النص المفهرس

صفحات 561-580

٥٠٣
القسمُ الثالث ما انفرد به مسلم(١).
القسمُ الرابع ما هو على شرطِهما مما لم يُخرجه واحدٌ منهما .
القسمُ الخامس ما هو على شرط البخاري مما لم يُخرجه .
القسمُ السادس ما هو على شرط مسلم مما لم يخرجه.
القسمُ السابع ما ليس على شرطهما ولا شرطٍ واحد منهما، ولكن صحَّحه أحدُ
الأئمة المعتمدين في ذلك.
وترجيحُ كل قسم من هذه الأقسامِ السبعةِ على ما بعدَه، إنما هو من قَبِيل
ترجيحِ الجملةِ على الجملة، لا ترجيحِ كلِّ واحد من أفرادِهِ على كل واحد من أفرادٍ
الآخَرِ، ولذلك ساغ أن يُرجَّح بعضُ ما في قسمٍ من الأقسامِ على ما قبلَه إذا وُجِدَ
ما يقتضِي الترجيحَ، وذلك كما لو كان الحديثُ عند مسلم مشهوراً، فإنه يُقدَّمُ على
ما في البخاري إذا لم يكن كذلك. وكما لو كان الحديثُ الذي لم يُخرجاه من ترجمةٍ
وُصِفَتْ بكونها من أصحِّ الأسانيد، كمالكٍ، عن نافعٍ ، عن ابن عمر، فإنه يُقدَّمُ على
ما انفرد به أحدُهما مثلاً، لا سيما إذا كان في إسنادِهِ من فيه مقال.
وأما تقديمُ صحيح البخاري على صحيح مسلم فقد صَرَّح به الجمهور، ولم
يُوجَد من أحد التصريحُ بعكسه، ولو صَرَّح أحدٌ بذلك لردَّه عليه شاهِدُ العِيان،
فالصفاتُ التي تدور عليها الصحةُ في كتاب البخاري أتُمُّ منها في كتاب مسلم وأسَدُّ،
وشَرْطُه فيها أقوى وأُشَدّ.
أمَّا رُجحانُهُ من حيث الاتصالُ فلاشتراطِهِ أن يكون الراوي قد ثَبَت له لقاء من
رَوَى عنه ولو مرةً، واكتَفَى مسلم بالمعاصرة. وأمَّا ما أراد مسلم إلزامَ البخاريِّ به من
أنه يَلزمُه أن لا يَقبل العنعنةَ أصلاً، فليس بلازم، لأنَّ الراوي إذا ثَبَت له اللقاءُ مرةً
كان من المستبعَد في رواياتِهِ احتمالُ أن لا يكونَ سَمِعَ منه، وإِذا فُرِضَ ذلك كان
مدلِّساً، والمسألةُ مفروضةٌ في غير المدلِّس.
(١) تقدم هذا التقسيم وتقدَّم نقدُه تعليقاً في ص٢٩٠ - ٢٩٥، فانظره لزاماً.

٥٠٤
وأما رُجحانُهُ منْ حيث العدالةُ والضبطُ، فلأنَّ الرجالَ الذين تُكُلُّمَ فيهم من
رجالٍ مسلم أكثرُ عدداً من الرجالِ الذين تُكُلِّمَ فيهم من رجال البخاري، فَإِنَّ
/٢١٧ الذين انفرد البخاريُّ بهم أربعُ مئةٍ وبضعةٌ وثمانون رجلاً، تُكُلِّمَ بالضعف / في ثمانين
منهم، والذين انفَرَد بهم مسلم ستُّ مئةٍ وعشرون رجلاً، تُكُلَّمَ في الضعف في مئةٍ
وستین منهم .
والذين انفرد البخاريُّ بهم ممن تُكُلَّمَ فيه أكثرُهم من شيوخِهِ، لَقِيَهم وخَبَرَهم
وخَبَرَ حديثَهم، بخلاف مسلم فأكثرُ من انفرد به ممن تُكُلَّمَ فيه من المتقدمين. ولا
شك أنَّ المرء أعرَفُ بحديثٍ شيوخِه من حديث غيرهم ممن تقدَّمَ عنه، على أنَّ
البخاريَّ لم يُكثِرِ من إخراج أحاديثٍ من تُكُلِّمَ فيهم من رجالِهِ بخلافٍ مسلم .
وأما رُجحانُهُ من حيث عدَمُ الشذوذِ والإِعلالِ ونحو ذلك، فلأنَّ ما انتُقِدَ على
البخاري من الأحاديث أقلُّ عَدَداً مما انْتُقِدَ على مسلم، فإن ما انْتُقِدَ عليهما بَلَغ مئتين
وعشرين حديثاً، اشتَرَكا في اثنين وثلاثين منها، واختَصَّ البخاريُّ منها بثمانية
وسبعين، ومسلمٌ بمئةٍ، وإن كان الانتقادُ في أكثر ما انتُقِدَ من أحاديثهما مبنياً على عِلَلٍ
ليست بقادحة .
وأما رُجحانُ نفس البخاري على نفس مسلم في صناعة الحديث فذلك مما
لا ريب فيه، وقد كان مسلم تلميذَهُ وخِرِّيجَه، ولم يزل يستفيد منه ويَتبِّعُ آثارَه.
وقد أشار تقيُّ الدين بن تيمية إلى هذه المسألة في كتاب ((منهاج السنة))(١) حيث
قال: إنَّ التصحيحَ لم يُقُلِّد أئمةُ الحديثِ فيه البخاريَّ ومسلماً، بل جُهُورُ ما صحَّجَاه
كان قبلَهما عندَ أئمة الحديث صحيحاً متلقَّىَّ بالقبول، وكذلك في عَصْرِ هما، وكذلك
بَعْدَهما. قد نَظَر أئمةُ هذا الفن في كتابيهما، ووافقوهما على صحةٍ ما صحّحاه إلاَّ
مواضعَ يسيرة نحوَ عشرين حديثاً(٢)، انتَقَدها عليهما طائفةٌ من الحفاظ. وهذه
المواضع المنتقدَةُ غالبها في مسلم.
(١) ٤: ٥٨ في الطبعة البولاقية، و٢١٥:٧ في الطبعة المحققة ..
(٢) فيه نظر طويل.
i

.--
٥٠٥
وقد انتَصَرَ طائفةٌ لهما فيها، وطائفةٌ قرَّرَتْ قولَ المنتقِد، والصحيحُ التفصيلُ
فإنَّ فيها مواضعَ منتقدةً بلا ريب، مثلُ حديثٍ أم حَبِيبة، وحديثٍ خَلَقَ الله التُربةَ يومَ
السبت(١)، وحديثٍ صلاةِ الكسوف بثلاثٍ ركوعات وأكثر، وفيها مواضعَ لا انتقادَ
فيها في البخاري، فإنه أبعَدُ الكتابين عن الانتقاد، ولا يكاد يَروِي لفظاً فيه انتقادٌ إلَّ
ويَروِي اللفظَ الآخَرَ الذي يُبيِنٌ أنه منتَقَدٌ، فما في كتابه لفظُ منتَقَدٌ إلَّ وفي كتابه ما يُبيِنٌ
أنه منتقَد.
وفي الجملةِ: من نَقَد سبعَةَ آلافٍ درهم فلم يُبهرِج فيها إلاّ دراهمَ يسيرةً، ومع
هذا فهي مفيدةٌ ليست مغشوشةً مَحْضَة، فهذا إمامٌ في صنعتِهِ. والكتابانِ سبعةُ آلافٍ
حديثٍ وكسرُ. والمقصودُ أنَّ أحاديثَهما نَقَدَها الأئمةُ الجهابذةُ قبلَهم وبعدَهم، ورواها
خلائقُ لا يُحصِي عددَهم إلَّ الله، فلم يَنفرِذَا لا بروايةٍ ولا بتصحيح، والله سبحانه
هو الحفيظُ يَحفظُ هذا الدينَ كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نحنُ نَزَّلنا الذِّكْرَ وإِنَّا له
لحافظون﴾(٢) .
هذا، وكما يتفاوَتُ الصحيحُ بالنظر إلى الأوصاف المقتضيةِ للصحةِ فيه،
يَتَفاوَتُ الحَسَنُ بالنظر إلى الأوصافِ المقتضيةِ للحُسْنِ فيه .
وأعلى مراتبِ الحسَن: روايةٌ بَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جده. وعَمْرٍوبن
شعيب، عن أبيه، عن جده. وابن إسحاق، عن التيمي. وأمثالُ ذلك.
ويتلو ذلك روايةُ الحارث بن عبد الله، وعاصم بن ضَمْرَة، وحَجَّاجٍ بن
أَرْطَاة، ونحوِهم ممن اختُلِفَ في تحسين حديثِهِ وتضعيفه.
قال بعض الباحثين: إنَّ الذي له مراتبُ إنما هو الحَسَنُ لذاته، وأما الحَسَنُ
(١) وقع في الطبعتين (خلق الله البَرِيَّة). وهو تحريف! والحديث في ((صحيح مسلم))
١٧: ١٣٣ بشرح الإمام النووي، في أوائل (كتاب صفة القيامة والجنة والنار)، ولفظُهُ (خَلَق الله
التُّربَةَ يوم السبت، وخلق فيها الجبالَ يوم الأحد ... )).
(٢) من سورة الحِجْر، الآية ٩.

٥٠٦
لغيره فلا مراتبَ له، لكن في عباراتٍ أهل الفن ما يدلُّ على أنَّ له أقساماً متعددة،
فإنهم ذكروا أنَّ الحَسَنَ لغيره:
يَشِمَلُ ما كان في رُواتِهِ سَيِّئُ الحفظ ممن كَثُرَ منه الغَلَطُ أو الخطأ، أو مستورٌ
لم يُنقَلِ فيه جَرْحٌ ولا تعديل، أو نُقِلَ فيه الأمرانِ معاً ولم يَترجَّح أحدُهما على الآخَرِ،
أو مدلِّسٌ بالعنعنةِ، لعدمِ منافاةِ ذلك اشتراطَ نَفْيِ الاتّهام بالكذب.
ويَشْمَلُ أيضاً ما فيه إرسالٌ من إمامٍ حافظٍ لا يَشْتِطُ / الاتصال، أو انقطاعٌ
بين ثقتينِ حافظينٍ .
/٢١٨
ولأجل كون ما ذُكِرَ مُوجِباً للتوقّف عن الاحتجاج به اشتَرَطُوا فيه أن لا يَرِدَ مِنْ
طريقٍ آخَرَ مساوٍ لطريقِهِ أو فوقَهُ، لترجيح أَحَدِ الاحتمالين المتساوِيَينِ الْمُوجِبَيْ
للتوقف. وذلك لأنَّ سَيِّىءَ الحفظ مثلاً يحتمِلُ أن يكونَ ضَبَط ما رَوَى، ويَحْتِمِلُ أنْ
لا يكونَ ضَبَطَهُ، فإذا ◌َوَرَد مثلُ ما رواه أو معناه من طريقٍ آخَرَ غَلَب على الظن أنه
ضَبَط. وكلَّما كُثُرَ المتابِعُ قَوِيَ الظنُّ.
وما ذُكِرَ من عدم اشتراطِ الاتصالِ في الحسَنِ لغيره، هو المطابِقُ لما في «جامع
الترمذي)) الذي هو أوَّلُ من عَرَّفَ هذا النوعَ وأكثرَ من ذكره، فقد حَكَم لأحاديثَ
بالحُسْنِ مع وجودِ الانقطاع فيها.
وذكر بعضُ العلماء أنَّ بعضَ الأحاديثِ الضعيفة إذا كَثُرَتْ طُرُقُها قَوَّى بعضُها
بعضاً، وصارت بذلك من قَبِيل الحَسَن، فيُحتَجُّ بها، وقد نحا نحوَ ذلك ابنُ القطان
حيث قال: هذا القِسمُ لا يُحتَجُّ به كلِّهِ، بل يُعمَلُ به في فضائلِ الأعمال، ويُتوقّفُ
عن العملِ به في الأحكام إلَّ إذا كَثُرَتْ طُرُقُه، أو عَضَده اتصالُ عَمَلٍ، أو مُوافِقَةُ
شاهِدٍ صحیح، أو ظاهِرُ القرآن.
واستحسَنَ ذلك الحافظُ ابنُ حجر، وصرَّح في موضعٍ آخَرَ بأنَّ الضعيف الذي
ضَعْفُه ناشىءٌ عن سُوءِ الحفظ، إذا كَثُرَتْ طُرُقُه ارتَقَى إلى مرتبة الحَسَن، ولكنه هُوَ
متوقّفٌ في شُمولِ الحَسَنِ المسمَّى بالصحيح عند من لا يُفرِّقُ بينهما.

٥٠٧
وقد أشار العلامة أبو الفتح تقيُّ الدين محمد بن دقيق العيد في ((الاقتراح))، إلى
التوقُّفِ في إطلاقِ الاحتجاج بالحسَنِ، حيث قال(١): إنَّ ها هنا، أوصافاً يَجبُ معها
قبولُ الرواية إذا وُجِدَتْ في الراوي. فإن كان هذا الحديثُ المسمَّى بالحسَنِ مما قد
وُجِدَتْ فيه هذه الصفاتُ على أقلِّ الدرجات التي يَجِبُ مَعَها القُبُولُ فهو صحيح،
وإن لم توجد فلا يَجُوزُ الاحتجاجُ به وإنْ سُمِّي حَسَناً.
اللهمَّ إلَّا أَنْ يُرَدَّ هذا إلى أمرٍ اصطلاحي، وهو أن يقالَ: إن الصفاتِ التي
يجبُ معها قبولُ الروايةِ لها مراتبُ ودَرَجَات، فأعلاها وأوسَطُها يُسمَّى صحيحاً،
وأدناها يُسمَّى حَسَناً، وحينئذ يَرجِعُ الأمرُ في ذلك إلى الاصطلاحِ، ويكون الكلُّ
صحيحاً في الحقيقة، والأمرُ في الاصطلاح قريب، لكن من أراد هذه الطريقةَ فعليه
أن يَعتبِرَ ما سمّه أهلُ الحديث حَسَناً، ويتحقَّقَ وجودَ الصفاتِ التي يجبُ معها قبولُ
الرواية في تلك الأحاديث. اهـ.
ومن كان لا يحتجُّ بالحسَنِ أبو حاتم الرازي، فإنه سُئل عن حديثٍ فحسِّنه،
فقيل له: أتحتجُ به؟ فقال: إنه حَسَن، فأُعِيدَ عليه السؤالُ مراراً وهو لا يزيد على قوله:
إنه حَسَن. ونحوُهُ أنه سُئِلَ عن عَيْدِ رَبِّه بن سعيد، فقال: إنه لا بأس به، فقيل له :
أتحتجُّ بحديثِه؟ فقال: هو حسَنُ الحديث، الحُجَّةُ سفيانُ وشعبة.
وقد وُجِدَ في كلامِهِم إطلاقُ الحَسَنِ على الغريب، قال إبراهيم النَّخَعيُّ: كانوا
إذا اجتمعوا كَرِهوا أن يُخْرِجَ الرجلُ حِسانَ أحاديثِه. قال ابنُ السمعاني: إنه ◌َنَى
الغرائبَ. ووُجِدَ للشافعيِّ إِطلاقُهُ في المتَّفَقِ على صحتِه. ولابنِ المديني في الحسَنِ
لذاتِه. وللبخاري في الحَسَنِ لغيره.
وقد وُجِدَ إطلاقُه مراداً به المعنى اللغويُّ، كما وقع لابن عبد البرحيث رَوَى في
((كتاب العلم)) حديثَ معاذ بن جبل مرفوعاً: تعلَّمُوا العِلْمِ، فإنَّ تعلُّمَهُ لله خشية،
(١) في ص ١٦٥ .

٥٠٨
وطلَبَهُ عِبادة - الحديث - بطوله، وقال: هذا حديثُ حسَنٌ جداً، ولكن ليس له
إسنادُ قويّ. أراد بالحسَنِ حُبْنَ اللفظ، لأنه من روايةٍ موسى الْبَلْقَاوِي، وهو كذَّابٌ
نُسِبَ إلى الوضع، عن عبد الرحيم العَمِّ، وهو متروك.
قال بعضُ العلماء: يَلزمُ على هذا أن يُطلَق على الحديثِ الموضوع إذا كان
/٢١٩ حسَنَ اللفظِ أنه حَسَنٌ، / وذلك لا يقولُه أحدٌ من المحدِّثين إذا جَرَوْا على
اصطلاحھم .
وقال بعضُهم: يَلزمُ على هذا أن يُوصَفَّ كلُّ حديثٍ ثابتٍ بذلك، لأنَّ
الأحاديثَ كلَّها حَسَنَةُ الألفاظ، بليغة.
والظاهرُ أنَّ المرادَ بالحَسَنِ في مثل عبارة ابن عبد البر ما يَمِيلُ إليه ذو الطبع
السليم إذا طَرَقَ سَمْعَه، لعدم وجودِ شيء يُنكِرُ فيه، فإنَّ أكثر الأحاديث التي يرويها
الضعفاءُ يجدُ السامعُ مِنْهَا حَزَازةً في نفسه، ولذلك قال بعضهم: إنَّ الحديثَ المنكْرَ
يَنْفِرُ منه قلبُ طالبِ العلم في الغالب.
وفي الجملة: حيث اختلَفَ صنيعُ الأئمةِ في إطلاقٍ لفظِ الحسن، فلا يَسوغُ
إطلاقُ القولِ بالاحتجاج به إلَّ بعدَ النظر في ذلك، فما كان منه منطبقاً على الحسَنِ
الذاتِه فهو مقبولٌ يَسوُ الاحتجاجُ به، وما كان منه منطبقاً على الحَسَنِ لغيرِهِ ففيه
تفصيل، فإن وَرَدَ من طُرُقٍ يَحِصُلُ من مجموعها ما يترجَّحُ به جانبُ القبول قُبِلَ
واحتُجَّ به، وما لا فلا. وهذه أمورٌ مُمْلِيَّة لا ينجلي أمرُها إلَّ بالمباشرة.
ومن الألفاظ المستعملة عند أهل الحديث في المقبولِ: الجِيِّدُ، والقويُّ،
والصالحُ، والمعروفُ، والمحفوظُ، والمجوّدُ، والثابتُ، والُشْبِهُ.
فأمَّا الجِيِّدُ فقد سَّوَّى بعضُهم بينه وبين الصحيح. وقد وَقَعَ في كلام الترمذي
حيث قال في الطب: هذا حديثٌ جِيِّدٌ حَسَن. وقال بعضهم: إنه وإن كان بمعنى
صحيح، لكنَّ الجِهْبِذَ من المحدِّثين لا يَعدِلُ عن صحيحٍ إلى جيٍِّ إلَّ لنكتةٍ، كأنْ
يُرِقِيَ الحديثُ عندَهُ عَنِ الحَسَنِ لذاتِهِ، ويَتَرَدَّدَ في بلوغه درجَةً الصحيح، فالوصفُ
به أَنزَلُ رُتبةً من الوصفِ بصحيح .

٥٠٩
وكذا القَوِيُّ.
وأما الصالحُ فإنه شاملٌ للصحيح والحسَنِ لصلاحِيَتِهما للاحتجاج، ويُستعمَلُ
أيضاً في ضعيفٍ يَصلُحُ للاعتبار.
وأما المعروفُ فهو مُقابِلُ المنكَر.
وأما المحفوظُ فهو مقابِلُ الشاذّ.
وأما المجوّدُ والثابتُ فَيَشملانِ الصحيحَ والحسَنَ.
وأما المُشْبِهُ فَيُطلَقُ على الحسَنِ وما يُقارِبُه، فهو بالنسبة إليه كنسبةِ الجَيِّدِ إلى
الصحيح. قال أبو حاتم: أخرج عَمْرُوبن حُصَين الكِلابي أوَّلَ شيءٍ أحاديثَ
مُشْبِهِةً حِسَاناً، ثم أخرَجَ بَعْدُ أحاديثَ موضوعةً فأفسَدَ علينا ما كتبنا.
تنبيه: قولُ الحفاظ: هذا حديثٌ صحيحُ الإِسناد، دُونَ قولهم: هذا حديثٌ
صحيح. وقولهم: هذا حديثٌ حسَنُ الإِسنادُ، دُونَ قولهم: هذا حديثٌ حسن، لأنه
قد يَصِحُ الإِسنادُ أو يَحِسُنُ لثقةِ رجالِهِ دون المتنِ لشذوذٍ أو علة، فإن اقتَصَر على ذلك
إمامٌ مَعتمَدٌ فالظاهِرُ صِحَّةُ المتن وحُسْنُه، لأنَّ الأصل هو عدَمُ الشذوذِ والعلة.
وقال بعض العلماء: الذي لا يُشَكُّ فيه أنَّ الإِمامَ منهم لا يَعدِلُ عن قولِهِ:
صحيح، إلى قوله: صحيحُ الإِسناد إلَّا لأمرٍ مَّا. وعلى كل حالٍ فالتقييدُ بالإِسنادِ
ليس صريحاً في صحةِ المتنِ ولا ضعفِه.
ويَشهَدُ لعدم التلازمِ ما رواه النسائي(١) من حديث أبي بكر بن خَلَّد، عن
محمد بن فُضَيل، عن يحيى بن سعيد، عن أبي سَلَمة، عن أبي هريرة: تَسَخَّروا فإنَّ
في السَّحُورِ بَرَكة. قال: هذا حديثٌ منكر، وإسنادُهُ حَسَن(٢).
وقد أورد الحاكمُ في ((مستدركه)) غيرَ حديث يَحِكُمُ على إسنادِهِ بالصحة، وعلى
(١) في ((السنن)) ٤: ١٤٢، برقم ٢١٥١.
(٢) قال النسائي: ((وأخاف أن يكون الغلط من محمد بن فُضَيل)).

٥١٠
المتن بالوَهَاءِ لعلتِهِ أو شذوذِه. وقد فعل نحوَ ذلك كثيرٌ من المتقدمين. وممن فَعَل ذلك
من المتأخرين الحافظ المِزِّيّ فإنَّه تكرَّر منه الحُكمُ بصلاحِيَة الإِسنادِ ونكَارةِ المتن.
وزيادةُ راوي الصحيحِ والحسَنِ تُقبَلُ مطلقاً إن لم تكن منافيةً لروايةٍ من
لم يَذْكُرها، لأنها حينئذْ كالحديثِ المستقلُّ الذي يَنفَرِدُ به الثقةُ ولا يَرْوِيه عن شيخِهِ
/ ٢٢٠ غيرُهُ. فإن كانت مُنافيةً لها بحيث يَلزَمُ من قبولها رَدُّ الرواية الأخرى بُحِثَ / عن
الراجحِ منهما، فإن كان الراجحُ منهما روايةَ من لم يَذكُر تلك الزيادة لَزِيدٍ ضَبِطِه
أو كثرةِ عَدَدِهِ أو غير ذلك من مُوجِباتِ الرُّجحان رُدَّتْ تلك الزيادةُ، وإن كان
الراجحُ منهما روايةً مَن ذَكَرَ تلك الزيادةَ قُبِلَتْ، وإن لم تَرْجُح إحداهما على الأخرى
بوجهٍ مَّ وهو نادرٌ اختُلِفَ في ذلك، فقال بعضهم: تُقبَل، وقال بعضهم: يُتوقَّفُ
فيها .
وقد اشتَهَر عن جمْع من العلماءِ إِطلاقُ القولِ بقبولِ زيادة الثقة، مع أنَّ قبولها
مقَّدٌ بما ذُكِرَ آنفاً، ولعلَّهم إنما سكتوا عن ذلك اكتفاءً بما ذَكَرُوا في تعريفِ الصحيح
والحسن، من اعتبارِ السلامة من الشذوذِ فيهما، وفسَّرِّوا الشذوذَ بمخالفةِ الثقةِ من هو
أوثَّقُ منه، فلو قَبِلوا زيادةَ الثقة مع منافاتها لروايةٍ من هو أوثَقُ منه، كانوا قد أَخَلُّوا
بما شَرَطوه من السلامةِ من الشذوذ، وفي ذلك من التناقُضِ الجَليِّ ما لا يخفى على
أمثالهم.
وأما الذين لم يُطلِقوا القولَ في قبولِ زيادة الثقة فكثيرٌ منهم من أئمة الحديث
المتقدمين: عبدُ الرحمن بن مَهْدِي، ويحيى القطان، وأحمدُ بن حنبل، ويحيى بن
معين، وعلي بن المديني، والبخاري، وأبو زُرْعة، وأبو حاتم، والنسائي،
والدارقطني، فقد نُقِلَ عنهم اعتبارُ الترجيح في الزيادةِ وغيرها.
ومنهم ابنُ خزيمة، فإنه قيَّد قبولَ الزيادةِ باستواءِ الطرفين في الحفظِ والإِتقان،
فإن كان الساكتُ عَدّداً أو واحِداً أحفَظَ منه، أو لم يكن هو حافظاً وإن كان صَدُوقاً
فإنَّ الزيادةَ لا تُقبَلُ.

٥١١
وقد نحا نحوَه ابنُ عبد البر فإنه قال في ((التمهيد)): إنما تُقبَلُ الزيادةُ إذا كان
راويها أحفَظَ وأتقَنَ ممن قَصَّرَ أو مثلَهُ في الحفظ، فإن كانت من غير حافظٍ ولا متقِن فلا
التفات إليها.
ومنهم ابنُ السمعاني فإنه قيَّد القبولَ بما إذا لم يكن الساكتون ممن لا يَغْفَلَ
مثلُهم عن مثلها عادةً، أو لم تكن مما تَتَوقّرُ الدواعي على نقلِه .
وقد وقع في ((رسالة الإِمام الشافعي)) في الأصول ما يشير إلى أنَّ زيادةَ الثقة
ليست مقبولةً عنده مطلقاً، فإنه قال في أثناءِ كلامِهِ على ما يُعتَبرُ به حالُ الراوي في
الضبطِ ما نصُّهُ(١): ويكونُ إذا شَرِكَ أحداً من الحُفَّاظ لم يُخالِفِه، فإن خالَفَه فُجِدَ
حديثُهُ أَنقَصَ، كان في ذلك دليلٌ على صحةٍ تَخْرَج حديثه، ومتى خالَفَ ما وَصَفْتُ
اُضرَّ ذلك بحديثه. اهـ.
فقد جَعَل زيادةً العدلِ الذي يُخْتَبرُ ضبطُه غيرَ مقبولة إذا خالفَتْ روايةً
الحافظ، بل مُضرَّةً بحديثِه، لدلالتها على قلةِ ضبطِه وتحرِّيه، بخلافٍ نَقْصِهِ من
الحديث لدلالته على تحرِّيه. فإذا كانت زيادةُ العدلِ الذي لم يُعرَف ضبطُه بَعْدُ غيرَ
مقبولة إذا خالفَتْ روايةَ الحافظِ، تكون زيادةُ الثقةِ غيرَ مقبولةٍ إذا خالَفَتْ روايةً من
هو أوثَقُ منه، رِعايةً للراجح في الموضعين.
فإن تصوَّرتَ أنَّ نسبةً العدلِ الذي لم يُعرَف ضبطُه بَعْدُ إلى الحافظِ ليست
كنسبةِ الثقةِ إلى من هو أوثَقُ منه، بل بينهما فَرْقٌ ظاهِر، فافرِضْ المسألةً في حديثٍ وَرَدَّ
من طريقين، رجالُ أحدِهما من الدرجةِ العُلْيَا في رُواةِ الصحيح، ورجالُ الآخَرِ من
الدرجَةِ الدُّنْيَا فِي رُواةِ الحَسَن، غيرَ أنه وقعَتْ في روايتهم زيادةٌ منافيةٌ لما وَقَع في
الروايةِ الأخرى التي إسنادُها من أعلى الأسانيد، فهل تَتَصوَّرُ أنَّ من يَرُدُّ الزيادةَ في
المسألةِ السابقةِ يَتوقَّفُ في رَدِّ الزيادةِ هنا؟ وبما ذكرنا يَظهرُ لك قُوَّةُ مَا ذَهَبَ إليه الحافظُ
ابنُ حجر، من دلالة كلامِ الإِمام الشافعي على أنَّ زيادة الثقة ليست مقبولةً عنده
مطلقاً .
(١) في ص ٤٦٣.

٥١٢
الشاذُّ، والمحفوظُ، والمنكَرُ، والمعروفُ
اختلفوا في حَدِّ الحديثِ الشاذِّ، فقال جماعة من علماء الحجاز: هو مَا رَوَى
٢٢١/٢ الثقةُ مُخالِفاً لما رواه الناسُ، / وعبارةُ الشافعي في ذلك: ليس الشاذُّ من الحديثِ أن
يَروِيَ الثقةُ ما لا يروي غيرُه، إنما الشاذُّ أن يَروِي الثقةُ حديثاً بِخالِفُ ما رَوَى الناسُ.
وهو مُشْعِرٌ بأنَّ مخالفةَ الثقةِ لمن هو أرجَحُ منه - وإن كان واحداً - كافيةٌ في الشذوذِ.
وقال أبو يعلى الخليلي: الذي عليه حُفَّاظُ الحديث أنَّ الشاذَّ ما ليس له إلَّ إسنادٌ
واحدٌ، يَشِذُّ بذلك شيخٌ ثقةً كان أو غيرَ ثقة، فما كان من غير ثقةٍ فمتروٌ لا يُقبَل،
وما كان عن ثقةٍ يُتوقُّفُ فيه ولا يُحتَجُّ به. فلم يَشترط في الشاذِّ تفرُّدَ الثقة بل مُطْلَقَ
التفُّد.
وقال الحاكم: الشاذُّ هو الحديثُ الذي يَتفرَّدُ به ثقةً من الثقات، وليس له
أصلٌ بُتابِعٍ لذلك الثقة. فلم يَشترط فيه مخالفةً الناس، وذكَرَ أنه يُغايِرُ المِعلَّلَ من
حيث إنَّ المعَلَّلَ وُقِفَ على عِلَّتِهِ الدالةِ على جهةِ الوَهَمِ فيه، من إدخالِ حديثٍ في
حديث، أو وَهَمِ راوٍ فيه، أو وَصْلِ مُرْسَل، ونحوِ ذلك. والشاذَّ لم يُوقَفْ فيه على
علةٍ لذلك.
قال بعض العلماء: وهذا مشعِرٌ بأنه أدَقُّ من المعلَّل، فلا يَتمكّنُ من الحكم به
إلَّا من مارَسَ الفَنَّ، وكان في الذِّرْوَةِ العُلْيَا من الفهمِ الثاقبِ والحفظِ الواسع.
ومن أوضح أمثلتِهِ ما أخرجه الحاكم في ((المستدرك))(١) من طريق عُبَيد بن غَنَّام
النّخَعيِ، عن عليّ بن حكيم، عن شَرِيك، عن عطاء بن السائب، عن
أبي الضّحَى، عن ابن عباسٍ قال: في كلِّ أرضٍ نبيٌّ كنبيكم، وآدَمُ كآدم، ونُوحٌ
(١) ٤٩٣:٢. في تفسير سورة الطلاق. عند قوله تعالى: ﴿الله الذي خلق سبع سموات
ومن الأرض مثلَهن﴾، قال: سَبْعُ أَرَضِين، في كل أرض نبي كنبيكم ... وقال الذهبي في
(تلخيص المستدرك)»: صحيح .

٥١٣
كنوح، وإبراهيمُ كإبراهيم، وعيسىَ كعيسى. وقال: صحيحُ الإِسناد. قال البيهقي:
هو صحيحُ الإِسناد، ولكنه شادٍّ بمرَّة.
وما ذكره الخليليُّ والحاكمُ مشكِلٌ، لدخولِ ما تفرَّدَ به العدلُ الضابطُ في الشاذِّ
عندهما. والشذوذُ مُنافٍ للصحة كما عرفتَ في حدِّ الصحيح، مع أنَّ في الصحيحين
أحاديثَ كثيرةً ليس لها إلَّ إسنادٌ واحدٌ تفرَّدَ به ثقةٌ، وذلك كحديثٍ: إنما الأعمالُ
بالنيات، وحديثِ: النهي عن بَيْعِ الوَلاءِ وهِبِه، وغير ذلك.
وقد ذكر ابنُ الصلاح في أمْرِ الشاذِّ تفصيلاً أورده بعدَ أن أنكر على الخليلي
والحاكم ما أتّيًا به من الإِطلاق فيه، فقال:
إذا انفَرَدَ الراوي بشيءٍ نُظِرَ فيه، فإن كان ما انفرَدَ به مخالفاً لما رواهُ من هو أولَى
منه بالحفظِ لذلك وأضبطُ، كان ما تفرَّدَ به شاذاً مردوداً، وإن لم يكن فيه مُخالفةٌ لما
رَوَاهُ غيرُهُ، وإنما هو أمرٌ رواه هو، ولم يَروِهِ غيرُهُ فَيُنظَرُ في ذلك الراوي المنفرِد، فإن
كان عَدْلاً حافظاً موثوقاً بإتقانِهِ وضبطِه قُبِلَ ما انفرَدَ به، ولم يَقدح الانفرادُ فيه كما فيما
سَبَق من الأمثلة، وإن لم يكن ممن يُوثَّقُ بحفظِهِ وإتقانِهِ لذلك الذي انفرَدَ به كان
انفرادُهُ خارماً له، مزحزِحاً له عن حَيِّزِ الصحيح .
ثم هو بعدَ ذلك دائرٌ بين مراتبَ متفاوتةٍ بحسَبِ الحال فيه، فإن كان المنفردُ به
غيرَ بعيدٍ من درجةِ الحافظِ الضابطِ المقبولِ تفرُّدُه، استحسَنا حديثَه ذلك، ولم نَحْطَّه
إلى قَبِيلِ الحديثِ الضعيف، وإن كان بعيداً من ذلك رَدَدْنا ما انفرَدَ به، وكان من
قَبِيلِ الشاذِّ المنكر، فخَرَجَ من ذلك أنَّ الشاذَّ المردودَ قسمانٍ: أحدُهما الحديثُ الفَرْدُ
المخالِف. والثاني الفَرْدُ الذي ليس في راويه من الثقةِ والضبطِ ما يقَعُ جابراً لما يُوجِبُ
التفرُّدُ والشذوذُ من النكارةِ والضعف. اهـ.
وقد حاوَلَ بعضُهم الجوابَ عن الحاكم فقال: إنَّ مقتَضى كلامِه أنَّ في الصحيح الشاذَّ
وغيرَ الشاذ، فلا يكونُ الشذوذُ عنده منافياً للصحة مطلقاً، ويَدلُّ على ذلك أنه ذَكَرَ في
أمثلةِ الشاذِّ حديثاً أخرجه البخاري في ((صحيحه)) من الوجه الذي حَكَم عليه

٥١٤
بالشذوذ، ويُؤَّيِّدُ ذلك ما ذكره الحاكم في الشاذٌّ، من أنه يَنقدِحُ في نَفْسِ الناقد أنه
/٢٢٢ غَلَطْ، ولا يَقدِرُ على إقامة الدليل على ذلك، وما / في الصحيحين من ذلك ليس مما
يَنْقدِحُ فِي نَفْسِ الناقدِ أَنْه غَلَط.
وأما الخليليُّ فإنَّ الجوابَ عنه وإن كان ليس سهلاً كالجواب عن الحاكم، فإنه
يمكن أن يقال: إنه ليس في كلامِهِ ما يَمنعُ تسميةً ما ذُكِرَ من الأحاديث السابقةِ ونحوها
صحيحاً، ولا يُنافي ذلك قولُه: إنه يُتوقّفُ فيه ولا يُحْتَجُّ به. ألا تَرى أنهم يقولون: إنَّ
الحديثين الصحيحين إذا تعارَضًا ولم يُمكِن الجمعُ بينهما ولا ترجيحُ أحدِهما على الآخَرِ
تُوقّفَ فيهما، فالتوقُّفُ في الحديثِ لعارضٍ لا يَمنعُ من تسميتِهِ صحيحاً.
والشذوذُ ونحوُهُ يُطلَقُ غالباً على ما يَتعلَّقُ بالمتن، لوجودِ ما يقتضِي ذلك فيه
أو في طريقهِ، وقد يُطلَقُ على ما يَتعلَّقُ بالمتن أو السَّنَدَ، وعليه يقالُ: الشذوذُ هو
مخالفةُ الثقةِ لمن هو أرجَحُ منه، سواءٌ كانَتْ بالزيادة أو النقصِ في المتنِ أو السند.
مثال الشذوذ في المتن ما رواه أبو داود والترمذي من حديثٍ عبد الواحد بن
زياد، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعاً: إذا صلَّى أحدُكم ركعتَّيْ
الفجر فليضطجع عن يمينه .
قال البيهقي: خَالَفَ عبدُ الواحد العدَدَ الكثيرَ في هذا، فإنَّ الناس إنما رُووه
من فعلِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم لا من قولِه. وانفَرَد عبدُ الواحد من بين ثقاتٍ
أصحاب الأعمش بهذا اللفظ .
ومن أمثلة الشاذ من الأحاديث حديثُ: يومُ عَرَفةِ وأيامُ التشريق أيامُ أَكِلٍ
وشُرب. فإنَّ المحفوظ في ذلك إنما هو أيام التشريق أيامُ أكلٍ وشرب. وقد جاء
الحديثُ من جميع الطرق على هذا الوجه.
وأما زيادةُ يومُ عرفة فيه فإنما جاء بها موسى بنُ علي بن رباح، عن أبيه، عن
عقبة بن عامر، غيرَ أنَّ هذا الحديث وهو حديثُ موسى قد حَكَم بصحتِهِ ابْنُ خزيمة
وابنُ حبان والحاكمُ وقالَ: إنه على شرط مسلم، والترمذيُّ وقالَ: إنه حسَنٌ

٥١٥
صحيح. وكأنهم جعلوها من قَبِيل زيادةِ الثقةِ التي ليس فيها شيء من المنافاةِ لإِمكانٍ
حملها على حاضرِي عَرَفة، فإنّ الصومَ مكروهٌ لهم في ذلك اليوم وإن كان مستحباً
لغیرهم.
ومثالُ الشذوذ في السَّنَدِ ما رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، من طريقٍ
ابن عيينة، عن عَمْرُو بن دينار، عن عَوْسَجَة، عن ابن عباس، أنَّ رجلاً تُوفّ على
عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يَدَعْ وارثاً إِلَّ مَولىَّ هو أعتَقَه، فقال النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم: هل له أحَدٌ؟ فقالوا: لا إلَّ غلامٌ أعتَقَه، فجعَلَ صلَّى الله عليه
وسلَّم ميراثَهُ له. فإنَّ حماد بن زيدٍ رواه عن عَمْروبن دينار، عن عَوْسَجة، ولم يذكُر
ابنَ عباس. وتابَعَ ابنَ عيينة على وصلِهِ ابْنُ جُرَيج وغيرُه، فقال أبو حاتم: المحفوظُ
حديثُ ابن عيينة، مع كونِ حمادٍ من أهلِ العدالةِ والضبط، ولكن رَجَّح رواية من
هم أکثرُ عدداً منه.
هذا ما قيل في الشاذ، ويقالُ لمقابِلِه وهو الراجحُ من متن أو سند: المحفوظُ.
وفي تسميته بذلك إشارةً إلى أنَّ الشاذَّ لما كان أقربَ إلى وقوع الخطأ والوَهَم فيه من
مقابلِهِ الراجحِ عليه بمنزلةٍ غير المحفوظ.
والمعتمدُ في حَدِّ الشاذٌّ بحسَبِ الاصطلاح أنه: ما يَرويه الثقةُ مُخالِفاً لمن هو
أرجحُ منه.
وأما المنكَرُ فقد اختُلِفَ أيضاً في حدِّه، والمعتَمَدُ فيه بحسبِ الاصطلاح أنه:
ما يَروِيِه غيرُ الثقة ◌ُخالِفاً لمن هو أرجَحُ منه.
فهما متباينانِ لا يَصْدُقُ أحدُهما على شيءٍ مما يَصْدُقُ عليه الآخَرُ، وهما يشتركانِ
في اشتراطِ المخالفة، ويمتازُ الشاذُّ عنه بكونِ راوِيه ثقةً، ويمتازُ المنكَرُ عن الشاذِّ بكونٍ
راويه غير ثقة .
وقال بعضُ أهل الأثر: إذا تَفرَّدَ الصَّدُوقُ بما لا مُتَابِعَ له فيه ولا شاهِدٍ،
ولم يكن عنده من الضبطِ ما يُشترَطُ في الصحيح ولا الحسَنِ قيل لما تَفرَّدٌ به / شاذ.
/٢٢٣

٥١٦
وهذا هو أحَدُ القسمين منه. فإن خُولِفَ مع ذلك كان ما تفرَّدَ به أشدَّ في الشذوذ.
وربما سمّاه بعضُهم مُنكَراً. وإن كان عنده من الضبطِ ما يُشتَرَطُ في الصحيح
أو الحسن، لكنه خالَفتَ من هو أرجَحُ منه قيل: لما تفرَّدَ به: شاذٌّ، وهذا هو القسمُ
الثاني من الشاذ، وهذا هو الذي شاع إطلاقُ اسم الشاذِّ عليه .
وإذا تفرَّدَ المستورُ، أو الموصوفُ بسُوءِ الحفظ، أو المضعَّفُ في بعض مشايخه
خاصةً أو نحوِهم، ممن لا يُحكّمُ لحديثهم بالقبولِ بغير عاضد يَعضُدُه، بما لا متابِعَ له
وشاهِدَ: قِيلَ لِمَا تفرَّدَ به: منكر. وهذا هو أحَدُ قِسمَي المنكر، وهو الذي وُجِدِ إطلاقُ
المنكرِ عليه لكثير من المحدِّثين كأحمد والنسائي.
فإن خُولِفَ مع ذلك كان ما تفرَّد به أجدَرَ بإطلاقِ اسمِ المنكَر عليه مما قبلَهِ،
وهذا هو القسمُ الثاني من المنكر، وهو الذي شاع عند الأكثرين إطلاقُ اسم المنكر
عليه .
وذكَّرَ مسلم في مقدِّمة صحيحه ما نَصُّه - وعلامَةُ المنكَر في حديثِ المحدِّث إذا
ما عُرِضَتْ روايتُه للحديثِ على روايةٍ غيرِهِ من أهلِ الحفظ والرِّضَا خَالفَتْ روايَتُهُ
روايتهم ولم تكَد تُوافِقُها، فإن كان الأغلَبُ من حديثه كذلك كان مهجورَ الحديث
غیرَ مقبولِهِ ولا مستعمَلِهِ. اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: والرواةُ الموصوفون بهذا هم المتروكون، فعلى هذا روايةٌ
المتروكِ عند مسلم تُسمَّى منكرة، وهذا هو المختار. وجَعَل ابنُ الصلاح المنكر بمعنى
الشاذُّ وسوَى بينهما، وقَسَم الشاذُّ كما ذكرنا ذلك آنفاً إلى قسمين، وأشار إلى التسوية
بينهما في بحث المنكر حيث قال:
بَلَغنا عن أبي بكر أحمد بن هارون البَرْدِيجي أنه قال: المنكّرُ هو الحديثُ الذي
يَنْفِرِدُ به الرجلُ ولا يُعرِفُ متنُه من غير روايتِهِ، لا من الوجهِ الذي رواه منه ولا من
وجهٍ آخَر. فأطلقَ البَرْدِيجيُّ ذلك ولم يُفصِّل. وإطلاقُ الحكم على التفرُّدِ بالردِّ،
أو النكارة، أو الشذوذِ، موجودٌ في كلام كثير من أهل الحديث، والصوابُ فيه

٥١٧
التفصيلُ الذي بيَّناه آنفاً في شرحِ الشاذِّ، وعند هذا نقول: المنكَرُ ينقسِمُ قسمينٍ على
ما ذكرناه في الشاذّ فإنه بمعناه. اهـ.
وقد أنكَر عليه بعضُ العلماء التسويةَ بينهما، وانتصَرّ له بعضُهم فقال: قد
أطلقوا في غير موضع النكارةَ على رواية الثقةِ مُخالِفاً لغيره، ومن ذلك حديثُ نَزْع
الخاتم حيث قال أبو داود: هذا حديثٌ منكر، مع أنه من رواية همَّام بن يحيى، وهو
ثقةٌ احتَجِّ به أهلُ الصحيح. وفي عبارةِ النسائي ما يفيدُ في هذا الحديث بعينِهِ أنه
يُقابِلُ المحفوظَ، وكأنَّ المحفوظَ والمعروفَ ليسا بنوعينِ حقيقيين تحتهما أفرادٌ مخصوصةٌ
عندهم .
وأَجِيبَ بأنَّ الأولى في مُراعاةِ الأكثَرِ: الغالِبُ في الاستعمال عند جمهور أهل
الاصطلاح. هذا ما قيل في المنكر.
ويقالُ لمقابلِهِ وهو الراجِحُ من متنٍ أو سَنَّدٍ: المعروفُ.
مثالُ المنكر من جهةِ المتن ما رواه النسائيُّ وابن ماجه من حديث أبي زُگيْر
يحيى بن محمد بن قيس، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم قال: كُلُوا البَلَح بالتمر، فإنَّ الشيطان إذا رأى ذلك غاظه،
ويقولُ: عاشَ ابنُ آدَمَ حتى أَكَلَ الجديدَ بالخَلَق.
قال النسائي: هذا حديثٌ منكر (١). تفرَّد به أبو زُكَير. وهو شيخٌ صالح أَخرَج
له مسلم في الُتَابَعَات، غيرَ أنه لم يَبلغ مبلغَ من يُحتَّمَلُ تفرُّده، بل قد أطلق عليه
الأئمةُ القولَ بالتضعيف، فقال ابنُ معين: ضعيف، وقال ابنُ حبان: لا يُحْتَجُّ به،
وقال العُقَيلي: لا يُتَابَعُ على حديثه، وقال ابنُ عدي: أحاديثُه مستقيمةٌ سِوَى أربعةٍ
عَدَّ منها هذا.
(١) أخرجه النسائي في ((السنن الكبرى)) في الوليمة، وقال فيه هناك: هذا حديث منكر.
كما في ((تحفة الأشراف)) للمزي ١٢: ٢٢٤، ولم يخرجه النسائي في ((الصغرى)). وأخرجه ابن ماجه
في الأطعمة في (باب أكل البلح بالتمر) ١١٠٥:٢.

٥١٨
ومثالُ المنكر من جهةِ الإِسناد ما رواه ابنُ أبي حاتم، من طريق حَبِيب بن
/٢٢٤ حبيب وهو / أخو حمزة بنِ حبيبِ الزيَّاتِ المقرىءِ، عن أبي إسحاق، عن العَيْزَار بن
حُرَيث، عن ابن عباس، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: من أقام الصلاةَ
وآتى الزكاةَ وحَجَّ وصامَ وقَرَى الضَّيفَ دَخَل الجنة .
قال أبو حاتم: هو منكر، لأنَّ غيرَ حبيب من الثقاتِ رواه عن أبي إسحاق
موقوفاً، وهو المعروف.
وينقسمُ المقبولُ أيضاً إلى مأخوذٍ به وغير مأخوذٍ به، وذلك لأنه لا يخلو من أن
يَسلَم من مُعارضةِ حديثٍ آخر يُضادُّه أوْ لا:
فإن سَلِمَ من ذلك قيل له: المُحْكَمُ، وحُكمُهُ الأخذُ به بلا توقُّف، وأمثلتُهُ
كثيرةٌ، منها: لا يَقبَلُ اللهِ صلاةُ بغير طهور. وحديثُ: إنما الأعمالُ بالنيات .. .
وإن لم يَسلم من مُعارَضَةِ حديثٍ آخَرَ يُضادُّه، فلا يخلو من أن يكون مُعارِضُه
مقبولاً أولا، فإن كان غيرَ مقبول فالحكمُ للمقبول، إذْ لا حُكِمَ للضعيفِ مع
القوي. وإن كان مقبولاً فلا يخلو من أن يُمكِنَ الجمعُ بينهما بغير تعسُّفٍ أو لا، فإن
أمكن الجمعُ بينهما بغير تُعسُّفٍ أُخِذَ بهما معاً(١)، لظهورِ أن لا تَضادَّ بينهما عند إمعانٍ
النظر، وإنما هو بالنظرٍ لما يبدو في أولِ وَهْلة. ويقالُ لهذا النوع: مُخْتلِفُ الحديث.
وللجَمْع بين الأحاديث المختلفةِ فيه: تأويلُ مختلِفِ الحديث، وهو أمرٌ لا يقومُ به حَقِّ
القيام غيرُ أفرادٍ من العلماء الأعلام، الذين لهم براعةٌ في أكثر العلوم، لا سيما الحديثُ
والفقهُ والأصولُ والكلامُ، وللإِمام الشافعيِّ فيه مصنَّفٌ جليلٌ من جملة كتب الأمّ،
وهو أوَّل من صَنَّف في ذلك.
قال ابن الصلاح: وإنما يَكُلُ للقيام بمعرفةِ مختلِفِ الحديثِ الأئمةُ الجامعون
بين صِناعَتَيْ الحديثِ والفقهِ، الغَوَّاصون على المعاني الدقيقة. واعلَمْ أَنَّ ما يُذكَّرُ في
(١) سيأتي مقابلُ هذا، وهو: المُعَارِضُ القوي الذي لا يمكن الجمعُ بينهما، عند قول
المؤلف ص ٥١٩ : (القسمُ الثاني أن یتضادًّا ... ).

٥١٩
هذا الباب ينقسمُ إلى قسمين:
أحدُهما أن يُمكِنَ الجمعُ بين الحديثينِ ولا يَتعذّرَ إبداءُ وجهٍ يَنْفِي تنافِيَهما،
فيتعينُ حينئذ المصيرُ إلى ذلك والقولُ بهما معاً. ومثالُه حديثُ: لا عَدْوَى ولا طِيَرَةً مع
حديثٍ: لا يُورِدُ مُخْرِضُ على مُصِحّ. وحديثٍ: فِرَّ من المجذوم فِرارَك من الأسد.
ووَجْهُ الجمع بينهما أنَّ هذه الأمراضَ لا تُعدِي بطبعها، ولكنَّ اللّه تَبَارَكَ وتعالى
جَعَل مُخالَطَة المريضِ بها للصحيح سباً لإِعدائِهِ بِمَرَضِه. ثم قد يتخلَّفُ ذلك عن
سببه كما في سائر الأسباب.
ففي الحديثِ الأولِ نَفَى صلّى الله عليه وسلَّم ما كان يعتقدُهُ أهلُ الجاهلية،
من أنَّ ذلك يُعدِي بطبعِهِ، ولهذا قال: فمن أعدَى الأول؟. وفي الثاني أعلَمَ بأنَّ اللّه
سبحانه جعَلَ ذلك سبباً لذلك، وحَذَّرَ من الضررِ الذي يَغْلِبُ وجودُهُ عند وجودِهِ
بفعلِ اللّه سبحانه، ولهذا الحديثِ أمثالٌ كثيرة، وكتابُ ((مُخْتلِفِ الحديثِ)) لابن قتيبة
في هذا المعنى إن يكن قد أحسَنَ فيه من وجهٍ فقد أساء في أشياءَ منه، قَصُرَ باعُهُ فيها،
وأتَى بما غيرُهُ أولى وأقوى.
وقد روينا عن محمد بن إسحاق بن خزيمة الإِمام أنه قال: لا أعرِفُ أنه رُوِيَ
عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم حديثانِ بإسنادينٍ صحيحين متضادَّينِ، فمن كان
عنده فليأتني به لأؤلِّفَ بينهما .
القِسمُ الثاني أن يَتضادًّا بحيث لا يُمكِنُ الجمعُ بينهما، وذلك على ضَرْبَينِ:
أحدُهما أن يَظهَرَ كونُ أحدِهما ناسخاً والآخَرِ منسوخاً، فيُعمَل بالناسخ ويُتْرَكَ
المنسوخُ .
والثاني أن لا تقوم دلالةٌ على أنَّ الناسخَ أيُّهما، والمنسوخَ أيُّهما، فيُفزَعُ حينئذٍ إلى
الترجيح ويُعمَلُ بالأرجحِ منهما والأثبتِ، كالترجيح بكثرةِ الرواة، أو بصفاتهم في
خمسين وجهاً من وجوهِ الترجيحات وأكثرَ، ولتفصيلها موضعٌ غيرُ هذا. اهـ.
وإنما شَرَطوا في مختلف الحديثِ أن يُمكِنَ فيه الجمعُ بغير تعسُّفٍ، لأنَّ الجمع

٥٢٠
/٢٢٥ مع التعسُّفِ لا يكونُ إلَّ بحَمْلِ الحديثينِ المتعارِضَينِ معاً، أو أحدِهما، / على وجهٍ
لا يُوافِقُ منهجَ الفصحاءُ، فضلاً عن منهج البلغاءِ في كلامهم، فكيف يُمكِنُ حينئذ
نسبةُ ذلك إلى أفصحِ الخلق وأبلغهم على الإطلاق، ولذلك جعلوا هذا في حكم
ما لا يُكِنُ فيه الجمعُ. وَقَد تَرَك بعضُهم ذكرَ هذا القيدِ اعتماداً على كونِهِ مما لا يخفى .
وقد أنكر كثيرٌ من المحققين كلَّ تأويلٍ بعيدٍ وإن لم يَتبيّنَّ فيه التعسُّفُ، حتى
تَوقَّفوا في كثير من الأخبار التي رواها الثقاتُ، لأَمْرٍ دعاهم إلى ذلك، مع أنهم
لو أوَّلُوها كما فَعَل غيرُهم لزال سَبَبُ التوقُّف، ولكنْ لَّا رأوا التأويلَ فيها لا يخلو عن
بُعْدٍ لم يلتفتوا إليه، ومنهم العلامة تقي الدين بن تيمية، فإنه مع كونه کابن حزم في
شدةِ الميلِ إلى التمسكِ بالآثارِ متى لاحَتْ عليها أَمارةٌ من أماراتِ الصحة:
حَكَمَ بِغَلطِ الراوي في روايةٍ: وَأَنَّه يُنشِىءُ للنار خَلْقاً. وذلك في حديثٍ:
تخاصُمِ الجنةِ والنار إلى ربِّهما، المذكورِ في البخاري، في بابٍ إِنَّ رحمةَ الله قريبٌ من
المحسنين. وقال: إنَّ الصوابَ في ذلك ما رواه في موضع آخر وهو: وأما الجنّةُ
فُيُنشِىءُ الله لها خَلْقاً. غيرَ أنَّ الراويَ سَبَق لسانُهُ إلى النار عِوَضاً عن الجنة.
مع أنَّ كثيراً من العلماء ذهبوا إلى تأويله مع معارضيتِهِ في الظاهر لقوله سبحانه
وتعالى: ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّك أحداً﴾(١). وذلك للتخلّصِ من نسبةِ الغلط إلى الراوي؛
فقال بعضُهم: المرادُ بالخَلْق ما يكونُ من غير ذوي الأرواح، وذلك كأحجارٍ تُلقَى في
النار. وذلك لئلا يَلزَمَ أنْ يُعذَّبَ أحدٌ بغير ذنب. وقال بعضُهم: لا مانعَ أن يكونَ
المنشأُ للنار من ذوي الأرواح، غيرَ أنهم لا يُعذَّبون بها، وذلك كما في خَزَنتِها من
الملائكة. وثَمَّ تأويلاتٌ أخرى لا يليقُ ذكرُها إلَّ بمن لا يَعرِفُ قَدْرَ القولِ الفصل.
وحَكَمَ بَوَهَمِ الراوي في زيادةٍ: ولا يَرْقُونِ. في الحديث الذي ثبَتَّ في
الصحيحين عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال في وصفِ السبعين ألفاً الذين
يَدخُلون الجنة بغير حساب: إنهم لا يَكْتُوُون، ولا يَسترقُون، ولا يتَطَّرون، وعلى
(١) من سورة الكهف، الآية ٤٩.

٥٢١
رَبِّهم يتوكلون. وهذه الزيادة وهي: ولا يَرْقُون: وقعَتْ في إحدى روايات مسلم.
واستدلَّ على كونها وَهَماً بكونِ الراقي مُحسِناً إلى أخيه، وقد قال النبيُّ صلَّى الله
عليه وسلَّم وقد سُئِلَ عن الرَّقْي: من استَطاعَ منكم أن يَنفَعَ أخاه فلينفَعْه. وقال:
لا بأسَ بالرَّفْي ما لم يكن شركاً.
وجَعَلَ الفَرْقَ بين الراقي والمسترقِي أَنَّ الراقِيَ مُحسِن نافعٌ، والمسترقِيَ مُلتِفِتْ
إلى غير الله بقلبِه، مع أنه يمكن تخصيصُ الراقي هنا بمن كان معتمداً على رُقْيَتِهِ،
معتقِداً عِظَمَ نفعِها للمسترقِي، مُلتَفِتاً إلى ذلك كما هو مشاهَدٌ في بعض الرُّقاةِ،
فيكون في حكم المسترقِي من جهةٍ قُوَّةِ التعلُّق بالأسباب.
وإن لم يمكن الجمعُ بينهما، فلا يخلو متعلَّقُهما من أن يكون مما يمكن وقوعُ النَّسْخِ
فيه أولا، فإن كان متعلَّقُهما مما يمكنُ وقوعُ النَّسْخِ فيه بُحِثَ عن المتأخِّر منهما، فإن
عُرِفَ أُخِذَ به وكان هو الناسخَ والآخَرُ هو المنسوخَ.
مثالُ ذلك ما رواه مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك: أن
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم رَكِبَ فَرَساً فصُرِعَ عنه فجُحِشَ شِقُه الأيَمَنُ، فصلَّ
صلاةً من الصلواتِ وهو قاعدٌ، فصلَّينا وراءه قُعُوداً، فلما انصرَفَ قال: إنما جَعَلَ الله
الإِمامَ لِيؤْتَمَّ به، فإذا صَلَّى قائمً فصَلُّوا قياماً، وإذا رَكَع فاركعوا، وإذا رَفَع فارفعوا،
وإذا قال سَمِعَ الله لمن حَمِدَه فقولوا: رَبَّنا ولك الحمدُ، وإذا صلَّى جالساً فصلُّوا جُلوساً
أجمَعُون .
وما رواه مالك أيضاً، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنَّ رسول الله صلَّى الله
عليه وسلَّم خَرَج في مَرَضِهِ فأتى أبا بكر وهو قائمٌ يُصلِّ بالناس، فاستأخَرَ أبو بكر،
فأشار إليه رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ كما أنتَ، فجَلَس رسولُ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم إلى جنبٍ أبي بكر، فكان أبو بكر يُصلِّ بصلاةِ رسولِ الله، / وكان /٢٢٦
الناسُ يُصلُّون بصلاةِ أبي بكر. اهـ.
فلمّا كانت صلاةُ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قاعداً والناسُ خَلْفَهُ قياماً في

٥٢٢
مَرَضِه الذي مات فيه، عَرَفنا أنَّ أمرَهُ الناسَ بالجلوسِ فِي سَقْطَتِهِ عَنِ الفَرَسِ كان
قبلَ ذلك، فتكون صلاتُهُ قاعداً والناسُ خَلْفَهُ قياماً ناسِخةٌ لِأنْ يَجلِسَ الناسُ
بِجُلوسِ الإِمامِ ، ومُوافِقَةً لما أجمَعَ عليه الناسُ من أنَّ الصلاةَ قائماً إذا أطاقها المصلِّ،
وقاعداً إذا لم يُطِق ذلك، وأنْ ليس للمُطِيق القيامُ منفرداً أن يُصلِّ قاعداً، فيُصِّ
المريضُ خلفَ الإِمامِ الصحيحِ قاعداً، والإِمامُ قائماً، ويُصلِّ الإِمامُ المريضُ جالساً
ومن خَلْفَه من الأصحَّاءِ قياماً، يُصلِّ كلٍّ منهما فَرْضَه كما لو كان منفرداً. ولو استَخْلَفَ
الإِمامُ غيرَه كان حَسَناً.
وقد وَهِمَ بعضُ الناس وقال: لا يُؤْمِّنَّ أحدٌ بعدَ النبي صلَّى الله عليه وسلّم
جالساً، واحتجَّ بحديثٍ رواه منقطعاً عن رجلٍ مرغوب عن الرواية عنه، لا يُثْبُتُ
بمثلِهِ حُجَّةٌ على أحدٍ، فيه: لا يُؤْمِّنَّ أحدٌ بَعْدِي جالساً.
وإن كان متعلَّقُ الحديثين مما لا يمكنُ وقوعُ النسخ فيه كالخَبَرِ المحض، أو كان
مما يمكنُ وقوعُ النسخ فيه كالأمر والنهي، ولكن لم يُعرَف المتأخّرُ منهما، نُظِرَ في
المرجّحات، فإن وُجِدَ في أحدِهما ما يقتضي رُجحانَه على الآخَرِ أُخِذَ به وتُرِكَ الآخر،
فإن لم يُوجَد ذلك وجب التوقُفُ فيهما.
أما في القسمِ الأول وهو ما لا يمكنُ وقوعُ النَّسْخِ فيه، فلأنَّ التعارُضَ فِيه بين
الحديثين إنما يكون بالتناقض، والتناقضُ بين الخبرينِ يدل على أنَّ أحدَهما كذب
قطعاً، فلا يكونُ صادراً من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. ولَّا كان غيرَ متَعيِّن وجَبَ
التوقُفُ في كل منهما احتياطاً في أمرِ الدِّين. وأَمْرُ التوقفِ هنا مما لا يُظَنَّ أنه تَوقّفُ فيهِ
أحدٌ يُعرَفُ.
وقد بَلَغَ الإِفراطُ في الاحتياطِ ببعض المعتزلة وهو أبو بكر بن كَيْسَان الأصمُّ
البصريُّ، إلى أنْ قالَ كما ذكره ابن حزم: لو أنَّ مئةَ خبرِ مجموعةً قد ثَبَتَ أنها كلّها.
صِحاح إلَّ واحداً منها، لَا يُعرَفُ بعينِهِ أيُّها هو، فإنَّ الواجبَ التوقُّفُ عن جميعِها.
وأما القسمُ الثاني وهو ما يمكنُ وقوعُ النَّسْخ فيه، فلأنَّ التعارُضَ فيه بين