، فمنهم من مَنَعه مطلقاً،
بناءً على مَنْعِ الرواية بالمعنى، ومنَعَه بعضُهم وإن جازَتْ الروايةُ بالمعنى إذا لم يكن
رواه هو أو غيرُه بتمامِه قبلَ هذا، وجوَّزَه جماعةٌ مطلقاً، ونَسَبه القاضي عياضٌ إلى
مسلم .
والصحيحُ الذي ذَهَب إليه الجمهورُ والمحقِّقون من أصحابِ الحديثِ والفقهِ
والأصول: التفصيلُ، وجَوازُ ذلك من العارفِ إذا كان ما تَرَكه غيرَ متعلُّق بما رَوَاهِ،
بحيث لا يَخْتَلُّ البيانُ، ولا تَخْتلِفُ الدلالةُ بتركِه، سواءٌ جَوَّزنا / الروايةَ بالمعنى
أم لا ، وسواء رَوَاهُ قبلُ تامًّا أم لا. هذا إن ارتفَعَتْ منزلتُه عن التّهمة، فأما من رواه
تأمَّاً ثم خاف إن رواه ثانياً ناقصاً أن يُتَّهَمَ بزيادةٍ أوّلاً، أو نِسيانٍ لغفلةٍ وقِلَّةِ ضبطٍ
ثانياً، فلا يَجوزُ له النقصانُ ثانياً ولا ابتداءً إن كان قد تعيّنٌ عليه أداؤه.
/٣١٦
وأما تقطيعُ المصنَّفين الحديثَ الواحدَ في الأبواب، فهو بالجوازِ أولى، بل يَبْعُدُ
طَرْدُ الخِلاف فيه، وقد استَمرَّ عليه عمَلُ الأئمةِ الحُفَّاظِ الجلَّةِ من المحدِّثين وغيرهم
من أصنافِ العلماء.
وهذا معنى قولٍ مسلم: أو أن يُفَصَّلَ ذلك المعنى من جملةِ الحديثِ على
اختصارِهِ إذا أَمكّن. وقولُهُ: إذا أَمكّن يَعني إذا وُجِدَ الشرطُ الذي ذكرناه على مذهبٍ
الجمهور من التفصيل. وقولُهُ: ولکنْ تفصِیلُه ربما عَسُرَ من جملتِه، فإعادَتُہ ہہیئتِهِ إذا
(١) هكذا في الأصل، وهو صحيح جداً، والذي في طبعات صحيح مسلم: (فلا نتولَّى
فِعْلَه).
(٢) هو الإِمام النووي، وغفر الله للمؤلف تجهيل القائل! وما أدري ما الفائدة من هذا
الطبع؟! فإن ضررَهُ أكثرُ من نفعه.

٧٠٦
ضَاقَ ذلك أسلَمُ. يَعْني ما ذكرنا وهو أنه لا يُفَصَّلُ إلَّ ما ليس مرتبطاً بالباقي، وقد
يَعسُرُ هذا في بعض الأحاديث، فيكون كلُّه مرتبطاً بالباقي، أو يُشَكُّ في ارتباطِه،
ففي هذه الحالةِ يَتْعينُ ذكرُهُ بِتمامِهِ وهيئتِه، ليكون أسلَمَ مخافةً من الخطأ والزلل، والله
أعلم.
وقد تعرَّضَ ابنُ الصلاح في مبحث اختصار الحديث لحكم تقطيعه فقال: وأمَّا
تقطيعُ المصنَّ مَتْنَ الحديثَ الواحِدِ وتفريقُهُ في الأبواب، فهو إلى الجوازِ أقرَبُ، ومن
المَنْعِ أبعَدُ، وقد فعَلَّه مالكٌ والبخاريُّ وغيرُ واحد من أئمة الحديث، ولا يخلو من
كراهِيَةٍ، والله أعلم.
ومن نُسِبَ إليه فَعَلُ ذلك أحمدُ وأبو داود والنسائيُّ، وقد أَشكَلَ نسبةُ ذلك إلى
مالكٍ وأحمد. أمَّا مالكٌ فلِمَا نَقَلَ أشهبُ عنه أنه كان يكرهُ النقص من الحديث، وقد
ذكرنا عبارتَهُ بلفظِها قريباً، وأمَّا أحمدُ فلِمَا نَقَل الخلَّلُ عنه أنه قال: إنه ينبغي أن
لا يُفعَل.
وقد يُجابُ عن ذلك بأنهما ربما كانا يُفرِّقان بين الروايةِ وغيرها، فيَمنعانِ ذلك في
حالِ الرواية، ويُجيزانِهِ في حالٍ الاستشهاد، لا سيما إن كان المعنى المستنبَطُ من
القطعةِ التي يُرادُ الاستشهادُ بها مما يَدِقُّ على الأفكار، فإنَّ إيرادَها وَحْدَها أَقْرَبُ إلى
الفهم، وأبعَدُ من الوَهْمِ.
واختار بعضُ المحقّقين التفصيلَ في هذه المسألة، فقال: إن حَصَل القَطْعُ بأنَّ
المحذوفَ لا يُخِلُّ بالباقي فلا كراهة في ذلك، وإن لم يَحصُل ذلك فلا يخلو الأمرُ من
کراهةٍ، إلاّ أنَّ درجاتها تختلف باختلافِ حالِهِ في ظهورِ ارتباطِ بعضِهِ ببعض وخفائِه .
وقد تباعَدَ مسلم عن ذلك، فإنه لكونِهِ لم يَقصِد ما قَصَده البخاري من استنباطِ
الأحكام، أورَدَ كلَّ حديثٍ بتمامِهِ، من غير تقطيعٍ له ولا اختصارٍ إذا لم يَقُل فيه:
مِثلَ حدیثٍ فلان أو نحوه .
الفرعُ الثاني إذَا رَوَى المحدِّثُ الحديثَ بإسناد، ثم أتبعَهُ بإِسنادٍ آخَر، وقال
عند انتهائِه: مثلَهُ أو نحوَهُ، فهل للراوي عنه أن يقتَصِرَ على الإِسنادِ الثاني ويَسُوقَ

٧٠٧
لفظَ الحديثِ المذكورَ عقيبَ الإِسناد الأول؟ في ذلك ثلاثةُ أقوال:
أحدُها المنعُ، وهو قولُ شعبة، فقد رُوِيَ عنه أنه: قال: فلانٌ عن فلانٍ مِثْلَهُ،
لا يُجزىء، ورُوي عنه أنه قال: قولُ الراوي: نحوه، شَكٌّ.
والثاني جوازُ ذلك إذا عُرِفَ أنَّ الراوي لذلك ضابطٌ متحفظ، يذهَبُ إلى تمييز
الألفاظ وعَدِّ الحروف، فإن لم يُعرَف منه ذلك لم يَجُزْ، وهو قولُ سفيان الثوري.
الثالث جوازُ ذلك في قولِهِ: مثلَه، وعَدمُ جوازِ ذلك في قوله: نحوَه، وهو قول
يحيى بن معين، وعلى هذا يَدِلُّ كلامُ الحاكم، حيث يقول: إنَّ مما يلزم الحديثيٍّ من
الضبط والإِتقانِ أن يُفرِّقَ بين أن يقولَ: مثلَه، أو يقولَ: نحوَه، فلا يَجِلُّ له أن يقولَ
مثلَه إلَّ بعدَ أن يَعلَمَ أنهما على لفظٍ واحد، ويَحِلُّ له أن يقول: نحوَه إذا كان على مِثلِ
مَعَانِیه .
وهذا على مذهبٍ من / لا يُجيز الرواية بالمعنى، فأمَّا على مذهب من يُحيزها فلا /٣١٧
فَرْقَ بين مِثْلَه ونحوَه. وكان غيرُ واحدٍ من أهل العلم إذا أراد روايةَ مِثل هذا يُورِدُ
الإِسنادَ الثاني ثم يقولُ: مِثلَ حديثٍ قبلَهُ مَتْنُه كذا، ثم يَسوقُه، وكذلك إذا كان
المحدِّثُ قد قال: نحوَه.
وإذا ذَكَر المحدِّثُ إسنادَ الحديث وطَرَفاً من المتن، وأشار إلى بقيتِهِ بقوله:
الحديثَ، أو وَذَكَر الحديثَ، ونحوَ ذلك، فليس للراوي عنه أن يَروِيَ الحديثَ عنه
بكمالِهِ، أبل يقتصرُ على ما سَمِعَ منه، وهذا أولى بالمنْعِ من المسألة التي قَبْلَها، لأنَّ
المسألة التي قَبْلَها قد ساق فيها جميعَ المتن قبلَ ذلك بإِسنادٍ آخر، وفي هذه الصورة
لم يَسُق إِلَّ هذا القدر من الحديث.
وسأل بعضُ المحدِّثين الأستاذَ المقدَّمَ في الفقه والأصول أبا إسحاق الإِسفِرائِيني
عن ذلك، فقال: لا يَجوزُ لمن سَمِعَ على هذا الوصف أن يرويّ الحديثَ بما فيه من
الألفاظ على التفصيل.
وسأل البَرْقانيُّ الفقيه الحافظَ أبا بكر الإسماعيليَّ عمن قرأ إسنادَ حديث على

٧٠٨
الشيخ، ثم قال: وذَكَر الحديثَ، فهل يجوز أن يُحدِّثَ بجميع الحديث؟ فقال: إذا
عَرَفِ المحدِّثُ والقارىءُ ذلك الحديثَ، فأرجو أن يجوزَ ذلك، والبيانُ أولى أن يقولَ
کما کان.
والطريقةُ الْلَى أَن يَقْتَصَّ ما ذكره الشيخُ على وجهه، فيقولَ قال: وذَكَر
الحديثَ بُطُوله، ثم يقولَ: والحديثُ بُطُولِهِ هو كذا وكذا، ويَسُوقَه إلى آخره. وهذا
الفرعُ مما تشتدُّ إلى معرفتِهِ حاجةُ المعتنين بصحيح مسلم، لكثرةِ تكُرُّرِ: مِثْلَهُ،
ونَحْوَهُ، ونحو ذلك، فیه .
:
الفرع الثالث: قال ابنُ الصلاح: إذا كان الحديثُ عند الراوي عن اثنين
أو أكثر، وبين روايتيهما تُفاوتُ في اللفظِ، والمعنى واحِدٌ، كان له أن يجمع بينهما في
الإِسناد، ثم يَسُوقَ الحديثَ على لفظِ أحدِهما خاصَّةً، ويقولَ: أخبَرَنا فلان وفلان
واللفظُ لفلان، أو وهذا لفظُ فلان، قال أو قالا: أخبرنا فلان، أو ما أشبه ذلك من
العبارات.
ولمسلم صاحبِ الصحيح مع هذا في ذلك عبارةٌ أخرى حسنة، مثلُ قوله:
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو سعيد الأشجُّ، كلاهما عن أبي خالد، قال أبو بكر:
حدثنا أبو خالد الأحمرُ عن الأعمش وساق الحديث، فإعادتُهُ ثانياً ذِكْرَ أحدِهما خاصَّةً
إشعارٌ بأنَّ اللفظ المذكور له. فأما إذا لم يَخُصَّ لفظَ أحدِهما بالذكر، بل أَخَذَ من لفظٍ
هذا ومن لفظٍ ذاك وقال: أخبرنا فلان وفلان، وتقارَبًا في المعنى، قالا: أخبرنا فلان.
فهذا غيرُ ممتنع على مذهبٍ تجويز الرواية بالمعنى.
وقولُ أبي داود صاحبِ السنن: حدثنا مُسدَّدٌ وأبو تَوْبَة المعنى، قالا: حدثنا
أبو الأحوص، مع أشباهٍ لهذا في كتابِهِ، يَحتمِلُ أن يكونَ من قَبِيلِ الأولِ، فيكونَ
اللفظُ لمسدَّد، ويُوافقُه أبو توبة في المعنى، ويَحتمِلُ أن يكون من قَبِيل الثاني فلا يكونُ
قد أورَدَ لفظَ أحدِهما خاصةٍ، بل رواه بالمعنى عن كليهما، وهذا الاحتمالُ يَقْرُبُ في
قوله: حدثنا مسلم بن إبراهيم وموسى بن إسماعيل المعنى واحد، قالا : حدثنا أبان ..

٧٠٩
وأما إذا جَمَع بين جماعةٍ رواٍ قد اتفقوا في المعنى، وليس ما أورَدَهُ لفظَ كلِّ
واحدٍ منهم، وسگت عن البيان لذلك، فهذا مما عيب به البخاريُّ أو غیرُه، ولا بأس
به على مذهب تجويز الرواية بالمعنى.
وإذا سَمِعَ كتاباً مصنّفاً من جماعة، ثم قابل نسختهُ بأصلِ بعضِهم دون
بعض، وأراد أن يَذكُرَ جميعَهم في الإِسنادَ ويقولَ: واللفظُ لفلان، كما سَبَق، فهذا
يَحْتمِلُ أن يجوز كالأول، لأنَّ ما أورده قد سَمِعَه بنَصِّهِ ممن ذَكَر أنه بلفظِهِ، ويَحْتمِلُ أن
لا يجوز، لأنه لا عِلْمَ عندَهُ بكيفيةِ روايةِ الآخَرِين حتى يُخْبِرَ عنها، بخلافِ ما سَبَقٌ
فإنه اطّلع على / روايةٍ غير من نَسَبَ اللفظَ إليه، وهو على موافقتهما من حيث المعنى،
فأخبَرَ بذلك، والله أعلم.
هذا وما ذكره ابن الصلاح من أنَّ إعادةَ مسلم لذكرِ أحدِ الراوبين خاصَّةٌ يُشعِرُ
بأنَّ اللفظَ المذكورَ له هو الظاهرُ المتبادِرُ إلى الذهن، مع احتمال أن تكون الإِعادَةُ
لمجرّدٍ بیانٍ أنَّ الراوي الذي أُعیدَ ذِكرُ اسمه ثانیاً قد صرَّح بالتحديث، دون الراوي
الذي لم يُعَدْ ذِكرُ اسمِه، فينبغي الانتباهُ لذلك.
وقد استبعَد بعضُهم ما ذكره ابن الصلاح من أنَّ قولَ أبي داود: حدثنا مسدَّد
وأبو توبة المعنى، قالا: حدثنا الأحوصُ، فیه احتمال، لئلا يكون قد أورد لفظَ أحدِهما
خاصَّة، بل رواه بالمعنى عن كليهما، وذلك لأنه يدل على أنَّ المأتيَّ به حينئذ هو لفظً
ثالثٌ غيرُ لفظَيْ من رَوَى عنهما، مع أنَّ الغالبَ المعروفَ في مثل ذلك أنَّ المحدِّث
لا بدَّ أن يُورِدَ الحديثَ بلفظٍ مرويٍّ له بروايةٍ واحدة، والباقي بمعناه.
وقال بعضهم: هذا أمرٌ غيرُ مستبعَد، وقُصَارَى الأمر فيه أن يكونَ ملفَّقاً منهما،
والتلفيقُ قد جَرَى عليه كثيرٌ من المحدِّثين. ومنه نوعٌ قد ذكره القومُ في آخِرِ مبحثٍ
صِفة الرواية، كما ذكروا الروايةَ بالمعنى في أثنائه، ولنورد ذلك لمناسبته لما نحن فيه،
فنقول: قالوا: وإذا سَمِعَ بعضَ حديثٍ من شيخٍ وبعضَه من شيخٍ آخر، فخلَطَّه
وعزاه جملةً إليهما مبيِّناً أنَّ بعضَه عن أحدِهما، وبعضَه عن الآخر، من غير تمييز لما
سَمِعَه من كل شيخٍ من الآخَر جاز.
/٣١٨

٧١٠
ومن أمثلةِ ذلك: حديثُ الإِفك في الصحيح من رواية الزهري، فإنه قال:
حدثني عُروةُ وسعيد بن المسيب وعلقمةُ بنُ وقاص وعُبَيْدُ الله بن عبد الله بن عتبةٍ،
عن عائشة، قالَ: وكلَّ قد حدَّثني طائفةً من حديثها، ودخل حديثُ بعضِهم في
بعض، وأنا أوعَى لحديث بعضِهم من بعض، فذَكَر الحديث.
وما من شيء من ذلك الحديث المرويُّ على تلك الصفة، إلَّ وهو في الحكم
كأنه رواه عن أحَدٍ الرجلين على الإِبهام، حتى إذا كان أحدُهما مجروحاً لم يَجُز
الاحتجاجُ بشيء من ذلك الحديث، لأنه ما قطعه منه إلاّ ويجوزُ أن تكون عن ذلك
الراوي المجروح، ولا يجوز لأحدٍ بعد اختلاطِ ذلك أن يُسقِطَ ذِكرَ أحدِ الراويين،
ويَروِيَ الحديثَ عن الآخر وحدَه، بل يجبُ ذِكرُهما جميعاً مقروناً بالإِفصاح. وكثيراً
ما يُستعملُ التلفيقَ أربابُ المغازي والسِّير. وقد انتقدوا التلفيقَ على الزهري، وهو
أوَّلُ من فَعَلَ ذلك، فقالوا: كان ينبغي له أن يُفرِدَ حديثَ كل واحد منهم عن
الآخَرِ، والأمرُ فيه سهل إذا كان الكلُّ ثقات.
وأما ما عِيبَ به البخاريُّ فليس بعيب عند الجمهور الذي يُجيز الرواية بالمعنى،
هذا عبدُ الله بن وهب، لم يتأخر البخاريُّ ولا غيرُه من الأئمة عن التخريج له، مع
كونِهِ كان يفعلُ ذلك، وأما حمَّدٌ فإنَّ البخاريِّ لم يترك الاحتجاجَ به لكونه كان يفعلُ
ذلك، بل لكونِهِ قد ساء حِفظُه، ولذا لم يُخرج له في الأصول، واقتَصَر مسلم - فيما
قاله الحاكم - على روايته عن ثابتٍ، مع أنه كان من الأئمة الأثبات الموصوفين بأنهم
بلغوا درجة الأبدال، فتفريقُ البخاري بينه وبين ابن وهب، إنما يرجع لما يَتعلَّقُ
بالإِتقان والحفظ، فإنَّ ابن وهب كان أشدَّ إتقاناً لما يرويه وأحفَظَ.
وما قيل من أنَّ البخاري كان لا يُعرِّجُ على البيانِ ولا يلتفتُ إليه، هو مبنيٌّ على
الغالب، وإلَّ فقد عَرَّج على البيانِ في بعض الأحيان، كقوله في تفسير البقرة: حدثنا
يوسف بن راشد، حدثنا جَرِير وأبو أسامة واللفظُ لجرير، فذَكَر حديثاً. وفي الصيدِ
/٣١٩ والذبائح: حدثنا يوسف بن راشد، أخبرنا وكيعٌ ويزيدُ / بن هارون واللفظُ ليزيد.
وقد رأيتُ هنا أن أستطرِدَ لأربعٍ مسائل:

٧١١
المسألةُ الأولى: قد ذكرنا فيما سَبَق(١) أنه قد ثبّتَ ترجيحُ صحيح البخاري على
صحيح مسلم، فيما يَتعلَّقُ بأمر الصحة، وأما ما يتعلَّقُ بغير ذلك فربما كان في صحيح
مسلم ما يُرجَّحُ به على صحيح البخاري، وقد عَرَفتَ في هذا الفرع أنَّ من رَوَى عن
اثنين فأكثر، وكان بين روايتيهما تفاوتٌ في اللفظِ، والمعنى واحد، فله أن يجمعَ بينهما
في الإسنادِ، ثم يَسُوقَ الحديثَ على لفظِ أحدِهما، غيرَ أنَّ الأُولَى في ذلك أن يُعيِنٌ
صاحبَ اللفظ الذي اقتَصَر عليه، وأنَّ مسلماً التّزَم ذلك، بخلافِ البخاري فإنه
جَرَى على خلافٍ الأولى في ذلك في أكثر المواضع.
وقد ذكر بعضُ المعتنين بصحيح مسلم شيئاً من هذا القَبِيل، فأحببتُ إيرادَه.
١ - فمن ذلك كونُهُ أسهلَ مُتناوَلاً، من حيث إنه جَعَل لكل حديثٍ موضعاً
واحداً يليق به(٢)، وجمع فيه طرقه، وأورد أسانيدَه المتعددة، وألفاظه المختلفة، فصار
استخراجُ الحديث منه، ومعرفةُ طرقِهِ المتعددة، وألفاظِهِ المختلفة سهلاً.
بخلاف البخاري، فإنه يَذكُر تلك الوجوه المختلفة في أبوابٍ متفرقة، وكثيرٌ
منها يَذكُرُه في غير الباب الذي يَتبادَرُ إلى الذهن أنه أولى به، لأمرٍ ما قَصَدَه البخارُّ،
فصار استخراجُ الحديث منه - فضلاً عن معرفةٍ طُرُقِهِ المتعددة وألفاظه المختلفة -
صعباً، حتى إنَّ كثيراً من الحفاظ المتأخرين قد نَفَوْا روايةَ البخاري لأحاديثَ هي فيه،
(١) ص ٣٠٠.
(٢) قلت: صحيحٌ هذا، ولكنه قد أخرج جملة أحاديث، كرّر إيراد الواحد منها في
موضعين في كتابين، بلغَتْ ٧١ حديثاً، وقد استفدتُ هذا مما أحصاه الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقي
رحمه الله تعالى، في الجزء الخامس من طبعة صحيح مسلم (فهارس صحيح مسلم) ص ٢١٢ -
٢٢٢.
ولكنه توسّع في عدِّها فبلِّغها في كتابه المذكور إلى ١٣٧ حديث، إذ عَدَّ تكرُّرَ الحديثِ الواحدِ
في الكتاب الواحد في الباب الواحد موضعاً ثانياً، فلذا بلَّغَها ١٣٧ حديث، وبَلَغ ما عدَّه على هذه
الطريقة ٦٦ حديثاً، ويحذفِها يَبْقَى عدَدُ الأحاديث المكررة في صحيح مسلم في موضعين في كتابين
٧١ حديثاً .

٧١٢
حيث لم يجدوها في مظانها .
٢ - ومن ذلك اعتناؤُهُ بالتمييز بين حدثنا وأخبرنا، وتقييدُهُ ذلك على مشائخه
في روايته، وكان من مذهبه الفَرْقُ بينهما، وأنَّ حدثنا لا يجوز إطلاقُهُ إلَّ لما سَمِعَه من
لفظِ الشيخ خاصة، وأخَبَرَنا لما ◌ُرِىءَ على الشيخ، وهذا الفرقُ هو مذهبُ الشافعيِّ
وأصحابِهِ وجمهورِ أهل العلم بالمشرق، ورُوِيَ هذا المذهبُ عن ابن جُرَيج والأوزاعي
وابنٍ وهب والنسائي، وصار هو الشائعَ الغالبَ على أهل الحديث.
وذهبَتْ جماعةٌ إلى أنه يجوزُ أن يقال فيما قُرِىء على الشيخ: حدثنا وأخبرنا،
وهو مذهبُ الزهري ومالك وسفيان بن عيينة ويحيى بن سعيد القطان، وهو مذهبُ
البخاري وجماعةٍ من المحدِّثين.
وذهبَتْ طائفةٌ إلى أنه لا يجوزُ إطلاقُ حدثنا ولا أخبرنا في القراءة، ويقال: إنه
قولُ ابنِ المبارك ويحيى بنِ يحيى التميمي وأحمدَ بن حنبل والنسائيِّ وغيرهم.
قال بعضُ الحفاظُ: أجوَدُ العباراتِ في القراءة على الشيخ أن يقال: قرأتُ على
فلان، أو قُرِىءَ على فلان وأنا أسمَعُ فأقَرَّ به. ويتلو ذلك أن يقال: حدثنا فلان قراءةً
عليه، وأخبرنا قراءةً عليه .
٣ - ومن ذلك اعتناؤُهُ بضبطٍ اختلافٍ لفظ الرواة في الحدیث، کقوله: حدثنا
فلان وفلان واللفظُ لفلان، قالَ: أو قالا: حدثنا فلان. وقد يكونُ الاختلافُ في
حَرْف. ثم إنَّ الاختلافُ في اللفظ قد يكونُ مما يَتغيِّرُ به المعنى، وقد يكون مما لا يتغيّر
به. المعنى. وما يتغيّر به المعنى قد يكون التغيّر فيه خفياً بحيث لا يَنتبهُ له إلّ الجهْذُ
التحرير. وقد التَّزَم البيانَ في جميع ذلك بقدر الإمكان.
٤ - ومن ذلك تحرِّيه في مثل قوله(١): حدثنا عبدُ الله بن مَسْلَمة، حدثنا
(١) في كتاب الصلاة في الباب ٣٠ (باب خروج النساء إلى المساجد ... ) ٤: ١٦٣. ووقع
في الأصل هنا وفيما يأتي قريباً (عبد الله بن سلمة) بالسين في أوله. وهو تحريف! صوابه: (مَسْلَمة)
بالميم في أوله كما أثبتُه تبعاً لما في صحيح مسلم وفي ترجمته في ((تهذيب التهذيب)) ٣١٠٦.
.

٧١٣
سليمان يعني ابنَ بلال، عن يحيى وهو ابنُ سعيد. فلم يَستجز رضي الله عنه أن
يقول: سليمانُ بن بلال، عن يحيى بن سعيد، لكونه لم يقع في روايتهِ منسوباً، فلو
قاله منسوباً لكان مخبراً عن شيخِهِ أنه أخبره بنِسْبتِه، مع أنه لم يُخبره بها.
وهذا مما يُشاركه فيه البخاريُّ، كما يَظهَرُ من قولِ بعض أهل الأثر: ليس
للراوي أن يزيد في / نَسَبٍ غير شيخِه ولا صفتِه على ما سَمِعَه من شيخه، لئلا يكون / ٣٢٠
كاذباً على شيخه، فإن أراد تعريفَه وإيضاحَه وإزالةَ اللَّبْسِ المتطرِّقِ إليه لمشابهةٍ غيره،
فطريقُهُ أن يقول: قال: حدثني فلان يعني ابنَ فلان، أو الفُلَاني، أو هو ابنُ فلان،
أو الفلاني، أو نحوّ ذلك، فهذا جائزٌ حسنٌ قد استعمله الأئمة.
وقد أكثر البخاريُّ ومسلم منه في الصحيحين غايةَ الإِكثار، حتى إنَّ كثيراً من
أسانيدهما يقَعُ في الإِسنادِ الواحِدِ منها موضعانٍ أو أكثرُ من هذا الضرب، كقوله في
أول كتاب البخاري في باب من سَلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه(١): قال أبو معاوية،
حدثنا داود هو ابنُ أبي هند، عن عامر، قال سمعتُ عبدَ الله هو ابن عَمْرو(٢).
وكقوله في كتاب مسلم في باب مَنْع النساء من الخروج إلى المساجد(٣): حدثنا
عبد الله بن مَسْلَمة، حدثنا سليمان يعني ابنَ بلال، عن يحيى وهو ابنُ سعيد.
ونظائرُه كثيرة.
(١) ١ : ٥٣.
(٢) هذا الإدراج ليس موجوداً في نسخة المتن التي في ((فتح الباري)) ٥٣:١، و((عمدة
القاري)) ١٣٣:١، و((إرشاد الساري)) ١: ٩٤. ولكن القسطلاني قال فيه: ((قوله (حدثنا داود)،
زاد في رواية الكُشْمِيهَني وابن عساكر: هو ابنُ أبي هند. (عن عامر، قال: سمعتُ عبدَ الله).
للَّأَصِيلي: يعني ابنَ عَمْرو، ولابن عساكر: هو ابنُ عَمْرو)). انتهى. قال عبد الفتاح: ولم أجد هذا
الإدراج في نسخة المتن التي في ((شرح السُّندي)) ١: ٩٥، ولا في طبعة إصطنبول التي حققها العلامة
محمد ذهني ١: ٩، ولا يوجد في نسخة ابن سعادة كما أفاده العلامة محمد التاودي بن سودة المغربي
في حاشيته على البخاري ١ :٣٥ .
(٣) ١٦٣:٤. وتقدم التنبيه إلى ما وقع من تحريف في (مَسْلمة).

٧١٤
وإنما يقصِدون بهذا الإِيضاحَ كما ذكرنا أولاً، فإنه لو قال: حدثنا داود
أو عبدُ الله لم يُعرَف من هو، لكثرةِ المشاركين في هذا الاسم، ولا يَعرِفُ ذلك في
بعضِ المواطن إلَّ الخَوَاصُ والعارفون بهذه الصفةِ وبمراتبِ الرجال، فأوضحوه
لغيرهم وخفّفوا عنهم مؤونةَ النظر والتفتيش.
وهذا الفصلُ نفيسٌ يَعِظُمُ الانتفاعُ به، فإنَّ من لا يُعاني هذا الفنَّ قَد يتوهّمُ أنَّ
قولَه: يعني، وقوله: هو، زيادةٌ لا حاجةً إليها، وأنَّ الأولى حذفُها. وهذا جهلٌ
قبيح، والله أعلم.
٥ - ومن ذلك سلوكُهُ الطريقةَ المثْلَى في روايةٍ صحيفةِ هَمَّام بن مُنّبِّه، نحوُ
قولِهِ(١): حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: حدثنا مَعْمَرَ، عن
هَمَّامِ، قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمدٍ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلّم،
فذكَرَ أحاديثَ، منها: قَالَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إذا توضأ أحدُكم
فلْيَستْشِقِ ... الحديث.
ووَجْهُ ذلك يَظهر مما ذكره ابنُ الصلاح، حيث قال: النُّسَخُ المشهورةُ المشتمِلَةُ
على أحاديثَ بإسنادٍ واحد، كنسخةٍ هَمَّام بن منِّّه، عن أبي هريرة، روايةٍ
عبد الرزاق، عن مَعْمَرٍ، عنه، ونحوِها من النُّسَخِ والأجزاء، منهم من يُجِدِّدُ ذِكْرَ
الإِسناد في أول كل حديث منها، ويُوجَدُ هذا في كثير من الأصولِ القديمةِ، وذلك
أحوط. ومنهم من يكتفي بذكرِ الإِسناد في أولها عندَ أولِ حديثٍ منها، أو في كلِّ
مجلسٍ من مجالسِ سماعِها، ويُدْرِجُ الباقيَ عليه، ويقولُ في كل حديثٍ بعدَهُ:
وبالإِسنادِ، أو وبهِ، وذلك هو الأغلب الأكثر.
وإذا أراد من كان سماعُهُ على هذا الوجه تفريقَ تلك الأحاديث، وروايةً كل
حديثٍ منها بالإِسناد المذكور في أولها، جاز ذلك عند الأكثرين، منهم وكيعُ بن الجراح
ويحيى بنُ معين وأبو بكر الإسماعيلي، وهذا لأنَّ الجميعَ معطوفٌ على الأول،
(١) في كتاب الطهارة في الباب ٨ (باب الإِيتار في الاستنثار والاستجمار) ١٢٦:٣.

١
:
٧١٥
فالإِسنادُ المذكور أولاً في حكم المذكور في كل حديث، وهو بمثابة تقطيع المتن الواحد
في أبواب بإسنادِهِ المذكور في أوله.
ومن المحدِّثين من أَبَ إفرادَ شيء من تلك الأحاديثِ المدرجةِ بالإِسنادِ المذكور،
ورآه تدليساً، وسأل بعضُ أهلِ الحديث الأستاذَ أبا إسحاقُ الإِسفِرابِينِيَّ الفقيه
الأصوليَّ عن ذلك، فقال: لا يجوز. وعلى هذا من كان سماعُه على هذا الوجهِ
فطريقُهُ أن يُبيِّنَّ ويَحِكِيّ ذلك كما جَرَى، كما فعَلَّه مسلم في صحيحه(١) في صحيفةِ
هَمَّام بن مُنَبِّه، نحوُ قوله: حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا عبدُ الرزاق، أخبرنا
مَعْمَر، عن هَمَّام بن مُنَبِّه، قال: هذا ما حدَّثَنا أبو هريرة، وذَكَر أحاديثَ، منها: وَقالَ
رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ أَدْنَى مَفْعَدِ أحدِكم في الجنة أن يَقُولَ له ثَمَنَّ . ..
الحديث. وهكذا فَعَلَ كثيرٌ من المؤلِّفين، والله أعلم.
واعلم أنه لا يَظهَرُ وَجْهٌ لقولٍ من مَنَعَ / إفرادَ شيء من تلك الأحاديثِ /٣٢١
المدرجةِ بالإِسنادِ المذكور، إلَّ أن يُقالَ: إِنَّ بابَ الرواية مبنيٌّ على الاتِّبَاعِ، وهو لم يُرْوَ
على هذا الوجهِ من التفريق، فيكون ذلك من قَبِيل الابتداع، وهو بعيد.
وأما البخاريُّ فإنه سَلَك طريقاً آخر، وهو أنه يُقدِّمُ أولَ حديثٍ من الصحيفةِ
المذكورة، وهو حديثُ: نحن الآخِرُون السابقون. ثم يُعطِفُ عليه الحديثَ الذي
يُريدُ إيرادَهُ، وطريقُ مسلم أوضَحُ، ولذا قَلَّ من اطَّلَع على مقصِد البخاري في ذلك،
وقد حَمَل ذلك بعضَهم على أن يَبحثوا على وجهِ المطابقةِ بين الحديثِ الأولِ والترجمة،
فلم يأتوا بما فيه طائل. على أنَّ البخاريَّ لم يَطَّرِد عملُه في ذلك، فإنه أورَدَ في كثير من
المواضع بعضاً من الأحاديثِ الواقعة في الصحيفة المذكورة، ولم يُصدِّر شيئاً منها
بالحديثِ المشار إليه.
(١) في كتاب الإيمان في (باب إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة لربهم سبحانه) ٣: ٢٥.

٧١٦
وهذا الحديثُ هو أولُ حديثٍ في صحيفةِ شُعَيب أيضاً(١)، ويُشِيرُ إلى ذلك
قولُ البخاري في باب لا تبولوا في الماء الراكد(٢). حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شُعَيب،
حدثنا أبو الزِّنَاد، عن الأعرج، حدَّثه أنه سَمِعَ أبا هريرة يقول إنه سَمِعَ رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: نحن الآخِرُون السابِقُون وبإسنادِهِ قال: لا يَبَوُلَنَّ أحدُكم
في الماءِ الدائم.
وهاتان الصحيفتانِ(٣) قلَّ أن يُوجَدَ في إحداهما حديثٌ إلَّ وهو في الأخرى.
٦ - ومن ذلك اعتناؤه في إيرادِ الطُرُقِ وتحويلِ الأسانيد بإيجازِ العبارةِ مع
حُسنِ البيان.
٧ - ومن ذلك ترتيبُهُ للأحاديثِ على نَسَقٍ يُشعِرُ بكمالِ معرفته بدقائق هذا
العلم، ووقوفِهِ على أسرارِهِ، وهو أمرٌ لا يَشعُرُ به إلاّ من أمعَنَ النظرَ في كتابه، مع
معرفته بأنواع العلوم التي يفتقرُ إليها صاحبُ هذه الصناعة، کأصول الدين وأصولِ
التفسير وأصولِ الحديث وأصولِ الفقه، ونحوُ أصولِ الفقهِ: الفقهُ وعلومُ العربية
وأسماءُ الرجال ودقائقُ علم الإِسناد والتاريخُ، مع الذكاءِ المفرطِ وجَوْدةِ الفِكر
ومداومةِ الاشتغال به ومُذاكرةِ المشتغلين به متحرِّياً للإنصاف قاصداً للاستفادة والإفادة.
(١) شعيب هذا هو: شعيب بن أبي حمزَةَ دِينارٍ، الحمصي، أبو بِشْر، شيخُ أبي اليَمَانِ
الحَكَمِ بِن نافع البَهْرَاني الجمصي أيضاً شيخِ البخاري هنا في السند الآتي. قال الحافظ الخطيب في
(الكفاية)) ص ٢١٤ ((لأصحاب الحديث نُسَخْ مشهورة، كلُّ نسخةٍ منها تشتمِلُ على أحاديث
كثيرة، يَذْكُرُ الراوي إسنادُ النسخة في المتنِ الأولِ منها ثم يقولُ فيما بعدَهُ: وبإسنادِهِ إلى آخرها ..
فمنها نسخةً یرویها أبو الیمان الحكم بن نافع، عن شعیب بن أبي حمزة، عن أبي الزناد، عن
الأعرج، عن أبي هريرة. ونسخةٌ أخرى عند أبي اليمان، عن شعيب أيضاً، عن نافع، عن
ابن عمر. ونسخة عندَ عبد الرزاق بن هَمَّام، عن مَعْمَر بن راشد، عن هَّام بن مُنَبِّه، عن
أبي هريرة. وسوى هذا نُسَخّ يطولُ ذكرُها)).
(٢) في كتاب الوضوء ٣٤٥:١ - ٣٤٦. ولفظ عنوان الباب المذكور هناك: (بابُ البول في
الماء الدائِم).
(٣) أي صحيفةُ هَمَّام بن مُنَبِّه وصحيفةُ شعيب بن أبي حمزة ..

٧١٧
وقد أشار بعضُ العلماء إلى الوجوه التي ظهَرَتْ له في ترجيح صحيح مسلم،
فقال: والذي يَظهَرُ لي من كلام أبي عليّ(١) أنه إنما قَدَّم صحيحَ مسلم لمعنى آخر، غير
ما نحن بصدده من الشرائطِ المطلوبةِ في الصحة، بل ذلك لأنَّ مسلماً صَنَّفَ كتابَهُ في
بلده بحضور أصوله، في حياةٍ كثير من مشايخه، فكان يَتحرِّزُ في الألفاظ ويتحری في
السياق، بخلافِ البخاري فإنه ربما كتَبَ الحديثَ من حفظِهِ، ولم يُمِّر ألفاظَ رُواتِهِ،
ولهذا ربما يَعرِضُ له الشكُّ، وقد صَحَّ عنه أنه قال: رُبَّ حديثٍ سمعتُه بالبصرةِ
فكتبتُه بالشام.
ولم يَتَصَدَّ لما تَصَدَّى له البخاريُّ من استنباطِ الأحكام ليُبَوِّبَ عليها، حتى لَزِمَ
من ذلك تقطيعُه للحديث في أبوابه، بل جَمَع مسلم الطرقَ كلَّها في مكانٍ واحد،
واقتَصَرَ على الأحاديث دون الموقوفات، فلم يُعرِّج عليها إلاّ في بعض المواضع على
سبيل النُّدْرَةِ، تَبَعأَ لا مقصوداً، فلهذا قال أبو عليّ ما قال، مع أني رأيتُ بعضَ أئمتنا
يُجُوِّزُ أن يكون أبو عليّ ما رأى صحيحَ البخاري، وعندي في ذلك بُعْد، والأقرَبُ
ما ذكرتُه، وأبو عليّ المذكورُ هو أبو عليّ النيسابوريُّ شيخُ الحاكم، وقد نَقَل عنه
ابنُ مَنْدَه أنه قال: ما تحتَ أديمِ السماءِ أصحُّ من كتاب مسلم.
وقال بعضُ شراح كتاب البخاري بعدَ أن بينَ رُجحانَهُ على ما سواه من كتب
الحَديث من جهة الصحة: وأكثرُ ما فُضِّلَ به كتابُ مسلم عليه: أنه يَجِمَعُ المتونَ في
موضع واحد، ولا يُفرِّقُها في الأبواب، ويَسُوقُها تامةً، ولا يُقَطِّعُها في التراجم،
ويُحافظُ على الإِتيانِ بألفاظِها، ولا يَروِي بالمعنى، ويُفرِدُها ولا يخلِطُ معها شيئاً من
أقوال الصحابة ومن بعدهم. اهـ. وقد ذكرنا ذلك فيما سبق.
/ المسألةُ الثانية: جَرَتْ عادةُ كَتَبَةِ الحديث باختصارِ بعض ألفاظ الأداء في /٣٢٢
الخَطَّ دون النُّطق:
(١) سيأتي قريباً نصُّ كلام أبي علي النيسابوري في ص.
أ

!
٧١٨
فمن ذلك: حدثنا، فإنهم يقتصرون في كتابتها على ثنا، وهي الثاءُ والنونُ
والألِفُ، وقد تحذفون الثاءَ ويقتصرون على الضمير وحده وهو: نا.
ومن ذلك: أخبرنا، فإنهم يقتصرون في كتابتها على: أنا .. وقد التزموا في
الغالب تحريفَ الألفِ الأخيرةِ منهما إلى جهة اليمين، ليَحصُلَ التمييز بينها وبين
ما يُشابهها في الصورة بما ليس برَمْز، وقد يزيدُ بعضُهم الراءَ فتصير أرنا، وكأنَّ الذي
زادها خَشِيَ أن يُظَنَّ أنها مختصرةٌ من أنبأنا وإن جَرَتْ عادتُهم بعدم اختصارها، كما
يُشاهَدُ فيما لا يُحصى من الكتب.
ومن ذلك: قالَ، ونحوُه، فقد جَرَتْ العادةُ بحذفِهِ فیما بین رجال الإِسنادِ
خَطّاً، وذكرِهِ حالَ القراءةِ لفظاً، مثالُ ذلك قولُ البخاري: حدثنا صالحُ بنَ حَيَّانِ،
قال: قال عامرٌ الشعبيُّ ، فإنَّ الكاتبَ يَحِذِفُ أحدَهما، وأما القارىءُ فإنه ينبغي له أن
يَلِفِظَ بهما معاً. ولو لم يلفِظ القارىءُ بما تركه الكاتبُ يكونُ مخطئاً، غيرَ أنَّ هذا الخطأ
لا يؤثر في صحةِ السماع، فقد قال بعضُ الحفاظ: إنَّ الظاهر أنَّ السماعَ صحيحٌ
للعلم بالمقصود، ويكونُ هذا من قَبِيلِ الحذفِ لدلالةِ الحال عليه .
ومما قد يُغفّلُ عنه من ذلك ما إذا كان في الإِسنادِ: قُرِىءَ على فلانٍ أخبَرَك
فلان، فينبغي للقارىء أن يقول فيه: قِيلَ له أخبرك فلان. وقد وقع في بعض ذلك
قُرِىءَ على فلانٍ، حدثنا فلان، فينبغي أن يقال فيه: قُرِىءَ على فلان، قال: حدثنا
فلان. وقد جاء هذا مصرَّحاً به خَطَّأَ في بعض الكتب ويَصحُّ في الصورةِ الثانيةِ أن
يقال: قُرِىءَ على فلاٍ قيل له: قلتَ حدثنا فلان، إلَّ أنَّ ما ذُكِرَ من قَبْلُ أخصِرُ.
ومن عَرَف اللغة العربيّة لم يَعسُر عليه أن يأتي في كل موضع بما يقتضيه.
ومن ذلك: أنه، قد جَرّت العادةُ بحذفِهِ في الخط دون اللفظ، وذلك كقول
البخاري: حدَّثَنا الحسن بن الصَّباح، سَمِعَ جعفرَ بنَ عون. والأصلُ أنَّهُ سَمِعَ . .
وإذا كان للحديثِ إسنادانٍ أو أكثر، وأرادوا أن يجمعوا بينهما، فقد جَرَتْ عادةُ
أهل الحديثِ إذا انتقلوا من إسناد إلى إسناد أن يكتبوا بينهما: ح. وهي حاءٌ مفردَةٌ
مهلمة، وهي مأخوذة من التحوُّلِ ، إشارةً إلى التحوُّل من إسنادٍ إلى إسنادٍ آخَر.

٧١٩
وقد توهَّمَ بعضُ الناس أنها خاءٌ معجمة، إشارةً إلى أنه إسنادُ آخَرُ، أو إشارةً
إلى الخُروجِ من إسنادٍ إلى إسناد. وسَبّبُ ذلك أنَّ المتقدِّمين لم يتكلموا فيها بشيء،
وأوَّلُ من تكلّم عنها ابنُ الصلاح.
واختار بعضُ الحفاظ كونها مأخوذةً من حائل، لكونها حائلةً بين الإِسنادَينِ،
وأنه لا يُتلفَّظُ بها، وأنكَرَ ما قاله بعضُهم من كونها مأخوذةً من لفظِ الحديث، وكان
إذا وصل إليها يقول: الحديث، وكأنَّ هذا الإِنكارَ مبنيٌّ على كون الحديث لم يُذكَر.
وهذه الحاءُ الدالّةُ على التحوُّلِ من إسنادٍ إلى إسناد، هي في صحيح مسلم
أكثرُ منها في صحيح البخاري. واختار ابنُ الصلاح أن يقولَ القارىءُ عند الانتهاءِ
إليها: حَا(١)، ويَستمرَّ في قراءةِ ما بعدَها، وهو أحَوَطُ الوجوهِ وأعدَلها، وعلى ذلك
جَرَى جُلُّ أهلِ الحديث. وقد كتَبَ بعضُ الحفاظ في موضعِها ◌ِوَضاً منها: صَحّ .
وحَسُنَ إثباتُ صَحَّ هنا، لئلا يُتوهَّمَ أنَّ حديثَ هذا الإِسناد سَقَط، ولئلا يُرَكَّبَ
الإِسنادُ الثاني على الإِسنادِ الأولِ، فُيُجعَلا إسناداً واحداً.
المسألةُ الثالثة: عِلِمُ الحديثِ عِلمٌ عظيم الشأن، يُناسِبُ مكارمَ الأخلاق
ومحاسِنَ الشِّيَم، فمن عَزَم على طلبه فليُقدِّم إخلاصَ النية، وليَسأل اللَّهَ أن يُوفّقَه
ويُعِينَه عليه، فإذا أخَذَ فيه فلْيَجِدَّ في الطلب، ولْيَحرِص على التحصيل، ففي صحيح
مسلم من حديث أبي هريرة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: أَحْرِصْ
/ على ما يَنفَعُك، واستعِنْ بالله ولا تَعْجِز.
/٣٢٣
وقال يحيى بنُ أبي كثير: لا يُنالُ العلم براحةِ الجسم. وقال الشافعي :
لا يَطْلُبُ هذا العلمَ من يَطلبُهُ بالتملُّلِ وغِنَى النفس فيُفلِحَ، ولكن من طلَبَه بذِلَّةٍ
النفس وضِيقِ العيش وخدمةِ العلماء أفلح .
وليبدَأْ بشيوخ بلدِهِ، وينبغي أن يَتخيََّ المشهورَ منهم بطلبِ الحديثِ، المشارَ إليه
(١) أي بالقصر، من غير همزةٍ كتابةً ونُطقاً، كما نَصَّ عليه السخاويُّ وغيرُهُ.
i

٧٢٠
بالإِتقانِ لَهُ والمعرفةِ به، وليأخُذْ المهمَّ مما عندَهم، فقد قال أبو عُبَيدة: من شَغَل نفسَه
بغير المُهِمّ أَضَرَّ بالمهم(١).
فإِذا فَرَغْ من ذلك فليرحَلْ إلى غيره من البلادِ إِن ظَهَر له أنَّ في ذلك فائدة،
فإِنَّ المقصودَ بالرِّحلةِ أمرانٍ: أحدُهما تحصيلُ عُلُوِّ الإِسناد. والثاني لقاءُ الحُفَّاظِ
والمذاكَرَةُ لهم والاستفادةُ منهم، فإذا كان الأمرانِ موجودينٍ في بلدِه، ومعدومَيْنِ في
غيره فلا فائدةَ في الرحلةِ بالنظرِ إلى ما يَقصِده.
وإذا كانا موجودّيْنِ في بلدٍ الطالب وفي غيرِهِ اسْتُحِبَّتْ له الرحلةُ، لَيَجمَعَ
الفائدتين من علو الإِسنادَينِ وعلمِ الطائفتين. وسأل عبدُ الله بن أحمدَ أباه: هل تَرى
الطالبِ العلمِ أن يَلْزَمَ رجلاً عنده عِلمٌ فَيَكتُبَ عنه، أو يَرحَلَ إلى المواضع التي فيها
العلم فيَسمَعَ فيها؟ فقال: يَرحَلُ فَيَكتُبُ عن الكوفيين والبصريين وأهلِ المدينة
ومكة، يُشامُّ الناسَ(٢) يَسمعُ منهم.
والأصلُ في الرحلةِ ما رُوِيَ عن جابر بن عبد الله أنه قال: بلَغَني حديثٌ عن
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم لم أسمعه، فابتَعتُ بعيراً، فَشَدَدْتُ عليه رْلي،
وسِرتُ شهراً، حتى قَدِمَتُ الشامَ، فَأتيتُ عبدَ الله بن أُنَيْس، فقلتُ للبواب: قُلْ
له: جابرٌ على الباب، فأتاه، فقال له: جابرُ بنُ عبد الله؟ فأتاني فقال لي؟ فقلتُ:
نعم، فَرَجَع فأخبره، فقام يطأ ثوبَه حتى لَقِيَنِي فاعتَنَقَنِي واعتنَقْتُه، فقلتُ: حديثٌ
بَلَغَنِي عنك، سمعتَهُ من رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلّم في القِصاص ولم أَسْمَّعْه،
فخشِيتُ أن تموتَ أو أموتَ قبلَ أن أُسمَعَهُ.
(١) هذا كلام في غاية النصح لطالب العلم، وقد نقلتُ نحوَهُ وما يتصل بمعناه، في أواخر
كتابي: ((قيمة الزمن عند العلماء)»، فلينظره من أراد الوقوف عليه.
(٢) هذه الكلمة صحيحة فصيحة سليمة من التحريف، ومعناها: يُقاربُهم ويتعرَّفُ
ما عندهم. وقد ذكرتُ ما وقع فيها من تحريف، وشرحتها بشواهدها من كلام السلف في أوائل
كتابي: ((صفحات من صبر العلماء على شدائد العلم والتحصيل))، فليقف عليها من أراد التملِيّ
منها.

٧٢١
فقال: سَمِعتُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يقول: تَحِشُرُ اللَّهُ العِبادَ
أو قال: الناسَ عُرَاةً غُرْلَا بُهْماً، قلنا: ما بُهماً قال: ليس مَعَهم شيء، ثم يُناديهم رَبُّهم
بصوت يَسمعُه من بَعُدَ كما يَسمَعُه من قَرُب: أنا الملِكُ أنا الديَّان، لا ينبغي لأحدٍ من
أهلِ الجنة أن يَدخُلَ الجنة، ولأحدٍ من أهلِ النارِ عندَهُ مَظْلَمة حتى أَقُصَّهُ منه حتى
اللَّطْمَةِ، قلنا: كيف وإنما نَأتي الله عُراةً غُرْلاَ بُهْماً؟ قال: بالحسنات والسيئات. اهـ.
ورِحلةُ موسى إلى الخضير معروفةٌ، وهي مذكورة على طريقِ التفصيلِ في
الصحيح(١).
ويكفي في أمرِ الرحلة قولُهُ تعالى: ﴿فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كلِّ فِرقَةٍ منهم طائفةٌ لِيَتَفَقَّهوا
في الدين ولِيُنذِرُوا قومَهم إذا رَجَعُوا إليهم لعلَّهم يَحَذَرُون﴾(٢).
ولم يَزِل السَّلَفُ والخَلَفُ من الأئمة يَعتنون بالرِّحلة، قال سعيد بن المسيب:
إن كنتُ لأَغِيب الليالي والأيامَ في طلبِ الحديثِ الواحد. وقال الشعبي في مسألةٍ:
كان يُرْحَلُ فيما دُونَها إلى المدينة. وقال ابن مسعود: لو أعلَمُ أحداً أعلَمَ بكتابِ الله
مني لرَحلتُ إليه. وقال أبو العالية: كنا نَسمِعُ عن الصحابة فلا نرضى، حتى خَرَجنا
إليهم فسَمِعنا منهم.
ولُيُجِلَّ شيخَه ومن يَسمَعُ منه، فذلك من إجلال العلم، ولا يُثقِلْ عليه،
ولا يُضِرْه، فإنَّ ذلك يُغيِّرُ الأَفهامَ، ويُفسِدُ الأخلاق، ويُحِيلُ الطباع. ومن فَعَل
ذلك فإنه يُخشَى عليه أن يُحرَم الانتفاع.
ولا يكُنْ ممن يمنعُه الحياءُ أو الكِبرُ عن كثير من الاستفادةِ والاستزادة، فقد قال
مُجَاهِدٌ: لا ينالُ العِلمُ مُسْتَحْيٍ ولا مُسْتَكِرٍ. وقال وكيع: لا يَنْبُلُ الرجلُ من
أصحاب الحديث حتى يكتُبَ عمن هو فَوْقَه، وعمن هو مِثلُه، وعمن هو دُونَه.
(١) أوردها البخاري في مواضع من صحيحه، انظر منها كتاب العلم في (باب ما ذُكِرَ في
ذهاب موسى في البحر إلى الخضر عليهما السلام) ١٦٧:١ .
(٢) من سورة التوبة، الآية ١٢٢.

٧٢٢
ولَيَحْذَرْ من كِتمانِ شيءٍ لِيَنْفرِدَ به عن أضرابِهِ، فإِنَّ ذلك لُؤْم، لا يَصْدُرُ إلاّ من
جَهَلَةِ الطلبةِ الموصوفين بِضَعَةِ النَّفْس(١)، وفاعلُ ذلك جديرٌ بأن لا يُنْتَفَعَ به. قال
/٣٢٤ إسحاق بن راهويه: قد رأينا أقواماً مَنَعوا هذا السَّماعَ، / فوالله ما أفلحوا
ولا نَجَحوا. وقال ابن عباس: إخواني، تناصَحُوا في العلم، ولا يَكْتُمْ بعضُكم
بعضاً، فإنَّ خِيانة الرجل في علمِهِ أشدُّ من خِيانتِهِ في مالِه.
وقد رُوي عن بعضِ الأئمة أنهم فعلوا ذلك، وهو محمولٌ على كتم ذلك عمن
لم يَرَوْه أهلًا، لا سيما إن كان ممن يَحمِلُه فَرْطُ النِّيهِ والإِعجابِ على المحامَاةِ عن الخطأ،
والُماراةِ في الصواب. قال الخليل بن أحمد لأبي عُبَيدَة مَعْمَر بن المُثَنَّى: لا تَرُوَّنَّ على
مُعْجَبٍ خطأً، فَيَستفِيدَ منك عِلمً، ويَتَّخِذَك به عَدُوّاً.
ولا يقتصِرْ على سماع الحديثِ وكتابتِهِ دون معرفتِه وفهمِه، فيكونَ ممن أُتعبَ
نفسَه بدون أن يظفَرَ بطائل، قال الخطيب: ولو لم يكن في الاقتصارِ على سماع الحديثِ
وتخليدِهِ الصُّحُفَ، دون التميزِ بمعرفةٍ صحيحِهِ من فاسِدِه، والوقوفٍ على اختلافٍ
وجوهِه، والتصرُّفِ في أنواع علومِهِ، إلّ تلقيبُ المعتزلةِ القَدَرِيَّةِ: من سَلَك تلك
الطريقةَ بالحَشْوِية، لوجَبَ على الطالب الأَنَفَة لنفسِه، ودَفْعُ ذلك عنه وعن أبناءٍ
جنسِه اهـ. وما أحسَنَ قولَ القائل:
يَجْهَلُ ما يَروِي وما يَكْتُبُ
إنَّ الذي يَروِي ولكنه
تَسقِي الأراضي وهي لا تَشْرَبُ
كصخرةٍ تَنْبُعُ أمْوَاهُها
وليقدِّمْ العنايةَ أولا بمعرفةٍ مصطلحِ أهلِ الحديث، وأحسَنُ كتابٍ أُلِّفَ في
ذلك كتابُ الحافظ أبي عَمْرٍو عثمانَ المعروفِ بابن الصلاح، قال مؤلّفُه في آخِرِ النوعِ
الثامن والعشرين، في معرفة آداب طالب الحديث(٢): ((ثم إنَّ هذا الكتابَ مَدْخَلٌ إلى
هذا الشأن، مُفْصِحٌ عن أصولِهِ وفروعِه، شارحُ لمصطلحاتِ أهلِهِ ومقاصِدهم
(١) وقع في الأصل: (بصفة)، وهو تحريف عن (بضَعَةٍ).
(٢) ص ٢١٥ .