النص المفهرس
صفحات 581-600
٥٢٣ الحديثين، لَّا لم يُوقَف على طريقِ إزالتِهِ وهو معرفةُ الناسِخ منهما أو الراجِحِ، تعينٌ المصيرُ إلى التوقُّفِ لعدم وجود طريقٍ إلى غير ذلك. وأما الجمعُ بينهما فغيرُ ممكنٍ لإِفضائِه إلى التكليفِ بالمحال. وقيل: بالتخيير، وقيل: غیرُ ذلك. ومبحثُ التعارُضِ والترجيح من أهمِّ مباحثِ أصول الفقه وأصعبها، وقد أُطلَق العلماءُ في مَيدانِهِ الفسيحِ الأرجاءِ أعِنَّةً أقلامِهم، فمن أراد الاستيفاءَ فعليه بالكتبِ المبسوطةِ فيه، غيرَ أنه ينبغي له أن يختار منها الكتبَ التي لأربابها بَرَاعَةٌ في نحو الأصول. فوائدُ تتعلَّقُ بمبحثِ التعارض والترجيح الفائدةُ الأولى ذهب کثیرٌ من العلماء إلى أنه يمتنعُ أنْ يُرِدَ في الشرع دلیلان متکافئانٍ في نفس الأمر، بحيث لا يكون لأحدِهما مرجِّحٌ مَعَ تعارضهما من كل وجه. وبه قال العنبريُّ وابنُ السمعاني، وقالَ: هو مذهبُ الفقهاءِ. وحكاه عن أحمدَ بنِ حنبل القَاضي وأبو الخَطَّابِ من أصحابِهِ، وهو المنقولُ عن الشافعي. قال الصيرفيُّ في ((شرح الرسالة)): صَرَّح الشافعيُّ بأنه لا يَصحُّ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أبداً حديثانٍ صحيحانِ متضادانٍ، ينفي أحدُهما / ما يُثبتُهُ الآخَرُ من غير جهةٍ الخصوصِ والعمومِ والإِجمالِ والتفسير إلّ على وَجْهِ النسخ، وإن لم نجده. وذهب الأكثرون إلى أنَّ ذلك غيرُ ممتنع بل هو جائزٌ وواقع. وقد اختلفوا على فَرْض وقوعِ التعادُل في نفسِ الأمر - مع عَجْزِ المجتهدِ عن الترجيح بينهما، وعَدَمِ وجودٍ دليلٍ آخَرَ - فقيل: إنه يُخيّر، وقيل: إنَّ الدليلين يتساقطان، ويُطلَبُ الحكمُ من موضع آخر، أو يُرجَعُ إلى عمومٍ أَوَّلِيّ: البراءةِ الأصلية. ونُقِلَ ذلك عن أهل /٢٢٧ ٥٢٤ الظاهر، وأَنْكِرَ على ابن حزم نسِبتُه إليهم وقالَ: إنما هو قولُ بعض شيوخِنا، وهو خطأ بل الواجبُ الأخذُ بالزائد إذا لم يَقدِر على استعمالهما جميعاً. وقيل: إن كان التعارُضُ بين حديثينِ تساقَطًا ولا يُعمَلُ بواحد منهما، وإن كان بین قِيَاسَیْنِ يُخلِّرُ بينهما. وقيل بالتوقف. واستبعَدَهُ بعضُهم وقال: كيف يُتوقَّفُ لا إلى غايةٍ وأمّد، إذ لا يُرجَى فيه ظهورُ الرُّجحانِ، وإلّ لم يكن مما فُرِضَ فيه التعادُلُ في نفس الأمر، بخلافٍ ما فيه التعادُلُ بالنظر إلى ظاهِر الحال، فإنه يُرجَى فيه ظهورُ المرجُحَ، فيُعقَّلُ التوقُّفُ فيه إلى أن يظهر المرجِّع . وقيل: يُؤْخَذُ بالأشد. وقيل: يُصارُ إلى التوزيعِ إن أمكَنَ تنزيلُ إحدى الْأَمَارتَيْنِ على أمْرٍ، والأمارةِ الأخرَى على أمْرٍ آخر. وقيل: إنَّ الحكمَ فيه كالحكم قَبْلَ ورودِ الشرع، فتجيءُ فيه الأقوالُ المشهورةُ في ذلك . : وقد نُسِبَ القولُ المذكورُ - وهو القولُ بتكافُؤْ الأدلة - إلى القائلين بأنَّ كلَّ مجتهد مصيب، ولذا قال بعضُ العلماء: إنَّ الترجيحَ بين الظواهر المتعارِضَةِ إنما يَتعينِ عند من يقول: إنَّ المصيبَ في الفروع واحد، وأما من يقول: إنَّ كلَّ مجتهِد مصيب فلا يتعينّ عنده الترجيحُ، لاعتقادِهِ أنَّ الكل صواب. وقد أنكَرَ كثيرٌ من العلماء هذا القولَ. قال العلامة أبو إسحاق إبراهيم الشاطبي في كتاب ((الْمُوافَقَّات))(١): التعارُضُ إمّا أن يُعتَبَر من جهةٍ مَا في نفسِ الأمر، وإمَّا من جهةٍ نظرِ المجتهد. أمّا من جهةِ ما في نفس الأمر: فغَيْرُ مكِن بإطلاق. وقد مَرَّ آنفاً في كتاب الاجتهاد من ذلك في مسألةِ أنَّ الشريعةَ علی قولٍ واحدٍ ما فيه كفاية. (١) ٢٩٤:٤. ٥٢٥ وأمَّا من جهةِ نَظَرِ المجتهد فممكنٌ بلا خلاف، إلا أنهم إنما نَظَرُوا فيه بالنسبةِ إلى كل موضع لا يمكنُ فيه الجمعُ بين الدليلين، وهو صوابٌ، فإنه إن أمكنَ الجمعُ فلا تعارُضَ، كالعامٌّ مع الخاص، والمطلَقِ مع المقيَّد، وأشباهِ ذلك. وقال في كتاب الاجتهادِ (١) في المسألة الثالثة: الشريعةُ كلُّها ترجِعُ إلى قولٍ واحدٍ في فُروعها وإن كَثْرَ الخلافُ، كما أنها في أصولها كذلك. والدليلُ علیه أمور: أحدُها أدلةُ القرآن، من ذلك قولُهُ تعالى: ﴿ولو كان مِن عندٍ غير الله لَوَجَدُوا فيه اختلافاً كثيراً﴾. فَنَفَى أن يقَعَ فيه الاختلافُ البَّةَ، ولو كان فيه ما يقتضِي قولين مختلِفَينِ لم يَصدُق عليه هذا الكلامُ على حال. والآياتُ في ذمِّ الاختلافِ، والأمْرِ بالرجوع إلى الشريعة كثيرةٌ، كلُّها قاطعٌ في أنها لا اختلافَ فيها. الثاني أنَّ عامَّةَ أهلِ الشريعة أثبتُوا في القرآن والسنة: الناسخَ والمنسوخَ على الجملة، وحذَّروا من الجهلِ به والخطأ فيه. ومعلومٌ أنَّ الناسخ والمنسوخَ إنما هو فيما بين دليلين يتعارضانِ بحيث لا يَصِحُّ اجتماعُهما بحال، وإلَّ لما كان أحدُهما ناسِخاً والآخَرُ منسوخاً، والفَرْضُ خلافُه. فلو كان الاختلافُ من الدِّينِ لَما كان لإثباتِ الناسِخ والمنسوخِ - من غير نَصٍّ قاطعٍ فيه - فائدةٌ، وكان الكلامُ في ذلك كلاماً فيما لا يُحْنِي ثَمَرَةً، إذ كان يَصِحُ العَمَلُ بكل واحدٍ منهما ابتداءً ودواماً، استناداً إلى أن الاختلافَ أصلٌ من أصول الدين، لكن هذا باطلٌ بإجماع، فدَلَّ على أن الاختلافَ لا أصلَ له في الشريعة، / وهكذا القولُ في كل دليل مع مُعارِضِه كالعموم والخصوص، والإِطلاق والتقييد، وما أشبه ذلك. الثالث أنه لو كان في الشريعة مَساٌ للخلاف لأدَّى إلى تكليفٍ ما لا يُطاق، (١) ٤ : ١١٨. /٢٢٨ i ٥٢٦ لأنَّ الدليلين إذا فَرَضْنَا تعارُضَهُما وفَرَضناهما مقصودينٍ معاً للشارع، فإمَّا أن يقال: إِنَّ المكلَّفَ مطلوبٌ بمقتضاهما أو لا، أو مطلوبٌ بأحدِهما دون الآخر، والجميعُ غير صحیح ، فالأولُ يقتضي: افعَلْ، لا تَفْعَلْ، لمكلَّفٍ واحدٍ من وجهٍ واحد، وهو عينُ التكليفِ بما لا يُطاق. والثاني باطلٌ، لأنه خلافُ الفَرْض، إذ الفَرْضُ توجُّهُ الطلبِ(١) بهما. فلم يَبْقَ إلَّ الأول، فَيَلزَمُ منه ما تقدَّم. لا يقالُ: إِنَّ الدليلينِ بحسب شخصينِ أو حالينِ، لأنه خلافُ الفَرْض، وهو أيضاً قولٌ واحد لا قولانٍ، لأنه إذا انصرَفَ كُلَّ دليلٍ إلى جهةٍ لم يكن ثَمَّ اختلافٌ وهو المطلوب. الرابع أنَّ الأصوليين اتفقوا على إثباتِ الترجيح بين الأدلةِ المُتَعارِضَةِ إذا لم يُمكِن الجمعُ، وأنه لا يَصِحُّ إعمالُ أحدٍ دليلينِ متعارضينِ جُزَافاً من غير نظر في ترجيحِهِ على الآخَر. والقولُ بثبوتِ الخلاف في الشريعة يَرفَعُ بابَ الترجيح جملةً، إذ لا فائدة فيه ولا حاجةَ إليه، على ثبوتِ الخلافِ أصلاً شرعياً، لصحةٍ وقوع التعارض في الشريعة، لكنَّ ذلك فاسدفما أدَّى إليه مثلُه. الخامسُ أنه شيء لا يُتصوَّرُ، لأنَّ الدليلين المتعارضين إذا قَصَدهما الشارعُ مثلاً لم يَحصُل مقصودُه، لأنه إذا قال في الشيءِ الواحدِ: افعَلْ لا تَفْعَلْ، فلا يمكنُ أن يكونَ المفهومُ منه طَلَبَ الفعلِ لقولِه: لا تفعل، ولا طلَبَ تركِهِ لقولِه: افْعَلْ، فلا تحصُل للمكلَّفِ فهمُ التكليف، فلا يُتصوَّرُ توجُّهُه على حال. والأدلَّةُ على ذلك كثيرةٌ لا يُحتاجُ فيها إلى التطويل. انتهى باختصارٍ قليل. ثم أورَدَ بعدَ ذلك اعتراضاتٍ من طَرَفِ المخالفِین وأجاب عنها . (١) وقع في الأصل ( ... خلافُ الغرض، إذ الغرض). أي بالغين المعجمة في الموضعين وفي الموضع الثالث الآتي. وهو تحريف، صوابه فيها: الفَرْض، بالفاء بعدها راء ساكنة. : ! ٥٢٧ وقال الفخرُ في ((المحصول))(١): اختَلَفُوا في أنه هل يجوزُ تعادلُ الأَمَارتين؟ فمنَعَ الكرخِيُّ منه مطلقاً، وجَوَّزَه الباقون . ثم المجوِّزون اختلفوا في حكمِهِ عندَ وقوعِه، فعندَ القاضي أبي بكرٍ مِنَّ وأبي علي وأبي هاشم من المعتزلة حُكمُهُ التخيير، وعندَ بعضِ الفقهاء حكمُهُ أنهما يتساقطانِ ويجبُ الرجوعُ إلى مقتَضَى العقل. والمختارُ أن نقول: تعادُلُ الأمارَتينِ إمَّا أن يَقعَ في حكمينِ متنافِينِ والفعلُ واحد، وهو كتعارُضِ الأمارتينِ على كون الفعل قبيحاً ومُباحاً وواجباً، وإما أن یکونَ في فعلینِ متنافیینِ والحكمُ واحد نحوُ وجوب التوجُّهِ إلى جهتين قد غَلَب في ظنه أنهما جهةُ القِبلة . أما القسمُ الأول فهو جائز في الجملة. لكنه غيرُ واقع في الشرع. أمَّا أنه جائزٌ في الجملة فلأنه يجوزُ أن يُخبِرَنا رجلانِ بالنفيِ والإِثبات، وتستويَ عدالتُهما وصِدقُ لهجتهما، بحيث لا يكونُ لأحدِهما مَزِيَّةٌ على الآخَرِ. وأمَّا أنه في الشرع غيرُ واقع، فالدليلُ عليه أنه لو تعادلَتْ أمارتانٍ على كونٍ هذا الفعل محظوراً أو مباحاً، فإمَّا أن يُعمَل بهما معاً، أو يُترَكا معاً، أو يُعمّل بإحداهما دون الثانيةِ وهو مُحال، لأنهما لَّا كانتا في نَفْسَيْهما بحيث لا يمكنُ العَمَلُ بهما البتّةَ كان وَضْعُهما عَبَثاً. والعَبَثُ غيرُ جائز على الله تعالى. وأما الثالثُ وهو أن يُعمّل بإحداهما دون الأخرى، فإمَّا أن يُعمّل بإحداهما على التعيين، أوْلا على التعيين، والأولُ باطل، لأنه ترجيحٌ من غير مرجِّح، فيكون ذلك قولاً في الدين بمجرَّدِ التشهي، وإِنَّهُ غيرُ جائز، والثاني أيضاً باطل لأنَّا إذا خيّرناه بين الفعلِ والترك فقد أبحنا له الفعلَ، فيكون ترجيحاً لأمارةِ الإِباحةِ بعينها على أمارةٍ الحظر، وذلك هو القسمُ الذي تقدَّمَ إبطالُه، فثبَتَ أنَّ القولَ بتعادُلِ الأَمَارَتَيْنْ في (١) ٢/٢ :٥٠٦. ٥٢٨ /٢٢٩ حكمين متنافيين والفعلُ واحد يُفضي إلى / هذه الأقسامِ الباطلة، فَوَجَبَ أن يكون باطلاً. ثم قال: وأما القسمُ الثاني وهو تعادُلُ الأمارتين في فعلين متنافيين والحكمُ واحد، فهذا جائز، ومقتّضَاهُ التخييرُ، والدليلُ على جوازِهِ وقوعُهُ في صُورٍ. إحداها قولُه عليه الصلاة والسلام في زكاةِ الإِبل: في كلِّ أربعين بِنْتُ لَبُون، وفي كلِّ خمسين حِقَّة. فمن مَلَك مئتين فقد مَلَك أربعَ خمسيناتٍ وخمسَ أربعيناتِ، فإن أخرَجَ الحِقَّاتِ فقد أدَّى الواجبَ، إذْ عَمِلَ بقوله في كل خمسين حِقةٍ، وإن أخرَجِ بناتِ اللَّبُون فقد عَمِلَ بقوله: في كل أربعين بنتُ لَبُون. وليس أحَدُ اللفظين أولى من الآخر. وثانيتها من دَخَل الكعبةَ، فله أن يَستقبلَ أيَّ جانبٍ منها شاء، لأنه كيف فَعَل فهو مستقبِلٌ شيئاً من الكعبة. وثالثتُها أنَّ الوَلِيَّ إذا لم يجد من اللَّبَنِ إلَّ ما يَسدُّ رَمَقْ أَحَدٍ رَضِيْعَيْهِ ولو قَسَمَهُ عليهما أو مَنْعَهما لماتَا، ولو سَقَى أحدَهما مات الآخَرُ، فها هنا هو مخيّرٌ بين أن يَسْقِيَّ هذا فيَهلِك ذاك، أو ذاك فيَهلِك هذا، ولا سبيلَ إلَّ التخيير. ورابعتُها أنَّ ثبوتَ الحكم في الفعلينِ المتنافيينِ نَفْسُ إيجابِ الضدين، وذلك يقتضي إيجابَ فِعلِ الضدينِ كلِّ واحدٍ منهما بَدَلَّا عن الآخر. واحتَجَّ الخصمُ على فساد التخيير بأنَّ أَمَارةَ وجوبٍ كلِّ واحدٍ من الفعلينِ اقْتَضَتْ وجوبَه على وجهٍ لا يَسوغُ الإِخلالُ به، والتخييرُ بينه وبين ضِدِّهِ يَسُوعُ الإِخلالُ به، فالقولُ بالتّخِيرِ مُخَالِفٌ لمقتَضَىَ الأمَارتينِ معاً. والجوابُ أنَّ أَمَارَةً وجوبِ الفعلِ تقتضي وجوبَه قطعاً، فأمَّا المنعُ من الإِخلالِ به على كلِّ حال فموقوفٌ على عدمِ الدلالة على قيام غيره مَقامَه. وإذا كان كذلك لم يكن التخييرُ مُخالِفاً لمقتَّضَى الأمارتين. اهـ. ٥٢٩ وقد اعتَرَض على الفخر في هذا الموضع بعضُ من يقول بوقوعِ التعارض في كلامِ الشارع على جهة التكافؤ، فأتى بما لا يَخْرُج عن دائرةِ الخيال، واكتَفَى بذلك عن الإِتیانِ بمثال . الفائدةُ الثانيةُ قد ذكر ابن حزم في كتاب «الإِحكام في أصول الأحكام)) مبحثَ التعارض، وبيّنَّ فيه مسلكه، فأحببتُ إيراد ما ذكره على طريقِ التلخيص، قال(١): فَصْلٌ فيما ادَّعاه قومٌ من تعارض النصوص قال عليٌّ: إذا تعارَضَ الحديثانِ، أو الآيتانِ، أو الآيةُ والحديثُ، فيما يَظنُّ من لا يَعلم، فَفَرْضُ على كل مسلم استعمَالُ كلِّ ذلك، لأنه ليس بعضُ ذلك بأولى بالاستعمالِ من بعض، ولا حديثٌ بأوجَبَ من حديثٍ آخَرَ مثلِهِ، ولا آيةٌ أولَی بالطاعةِ لها من آيةٍ أخرى مثلِها، كلٌّ من عند الله عز وجل، وكلَّ سواءٌ في باب وجوبٍ الطاعة والاستعمال. قال علي: ولا خلافَ بين المسلمين في أنه لا فَرْقَ بين وجوبٍ طاعةِ قول الله عز وجل: ﴿وأقِميوا الصلاةَ﴾، وبين وجوب طاعةٍ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في أمره أن يُصلِّ المقيمُ الظهرَ أربعاً، والمسافِرُ ركعتين. وأنه ليس ما في القرآنِ من ذلك بأوجَبَ ولا أثبَتَ مما جاء من ذلك منقولاً نقلاً صحيحاً عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وإن كانوا قد اختلفوا في كيفيَّةِ الطريق التي بها يَصِحُّ النقلُ فقط. فإذا وَرَدَ النصانِ كما ذكرنا، فلا يخلو ما يُظَنُّ به التعارُضُ منهما - وليس تعارضاً - من أحَدِ أربعةِ أوجهٍ لا خامِسَ لها: الوجهُ الأول أن يكونَ أحدُهما أقلَّ معانيَ من الآخَرِ، أو يكونَ أحدُهما حاظراً والآخرُ مبيحاً، أو يكونَ أحدُهما مُوجِباً والآخَرُ نافياً، فالواجبُ ها هنا أن يُستثنى الأقلُّ معانيَ من الأكثرِ / معانيَ، وذلك: / ٢٣٠ (١) ٢١:٢ و١٥١:٢. ٥٣٠ مِثْلُ أمرِ الله عز وجل بقطع يَدِ السارق والسارقةِ جملةً، مع قوله عليه الصلاة والسلام: لا قَطْعَ إلَّ في رُبع دينارٍ فصاعداً. فوجَبَ استثناءُ سارقٍ أُقلَّ من ربع دينار من القطع، وبقِيَ سارقُ ما عدا ذلك على وجوبِ القطع عليه. ومثلُ قولِهِ تعالى: ﴿ولا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حتى يُؤْمِنَّ﴾، مع إباحِهِ الْمُحْصَناتِ من نِساءِ أهل الكتاب بالزواج، فكُنَّ بذلك مستثنيَاتٍ من جملةِ المشرِكات، وبقِيَ سائرُ المشركاتِ على التحريم. ومثلُ أمرِهِ عليه الصلاة والسلام أن لا ینْفِرَ أحدٌ حتی یکون آخِرُ عهدِهِ بالبیت، وَأَذِنَ للحائض أن تَنِفِرَ قبلَ أنْ تُوَدِّعَ، فوجَبَ استثناءُ الحائضِ من جملةِ النافِرِين. فقد رأينا في هذه المسائل استثناءَ الأقلِّ معاني من الأكثر معاني، ولا نبالي في هذا الوجهِ كنا نَعْلَمُ أيَّ النّصِينِ وَرَد أولا أو لم نعلم ذلك، وسواءٌ كان الأكثرُ معاني ورِّدَ أولاً أو ورد آخِراً، كلُّ ذلك سَوَاء، ولا يُتْرَكُ واحدٌ منهما للآخر، ولكنهما يُستَعَمَلانِ معاً كما ذكرنا. الوجهُ الثاني أن يكونَ أحدُ النصينِ مُوجِباً بعضَ ما أوجَبَه النصُ الآخَر، أو حاظراً بعضَ ما حَظَرِهِ النصُّ الآخَرِ، فهذا يَظُنُّه قومٌ تعارُضاً، وتحيَّروا في ذلك، فأكثروا وخَبَطُوا العَشْوَاءَ، وليس في شيء من ذلك تعارُض، وقد بيَّنا غلَطَهم في هذا الكتاب في كلامِنا في باب دليل الخِطاب، وذلك مثلُ قولِهِ عز وجل: ﴿وبالوالِدَيْنِ إحساناً﴾. وقولِهِ في موضعٍ آخر: ﴿إِنَّ الله يأمُرُ بالعدلِ والإِحسان﴾. فكان أمرُهُ تعالى بالإِحسانِ إلى الوالدينِ غيرَ مُعارِضٍ للإِحسانٍ إلى سائرِ الناسِ وإلى البهائم، بل هو بعضُهُ وداخلٌ في جملته. وقد غَلِطَ قومٌ في هذا الباب، فظنُّوا قولَهُ عليه الصلاة والسلام: في سائمةِ الغَنَم كذا. مُعارِضاً لقوله في مكانٍ آخَر: في كلِّ أربعين شَاةٌ. وليس كما ظنوا، بل الحديثُ الذي فيه ذكرُ السائمة هو بعضُ الحديثِ الآخَرِ، وداخلٌ في عمومِه، والزكاةُ واجبةٌ في السائمةِ بالحديث الذي فيه ذكرُ السائمة، وبالحديثِ الآخَرِ معاً. والزكاةُ واجبةٌ في غير السائمة بالحديثِ الآخَرِ خاصّةً. ٥٣١ وكذلك غَلِطَ قومٌ آخرون فظنوا قوله تعالى: ﴿والخَيْلَ والِبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكُبُوها وزِينَةً﴾ مُعارِضاً لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مما في الأرض حلالاً طيباً﴾، ولقولِهِ تعالى: ﴿وَقد فَصَّلَ لكم ما حَرَّم عليكم﴾. وظنَّ قومٌ أنَّ قوله تعالى: ﴿أُو دَماً مَسْفُوحاً﴾ مُعارِضٌ لقولِهِ تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عليكم الَّتَةُ والدَّمُ﴾. وليس كذلك على ما قدَّمنا قبلُ، لأنه ليس في شيء من النصوص التي ذكرنا نَهْيٌ عما في الآخر. ليس في حديثِ السائمة نهيٌ عن أن يُزَكِّيَ غيرَ السائمة، ولا أمرٌ بها، فحكمُها مطلوبٌ من غيرِ حديثِ السائمة. ولا في إخبارِهِ تعالى بأنَّه خَلَقَ الخيلَ لتُركَبَ وزينةً، نَهْيُ عن أكلِها وبَيْعِها، ولا إباحةٌ لهما(١)، فحكمُهما مطلوبٌ من مكانٍ آخر. ولا في تحريمِهِ تعالى الدَّمَ المسفوحَ إخبارٌ بأن ما عدا المسفوحَ حلال، بل هو كلُّه حرام بالآيةِ الأخرى، كما قلنا: إنه ليس في أمرِه تعالى بالإِحسانٍ إلى الآباء نَّهْيٌ عن الإِحسان إلى غيرهم، ولا أمْرٌ به، فحكمُ الإِحسان إلى غير الآباء مطلوبٌ من مكانٍ آخر. ومن فَرَّقَ بين شيء من هذا الباب فقد تحكّم بلا دليل، وتكلَّمَ بالباطل بغير عِلْم ولا هُدَىَّ من الله تعالى. قال علي: فهذا وَجْه. والوجهُ الثالث أن يكونَ أحَدُ النصينِ فيه أمرٌ بعَمَلٍ مَّا، معلَّقِ بكيفيةٍ مَّا، أو بزمانٍ مَّا، أو مكانٍ مَّ، أو شخصٍ مَّا، أو عَدَدِ مَّا، ويكونَ في النصِّ الآخَرِ نَهْيٌ عن عملٍ مَّا، بكيفيةٍ مَّا، أو في زمانٍ مَّ، أو مكانٍ مَّا، أو عَدَدٍ مَّا، أو عُذْرٍ مَّا، ويكونَ في كل واحدٍ من العملينِ المذكورينِ، اللذينِ أَمَرَ بأحدِهما ونَهَى عن الآخَرِ، شيءٌ مَّا، / يمكنُ أن يُستثنى من الآخَرِ، وذلك بأن يكونَ على ما وصفنا في كلِّ نصِ من النصين المذكورينِ حُكمانِ فصاعداً، فيكونَ بعضُ ما ذُكِرَ في أحدِ النصين عاماً /٢٣١ (١) وقع في الأصل: (بأنه خلق الخيل لتركَبَ وزينة ونهى عن أكلها ... ). وزيادةُ الواو في (ونهى) خطأ، وليست هي في ((الإِحکام)). ٥٣٢ لبعضِ ما ذُكِرَ في النص الآخَرِ ولأشياءَ أُخَرَ معه، ويكونَ الحكمُ الثاني الذي في النص الثاني عاماً أيضاً لبعض ما ذُكِرَ في هذا النص الآخر ولأشياء أُخرَ معه . . قال عليّ: وهذا من أدقٌّ ما يمكنُ أن يُعتِضَ أهلَ العلم من تأليفِ النصوص، ومن أغمضِهِ وأصْعَبِهِ. ونحن نمثلُ من ذلك أمثلةً تُعِينُ بحول الله وقوتِهِ على فَهْم هذا : المكانِ اللطيف، لِيَعلَمَ طالبُ العلم الحريصِ عليه وَجْهَ العمل في ذلك إن شاء الله عز وجل، وما وجدنا أحداً قبلَنا شَغَل بالَه في هذا المكان بالشُّغلِ الذي يستحقُّه هذا البابُ، فإنَّ الغَلَطَ والتناقُضَ يَكْثُرُ فيه جداً، إلاّ من سَدَّده الله بمنَّهِ ولُطفِهِ لا إله إلَّ هو. فمن ذلك أمْرُه عليه الصلاة والسلام بالإِنصاتِ للخُطبةِ وفي الصلاة، مع قوله تعالى: ﴿وإذا حُيِّيْتُم بِتحيةٍ فَحَيُّوا بأحسَنَ منها أو رُدُّوها﴾، فنظرنا في النصين المذكورينِ، فوجدنا الإِنصاتَ عامَّاً يَشمَلُ كلَّ كلامِ سلاماً كان أو غيره، ووجدنا ذلك في وقتٍ خاص، وهو وقتُ الْخُطبةِ والصلاة. ووجدنا في النصِّ الثاني إيجابَ رَدِّ السلام، وهو بعضُ الكلام في كل حالةٍ على العموم. فقال بعضُ العلماء: معنى ذلك: أنْصِتْ إلَّ عن السلام الذي أُمِرتَ بإفشائِه ورَدِّهِ في الخُطبة. وقال بعضُهم: رُدَّ السلامَ وسَلَّمْ إلَّ أن تكونَ مُنْصِتاً للخطبة أو في الصلاة . قال علي: فليس أحدُ الاستثنائین أولى من الثاني، فلا بد من طلبِ الدلیل من غيرهما، وقالَ: وإنما صيرنا إلى إيجاب رَدِّ السلام وابتدائِهِ في الخطبة دون الصلاة، لأن الصلاة قد وَرَد فيها نصَّ بِينٌ بأنه عليه الصلاة والسلام سُلِّمَ عليه فيها، فلم يَرُدَّ بعدَ أن كان يَرُدُّ، وأنه سُئِلَ عن ذلك فقال: إنَّ الله يُحدِثُ من أمرِهِ ما يشاء، وإنه أُحدَثَ أن لا تَكلَّموا في الصلاة، أو كلاماً هذا معناه. وليس امتناعُ رَدِّ السلام في الصلاةِ مُوجِباً أن لا يُرَدَّ أيضاً في الخطبة، لأنَّ الخطبةَ ليست صلاة، ولم يَلزم فيها استقبالُ القِبلة ولا شيءٌ مما يَلْزَمُ في الصلاة، وأما ٥٣٣ الخطبة فإِنَّا نظرنا في أمرِها، فوجدنا المعهودَ والأصلَ إباحةَ الكلام جملةً، ثم جاء النهيُ عن الكلام في الخطبة، وجاء الأمرُ بردِّ السلام واجباً، فكان النهيُ عن الكلام زيادةً على معهودِ الأصل وشريعةً واردةً قد تيقّنا لزومَها، وكان رَدُّ السلام وإفشاؤه أقلّ معاني من النهي عن الكلام، فوجَبَ استثناؤه، فصرنا بهذا إلى الترتيب الذي ذكرنا في القسم الأول آنفاً. قال علي : ونقولُ قطعاً: إنه لا بُدَّ ضرورةً في کل ما کان هكذا من دلیلٍ قائم، بينِ البرهانِ على الصحيح من الاستثنائين، والحقِّ من الاستعمالين، لأنَّ اللّه قد تكفَّل بحفظ دينه، فلو لم يكن ها هنا دليلٌ لائح، وبُرهانٌ واضح، لكان ضمانُ الله خائناً، وهذا كُفْرٌ لمن أجازه، فصَحَّ أنه لا بد من وجودِهِ لمن يسَّرَه الله تعالى لفهمه، وبالله التوفيق . الوجه الرابع أن يكونَ أحَدُ النصين حاظِراً لما أُبِيحَ في النص الآخَر بأَسْرِه. قال علي: فالواجبُ في هذا النوع أن ننظُرَ إلى النص الموافِق ◌ِما كنا عليه لو لم يَرِد واحدٌ منهما، فنترُكَهُ ونأخُذَ بالآخَرِ، لا يجوزُ غيرُ هذا أصلاً. وبرهانُ ذلك أنَّا على يقينٍ من أننا قد كنا على ما في ذلك الحديث الموافق لمعهودِ الأصل، ثم لَزِمَنا يقيناً العَمَلُ بالأمرِ الواردِ بخلافٍ ما كنا عليه بلا شك، فقد صَحَّ عندنا يقيناً إخراجُنا عما كنا عليه، ثم لم يَصحَّ عندنا نَسْخُ ذلك الأمرِ الزائدِ الواردِ بخلاف معهودِ الأصل، ولا يَجوزُ أن نتركَ يقيناً بشك، ولا أن نخالِفَ الحقيقةً للظن، وقد نَهَى الله تعالى عن ذلك، فقال: ﴿إِنْ يَتَّبِعون إلَّ الظنَّ وإِنَّ الظَنَّ لا يُغنِي من الحقِّ شيئاً﴾، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَتَّبِعُون إِلَّ / الظنَّ وإنْ هُمْ إلَّ يَخْرُصُون﴾. /٢٣٢ ولا يَحِلُّ أن يُقالَ فيما صَحَّ وَوَرَدَ الأمرُ به: هذا منسوخٌ، إلَّ بيقين. ولا يَحِلُّ أن يُتْرَكَ أمرٌ قد تُيُقْنَ وُرودُه خوفاً أن يكون منسوخاً، ولا أن يقول قائل: لعله منسوخ؟ كيف ونحن على يقينٍ مقطوعٍ به من أنَّ المخالِفَ لمعهودِ الأصل هو الناسخُ بلا شك. وبرهانُ ذلك ما ذكرناه آنفاً من ضمان الله تعالى حِفظ الشريعة والذكرِ المُنزلِ، 1 ٥٣٤ فلو جاز أن يكون ناسخٌ من الدين مُشْكِلاً بمنسوخ حتى لا يُدرَى الناسخُ من المنسوخِ أصلاً، لكان الدينُ غيرَ محفوظ. وقد صَحَّ بيقين لا إشكالَ فيه نَسْخُ الموافق لمعهُودِ الأصل من النصينِ بورود النصِّ الناقلِ عن تلك الحال. فمن ذلك: أَمْرُهِ عليه الصلاة والسلام أن لا يَشربَ أحدٌ قائماً. وجاء حديثٌ بأنه عليه الصلاة والسلام شَرِبَ قائماً. فقلنا: نحن على يقينٍ من أنه كان الأصلُ أن يَشرب كلُّ أحدٍ كما شاء، من قيامٍ أو قعودٍ أو اضطجاع، ثم جاء النهي عن الشرب قائماً بلا شك، فکان مانعاً مما كنا عليه من الإِباحة السالفة، ثم لا ندري أُنُسِخ ذلك بالحديثِ الذي فيه إباحةُ الشُّرْبِ قائماً أم لا؟ فلم يَحِلَّ لأحدٍ تَرْكُ ما قد تُيُقِّنَ أنه أُمِرَ به خوفاً أن يكونَ منسوخاً، فإن صَحَّ النسخُ بيقين صيرنا إليه، ولم نبالٍ زائداً كان على معهودِ الأصل أم مُوافِقاً له. كما فعلنا في الوضوء مما مَسَّتْ النارُ، فإنه لولا أنه رَوَى جابرٌ أنه كان آخِرَ الأمرينِ من رسولِ اللهِ صِلَّى الله عليه وسلَّم تَرْكُ الوضوءِ مما مَسَّتْ النارُ، لأوجبنا الوضوءَ من كلِّ ما مسَّبُ النار، ولكن لمَّا صح أنه منسوخ تركناه. وأما من تناقَضَ فأخَذَ مرةً بحديثٍ قد تَرَك مِثْلَه في مكانٍ آخَر، وأخَذَ بضدِهِ : فذُو بُنْیَانٍ هاٍ، ثُخاف أن ينهار به في النار. قال علي: وإن أمدَّنا الله بعُمْر، وأَيَّدنا بعَوْن من عندِهِ فسنجمَعُ في النصوص التي ظاهِرُها التعارُضُ كتباً كافية من غيرها. فهذه الوجوهُ هي التي فيها الغُموضُ، وقد بيَّناها بتوفيق الله عز وجل . وهاهنا وجهً خامسٌ ظَنَّه أهلُ الجهل مُعارِضاً، ولا تَعارُضَ فيه أصلاً، ولا إشكالَ، وذلك وُرودُ حديثٍ بحكمٍ مَّ، في وجهٍ مَّا، وورودُ حديثٍ آخَرَ بحكمٍ آخَرَ في ذلك الوجهِ بعينِهِ، فظنّهُ قومٌ تعارُضاً، وليس كذلك، ولكنهما جميعاً مقبولانٍ ومأخوذٌ بهما. ونحوُ ذلك: ما رُوِي عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من طريق ابن مسعود ٥٣٥ بالتطبيق في الركوع. ورُوِيَ من طريق أبي ◌ُمَيَد وَضْعُ الأكُفِّ على الرُّكَب. فهذا لا تَعارُضَ فيه، وكلا الأمرين جائز أيَّ ذلك فَعَلّه المرءُ حسن. قال علي: إلَّ أن يأتيَ أمرٌ بأحَدٍ الوجهين، فيكون حينئذ مانعاً من الوجهِ الآخَر، وقد جاء الأمرُ بوَضْع الأكُفِّ على الرُّكَب نصاً مانعاً من التطبيق، على ما بَّنا من أخذِ الزائدِ المتيقَّنِ في حالِ ورودِهِ ومنعِهِ ما كان مباحاً قبلَ ذلك. وقد وجدنا أمراً ثابتاً بالأخذ بالرُّكَب، فخَرَج عن هذا الباب وصَحَّ أَنَّ التطبيقَ منسوخٌ بيقين، على ما جاء عن سعدٍ أننا كنا نفعلُه، ثم نُهِينا عنه وأُمِرنا بالأخْذِ بالرُّكَب. وهذا إنما هو في الأفعالِ ، الصادرةِ منه عليه الصلاة والسلام لا في الأوامرِ المتدافِعَة، ومثلُ ذلك ما رُوِيَ من نهيهِ عليه الصلاة والسلام عن الجمع بين المرأةِ وعَمَِّها، والمرأةِ وخالتِها، مع قولهِ تعالى وقد ذَكَر ما حَرَّمَ من النساء ثم قال: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾. فكان نهيُ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم مُضادّاً إلى ما نَهَى الله عنه في هذه الآية . وقد سَقَط هنا قومٌ أساؤوا النظرَ جداً، فقالوا: إنَّ ذِكرَ بعضِ ما قلنا في نصٍّ مَّا، وعدَمَ ذكرِهِ في نصٍّ آخَر دليلٌ على سقوطه. وهذا ساقطٌ جداً لأنه لا يلزمُ تكريرُ كلِّ شريعة في كل آيةٍ وفي كلِّ حديث، ولو لَزِمَ ذلك لبطلَتْ جِمِيعُ شرائعِ الدين أوَّلها عن آخِرِها، لأنها غيرُ مذكورةٍ في كلِّ آيَةٍ ولا / في كلِّ حديث. فصحَّ أنه لا تعارُضَ ولا اختلافَ في شيءٍ من القرآنِ والحديثِ الصحيح، وأنه كلَّه متفِق، وبَطَلَ مذهبُ من أراد ضَرْبَ الحديثِ بعضِه ببعض، أو ضَرْبَ الحديثِ بالقرآن، وصَحَّ أنْ ليس شيءٌ من كلِّ ذلك مُخالِفاً لسائرِهِ، عَلِمَهُ من عِلِمَهُ، وجَهِلَه من جَهِلَه، إلا أنَّ الذي ذكرنا من العَمَلِ هو القائمُ في بديهة العقل، والذي يقودُ إليه مفهومُ اللغة التي خُوطبنا بها في القرآنِ والحديث، وبالله التوفيق . فكلُّ ذلك كلفظةٍ واحدةٍ، وخَبَرٍ واحدٍ، موصولٍ بعضُه ببعض، ومضافٍ بعضُه إلى بعض، ومبنّ بعضُه على بعض، إمَّا بعطفٍ، وإمَّا باستثناء. وهذانِ /٢٣٣ ٥٣٦ الوجهانِ أعني العطفَ والاستثناء يُوجِبان الأخذَ بالزائد أبداً. وقد بين ذلك النبي عليه الصلاة والسلام في حُلَّ عُطَارِد، إذْ قال لعمر: إنما يَلْبَسُ هذه من لا خَلاقَ له، ثم بَعَث إليه حُلَّةًّ سِيَراءِ، فأتاه عُمَرُ فقال: يا رسول الله، أَبعثتَ إليَّ هذه وقد قلت في حُلَّةِ عُطَارِدَ ما قلتَ؟ فقال: إني لم أبعثها إليك لِتلبّسها، وفي بعض الأحاديث إنما بعثتُ إليك بها لتُصِيبُّ بها حاجتك. أو كلاماً هذا معناه. ففي هذا الحديثِ تعليمٌ عظيم لاستعمال الأحاديث والنصوص والأخذ بها كلِّها، لأنه صلَّى الله عليه وسلَّم أباح مِلك الحُلَّةِ من الحرير، وبَيْعَها، وهِبَتَهَا، وكسوتها النساءَ، وأَمَرَ عُمَر أن يستثني من ذلك اللباسَ المذكور في حديثِ النهي فقط، وأن لا يَتعدّى مَا أمر إلى غيره، وأنْ لا تَعارُضَ بين أحكامِهِ . وفي هذا الحديثِ أنَّ حكمَه عليه الصلاة والسلام في عينٍ ما حكم على جميع نوع تلك العين، لأنه إنما وَقَعَ الكلامُ على حُلَّةٍ سِيَراء، كان يَبِيعُها عُطَارِد، ثم أَخَبَرَ عليه الصلاة والسلام أنَّ ذلك الحُكمَ جارٍ في كل حُلَّةٍ حرير، وأخبرَ أنَّ ذلك الحكمَ لا يَتعدَّى إلى غير اللباس. وهذا هو قولُنا في عموم الحكم وإبطال القياس. هذا ما قاله ابنُ حزم، ولم يقتصر على ذلك بل وَصَلَه بتتمةٍ فقال(١): فَضْل في تمام الكلام في تعارُضِ النصوص قالَ عليٍّ: وذهَبَ بعضُ أصحابنا إلى تركِ الحديثين إذا كان أحدُهما حاظراً والآخرُ مبيحاً، أو كان أحدُهما مُوجِباً والآخَرُ مُسقِطاً. قالَ: فَيُرجَعُ حينئذٍ إلى ما كُنّا نكونُ عليه لو لم يَرِد ذانِك الحديثانِ . قال علي: وهذا خطأً من جهاتٍ: أحدُها أننا قد أيقنا أنَّ الأحاديث لا تتعارضُ، وإذا بَطَل التعارُضُ فقد بَطَّل الحكمُ الذي يُوجِبُه التعارُضُ، إذ كلُّ شيء بَطَلَ سَبَبُه، فالمسبّبُ فيه باطلٌ بِضرورةٍ الحِسِّ والمشاهدة. (١) ٣٨:٢ و١٦٦:٢. ٥٣٧ الثاني أنهم يَتركُون كلا الخبرينِ، والحقُّ في أحدِهما بلا شك، فإذا تركوهما جميعاً فقد تركوا الحقَّ يقيناً في أحدِهما، ولا يَحِلُّ لأحدٍ أن يَتَرُكَ الحقَّ اليقينَ أصلاً. الثالث أنهم لا يفعلون ذلك في الآيتين اللتينِ إحداهما حاظِرٌ والأخرى مُبِيحة، أو إحداهما مُوجِبةٌ والثانيةُ نافية، بل يأخذون بالحكم الزائدِ، ويَستثنون الأقلُّ من الأكثر. وقد بيَّنا فيما سَلَف أنه لا فَرْقَ في وجوبٍ ما جاء في القرآن وبَيْنَ وجوبٍ ما جاء في كلام النبي عليه الصلاة والسلام. قال علي: وكان من حُجَّتِهم في ذلك أنْ قالوا: إنَّ أَحَدَ الخبرِينِ ناسخٌ بلا شك، ولسنا نَعلمُه بعينه، فلما لم نعلمه لم يَجْز لنا أن نُقدِمَ عليه بغير علم، فَنَدْخُلَ في قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الآية . قال علي: وهذه الحُجَّةُ فاسدةٌ من وجهين: أحدُهما أنهم يَلزَمُهم مثلُ ذلك في الآيتينِ، وهم لا يفعلون ذلك. والوجهُ الثاني أنه لا يَجوزُ أن يقالَ في خَبَرٍ ولا آيةٍ : إنَّ هذا منسوخٌ إلَّ بيقين. ويكفي من بُطلانِ هذا الذي احتجوا به أننا على يقينٍ من أنَّ الحكم الزائدَ على معهودِ الأصلِ رافعٌ لَِّا كان الناسُ عليه قبلَ ورودِهِ، فهو الناسخُ بلا شك، ونحن على شَكٍّ هل نُسِخَ / ذلك الحكمُ بحكمٍ آخَرَ يَرُدُّنا إلى ما كنا عليه أم لا؟ فحرامٌ تركُ اليقين للشكوكِ، وبالله التوفيق. / ٢٣٤ قال عليّ: وقد سَبَق خاطرُ أبي بكر محمد بن داود إلى ما ذهبنا إليه، إلاّ أنه رحمه الله اختُرِمَ قبلَ إنعامِ النظر في ذلك، وذلك أنه قال في كتاب ((الوصول)): والعَمَلُ في الخبرينِ المتعارِضينِ كالعملِ في الآيتينِ ولا فَرْقَ. قال علي: وقال بعضُ أهل القياس نأخذُ بأشبَهِ الخبرينِ بالكتاب والسنة. قال علي: وهذا باطلٌ، لأنه ليس الذي رَدُّوا إليه حُكمَ هذينِ الخبرِينِ، أولَى بأن يُؤخَذَ به من الخبرينِ المردودينِ إليه، بل النصوصُ كلّها سواء في وجوبِ الأخذِ بها والطاعةِ لها، فإذْ قد صَحَّ ذلك بيقين، فماذا الذي جَعَل بعضَها مردوداً، وبعضها ٥٣٨ مردوداً إليه؟ وما الذي أوجَبَ أن يكون بعضُها أصلاً، وبعضُها فَرْعاً؟ وبعضُها حاكماً وبعضُها محكوماً فيه؟ فإن قال: الاختِلافُ الواقعُ في هذينٍ هو الذي حَطَّ درجتَهما إلى أن يُعرَضا على غيرهما. قال عليّ: وهذِهِ دعوى مفتقِرَةٌ إلى برهان، لأنه ليس الاختلافُ لكونِهما معروضاً على غيرهما، لأنَّ الاختلافَ باطل، فظنُّهم أنه اختلافُ: ظَنُّ فاسِدٌ يُكذِّبُه قولُ الله عز وجل: ﴿ولو كان مِن عندٍ غير الله لَوَجَدُوا فيه اختلافاً كثيراً﴾. فإذْ قد أبطل اللّه تعالى الاختلافَ الذي جعلوه سبباً لعَرْضِ الحديثينِ على سُنَّةٍ أخرى، أو آيةٍ أخرى، فقد وَجْبَ ضرورةً أن يَبْطُلَ مُسبَّبُهُ الذي هو العَرْض. وهذا برهان ضروري . قال عليّ: وإذا كانت النصوصُ كلَّها سواءً في باب وجوبِ الأخذ بها، فلا يجوزُ تقويةُ أحدِهما بالآخر، وإنما ذلك من باب طِيب النفس، وهذا هو استحسانُ الباطل، وقد أنكره بعضُهم على بعض. قال عليّ: وقد رَجَّح بعضُ أصحاب القياس أحَدَ الخبرين على الآخَرِ بترجيحاتٍ فاسدة، نذكرها إن شاء الله تعالى ونبينٌ غلَطَهم فيها: فمن ذلك أن قالوا: إذا كان أحَدُ الخبرينِ معمولاً به، والآخَرُ غيرَ معمول به، رجَّحنا بذلكِ الخَبرَ المعمول به على غیر المعمول به . قال عليّ: وهذا باطلٌ لِما نَذكُره بعدَ هذا، إلاّ أننا نقولُ ها هنا جملةً: لا يخلو الخبرُ قبلَ أن يُعمَلَ به من أن يكون حقاً واجباً، أو باطلاً، فإن كان حقاً واجباً لم يزده العملُ به قوة، لأنه لا يمكن أن يكون حَقُّ أَحْقَّ من حَقِّ آخَر في أنه حَقّ، وإن کان باطلاً فالباطلُ لا يُحِقُّه أن يُعمَلَ به .. قال عليّ: وقالوا: إن كان أحَدُ الخبرينِ حاظراً، والآخَرُ مُبيحاً، فإنا نأخذُ بالحاظِرِ وندَعُ الْمُبِيحَ . قال عليّ: وهذا خطأ، لأنه تحكّمٌ بلا برهان ، ولو عَكْسَ عاكسٌ ٥٣٩ فقال: بل نأخذُ بالُبِيحِ لقولِهِ تعالى: ﴿وما جَعَلَ عليكم في الدِّينِ من حَرَجٍ﴾، ولقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ولقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أن يُخُفِّفَ عنكم وخُلِقَ الإِنسانُ ضعيفاً﴾، أمَا كانَ يكونُ قولُهُ أقوى من قولِكم؟ ولكنا لا نقولُ ذلك، بل نقولُ: إنَّ كلَّ أَمْرٍ من الله تعالى لنا فهو يُسْ وهو رَفْعُ الحرج، وهو التخفيفُ، ولا يُسرَ ولا تخفيفَ ولا رَفْعَ حَرَجٍ أعظَمُ من شيء أدَّى إلى الجنة، ونجَّى من جهنم، سواء كان حَظْراً أو إباحةٌ. وقال في فصلٍ آخَرَ: وقد أجاز بعضُ أصحابنا أن يَرِدَ حديثٌ صحيحٌ عن النبي صلَّى الله عليه وسلّم، ويكونَ الإِجماعُ على خلافه. قالَ: وذلك دليلٌ على أنه منسوخ. قال عليّ: وهذا عندنا خطأ فاحشٌ متيقُّنُ لوجهين: أحدُهما أنَّ وُرودَ حديثٍ صحيح يكون الإِجماعُ على خلافِهِ معدومٌ لم يكن قط، فمن ادَّعى أنه موجود فليذكره لنا، ولا سبيل له إلى وجوده أبداً. والثاني أنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّ نحنُ نَزَّلنا الذِّكْرَ وإنَّا له لَخَافِظُون﴾، فما تكفَّلَ الله عز وجل به فهو غيرُ ضائع أبداً. والوَحْيُ ذِكر. / والذِّكْرُ محفوظُ بالنَّصّ، فكلامُه عليه الصلاةُ والسلام محفوظُ بحفظ الله عز وجل، فلو كان الحديثُ الذي ادَّعى هذا القائلُ أنه مُجمّعٌ على تركِهِ، وأنه منسوخٌ كما ذَكَّر، لكان ناسخُه الذي اتفقوا عليه قد ضَاعَ ولم يُحُفَظ. قال علي: ولسنا نُنكِرُ أن يكونَ حديثٌ صحيحٌ وآيةٌ صحيحةُ التلاوة منسوخینِ إما بحديثٍ آخَرَ صحيح، وإما بآيةٍ متلوةٍ، ويكون الاتِّفاقُ على النَّسْخ المذكور قد ثَبَت، إلَّ أننا نقول: لا بُدَّ أن يكون الناسخُ لهما موجوداً أيضاً عندنا، منقولاً إلينا، محفوظاً عندنا، وإنما الذي منعنا منه أن يكونَ المنسوخُ محفوظاً منقولاً مبلَّغاً إلينا، ويكونَ الناسخُ له قد سَقَط ولم يُنقَل إلينا لفظاً، فهذا باطلٌ عندنا معدوم آلبتَّةَ . الفائدةُ الثالثةُ قد عرفتَ فيما سَبَق أن الحديثينِ إذا لاح بينهما التعارُضُ ابْتُدِىءَ أولاً بالجَمْعِ بينهما، فإن لم يمكن ذلك نُظِرَ هل هما مما يمكن وقوعُ النَّسْخ فيه أم لا؟ فإن كانا مما يمكن وقوعُ النسخ فيه، بُحِثَ عن المتأخر منهما، فإن وُقِفَ عليه جُعِلَ ناسخاً وأُخِذَ به / ٢٣٥ ٥٤٠ وتُرِكَ الآخَرُ، وإن كانا مما لا يمكن وقوع النسخ فيه، أو كانا مما يمكنُ وقَوعُ النسخ فيه لكن لم يُوقَف على المتأخِّر منهما بُحِثَ عن الراجحِ منهما، فَإِن عُرِفَ أُخِذَ به وتُرِكَ الآخَرُ، وإن لم يُعرَف الراجحُ منهما تعينُ التوقّفُ فيهما .. قال الأستاذ أبو إسحاق الشيرازي في كتاب ((اللَّمَع)) في باب القولِ في ترجيح أحدٍ اخبرینِ على الآخر(١): وجملتُهُ أنه إذا تعارض خبرانٍ وأمكن الجمعُ بينهما وترتيبُ أحدِهما على الآخرِ في الاستعمالِ فُعِلَ، وإن لم يمكن وأمكّنَ نسخُ أحدهما بالآخر فُعِلَ، على ما بَيِّنْتُه في باب بيانِ الأدلَّةِ التي يجوزُ التخصيصُ بها وما لا يجوز، فإن لم يمكن ذلك رُجِّحَ أحدُهما على الآخَرِ بوجهٍ من وجوه الترجيح . وقد أورد بعضُ العلماء هنا إشكالاً، وهو أنَّ البحثَ هنا إنما هو في تعارُضِ الحديثين المقبولين، وقد سَبَق(٢) قريباً أن الحديثَ المقبولَ إذا عارَضَه حديثٌ غيرُ مقبول أُخِذَ بالمقبولِ وتُرِكَ الآخَرُ، إِذْ لا حُكمَ للضعيفِ مع القوي. وما ذُكِرَ في هذا الموضع يدل على أنَّ الخبرينِ المقبولين قد يكون أحدُهما راجحاً والآخَرُ مرجوحاً، وقد لا يظهَرُ وجهُ الترجيح، فيُتوقَّفُ فيهما. ·وقد تقرّر أنَّ الثقةَ إذا خالَفَهُ من هو أرجحُ منه سُمِّي حديثُه شاذاً، والشاذُّ من المردودِ، وأنَّ الحديثَ إذا وقع الخلافُ فيه بالإِبدالِ في متنِه، أو سنَدِه، ولا مُرجِّحَ سُمِّي حديثُهُ مضطرِباً، والمضطرِبُ من المردود .. فالقولُ المذكورُ وهو تقديمُ الجمعِ، ثم النَّسْخِ، ثم الترجيحِ هو المشهورُ في فَصْلِ التعارض. وذهَبَ بعضُ العلماء إلى تقديمِ الترجيحِ ، ثم الجمعِ، ثم النسخ. وذهَبَ آخَرُون إلى تقديم الترجيح، ثم النسخ، ثم الجمعِ. وقد ذَكَر بعضُ من ذَهَبَ إلى تقديم الترجيحِ على ما سواه أنَّ العقولَ مُطبِقةً على تقديم الراجحِ على غيرهِ، فتقديمُ غيرِهِ عليه هَدْمُ لقواعِدِ الأصول. وأمَّا هذه الأصول فهي من تصرُّفاتِ الْعُقُولِ (٣)، (١) ص ٥٣٠ بشرح ((نزهة المشتاق)). (٣) وقع في الأصل: (العقود)، وهو تحريف. (٢) في ص ٥١٨. i ٥٤١ فكلُّ من أَبدَى فيها وَجْهاً معقولاً قُبِلَ منه وإن خالَفَ المشهور الذي عليه الجمهور. نعم يَسُوغُ تأويلُ المرجوح بعدَ تقديم الراجح عليه، بحَمْلِهِ على الراجح عليه، من غير أن يَنقُصَ شيئاً من معناه، وليس هذا من قَبِيلِ الجمع، فإنَّ الجمعَ هو أن يُحمَلَ كلٌّ منهما على بعض معناه. وأما قولُ من قال: الإِعمالُ أولَى من الإِهمال، فإن أرادَ الإِعمالَ ولو مَعَ رُجحانٍ غيرِهِ عليه / فممنوع، وإن أراد الإِعمالَ مع تساوي الحديثين فمسلّم. /٢٣٦ وقال بعضُ المرجّحين لهذا القولِ: المَخْلَصُ من التعارُضِ من وجهينِ: أحدُهما: مايَرجِعُ إلى الرُّكْن، بأن لم يكن بين الدليلين مماثلةٌ، کنص الكتاب والخبرِ المتواتر مع خبرِ الواحِدِ والقياسِ ، أو خبرِ الواحدِ مع القياس، لأنَّ شرط قبولٍ خبرِ الواحدِ والقياسِ أن لا يكون ثَمَّةَ نَصِّ من الكتاب والسنةِ المتواترة والإِجماع بخلافه . وكذا إذا كان لأحَدِ الخبرينِ من الآحاد، أو لأحَدِ القياسينِ رُجحانٌ على الآخَرِ بوجهٍ من وجوهِ الترجيح، لأنّ العمَلَ بالراجح واجبٌ عند عدَمِ التيقَّنِ بخلافِه، ولا عبرةً للمرجوحِ بمقابَلَةِ الراجح . ولكن هذا إنما يُستقِيمُ بين خَبَرَيْ الواحِدِ وبين القياسينِ، لأنَّ كلّ منهما ليس بدليلٍ مُوجِبٍ للعلم، وإنما يُوجِبُ الظنَّ أو عِلمَ غالبِ الرأي، وهذا يَحَتَمِلُ التزايدَ من حيث القوَّةُ بوجوهِ الترجيح . فأمَّا بين النصين كتاباً وسنةٌ متواترةً في حقِّ الثبوت، فلا يُتصوَّرُ الترجيحُ، لأنَّ العلمَ بثبوتهما قطعيّ، والعلمُ القطعيُّ لا يَحَتَمِلُ التزايدَ في نفسِهِ من حيث الثبوتُ، وإن كان يَحتمِلُه من حيث الجَلاءُ والظهورُ، إلَّ إذا وقَعَ التعارُضُ في مُوجِهما بأنْ كان أحدُهما يُحْكَماً والآخَرُ فيه احتمالٌ فالمُحْكَمُ أولى. وثانيهما: ما يَرجِعُ إلى الشرطِ بأنْ لا يَثْبُتَ التنافي بين الْحُكْمَينِ، ويُتْصَوَّرَ ٥٤٢ الجمعُ بينهما، لاختلافِ المَخَلِّ والحالِّ والقَيْدِ والإِطلاقِ والحقيقةِ والمجازِ واختلافٍ الزمانِ حقيقةً أو دلالةً . وبيانُه أنَّ النصين إذا تعارَضًا ولم يكن أحدُهما خاصَّاً والآخَرُ عاماً، فإمَّا أن لا يكونَ بينهما زمان يَصلُح للنسخ، ففي الخاصَّينِ يُحمَلُ أحدُهما على قيدٍ أو حالٍ أو مجازٍ ما أمكن، وفي العامَّينِ من وجهٍ يُحمّلُ على وجهٍ يتحقَّقُ الجمعُ بينهما. وفي العامَّين لفظاً يُحمَلُ أحدُهما على بعض، والآخَرُ على بعضٍ آخر، أو على القيدِ والإطلاق. وأمَّا أن يكون بينهما زمان يَصلُحُ للنسخ بأنْ كان المكلَّفُ يَتمكَّنُ من الفعلِ والاعتقادِ، أو من الاعتقادِ لا غيرُ على الاختلافِ فيه، فيمكِنُ العملُ بالطريقين: بالتناسخِ والتخصيص، والتقييدِ والحَمْلِ على المجاز في العامَّينِ والخَاصَّينِ. فأصحابُ الحديث يَرَوْنَ العَمْلَ بطريقِ التخصيصِ والبيانِ أولى، والمعتزِلَةُ يَرَوْنَ العَمَلَ بالنسخ أولى. وقال مشايخنا - وهو اختيارُ أبي منصور الماتُرِيدي -: يُنظَرُ في عملِ الأَمَّةِ في ذلك، فإن حَمَلوه على النسخ يجبُ العمل به، وإن ◌َلوه على التخصيص يَجِبُ العَمَّلُ به، وإن لم يُعرَف عَمَلُ الأمَّةِ في ذلك على أحَدِ الوجهين، أو استَوَى عمَلُهم فيه، بأن عَمِلَ بعضُهم على أحَدِ الوجهين، وبعضُهم على الوجهِ الآخَرِ، فَيُرجَعُ في ذلك إلى شهادةِ الأصول، فيُعمَلُ بالوجهِ الذي شَهِدَتْ به. : وإن كان أحدُهما خاصَّاً والآخَرُ عاماً، فإن عُرِفَ تاريخُهما وبينهما زمانٌ يَصِحُ فيه النسخُ، فإن كان الخاصُّ سابقاً، والعامُّ متأخِراً نُسِخَ الخاصُ به، وإن كان العامُ سابقاً والخاصُّ متأخِّراً نُبِخَ من العام بقَدْرِ الخاصِّ ويَبقَى الباقي، وإن ورَدَا مَعاً وكان بينهما زمانٌ لا يَصِحُّ فيهِ النسخُ يُبنَى العامُّ على الخاص، فيكون المرادُ من العام ما وراءَ المخصوص. وهذا قولُ مشايخ العراق والقاضي أبي زید ومن تابعه من ديارنا .. وقالت الشافعية: يُبنَى العامُّ على الخاص في الفصلينِ، حتى إنَّ الخاصَّ السابق ..