النص المفهرس

صفحات 621-640

٥٦٢
وقد تكلّم العلماء في عِدَّةِ الأحاديثِ التي صَرَّح ابنُ عباس بسماعها من النبي
صلَّى الله عليه وسلّم، فقال الغزالي في ((المستصفَى)): إنها أربعةٌ، وهو قولٌ غَرِيبٍ.
وقد قلَّده في ذلك جماعةٌ. وعن يحيى القطانِ ويحيى بنِ معين وأبي داود صاحبٍ
السُّنَّن أنها تسعةٌ. وذَكَرَ بعضُ المتأخرين أنها دُون العشرين، لكن من طُرُقٍ صِحاح.
وقد اعتنى الحافظُ ابن حجر بجَمْع الصِّحاح والحِسانِ منها، فزادَتْ عنده على
الأربعين(١). وهذا سوى ما هو في حُكم السماعِ كحكاية حضورِ فِعْلِ أَمْرٍ بحضرةٍ
النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
وقد عَقَد ابنُ حزم في كتاب ((الإِحكام))(٢) فَصْلاً يتعَلَّقُ بالمرسَل، فقال فيه : قال
أبو محمد: المرسَلُ من الحديثِ هو الذي سَقَطَ بين أحْدِ رُواتِهِ وبين النبي صلَّى الله
عليه وسلَّم ناقلٌ واحدٌ فصاِداً. وهو المنقطعُ أيضاً. وهو غيرُ مقبول، ولا تَقُومُ به
حُجَّة، لأنه عن مجهول. وقد قدَّمنَا أنَّ من جَهِلنا حالَهُ فَفَرْضٌ علينا التوقُّفُ عن قبولِ
خبرِهِ، وعن قبول شهادتِهِ حتی نَعلمَ حالَه.
وسواءٌ قال الراوي: حدثنا الثقة، أو لم يقل، لا يجبُ أنْ نلتفِتَ إلى ذلك،
إذ قد يكونُ عندَهُ ثقةً من لا يَعلَمُ مِن جَرْحَتِهِ ما يَعلمُ غيرُه، وقد قدَّمنا أنَّ الْجَرْحَ أولَى
من التعديل. وقد وثَّق سفيانُ الثوريُّ جابراً الجُعْفِيَّ، وجابرٌ قد عُرِفَ من حالِه
ما عُرِف، ولكن قد خَفِيَّ أمرُهُ على سفيان، فقال بما ظَهَر منه إليه.
ومرسَلُ سعيدٍ بن المسيَّب ومرسَلُ الحسن البصري وغيرهما سَواءٌ، لا يُؤْخَّذُ منه
شيء. وقد ادَّعى بعضُ من لا يُحصِّلُ ما يقولُ أنَّ الحسَنَ البصريّ كان إذا حدَّثْه
بالحديثِ أربعةٌ من الصحابة أرسله. قال: فهوَ أقوى من المسنَد. قال أبو محمد:
وقائلُ هذا أترَكُ خَلْقِ الله لمرسَل الحسن، وحسبُك بالمرءِ سُقوطاً أن يُضعِّفَ قولاً
يَعْتَقِدُهُ ويَعمَلُ به، ويُقوِّيَ قولاً يَتْرُكُه ويَرِفِضُه.
(١) انظر ذلك مطولاً في ((فتح الباري)) ١١: ٣٣٠ - ٣٣١ من الطبعة البولاقية،
: (٢) ٢:٢ و١٣٥:٢ ..
و ١١ :٣٨٣ من طبعة السلفية.

٥٦٣
وقد كُذِبَ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وهو حي، وقد كان في عصر
الصحابة منافقون ومرتدون، فلا يُقبَلُ حديثٌ قال راوِيه فيه: عن رجلٍ من
الصحابة، أو حدَّثني من صَحِبَ رسولَ الله، حتى يُسمِّيَه ويكونَ معلوماً بالصُّحبةِ
الفاضلة، قال الله عز وجل: ﴿ومن حَوْلَكم من الأعرابِ منافقون ومن أهلِ المدينة
مَرَدُوا على النَّفاق لا / تَعْلَمُهم نحن نَعْلَمُهم سنُعَذِّبُهم مرَّتینِ ثم يُرَدُّون إلى عذابٍ
عظيم﴾ .
/٢٤٧
وقد ارتَدَّ قومٌ ممن صَحِبَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كُعُيَيْنَةَ بنِ حِصن،
والأشعثِ بن قَيْس، وعبدِ الله بن أبي سَرْح. ولقاءُ التابع لرجلٍ من أصاغرِ الصحابة
شَرَفٌ وفخرٌ عظيم، فلأيِّ معنىِّ يَسكُتُ عن تسميتِهِ لو كان ممن ◌ُدَتْ صُحبَتُه.
ولا يخلو سكوتُهُ من أحَدٍ وجهين: إمَّا أنه لم يَعرِف من هو ولا عَرَف صِحَّةً دعواه
الصُحبةَ، أو لأنه كان من بعض من ذکرنا.
حدثنا عبد الله بن يوسف، عن أحمد بن فتح، عن عبد الوهاب بن عيسى،
عن أحمد بن محمد، عن أحمد بن علي، عن مسلم بن الحجاج، حدثنا يحيى بن
يحيى، أنبأنا خالد بن عبد الله، عن عبد الملك، عن عبد الله مَوْلَى أسماءَ بنتِ
أبي بكر الصديق، وكان خالَ وَلَدِ عطاء، قال: أرسلَتْني أسماءُ إلى عبدِ الله بن عمر،
فقالت: بلغني أنك تُحرِّمُ أشياءَ ثلاثة: العَلَمَ في الثوبَ، ومِيْثَرَةَ الأَرْجُوان، وصَوْمَ
رَجَبٍ كلِّهِ، فأنكَرَ ابنُ عمر أن يكون حرَّم شيئاً من ذلك.
فهذه أسماءُ وهي صاحبةٌ من قدماءِ الصحابةِ وذواتِ الفضل منهم، قد حدَّثُها
بالكذِبِ من شَغَل بالها حديثُه عن ابنٍ عُمَرَ حتى استبرأَتْ ذلك، فصَحِّ كَذِبُ ذلك
المخبرِ. فواجبٌ على كل أحدٍ أَن لا يَقبَلَ إلَّ من عُرِف اسمُهُ، وعُرِفَتْ عدالَّتُه
وحفظُه.
قال أبو محمد: والمخالفون لنا في قبولِ المرسَل، هم أترَكُ خلقِ الله للمرسَلِ
إذا خالَفَ مذهبَ صاحبِهِ ورأيَهُ. ولو تتبعنا ما تركوا من الأحاديثِ المرسلةِ لبلَّغَ ذلك

٥٦٤
أزيدَ من ألفينِ، وإنما أوقَعَهم في الأخذِ بالمرسَل أنهم تعلَّقوا بأحاديثَ مُرسَلاتٍ في
بعض مسائلهم، فقالوا فيها بالأخذِ بالمرسَل، ثم تركوه في غير تلك المسائل، وإنما
غَرَضُ القومِ نَصْرُ المسألةِ الحاضرةِ بما أمكّنَ من باطلٍ أو حق، ولا يُبالون بأن يَهْدِمُوا
من ذلك ألفَ مسألةٍ لهم، ثم لا يُبالون بعدَ ذلك بإبطالٍ ما صحّحوه في هذه المسألة
إذا أَخَذُوا في الكلامِ في أخرى. فما أحَدٌ ينصَحُ نفسَهُ يثِقُ بحديثٍ مُرسَلٍ أصلاً.
وقال بعضُ الحفاظ ممن ينحو نحوَ ابنٍ حزم في عدم التقيُّد بقولٍ من الأقوال:
قد تنازَعَ الناسُ في قبولِ المراسيل وفي ردِّها. وأصحُّ الأقوال أنَّ منها المقبولَ، ومنها
المردودَ، ومنها الموقوفَ، فمن عُلِمَ من حالِهِ أنه لا يُرسِلُ إلَّ عن ثقةٍ قُبِلَ مُرسَلُهِ،
ومن عُرِفَ أنه يُرسِلُ عِن الثقةِ وغير الثقة، كان إرسالُه روايةً عمن لا يُعرَفُ حالُه،
فهذا موقوف. وما كان من المراسيل مخالفاً لما رواه الثقاتُ كان مردوداً.
وإذا كان المرسَلُ قد وَرَدَ من وجهينِ، وكان كلٍّ من الراويين قد أَخَذَ العِلْمَ عن
غيرِ شيوخ الآخَرِ، فهذا يدلُّ على صدقِه، فإنَّ من أخبَرَ بمثلِ ما أخبَرَ به الآخَرُ، مع
العلم بأنَّ واحداً منهما لم يستفد ذلك من الآخرَ فإنه يُعلَمُ أنَّ الأمرَ كذلك.
ولنختم هذا المبحثَ بكلامِ الإِمام الشافعي رضي الله عنه(١)، فإِنه إمامُ
الكلام، رَوَى البيهقي في ((المدخل)) عن شيخه الحاكم، عن الأصم، عن الربيع،
عنه أنه قال: المنقطِعُ مختلف: فمن شاهَدَ أصحابَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
من التابعين، فحدَّثَ حديثاً منقطعاً عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم اعتُبِرَ عليه
بأمور: منها أن يُنظَرَ إلى ما أُرسَلَ من الحديث.
:
فإِن شَرِكَهُ فيه الخُفَّاظُ المأمونون، فأسنَدُوه إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم
بمثلٍ معنى ما رَوَى، كانت هذه دلالةً على صحةِ ما قُبِلَ عنه وحَفِظَه .
وإن انفَرَدَ بإسنادٍ حديثٍ لم يَشرَكْهُ فيه من يُسنِدُه، قُبِلَ ما يَنفرِدُ به من ذلك.
(١) وهو في كتاب ((الرسالة)) للإمام الشافعي رضي الله عنه ص ٤٦١. وفي كتاب ((الكفاية))
للخطيب ص ٤٠٥.

٥٦٥
ويُعتَبرُ عليه بأَن يُنظَرَ هل يوافقُه مُرْسِلٌ غيرُهُ ممن قُبِلَ العلم عنه من غير رجالِهِ الذين
قَبِلَ عنهم.
/٢٤٨
فإن وُجِدَ ذلك كانت دلالةً تُقَوِّي له مُرْسَلَه، وهي أضعَفُ من الأُولَى، وإن
لم يُوجّد ذلك نُظِرَ / إلى بعض ما يُروَى عن بعضِ أصحاب النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم قولاً له، فإن وُجِدَ يُوافِقُ ما رَوَى عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، كانَتْ في
هذا دلالةٌ على أنه لم يأخذ مُرسَلَه إلَّ عن أصلٍ إن شاء الله تعالى، وكذلك إن وُجِدَ
عَوَامُ من أهلِ العلم يُفتون بمثلِ معنى ما رَوَى عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
ثم يُعتَبَرُ عليه بأن يكون إذا سَمَّى من رَوَى عنه لم يُسمَّ مجهولاً ولا مرغوباً عن
الرواية عنه، فُيُستَدِلُّ بذلك على صحتِهِ فيما يَروِي عنه(١)، ويكون إذا شَرِكَ أحداً من
الحُفَّاظِ في حديثٍ لم يُخالِفه، فإن خالَفَه ووُجِدَ حديثُه أنقَصَ كانت في هذه دلائلُ على
صحةٍ خْرَجِ حديثِهِ. ومتى خالَفَ ما وَصَفْتُ أضرَّ بحديثِهِ حتى لا يسَعَ أحداً منهم
قبول مرسله .
قال: وإذا وُجِدَتْ الدلائلُ لصحةٍ حديثِهِ بما وصَفْتُ، أحببنا أن نَقبَلَ مُرسَلَهُ،
أرادَ به: اختَرْنا. ولا نَستطيعُ أن نزعُمَ أنَّ الْحُجَّةَ تَثْبُتُ به ثبوتَها بالمتصلِ ، وذلك أن
معنى المنقطِع مُغَيَّب، يَحتمِلُ أن يكون مُلَ عمن يُرغَبُ عن الرواية عنه إذا سُمِّي،
وأنَّ بعضَ المنقطعاتِ وإن وافَقَه مرسَلٌ مثلُه، فقد يَحتمِلُ أن يكونَ خْرَجُهما واحداً من
حديثٍ من لوسُمِّيَ لم يُقبَل. وأنَّ قولَ بعضِ أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم إذا قال برأيِهِ لو وافَقَه، لم يَدُلَّ على صحةٍ تَخْرَجِ الحديث دلالةً قويةً إِذا نُظِرَ
فيها، ويمكنُ أن يكون إنما غَلِطَ به حين سَمِعَ قولَ بعضِ أصحاب رسول الله
يُوافقه، ويَحَتَمِلُ مثلُ هذا فيمن وافَقَه من بعضِ الفقهاء.
قال: فأمَّا مَنْ بعدَ كبارِ التابعين الذين كَثُرَتْ مُشاهدتُهم لبعض أصحاب
النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فلا أعلم أحداً منهم يُقبَلُ مرسَلُه، لأمورٍ أحدُها أنهم أشدُّ
(١) كذا في بعض النسخ، وفي ((الرسالة)): فيما رَوّى عنه.

٥٦٦
تجوُّزاً فيمن يَرْوُون عنْهِ، والآخَرُ أنهم تُوجَدُ عليهم الدلائل فيما أَرسَلُوا بضعفٍ
تَخْرَجِهِ، والآخَرُ كثرةُ الإِحالةِ في الأخبار، وإذا كَثُرَتْ الإِحالةُ كان أمكَنُ للوَهَم
وضعفٍ من يُقبَلُ عنه(١).
ثم إنَّ السقوطَ من السندِ قد يكون واضحاً يشترك في معرفتِهِ کثیرون من أهل
الفن ولا يخفى عليهم، وذلك في مِثلِ ما إذا كان الراوي لم يُعاصر من رَوَى عنه،
وقد يكون خفياً لا يُدرِكُه إلَّ الأئمةُ الحُذَّاقُ الطَّلِعون على طُرقِ الأحاديثَ وعِلَّل
الأسانيد، والأولُ يُدرَكُ بمعرفةِ التاريخ، لتضمُّنِهِ التعريفَ بأوقاتِ مواليدِ الرواة
ووَفَيَاتِهِم وطَلَبِهِم وارتحالِهِم وغير ذلك. وقد ادَّعَى أُناسٌ الروايةً عن شيوخ أَظهَرَ
التاريخُ كذِبَ دعواهم فيها، ولذَا عُنِيَ المحدِّثون بالتاريخ كثيراً.
ويقالُ للإِسنادِ الذي يكونُ السقوطُ فيه واضحاً: المرسَلُ الجَلِيُّ، وللإستَادِ
الذي يكونُ السقوطُ فيه خَفِيًَّ: المُدَلَّسُ، بالفتحِ إن كان الإسقاطُ صادراً ممن عُرِفَ
لقاؤه لمن رَوَى عنه، والمرسَلُ الخفِيُّ إن كان الإِسقاطُ صادراً ممن عُرِفَ مُعاصَرَتُه له
ولم يُعرَف أنه لَقِيَه، وهذا على قولٍ من فرَّقَ بينهما وجعَلَهما متباينينٍ، وأمَّ من جعَلَ
المرسَلَ الخفيَّ داخلاً في المدلِّس، فإنه يُعرِّفُ المدلَّسَ بأنه هو الإِسنادُ الذي يكون
السقوطُ فيه خَفِيّاً.
ويقالُ لهذا النوع من التدليس: تدليسُ الإِسناد. وثَمَّ نوعٌ آخَرُ يقالُ له :
تدليسُ الشيوخ.
أما تدليسُ الإِسنادِ فهو أن يُسقِطَّ اسمَ شيخِهِ الذي رَوَى عنه، وبَرتَقِيَ إلى من
فَوْقَهُ، فيُسنِدَ ذلك إليه بلفظٍ غير مقتَضٍ للاتصالِ، ولكنه مُوهِمٌ له، كقوله: عن
فلان، أو أنَّ فلاناً، أو قال فلان،َ مُوهِماً بذلك أنه سَمِعَه ممن رواه عنه .
وإنما يكونُ تدليساً إذا كان المدلِّسُ قد عاصَرَ المرويِّ عنه أو لَقِيَه، ولم يَسمع
(١) هنا انتهى كلام الإمام الشافعي، من ((الرسالة)) وعند الخطيب في ((الكفاية)).

٥٦٧
منه، أو سَمِعَ منه ولم يَسمع منه ذلك الحديثَ الذي دلَّسَهُ عنه. أمَّا إذا رَوَى عمن
لم يُدرِكِه بلفظٍ مُؤْهِمٍ ، فإنَّ ذلك ليس بتدليسٍ على الصحيحِ المشهور. وحَكَى ابنُ
عبد البر في ((التمهيد))(١) عن قوم أنه تدليسٌ، فجعَلُوا التدليسَ أن يُحدِّثَ / الرجلُ
عن الرجلِ بما لم يَسمعه منه، بلفظٍ لا يقتَضِي تصريحاً بالسماع. قال: وعلى هذا
فما سَلِمَ من التدليس أحد.
/ ٢٤٩
وقد أكثَرَ العلماءُ من ذَمِّ التدليسِ والتنفير منه، والزجرِ عنه، قال شعبة:
التدليسُ أخو الكذب. وقال وكيع: الثوبُ لا يَجِلُّ تدليسُه فكيف الحديث؟ وقال
بعضُهم: المدلِّسُ داخلٌ في قولِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: من غَشَّنَا فليس مِنَّا.
لأنه يُوهم السامِعِين أنَّ حديثَه مُتَّصِلٌ، وفيهِ انقطاع. هذا إنْ دَّسَ عن ثقة، فإن كان
ضعيفاً فقد خان اللَّهَ ورسولَه، وهو كما قال بعضُ الأئمة: حرامٌ إجماعاً.
وقد اختُلِفَ في قبولٍ رواية من عُرِفَ بالتدليس، فقال فريقٌ من أهلِ الحديثِ
والفقهاءِ: لا تُقْبَلُ روايةُ المدلِّسُ بحالٍ بينَ السماعَ أولم يُبيِّن. والتدليسُ مما يقتضي
الجرحَ عندهم.
والمشهورُ التفصيلُ، وهو أنَّ ما رواه المدلِّس بلفظٍ محتمِل لم يُبيِّن فيه السماعَ
والاتصالَ فحكمُهُ حكمُ المرسَلِ وأنواعِه، وما رواه بلفظٍ يُبيِّن الاتصالَ نحوُ سَمِعتُ
وحدَّثنا وأخبرنا وأشباهِها، فهو مقبول محتَجُ به. وفي الصحيحين وغيرهما من الكتبِ
المعتبرةِ من حديثٍ هذا الضَّرْبِ كثيرٌ جداً، كقتادة والأعمش والسفيانينِ وهُشَيم بن
بَشِير وغيرهم. وهذا لأنَّ التدليسَ ليس كذِباً، وإنما هو ضَرْبٌ من الإِيهامِ بلفظٍ
مُحتمِل، وَالحُكمُ أنه لا يُقبَلُ من المدلِّس حتى يُبِينٍّ.
وأما تدليسُ الشيوخ فهو أن يَروِيَ عن شيخٍ حديثاً سَمِعَهُ منه، فيُسمِّيَه
أو يَكْنِيَهُ أو يَنْسُبَهُ أو يَصِفَهُ بما لا يُعرَفُ به كي لا يُعرَف.
(١) ١ : ١٥.

٥٦٨
ومثالُه قولُ أبي بكر بنِ مجاهد أحَدِ أئمة القراء: حدثنا عبدُ الله بنُ
أبي عبد الله، يُريدُ به عبدَ اللهِ بنَ أبي داود السُّجِسْتاني. وفيه تضييعٌ للمرويِّ عنه،
وتوعيرٌ لطريقٍ معرفتِهِ على من يَطلُبُ الوقوفَ على حالِهِ وأهليتِه.
وهو مكروه. وتختَلِفُ الحالُ في كراهة ذلك باختلافِ الغَرَضِ الحاملِ عليهِ،
فقد يَحمِلُه على ذلك كونُ شيخِهِ الذي غيَّرَ سِمَتَهُ غيرَ ثقة، أو كونُهُ متأخِّرَ الوفاةِ قِد
شاركَهُ في السماعِ منه من هو دُونَه، أو كونُهُ أَصغَرَ سِنَّاً من الراوي عنه، أو كونُهُ كَثِيرَ
الروايةِ عنه، فُيُحِبُّ ـ إِيهاماً لكثرة الشيوخ - أن يُعَرِّفَه في موضعٍ بِصفةٍ، وفي
موضعٍ آخر بصفةٍ أخرى، ليُوهِم أنه غيرُه. وقد كان الخطيبُ لهِجاً بذلك في تصانيفه.
1
قال ابن الصباغ في «العُدَّة)): من فَعَل ذلك لكونٍ من رَوَى عنه غيرَ ثقةٍ عنْدَ
الناس، وإنما أراد أن يُغيِّر اسمَه لِيَقْبِلُوا خبرَهُ، يَجِبُ أن لا يُقْبَلَ خبرُهُ. وإن كان هو
يَعتقِدُ فيه الثقةَ فقد يَغْلَطُ في ذلك، لجوازٍ أن يَعرِفَ غيرُهُ مِن جَرْحِهِ ما لا يَعرِفُه هو.
وإن كان لِصِغَرِ سِنِّهِ فيكونُ ذلك(١) روايةً عن مجهول، فلا يَجِبُ قبولُ خبرِهِ حتى
يُعرَفَ من رَوَى عِنه.
وأما تدليسُ التُّسْوِيَة فإنه داخل في تدليس الإِسناد. وجعَلَه بعضُهم قِسَماً
مستقلاً بنفسِه، فقَسَم التدليسّ إلى ثلاثة أقسام: تدليسِ الإِسناد، وتدلیسِ
الشيوخ، وتدليس التسوية.
وتدليسُ التسوية هو أن يُسقِطَ ضعيفاً بين ثِقْتَينِ، وصُورَتُه أن يَروِيَ حديثاً عن
شيخٍ ثقة، وذلك الثقةُ يروِيه عن ضعيفٍ، عن ثقة، فيأتي المدلَّسُ الذي سَمِعَ
الحديثَ من الثقةِ الأول فيُسقِطَ الضعيفَ الذي في السند، ويَجعَلَ الحديثَ عن شيخِهِ
الثقة، عن الثقةِ الثاني، بلفظٍ مُحتمِلِ، فَيَصِيرُ السندُ كلُّه ثقات.
(١) وقع في الأصل (يكون ذلك)، وهو في ((شرح العراقي على الألفية)) ١٨٨:١
(فيكون)، وهو الصواب.

٥٦٩
وهذا شَرُّ أقسام التدليس، لأنَّ فاعلَ ذلك قد لا يكونُ معروفاً بالتدليس،
ويَجِدُه الواقفُ على السندِ كذلك بعدَ التسويةِ قد رواه عن ثقةٍ آخَرَ، فَيَحكُمُ له
بالصحة، وفي ذلك من التدليس في الحديث ما لا يخفى. وهو قادحٌ فيمن فَعَله
عَمْداً.
وقد سَمَّى ابنُ القطان هذا النوعَ بالتسويةِ، بدون لفظِ التدليس، فيقول:
سَوَّاه فلان، وهذه تَسْوِيَة. / والقُدَماءُ يُسمّونه تجويداً، فيقولون: جَوَّده فلان، أي / ٢٥٠
ذَكَر من فيه مِن الجيادِ وتَرَك غيرهم.
وقال بعضُ العلماء: التحقيقُ أن يقال: متى قيل: تدليسُ التسويةِ، فلا بد أن
يكون كلٌّ من الثقاتِ الذين حُذِفَتْ بينهم الوسائطُ في ذلك الإِسنادِ قد اجتمع بشيخِ
شيخِه. وإن قيل: تَسْوِيَةٌ، بدون تدليس، لم يُحتَج إلى اجتماع أَحَدٍ منهم بمن فوقَه .
وقد وَقَع في هذا بعضُ الأئمة، فإنه رَوَى عن ثور، عن ابن عباس. وثورٌ لم يلقه،
وإنما رَوَى عن عكرمة، عنه، فأسقَطَ عكرمةً لأنه غيرُ حُجَّةٍ عنده.
وأما المرسَلُ الخفيُّ فهو ما كان الإِسقاطُ فيه صادراً ممن عُرِفَ مُعاصَرَتُه لمن
رَوَى عنه، ولم يُعرَف لقاؤه له. وقد عَرفتَ أنَّ بعض العلماء يُفرَّقُ بينه وبين المدلَّس،
وبعضُهم تجعلُه داخلا فيه.
ومن فرَّقَ بينهما الحافظُ ابنُ حجر، حيث قال: والفَرقُ بين المدلَّسِ والمرسَلِ
الخَفِيِّ دقيقٌ، حَصَلَ تحريرُه بما ذُكِرَ هنا، وهو أنَّ التدليس يَخْتَصُ بمن رَوَى عمن
عُرِفَ لقاؤه إياه، فأمَّا إن عاصَرَه ولم يُعرَف أنه لَقِيَه فهو المرسَلُ الخفيُّ. ومن أدخَلَ في
تعريفِ التدليسِ الْمُعاصرةَ ولو بغير لُقِيٍّ لَزِمَهُ دخولُ المرسَلِ الخفيِّ في تعريفه،
والصوابُ التفرقةُ بينهما .
ويَدِلُّ على أنَّ اعتبارَ اللُّقِيِّ في التدليس دُونَ المعاصَرةِ وَحْدَها: إطباقُ أهلِ
العلم بالحديثِ على أنَّ روايةَ الْمُخَضْرَمِين كأبي عثمان النَّهدي، وقيس بن أبي حازم، عن
النبي ◌َ﴿ من قَبِيلِ الإِرسالِ، لا من قَبِيلِ التدليس، ولو كان مُجرَّدُ المعاصَرَةِ يُكْتَفَى

.
٥٧٠
به في التدليس، لكان هؤلاء مدِّسين، لأنهم عاصَرُوا النبيَّ صلَّى الله عليه وسلّم
ولكن لم يُعرَف هل لَّقُوهُ أم لا؟
وممن قال باشتراطِ اللقاءِ في التدليسِ الإِمامُ الشافعيُّ وأبو بكرٍ البزَّارُ .. وكلامُ
الخطيب في ((الكفاية)) يَقتَضِيه، وهو المعتَمَدُ. ويُعرَفُ عَدَمُ الملاقاةِ بإخبارِه عن نفسه
بذلك، أو بجزمِ إمامٍ مُطَلِعٍ ، ولا يَكفِي أن يَقَع في بعضِ الطرق زيادةُ راٍ بينهما،
لاحتمالٍ أن يكونَ مِن الَزِيد، ولا يُحكَمُ في هذه الصورةِ بحُكمٍ كُلِيّ لتعارُضِ.
احتمالِ الاتصالِ والانقطاع.
وقد صَنَّفَ فيه الخطيبُ كتابَ ((التفصيل لمبهَم المراسيل))، وكتابَ ((الَزِيد في
متَّصِل الأسانيد)). اهـزّ
وقد نُوقِشَ فيما ذَكَرٍ بأنَّ الْمُخَضْرَمِين إنما لم يَعُدُّوا إرسالهم من قَبِيلِ التدليس،
لأنه من قبيلِ الإِرسالِ الجَليّ، وذلك لأنَّ المخضرَم هو من عُرِفَ عَدَمُ لقائِهِ النبي
صلَّى الله عليه وسلّم، لا: مَنْ لم يُعرَف أنه لقِيَه وبينهما فَرْق.
وليس المرادُ بالمرسَل هنا المرسَلَ بالمعنى المشهور، وهو ما سَقَط مِن سبْدِهِ
الصحابيُّ، بل المرادُ به ما يكون فيه مُطلَقُ الانقطاع.
وقال الخطيب في ((الكفاية))(١): التدليسُ هو تدليسُ الحديثِ الذي لم يَسمَعه
الراوي ممن دلَّسَه عنه، بروايتِهِ إياه على وجهٍ - يُوهِمُ - أنه سَمِعَه منه، ويَعِدِلُ عِن
البيان لذلك.
قال: ولو أنه بَيْنٌّ أنه لم يَسمعه من الشيخ الذي دلَّسَه عنه، وكشَفَ عن ذلك،
الصار بَيَانِهِ مُرسِلًا للحديثِ غيرَ مدلِّسٍ فيه، لأنَّ الإِرسالَ للحديثِ ليس بإيهامٍ من
المرسِلِ كونَّهُ سامِعاً ممن لم يسمع منه، ومُلاقِياً لمن لم يَلْقَه، إلَّ أنَّ التدليسَ الذي
ذكرناه متضمِّنُ الإِرسالَ لا مَحَالةَ، لإِمساكِ المدلِّس عن ذكرِ الواسطةِ، وإنما يُفَارِقُ
حالَ المرسِلِ بإيهامِه السماعَ ممن لم يَسمعه فقط، وهو الموهِنُ لأمرِهِ، فوجَبَ كونُ
(١) ص ٣٥٧.
:

٥٧١
التدليس متضمِّناً للإِرسال، والإِرسالُ لا يتضمَّنُ التدليسَ، لأنه يقتضي إيهامَ السماع
ممن لم يَسمع منه، ولهذا لم يَذُمَّ العلماءُ من أرسَلَ وذَعُّوا من دَلَّس.
وقالَ ابنُ عبد البر في ((التمهيد))(١): التدليسُ عند جماعتِهم اتفاقاً هو: أن
يَروِي عمن لَقِيَهُ وسَمِعَ منه وحَدَّثَ عنه بِما لم يَسمعه منه، وإنما سَمِعَه من غيرِهِ عنه
/ ممن يَرضى حالَه أو لا يَرضى، على أنَّ الأغلَبَ في ذلك أنه لو كانت حالُه مَرْضِيَّةً
لذَكَرَهُ، وقد يكون لأنه استصغَرَه. قالَ: وأما حديثُ الرجل عمن لم يَلْقَه کمالكٍ عن
سعيد بن المسيّب، والثوريِّ عن إبراهيم النَّخَعِي، فاختلفُوا فيه:
/ ٢٥١
فقالت فرقةٌ: إنه تدليسٌ، لأنهما لو شاءَا لسَمَّيَا من حَدَّثهما، كما فَعَلا في الكثير
مما بلغهما عنهما.
وقالت طائفةٌ من أهل الحديث: إِنما هو إرسال، قالوا: فكما جاز أن يُرسِلَ
سعيدٌ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم وعن أبي بكر وعمر، وهو لم يَسمع منهم،
ولم يُسمِّ أحَدٌ من أهل العلم ذلك تدليساً، كذلك مالكٌ عن سعيد.
قالَ: ولئن كان هذا تدليساً، فما أعلَمُ أحداً من العلماء قديماً ولا حديثاً سَلِمَ
منه إلاّ شعبةَ والقطانَ، فإنهما ليس يُوجَد لهما شيء من هذا، لا سيما شعبة. اهـ.
وفي كلامِهِ ما يُشير إلى الفرقِ بين التدليسِ والإِرسال الخفيِّ والجليِّ، لإدراكِ
مالكٍ لسعيدٍ في الجملة، وعدمِ إدراكِ الثوري للنَّخَعِي أصلاً، ولكنه لم يَتعرَّض
لتخصيصِهِ بالثقة، فتخصيصُه بها في موضعٍ آخَرَ من ((تمهيده)) اقتصارٌ على الجائزِ
منه. وقد صَرَّح في موضعٍ آخَرَ منه بذَمِّهِ في غير الثقة، فقال: ولا یکون ذلك عندهم
إلَّ عن ثقة، فإنْ دلَّس عن غير ثقة فهو تدليسٌ مذموم عند جماعة من أهل الحديث،
وكذلك إن حدَّث عمن لم يَسمع منه فقد جاوَزَ حدَّ التدليس الذي رَخَّصَ فيه من
رَخَّصَ من العلماء إلى ما يُنكِرُونه ويذمونه ولا يحمدونه.
وقد سَبَقَّه إلى ذلك يعقوب بن شيبة كما حكاه الخطيب عنه. وهو - مع قولِهِ في
(١) ١ : ١٥.

٥٧٢
موضع آخر: إنه إذا وَقَع فيمن لم يَلْقَه أُقْبَحُ وأَسمَجُ - يقتضِي أنَّ الإِرسالَ أَشْدُّ
بخلاف قوله الأول فإنه مشعِرٌ بكونِه أخف، فكأنه هنا عَنَى الإِرسالَ الخفيَّ لما فيه من
إبهامِ اللُّقِيِّ والسماعِ معاً، وهناك الجَليَّ، لعدمِ الالتباسِ فيه، لا سيما بعدَ أن
صَرَّحَ بأنَّ الإِرسال قد يَبعَثُ عليه أمورٌ لَا تَضِيرُهُ: كأن يكونَ سَمِعَ الخبرَ من جماعةٍ
عن المرسَل عنه بحیث صَحَّ عنده ووَقَرَ في نفسِهِ، أو نَسِي شیخَه فيه مع علمه به عن
المرسَل عنه، أو كان أَخْذُهُ له مذاكرةً، أو لمعرفةِ المتخاطِبِين بذلك الحديثِ واشتهارِهِ
بينهم، أو لغير ذلك مما هو في معناه.
وقد تعرَّض ابنُ حزم لذكرِ التدليس في كتاب ((الإِحكام))، فقال في فَصْلٍ من
يَلزَمُ قبولُ نقِلِهِ الأخبار (١): وأما المدلِّسُ فينقسِمُ قسمين:
أحدُهما حافظٌ عَدْلٌ، ربما أَرسَلَ حديثه، وربما أسنَدَه، وربما حَدَّثَ به على
سبيلِ المذاكرةِ، أو الفُنْيًّا، أو المناظرة، فلم يَذكر له سَنَداً، وربما اقتَصَرَ على ذكرٍ
بعضِ رُواتِه دون بعض، فهذا لا يَضُرُّ سائرَ رواياتِه شيئاً، لأنَّ هذا ليس جَرْحةً
ولا غَفْلة، لكنا نتركُ من حديثِهِ ما عَلِمنا يقيناً أنه أرسَلَه، وما عَلِمنا أنه أسقَطَ بعضُ
من في إسناده، ونأخُذُ من حديثِهِ ما لم نُوقِن فيه شيئاً من ذلك. وسواءٌ قال: أخبرنا
فلان، أو قال: عن فلان، أو قال: فلانٌ عن فلان، كلُّ ذلك واجبٌ قبولُهُ ما لم يُتَقَّنَ
أنه أورَدَ حديثاً بعينه إيراداً غيرَ مسنَد، فإن أيقنًّا ذلك تركنا ذلك الحديثَ وحدّه فقط ،
وأخذنا سائر روایاتِه.
وقد روينا عن عبد الرزاق بن هَمَّام قال: كان مَعْمَرٌ یُرسِل لنا أحادیثَ، فلما
قَدِمَ عليه عبدُ الله بن المبارك أسنَدَها له. وهذا النوعُ منه(٢) كان جِلَّةُ أصحابٍ
الحديثِ وأئمةِ المسلمين كالحسنِ البصري، وأبي إسحاق السَّبِيعي، وقتادةَ بنِ دِعامة،
وعَمْرِوبن دينار، وسليمانَ الأعمشِ، وأبي الزبير، وسفيان الثوري، وسفيان بن
(١) ١: ١٤٢، و١٢٩:١.
(٢) في الأصل: منهم. والتصويب من الطبعة الثانية من ((الإحكام)).

٥٧٣
عيينة. وقد أدخَلَ عليّ بن عُمَرَ الدارقطنيُّ فيهم: مالك بن أنس، ولم يكن كذلك،
ولا يُوجَد له هذا إلَّ في قليلٍ من حديثِهِ أرسلَه مرةً وأسنده أخرى.
/٢٥٢
وقسمٌ / آخَرُ قد صَحَّ عنهم إسقاطُ من لا خيرَ فيه من أسانيدِهم عَمْداً، وضَمُّ
القوِيِّ إلى القويِّ تلبيساً على من يُحدِّثُ، وغُروراً لمن يأخذُ عنه، ونصراً لما يُريدُ تأييدَه
من الأقوال، مما لو سَمَّى من سَكَت عن ذكرِهِ لكان ذلك علةً أو مَرْضاً في الحديث.
فهذا رجلٌ مجروح، وهذا فسقٌ ظاهر، واجبٌ اطّراحُ جميع حديثه، صَحَّ أنه
دلَّس فيه أو لم يصَحَّ أنه دلَّس فيه، وسواءٌ قال: سمعتُ أو أخبرنا أو لم يقل، كلُّ ذلك
مردودٌ غيرُ مقبول، لأنه ساقطُ العدالةِ غاشِّ لأهل الإِسلام، باستجازته ما ذكرناه،
ومن هذا النوع كان الحَسَنُ بن عُمَارة، وشَرِيك بن عبد الله القاضي، وغيرُهما.
قال علي: ومن صَحَّ أنه قَبِلَ التلقينَ ولو مرةً سَقَط حديثُه كلُّه، لأنه لم يتفقه
في دين الله عز وجل، ولا حَفِظَ ما سَمِع وقد قال عليه الصلاة والسلام: نَضَّر الله
امرَأَ سَمِعَ منا حديثاً فحفِظَه حتى بَلَّغه غيرَه. فإِنما أَمَرَ عليه الصلاة والسلام بقبولِ
تبليغ الحافظ .
والتلقينُ هو أن يقول له القائل: حدَّثك فلانٌ بكذا ويُسمِّي له من شاء، من
غير أن يَسمعَه منه، فيقولَ: نعم. فهذا لا يخلو من أحدٍ وجهين ولا بُدَّ من أحدِهما
ضرورةً إِمَّا أن يكونَ فاسقاً يُحدِّثُ بما لم يَسمع، أو يكونَ من الغفلةِ بحيث يكونُ
ذاهِلَ العقل مدخولَ الذهن. ومثلُ هذا لا يُلتَفَتُ إليه، لأنه ليس من ذوي الألباب،
ومن هذا النوع كان سِمَاكُ بن حَرْب أخبَرَ بأنه شاهَدَ ذلك منه شعبةُ الإِمامُ
الرئيسُ بنُ الحَجَّاجِ(١).
وأما النوعُ الثاني وهو الحديثُ الضعيفُ الذي يكون مُوجِبُ الردِّ فيه وجودَ أمرٍ
(١) لم يتعرض المؤلف هنا لشرح المعضل والمنقطع، اكتفاء بشرحهما في ص ٤٠١
و ٤٠٥.

٥٧٤
في الراوي يُوجِبُ طعناً فيه، فهو أقسامٌ يُعرَفُ اسمُ كلِّ قسمٍ منها ورَسْمُه مما نذكره
الآن .
وهو أنَّ الحديثَ الضعيفَ، إن كان مُوجِبُ الردِّ فيه كذِبَ الراوي في الحدیثِ
فهو الموضوع.
وإن كان تهمتَهُ بالكذب فيه فهو المتروك.
وإن كان فُحْشَ غلطِهِ أو كثرةَ غفلتِهِ أو ظهورَ فسقِه فهو المنكّر.
وإن كان وَهَمَهُ فُهو المعلَّل.
وإن كان مخالفَتَهُ للثقاتِ فإن كانت المخالَفَةَ بالإِدراج فيه فهو المُذْرَجِ.
وإن كانت بالتقديم والتأخير فهو المقلوب.
وإن كانت بالإِبدالِ فيه مع التدافع حيث لا مُرَجِّحَ فهو المضطرب.
وإن كانت بتغيير الحروفِ مع بقاءِ صُورةِ الخطِّ، فإن كان التغييرُ بالنسبة إلى
النَّقْطِ فهو المُصحَّف.
وإن كان بالنسبة إلى الشكل فهو المحرَّف.
زيادةٌ بَسْط
الموضوعُ هو الحديثُ المكذوبُ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم، سواء كان
عمداً أم خطأ.
والمتروكُ هو الحديثُ الذي ينفرِدُ بروايتِه من يُتَّهِمُ بالكذبِ في الحديث.
ويَدْخُلُ فيه من عُرِفَ بالكذب في غير الحديث، وإن لم يَظهر كذِبُه في الحديث. وذلك
لأنَّ التساهُلَ في غيرِ الحديث قد يَجُرُّ إلى التساهل في الحديث.
قال بعضُ علماء الأصول: من تشدَّدَ في الحديثِ وتساهَلَ في غيره، فالأصحُّ أنَّ
روايتَهُ تُرَدُّ، لأنَّ الظاهرَ أنه إنما تشدَّدَ في الحديثِ لغرضٍ ، وإلَّ لَزِمَ تشدُّدُه مطلقاً،
.. -.

٥٧٥
وقد يَتغيَّرُ ذلك الغَرَضُ، أو يَحَصُلُ بدون تشدُّد فيكذِب. وقال بعضُهم: يُرَدُّ خبرُ من
عُرِفَ بالتساهل في الحديثِ النبوي، دون المتساهلِ في حديثه عن نفسِه وأمثالِهِ
وما لیس بحكمٍ في الدین. اهـ.
وينبغي أن يكون محلُّ الخلافِ بين من يَرُدُّ حديثَه وبين من لا يَرُدُّهُ في الكذِبِ الذي
لا يُفضي إلى الخروج عن العدالة، وأما الكذِبُ الذي يُفضي إلى الخروج عن العدالة
ولو لم يكن فيه / إلَّ خَرْمُ الْمُرُوءِ فلا خلافَ في تركِ حديثِ المعروفِ به عندهم.
/٢٥٣
وأما المطروحُ فقد جعَلَه بعضُهم نوعاً مستقلاً، وعرَّفه بأنه هو ما نَزَلَ عن
الضعيفِ وارتَفَع عن الموضوع، ومَثَّلَ له بحديثٍ جُوَيْبِرٍ، عن الضحاك، عن
ابن عباس. وقد أدَّى نظرُ بعضِهم إلى أنه هو الحديثُ المتروكُ المعرَّفُ هنا، فيكون
هذا القسم مما له اسمانٍ .
والمنكَرُ هو الحديثُ الذي يَنفرِدُ بروايته من فَحُشَ غَلَطُه، أو كَثُرَتْ غفلتُه،
أو تبيَّنَ فِسقُه بغير الكذب. وهذا على رأي من لا يَشترط في المنكَرِ مُخْالفَةً راوِيه
للثقات، وقد سَبَقَ بيانُ المنكَرِ على قولهم(١).
والمعلَّلُ هو ما اطُّلِعَ فيه بَعْدَ البحثِ والتَبُّع على وَهَمٍ وقع لراويه من وصلِ
منقطعٍ، أو إدخال حديثٍ في حديثٍ، أو نحو ذلك.
والمُدْرَجُ هو ما أُدرِجَ في الحديث مما ليس منه على وجهٍ يُوهِمُ أنه منه. والإِدراجُ
قد یکونُ في المتن، وقد یکون في الإِسناد.
مثالُ الإِدراج في المتن ما رُوِيَ عن عبد الله بن مسعود أنَّ رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم علَّمه التشهدَ، فقال: قل: التحيّاتُ لله والصلواتُ، فَذَكَرَ التشهدَ إلى
آخره، وهو أشهَدُ أنْ لا إلَه إِلَّ الله، وأشهَدُ أنَّ محمداً رسولُ الله. وذَكَرَ بعدَه : فإذا
قلتَ هذا، فقد قَضَيتَ صلاتَك، إن شئتَ أن تقومَ فقُمْ، وإن شِئتَ أن تقعُدَ فاقْعُد.
(١) في ص ٥١٥ وما بعدها.
!
٠
١

٥٧٦
فقولُه: فإذا قلتَ هذا إلى آخِرِه، إنما هو من كلام ابن مسعود، أُدرِجَ في
الحديث، ويَدُّ على الإِدراج ما جاء في الرواية الأخرى، وهو: قال عبدُ الله: فإذا
قلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتَك.
ومثالُ الإِدراج في الإِسنادِ ما رواه الترمذي عن بُنْدَار، عن عبد الرحمن بن
مَهْدي، عن سفيان الثوري، عن واصِلٍ ومنصورٍ والأعمش ، عن أبي وائلٍ، عن
عَمْرِو بن شُرَحْبِيل، عن عَبْدِ الله، قال: قلتُ يا رسول الله، أيُّ الذنبِ أعظَمُ؟
قال: أن تَجَعَلَ لله نِدّاً وهو خَلَقَك، الحديث.
فروايةُ واصلٍ هذه مُدْرَجَةٌ على رواية منصورٍ والأعمش، لأنَّ واصلًا لا يَذْكُرُ
فیه عَمْراً بل يجعلُه عن أبي وائل، عن عبد الله، هكذا رواه شعبةُ ومهديُّ بن ميمون
ومالكُ بن مِغول وسعيدُ بن مسروق، عن واصلٍ .
وقد بينَّ الإِسنادِينِ معاً يحيى بنُ سعيد القطانُ في روايتِهِ عن سفيان، وفَصِّل
أحدهما من الآخر، رواه البخاري في صحيحه: عن عَمْرٍو بن علي، عن يحيى، عن
سفيان، عن منصورٍ والأعمشِ كلاهما، عن أبي وائل، عن عمرو، عن عبد الله،
وعن سفيان، عن واصل، عن أبي وائل، عن عبد الله، من غير ذكر عَمْروبن
شُرَحْبِيل. قال عَمْرو بن علي: فذكرتُهُ لعبدِ الرحمن وكان حَدَّثَنا عن سفيان، عن
الأعمشِ ومنصورٍ وواصلٍ، عن أبي وائل، عن عَمْرو، فقال: دَعْه، دَعْه .:
لكن رواه النسائي عن بُنْدَار، عن ابن مهدي، عن سفيان، عن واصل
وحدّه، عن أبي وائل، عن عَمْرٍو بن شُرَحْبِيل. فزاد في السند عَمْراً من غير ذكرِ أحدٍ
أَدرَجَ علیه روایةً واصل.
فكأنَّ ابنَ مهدي لَّا جَدَّث به عن سفيان، عن منصورٍ والأعمشِ وواصلٍ
بإسنادٍ واحد، ظَنَّ الرواةُ عن ابنِ مهدي اتفاقَ طُرُقِهم، فاقتَصَر بعضُهم على بعضِ
شيوخ سفيان، ولهذا قالوا: لا ينبغي لمن يَروِي حديثاً بسَنَّدٍ فيه جماعةٌ في طبقةٍ واحدةٍ
مجتمعین في الرواية عن شیخٍ واحد: أن تجذِفَ بعضهم، بل يأتيّ به عن جميعهم،

٥٧٧
الاحتمالٍ أن يكونَ اللفظُ في السندِ أو المتن لأحدِهم، وتكونَ روايةُ من عَدَاهُ محمولةً
عليه، فإذا حَذَف أحدهم فربما كان هو صاحبَ ذلك اللفظ.
وقد عَرَّفَ بعضُهم المُدْرَجَ في المتن بقوله: هو زيادةٌ تَقَعُ فيه. والأولى أن يُزادَ:
وليسَتْ منه، وعرَّفه بعضُهم بقوله: هو المُلْحَقُ بالحديثِ من قولِ بعضِ رُواتِه. وقد
ذكرنا كثيراً / مما يتعلَّق بالمدرج فيما سَبَق(١).
/٢٥٤
والمقلوبُ هو ما وقعَتْ المخالفَةُ فيه بالتقديم والتأخير. وذلك كما في حديثٍ
أبي هريرة عند مسلم في السَّبْعَةِ الذين يُظلُّهم الله تحتَ ظِلِّ عَرْشِه. فإِنَّ فيه: وَرَجُلٌ
تَصَدَّقَ بصدقةٍ أَخْفَاها حتى لا تَعلّمَ يَجِيْنُه ما تُنفِقَ شِمالُه. فهذا مما انقلَبَ على أحدٍ
الرواة، وإنما هو حتى لا تَعْلَمَ شِمالُه ما تُنفِقُ بِينُه، كما ورد في البخاري وفي مسلمٍ في
بعضِ طُرُقِهِ، فعكَسَ الراوي الذي انقلَبَ عليه الأمرُ فجعَلَ اليمينَ في موضع
الشّمال، والشِّمَالَ في موضع اليمين.
وقد دلَّ على القلبِ أمرانٍ: أحدُهما الروايةُ الأخرى التي اتَّفَق عليها الشيخان.
والثاني ما يقتَضِيه وَجْهُ الكلام، لأنَّ المعروفَ صُدُورُ الإِنفاق في أغلَبِ الأحيان عن
اليمين، وهذا النوع من قَبِيلِ القَلْبِ في المتن، وهو قليل. والغالبُ في القَلْبِ أن
یکون في الإِسناد.
ومن أمثلة القَلْبِ في المتن ما رواه خُبَيبُ بن عبد الرحمن(٢)، عن عَمَّتِه أُنَيْسَة
مرفوعاً: إذا أذَّن ابنُ أمِّ مكتوم فكُلُوا وَاشْرَبُوا، وإذا أدَّنَ بلالٌ فلا تأكلوا ولا تشربوا.
رواه أحمد وابنُ خُزيمة وابن حبان في صحيحيهما. وهو مقلوب، فإنَّ المشهورَ المرويَّ
في الصحاح أنَّ بلالاً يُؤذِّنُ بليلٍ، فكُلُوا واشربوا حتى يُؤَذِّنُ ابنُ أمِّ مكتوم .
(١) في ص ٤٠٨ وما بعدها.
(٢) وقع في الأصل: (حبيب) أي بالحاء المهلمة. وهو تحريف عن (خُبَيْب) بالخاء المعجمة
مصغراً، كما في غير كتاب.

۔
٠٠
٥٧٨
ويؤيِّدُ ذلك ما جاء في بعض الرواياتِ: أنَّ ابنَ أمِّ مكتوم وكان أعمى،
لا يُؤذِّنُ حتى يُقالَ له : أصبحتَ أصبحتَ.
وقد ◌َع ابنُ خزيمة بينهما فجوَّز أن يكونَ النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم جَعَلَ
أذانَ الليلِ نُوَباً بينهما، فجاء الخبرَانِ على حسَبِ الحالینِ، وتابَعَه ابن حبان علیه، بل
بالَغَ حتِى جَزَمَ بذلك.
وقال البُلْقِيني: إنه بعيدٌ، ولو فَتَحْنا بابَ التأويل لاندفعَ كثيرٌ مِن عِلَل
المحدِّثين. قالَ: ويُمكِنُ أن يُسمَّى ذلك بالمعكوس، فيُفرَدَ بنوعٍ ، ولم أرَ من تعرَّض
لذلك.
ومن أمثلةِ ذَلِك ما رواه الطبراني من حديث أبي هريرة: إذا أمرتكم بشيء
فَأَتَوَّهُ، وإذا نَهْتكم عن شيء فاجتنبوهُ ما استطعتُم، فإنَّ المعروفَ ما في الصحيحين:
ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم.
ومثالُ القلبِ في الإِسناد وهو الأكثرُ: قَلْبُ كعبِ بنِ مُرَّة إلى مُرَّة بنِ كعب،
وقَلْبُ مُسْلِم بنِ الوليد إلى الوليد بن مسلم، ونحو ذلك. هذا ما قاله بعضُ أهل الأثر
ممن خَصَّ القلبَ بما ذُكِرَ.
وقال الأكثرون: القَلْبُ أعمُّ من ذلك، وجعلوا القلبَ في الإِسناد قسمين:
أحدُهما أن يكونَ الحديثُ مشهوراً براٍ، فَيُجَعَلَ مكانَهُ راوٍ آخَرُ في طبقتِهِ ليضيرَ
بذلك غريباً مرغوباً فيه، وذلك نحوُ حديثٍ مشهورٍ بسالمٍ، جُعِلَ مكانَه نافِعٌ .
وكحديثٍ مشهورٍ بمالكٍ، جُعِلَ مكانَه عُبَيدُ الله بنُ عُمَر. ومن كان يفعلُ ذلك من
الوضَّاعين ◌َّدُ بنُ عَمْرٍو النَّصِيبي .
ويقالُ: إنَّ فاعلَ ذلك هو الذي يُطلَقُ عليه أنه يَسرِقُ الحديثَ، وربما قيل في
الحديثِ نفسِه: إنه مسروق. وإطلاقُ السرقةِ في ذلك لا يَظهَرُ إلاّ فيما إذا كان الراوي
المبدَّلُ به منفرِداً به، وحينئذٍ لا يُستَغرَبُ أن يقالَ: إِنَّ الْبَدِّلَ قد سَرَقَهُ منه.

٥٧٩
الثاني: أن يُؤْخَذَ إسنادُ متنٍ فُيُجعَلَ لمتنٍ آخرُ، ويُجُعَلَ ذلك المتنُ لإِسنادٍ آخَرَ،
وسمَّه العلامةُ ابنُ الجَزَري بالقَلْبِ المركَّب، وقد فَعَل ذلك بعضُهم اختباراً لحفظِ
المحدِّث، أو لكونِهِ ممن يَقْبَلُ التلقينَ أو لايَقْبَلُه.
وقد جرى ذلك للإِمام البخاري، فقد حَكَى عِدَّةٌ من المشايخ أنَّ ذلك الإِمامَ
الأوحَدَ، لَّا قَدِمَ بغداد، وسَمِعَ به أصحابُ الحديث، اجتَمَعُوا وَعَمَدوا إلى مئةٍ
حديث، فقَلَبوا مُتُونَها وأسانيدَها، وجعلوا متنَ هذا الإِسنادِ لإِسنادٍ آخَرَ، وإسنادَ هذا
المتنِ لمتنٍ آخَرَ، ودفعوا ذلك إلى عشَرَةِ أنفس، إلى كلِّ رجلٍ عشَرَةَ أحاديث،
وأمَرُوهم إذا حَضَرُوا / المجلسَ أن يُلقُوا ذلك على البخاري، وأَخَذُوا الموعدَ
للمجلس.
/ ٢٥٥
فحضَرَ المجلسَ جماعةُ أصحابِ الحديث، من الغرباءِ من أهلِ خُراسان
وغيرهم ومن البغداديين، فلمَّا اطمأن المجلسُ بأهلِهِ انْتَذَب إليه رجلٌ من العشرة،
فسألَه عن حديثٍ من تلك الأحاديث، فقال البخاري: لا أعرفه. فسأله عن آخَرَ
فقال: لا أعرفه، فما زال يُلقِي عليه واحداً بعدَ واحدٍ، حتى فَرغ من عَشَرَتِهِ،
والبخاريُّ يقول: لا أعرِفُه.
فكان الفُهَمَاءُ ممن حَضَر المجلسَ يَلتفِتُ بعضُهم إلى بعضٍ ويقولون: الرجل
فَهِم، ومن كان منهم غيرَ ذلك يقضِي على البخاري بالعجزِ والتقصير وقلَّةِ الفَهْم.
ثم انتَذَب إليه رجلٌ آخَرُ من العشرة فسأله عن حديثٍ من تلك الأحاديث
المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرِفُه، فسأله عن آخَر فقال: لا أعرِفُه، فلم يزل يُلقي
عليه واحداً بعدَ واحد، حتى فَرَغْ من عَشْرَتِهِ، والبخاريُّ يقول: لا أعرِفُه .
ثم انتَدَب إليه الثالثُ والرابعُ إلى تمام العَشَرَة، حتى فرغوا كلُّهم من الأحاديث
المقلوبة، والبخاريُّ لا يَزِيدُهم على لا أعرفه. فلما عَلِمَ البخاريُّ أنهم قد فَرَغوا
التَّفَتَ إلى الأول منهم فقال: أما حديثُك الأوَّلُ فهو كذا، وحديثُك الثاني فهو كذا،
والثالثُ والرابعُ على الولاءِ، حتى أَتَى على تمام العَشَرَةِ، فَرَدَّ كلَّ متنٍ إلى إسنادِه، وكلَّ

٥٨٠
إسنادٍ إلى متنِه، وفَعَل بِالآخَرِين مثلَ ذلك، ورَدَّ متونَ الأحاديثِ كلَّها إلى أسانيدِها،
وأسانيدَها إلى متونِها، فأقَرَّ له الناسُ بالحفظِ، وأذعنُوا له بالفضل.
قال بعضُهم: إنه لا يُتعجّبُ من حفظِ البخاريِّ لها، وتيقظِهِ لتمييزِ صوابِها مِن
خطأها، لأنه في الحفظِ بمكانٍ وإنما يُتعجّبُ من حفظِهِ لتوالِيها كما أُلْقِيَتْ عليهِ مِن مرةٍ
واحدة .
وقد وقع القلبُ من بعضِ الثقاتِ الأثبات، وذلك بغير قَصْد، فقد ذَكَر أحمدُ
في مسندِهِ عن يحيى بن سعيد القطان أنه قال: حدَّث سفيانُ الثوريُّ، عن
عُبَيْدِ الله بن عُمَر، عن نافع، عن ابنِ عمر، أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال:
لا تَصحَبُ الملائكةُ رُفقةً فيها جَرَسٌ. فقلتُ له: تَعِسْتَ يا أبا عبد الله يُرِيدُ عَثْرتَّ!
فقال: كيف هو؟ فقلتُ: حدَّثَنِي عُبَيْدُ الله بنُ عمر، عن نافع، عن سالم، عن
أبي الجَرَّاحِ، عن أمِّ حَبِيبة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. فقال: صَدَقْتَ.
وقد اشتَمَل هذا الخبرُ على شدةِ إنصافِ الثوريِّ وتواضُعِهِ، وعدمِ أَنْفَتِه من
الرجوعِ إلى الصواب، وعلى فرطِ غيرةٍ تلميذِهِ القطان على أمرِ الحديث، حتى
خاطَبَ أستاذَه بما خاطَبَهُ به، مع عُثُورِهِ في موضع يَعْثُرُ فيه، لأنَّ جُلَّ روايةٍ نافع إنما
هي عن ابن عمر، وإنما اتَّفَقَ هنا أن كان الأمرُ على خلافِ المعتاد.
وقد خطَّ يحيى القطانُ شعبةً أيضاً، وذلك حيث حدَّثُوه عنه بحديثٍ: لا تَجِدُ
عَبْدٌ طَعْمَ الإِيمانِ حتى يُؤْمِنَ بِالقَدَرِ. عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن عليّ،
فقال: حدثنا به سفيانُ، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن ابنٍ مسعود. وهذا هو
الصوابُ. ولا يَتَأَتَّى ليحيى أن يَحِكُّمَ على شعبةَ بالخطأ إلَّ بعد أن يتيقَّنَ أنَّ الصواب
في غیر روايته .
على أنَّ الذين يميلون للجَمْع بأيّ حالٍ كان، يقولون في مثل هذا الموضع:
يَحْتَمِلُ أن يكونَ عند أبي إسحاق على الوجهين، فحدَّثَ به كلَّ مرةٍ بأحدِهما، فإنَّ

٥٨١
مِثلَ هذا الاحتمالِ يَستبعِدُهُ المحققون. نعم يرتفعُ الاستبعادُ لو أتَتْ روايةٌ عن
الحارث تُشعِرُ بذلك. على أنَّ مدارَ الأمرِ عندَ المحققين إنما هو البناءُ على ما يَغلِبُ على
الظن، والاحتمالُ البعيدُ لا يُعوَّلُ عليه عندهم.
هذا، وقد عَرَّف بعضُهم القَلْبَ في المتن بقوله: هو أن يُعطى أحد الشيئين
ما اشتهر للآخر. ويَقْرُبُ منه قولُ العلامة شمس الدين محمد بن الجَزَرِي: / هو أن /٢٥٦
یکون الحدیثُ على وجهٍ فينقلِبُ بعضُ لفظه على الراوي، فيتغیِرُ معناه، وربما انعكس،
وجعَلَه نوعاً مستقلاً سَمّه بالمنقلِب، ومَثَّلَ له بأمثلةٍ منها ما وَرَدَ في البخاري في
حديثٍ تخاصُمِ الجنَّةِ والنار، وهو أنه يُنشِىءُ للنار خَلْقاً. وصوابُه ما وَرَدَ في البخاري
في موضعٍ آخَر، وهو فأمَّ الجنَّةُ فُيُنشِئُ الله لها خَلْقً، فذَهِلَ الراوِي الآخَرُ فقَلَبَ
الجنةَ بالنار، فصار ذلك من قَبِيل المنقلب.
والمضطرِبُ هو ما وقَعَتْ المُخالَفَةُ فيه بالإِبدال على وجهٍ يَحَصُلُ فيه التدافعُ مع
عدم وجودِ المُرجِّح. وقال ابن الصلاح: المضطرِبُ من الحديث هو الذي تختلِفُ
الروايةُ فيه، فيرويه بعضُهم على وجهٍ وبعضُهم على وجهٍ آخَرَ مخالفٍ له.
وإنما نُسمِّيه مضطرباً إذا تساوَتْ الروايتان، أمَّا إذا ترجَّحَتْ إحداهما بحيث
لا تُقاوِمُها الأخرى، بأن يكونَ راوبها أحفَظَ، أو أكثرَ صُحبةً للمرويِّ عنه، أو غيرَ
ذلك من وجوهِ الترجيحاتِ المعتمدةِ، فالحكمُ للراجحة، ولا يُطلَقُ عليه حينئذٍ وَصْفُ
المضطربٍ، ولا له حُكمُهُ.
ثم قد يقعُ الاضطرابُ في متنِ الحديث، وقد يقعُ في الإِسناد، وقد يقعُ ذلك
من راوٍ واحدٍ، وقد يقعُ من رواةٍ له جماعةٍ. والاضطرابُ مُوجِبٌ ضَعْفَ الحديثِ
لإِشعارِهِ بأنه لم يُضبط. اهـ.
وقال بعضُهم: المضطربُ هو الذي يُروَى على أوجهٍ مختلِفَة، سواءً كان ذلك
من راوٍ واحدٍ أو أكثرَ، فإِن رَجَحَتْ إحدى الروايتينِ أو الرواياتِ لم يُسمَّ مضطرِباً،