النص المفهرس

صفحات 541-560

٤٨٣
ولو قال: أجَزتُ لك كذا إن شئتَ روايته عني، أو أجَزتُ لك كذا إن شئتَ
أن ترويَ عني، أو أجَزتُ لفلانٍ إن شاء الروايةَ عني، فالأظهَرُ الأقوى أنَّ ذلك جائز،
إذ قد انتَفَتْ فيه الجهالةُ وحَقِيقَةُ التعليق، ولم يَبْقَ سوى صيغتِهِ، وهو تصریحُ بمقتّضَ
الحال، ومقتضى الحالِ في كل إجازةٍ تفويضُ الروايةِ بها إلى مشيئةِ المجازِ له، فكان
هذا مَعَ كونِهِ بصيغةِ التعليقِ تصريحاً بما يَقتضِيه الإِطلاقُ وحكايةً للحالِ لا تعليقاً في
الحقيقة .
النوعُ السادسُ: الإِجازةُ للمعدوم، وهي على قسمين: أحدُهما أن يَعِطِفَ
المعدومَ على الموجودِ كأن يقول: أجَزتُ لفلانٍ ولمن يُولَدُ له. والثاني أن يُخْصِّصَ
المعدومَ بالإِجازة من غير عطف كأن يقول: أجَزتُ لمن يُولَدُ لفلان، وهو أضعَفُ من
القسم الأول. والأولُ أَقَرَبُ إلى الجواز:
وحكى ابنُ الصلاح عن أبي نَصْر بن الصباغ أنه بَيْنَ بُطلانها، قال
ابن الصلاح: وذلك هو الصحيحُ الذي لا ينبغي غيرُه، لأنَّ الإِجازة في حكم الإِخبار
جُملةً بالُجاز، فكما لا يَصِحُّ الإِخبارُ للمعدومِ لا تَصِحُّ الإِجازةُ له، ولو قدَّرْنا أنَّ
الإِجازَةَ إذنْ فلا يصحُّ ذلك أيضاً للمعدوم، وهذا يُوجِبُ أيضاً بُطلانَ الإِجازة للطفل
الصغير الذي لا يَصحُ سَمَاعُه.
النوع السابع: الإِجازةُ لمن ليس بأهلٍ حينَ الإِجازة للأداءِ والأخذِ عنه،
وذلك يَشْمَلُ صُوَراً لم يَذكر ابنُ الصلاح منها إلَّ الصبيَّ، ولم يُفرِده بنوع بل ذكره في
آخِرِ الكلام على الإِجازةِ للمعدوم.
والإِجازةُ للصبي إن كان مميّزاً فهي صحيحة كسماعِه، وقد نُقِلَ خلافٌ
ضعيفٌ في صحةٍ سماعِه، غير أنه لا يُعتَدُّ به. وإن كان غيرَ ممِّز فقد اختُلِفَ فيه فقال
بعضهم: لا تصحُّ الإِجازةُ له كما لا يَصِحُّ السماعُ له، وقال بعضُهم: تصحُّ الإِجازةُ
له، وقال بذلك الخطيب، واحتَجَّ له بأن الإِجازة إنما هي إباحةُ المجيزِ المجازّ له أن
يَروي عنه، والإِباحةُ تَصِحُّ للعاقِل وغير العاقل، وقال: وعلى هذا رأينا كافَّةً شيوخِنا
يُجيزون للأطفالَ الغُيَّبِ عنهم، من غيرَ أن يَسألوا عن مَبلغِ أسنانهم وحالٍ تمييزهم

٤٨٤
ولم نرهم أجازوا لمن لم يكن مولوداً في الحال.
وأمَّ الإِجازةُ للكافر فقال الحافظُ العراقي(١): لم أجد فيها نقلاً، وقد تقدَّم أنَّ
سماعَهُ صحيح، ولم أجد عن أحدٍ من المتقدمين والمتأخرين الإِجازةً للكافر، إلاّ أنَّ
شخصاً من الأطباء ممن رأيتُهُ بدمشق ولم أسمع عليه، يقال له: محمدُ بنُ
عبد السيِّد بن الدَّيَّن، سَمِعَ الحديثَ في حالِ يهوديتِهِ على أبي عبد الله محمدٍ بنِ
عبد المؤمن الصُّوْرِي، وَكُتِبَ اسمُهُ في طبقةِ السماع مع السامعين، وأجاز
ابنُ عبدِ المؤمن لمن سَمِعَ(٢)، وهو من جملتِهم، وكان السماعُ والإِجازةُ بحضورِ
الحافظ أبي الحجاج يوسف بن عبد الرحمن المِّي. وبعضُ السماع بقراءته، وذلك في
غير ما حديثٍ، منها جُزءُ ابن ◌ُمَير، فلولا أنَّ المِّيَّ يَرى جواز ذلك ما أَقَرَّ عليه، ثم
هَدَى اللّه ابنَ عبدِ السيد المذكورَ للإِسلام، وحَدَّثَ وسَمِعَ منه أصحابنا. اهـ. وأما
الإِجازةُ للفاسقِ والمبتدِعِ فهي أولى بالجوازِ من الإِجازةِ للكافر، وَيُؤدِّيان إذا زال المانعُ.
النوعُ الثامِنُ: إجازَةُ ما لم يَسمعه الُجيزُ ولم يَتَحمَّلْه بعدُ، ليروِيَه المجازُ له إذا
تحمَّله الُجيزُ بعدَ ذلك. وقد اختُلِفَ فيها فقال بعضُهم: هي غيرُ صحيحة، وقال
بعضهم: هي صحيحة .
/٢٠٧
قال ابنُ الصلاح: ينبغي أن يُبنى هذا على أنَّ الإِجازةَ في حكم الإخبارِ بالمجاز
جملةً، أوهي إِذْنٌ، فإن جُعِلَتْ في حكم الإخبارِ لم تصحَّ هذه الإِجازةُ، إذ كيف
يُخْبِرُّ بما لا خَبَرَ عندَهُ منه. / وإن جُعِلَتْ إِذْناً انبَنِى هذا على الخلافِ في تصحيح الإِذنِ
في باب الوكالةِ فيما لم يَمْلِكْه الموَكَّلُ بَعْدُ، مثل أن يُؤكِّلَ في بَيْعِ العبدِ الذي يُرِيدُ أَنَ
يَشترِيَه، وقد أجاز ذلك بعضُ أصحاب الشافعي، والصحيحُ بُطلانُ هذه الإِجازة.
وعلى هذا يتعين على من يَروي بالإِجازةِ عن شيخٍ أجاز له جميعَ مسموعاتِه مثلاً: أن
(١) في ((شرح الألفية)) ٧٧:٢. وقوله: وقد تقدَّم ... أي في ١٤:٢.
(٢) وقع في الأصل سَقْطُ لفظِ (ابنِ).

٤٨٥
يَبحَثَ حتى يَعلَم أنَّ ذاك الذي يُريدُ روايتَهُ عنه ممّا سَمِعَهُ قبلَ تاريخ هذه الإِجازة(١).
وأما إذا قال: أجَزتُ لك ما صَحَّ وما يَصِحُّ عندَك من مسموعاتي، فهذا ليس
من هذا القَبِيل، وقد فعله الدارقطنيُّ وغيرُه. وجائزٌ أن يَرويَ بذلك عنه ما صَحَّ عنده
بعدَ الإِجازة أنه سَمِعَه قبل الإِجازة، ويَجُوزُ ذلك وإن اقتَصَر على قولِهِ: ما صَحَّ
عندك، ولم يقل: وما يصحُّ، لأن المرادَ أَجَزتُ لك أن تَروِيَ عني ما صَحَّ عندك،
فالمعتبرُ إذاً فيه صحةُ ذلك عنده حالةَ الرواية.
النوعُ التاسعُ: إجازةُ الُجازِ، كأن يقولَ: أَجْزتُ لك مُجازاتي، أو أجَزتُ لك
روايةَ ما أُجِيز لي روايتُه .
وقد مَنَع من ذلك بعضُهم وصَنَّفَ فيه جزءاً، وذلك لأن الإِجازة ضعيفةٌ فَيَشتُّ
ضعفُها باجتماع إِجازتين.
والمشهورُ الذي عليه العمَلُ أنَّ ذلك جائز، وقد حكى الخطيبُ تجويزَ ذلك عن
الدارقطنيٍّ وأبي العباس بن عُقْدَة وغيرهما، وقد فعَلَه الحاكمُ في ((تاريخه))، وقد كان
الفقيهُ الزاهدُ نَصْرُ بن إبراهيم الْمَقدِسي يِروي بالإِجازة عن الإِجازةِ، وربما تابَعَ بين
ثلاث منها .
وينبغي لمن يَروِي بالإِجازة عن الإِجازة أن يَتَأمَّل كيفيةَ إجازةٍ شيخٍ شيخِهِ
الشيخِهِ ومقتَضَاها، حتى لا يَروِيَ بها ما لم يندرج تحتها، فإذا كان مثلاً صُورةُ إجازةٍ
شيخِ شيخِهِ: أجَزتُ له ما صَحَّ عندَه من سماعاتي، فرأى شيئاً من مسموعاتٍ شيخِ
شيخِهِ، فليس له أن يَروِيَ ذلك عن شيخِهِ عنه، حتى يَستبينَ أنه مما كان قد صَحَّ
عند شيخِه كونُهُ من مسموعاتِ شيخِه الذي أجازه على ذلك الوجه، ولا يكتفيَ
بمجرَّدٍ صِحَّةٍ ذلك عندَهُ الآن، عملاً بلفظِهِ وتقييدِهِ، ومن لا يتفطّنُ لهذا وأمثالِهِ يكُثُ
عِثارُه .
(١) وقع في الأصل: (بما سَمِعَه قبلَ ... ). وهو تحريف عن (مَا)، كما في مقدمة
ابن الصلاح.
1

٤٨٦
هذه أنواعُ الإِجازةِ المجرَّدَةِ، وبقي نوعٌ آخَرُ وهي الإِجازةُ المقرونةُ بالمناوَلة،
وهي أعلى أنواع الإِجازةِ على الإطلاق، ولها صُوَرٌ أعلاها أن يَدفع الشيخُ إلى الطالب
أصلَ سماعِه أو فَرْعَهُ مُقَابَلاً به، ويقولَ: هذا سَماعِي، أو روايتي، عن فلان فازْوِهِ
عني، أو أجَزتُ لك روايتَهُ عني، ثم يُلِّكَه إياه، أو يقولَ له: خُذْهُ وانسَخْهُ وقابِل
به، ثم رُدَّهُ إِلِيَّ، أو نحو ذلك.
وقد ذَكَر البخاريُّ الحُجَّةَ على صحة المناولةِ في کتاب العلم، في (باب ما يُذكَرُ
في المناولةِ وكتابٍ أهل العلم بالعلم إلى البُلدان)(١)، حيث قالَ: واحتَجَّ بعضُ أهل
الحجاز في المناولة بحديث النبي صلَّى الله عليه وسلَّم حيث كتَبَ لأميرِ السَّرِيَّةِ كتاباً
وقال: لا تقرأه حتى تبلُغَ مكانَ كذا وكذا، فلما بَلَغ ذلك المكانَ قرأه على الناس،
وأخبَرَهم بأمرِ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم.
حدَّثنا إسماعيل بن عبد الله، قال: حدثني إبراهيم بن سَعْد، عن صالح، عن
ابن شِهاب، عن عُبيد الله بن عبد الله بن عُتبة بن مسعود، أنَّ عبد الله بن عباس
أخبَرَه أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بَعَثَ بكتابِهِ رجلاً، وأمَرَه أن يَدِفْعَهُ إلى
عظيمِ البَحْرَينِ، فدفَعَه عظيمُ البحرين إلى كِسْرَى، فلما قرأه مَزَّقه، فحسِبتُ أنَّ
ابنَ المسَيِّب قال: فدعا عليهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يُزَّقوا كلِّ مُمَّق.
ووَجْهُ الدلالةِ في الأوَّلِ أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ناوَلَ أميرَ السرية كتاباً
بدون أن يقرأه عليه، فجاز له الإِخبارُ بما في الكتاب بمجرَّدِ المناولة. وَوَجْهُ الدلالةِ في
الثاني أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم ناوَلَ رسولَهُ الكتابَ ولم يَقرأه عليه، فجاز أن
/٢٠٨ يُسنِدَ ما فيه إليه ويقولَ هذا كتابُ رسول الله، وتقومُ الحجّةُ به / على المبعوثِ إليه كما
لو شافَهَهم النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بذلك. وينبني على ذلك أنَّ الشيخَ إذا ناوَلَ
الطالبَ كتاباً جاز له أن يروي عنه ما فيه.
هذا، والمناولةُ المقرونةُ بالإِجازةِ حالَّةٌ محلَّ السماعِ عندَ جماعة من أئمة
(١) ١ :١٥٣.

٤٨٧
الحديث، وقد غلا بعضُهم فجعَلَها أرفعَ من السماع، لأنَّ الثقة بكتابِ الشيخ مع
إذنِهِ فوق الثقةِ بالسماع منه وأثبَتُ، لِمَا يَدْخُلُ من الوَهَم على السامعِ والْمُسْمِعِ(١).
والصحيحُ أنها منحطةٌ عن السماعِ من الشيخ والقراءةِ عليه.
وأما المناولةُ المجرّدةُ عن الإِجازةِ كأن يُناوِلَه الكتابَ مقتَصِراً على قوله: هذا من
حديثي، أو سماعي، ولا يقولَ: ارْوِهِ عني، ولا أجْزتُ لك روايته عني، ونحوذلك، فهذه
روايةٌ مختلَّةٌ لا تجوزُ الروايةُ بها. وعابها غيرُ واحدٍ من الفقهاءِ والأصوليين على المحدِّثين الذين
أجازوها وسَوَّغوا الروايةً بها. وحكى الخطيبُ عن طائفةٍ من أهلِ العلم أنهم صَحّحوها
وأجازوا الروايةَ بها .
والمشهورُ في فِعل الإِجازة أن يُعدَّى باللام، فيقالَ: أجَزتُ لفلانٍ، وأجاز
بعضُهم أن يقال: أجَزتُ فلاناً، قال ابن الصلاح: روينا عن أبي الحسن أحمدَ بنِ
فارس الأديبِ المصنَّف رحمه الله أنه قال: معنى الإِجازةِ في كلام العرب مأخوذٌ من
جَوَازِ الماء الذي يُسقاهُ المالُ من الماشيةِ والحَرْثِ، يقال منه: اسْتَجَزتُ فلاناً فأجازني
إذا أَسْقَاكُ مَاءً لأرضِك أو ماشِيتِك، كذلك طالبُ العلمِ يَسألُ العالمَ أن يُحِيزَهُ عِلْمَهُ
فُيُجِيزَهُ إياه.
قلتُ: فللمجيزِ على هذا أن يقولَ: أجَزتُ فلاناً مسموعاتي، أو مَرْوِيَّاتي،
فُيُعدِّيَه بغير حرفِ جر، من غير حاجةٍ إلى ذكرٍ لفظِ الرواية أو نحو ذلك. ويَحتاجُ إلى
ذلك من يَجَعَلُ الإِجازةَ بمعنى التسويغِ والإِذنِ والإِباحة، وذلك هو المعروفُ فيقول:
أَجَزتُ لفلانٍ روايةً مسموعاتي مثلاً، ومن يقولُ منهم: أَجَزتُ له مسموعاتي فعلى
سبيلِ الحذفِ الذي لا يَخْفَى نظيره. اهـ.
وما رواه ابنُ الصلاح عن ابنٍ فارس، هو مما ذَكَرِه في جُزءٍ له صغير سَمَّاه
((مأخَذَ العلم))، وقد أورَدَ ذلك في بابِ الإِجازة، وقد رأيتُ أن أُورِدَ نُبَذَأَ منه، مما
يتعلَّقُ بما نحن فيه إعماماً للفائدة.
(١) وقع في الأصل: (على السامع والمستمع)، وهو تحريف عن (المُسْمِع) كما أثبته.

٤٨٨
فأمَّ الإِجازةُ فأن يَكْتُبَ العالم بخَطِّه أو يُكتَبَ عنه بأمرِهِ : إني أَجَزتُ لفلانٍ أن :
یروي عني ما صَحَّ عنده من حديثي، أو مؤلفاتي، وما أشبه هذا من الكلام، فذلك
أيضاً في الجوازِ والقوةٍ كالذي ذكرناه في المناولةِ وغيرها، وهذا مذهبُ مالكٍ
وأبي حنيفة والحسَنِ بن عُمَارة وابنِ جُرَيج وغيرهم من العلماء.
والدليلُ على صحةِ الإِجازة ما حدثنا عليٌّ بن مَهْرُويّةْ، حدثنا أحمد بن
أبي خَيْئَمة، حدثنا أحمد بن أيوب، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا محمد بن إسحاق،
قال: بَعَثَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عبدَ الله بنَ جَحْشِ بنِ رِيَاب وأصحابَهُ،
وبعَثَ معهم كتاباً، وأمَّرَهُ أن لا يَنظُرَ فيه حتى يَسِيرَ يومينٍ، ثم يَنظُرَ فِيهِ، فَمَضَى لَمَا
أَمَرَه به، فلما سار عبدُ اللهَ يومين فَتَح الكتابَ فإذا فيه: إذا نظرتَ في كتابي هذا
فَأَمْضٍ حتى تَنْزِلَ نَخْلَةً بين مكة والطائف، فترصَّدْ بها قريشاً وتعلَّمْ لنا من
أخبارِهم، فقال عبدُ الله وأصحابُهُ سَمْعاً وطاعةٌ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلّم،
فَمَضَوْا ولَقُوا بنخلة ◌ِيراً لقريش، فقتلوا عَمْرَو بن الحضرميّ كافراً، وغَنِمُوا مَا كان
معهم من تجارة لقريش
وهذا الحديثُ وما أشبهَهُ من كتبٍ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم حُجَّةٌ في
الإِجازة، لأنَّ عبدَ الله وأصحابَه عَمِلوا بما كَتَبَ لهم رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
من غير أن يُكلَّمَهم بشيء، فكذلك العالمُ إذا أجاز لطالبِ العلم فله أنْ يَرِيّ
ويَعْمَلَ بِمَا صَحَّ عنده من حديثِه وعلمِه.
وبلّغَنا أنَّ ناساً يَكرهون الإِجازةَ، يقولون: إن اقتُصِرَ عليها بَطَلتْ الرِّحَلُ،
/٢٠٩ وقَعَد الناسُ عن طلب العلم. ونحن لسنا / نقول: إنَّ طالبَ العلمِ يَقتصِرُ على
الإِجازة فقط، ثم لا يَسعى لطلبٍ علمٍ ولا يَرحَل، لكنا نقول: تكونُ الإِجازةُ لمن
كان له في القعود عن الطلب عُذْرٌ من قُصورِ نفَقَةٍ، أو بُعدِ مسافةٍ، أو صُعوبةٍ
مَسْلك.
فأمَّا أصحابُ الحديث فما زالوا يتجشَّمون المصاعبَ، ويَركبونَ الأهوالَ،
ويُفارقون الأوطان، ويَنْأَوْن عن الأحباب، آخذين بالذي حَثَّ عليه رسولُ الله

٤٨٩
صلَّى الله عليه وسلّم في الذي حدثناه سلیمان بن یزید، عن محمد بن ماجه، حدثنا
هشام بن عمار، حدثنا حفص بن سليمان، حدثنا كَثِيرُ بن شِنْظِير، عن محمد بن
سِيرين، عن أنس بن مالك، قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: طلَبُ العلم
فريضةٌ على كل مسلم.
صِلَةٌ مُهِمَةٌ يتعلَّقُ مُعظَمُها بالصحيحِ والحسَن
اعلم أنَّ بعض العلماء قد سَلكَ في بيان هذا الفنِّ وحَصْرِ أقسامِهِ المشهورةِ،
وتعريفِها، مسلكاً صار به قريبَ الُدْرَك. وقد أحببتُ أن نَتْبَعَ أثّرَه في ذلك، مُورِدِين
لُبابَ ما أَورَدَه، مع زياداتٍ يقتضيها المقامُ، وربما وقع في أثناءِ ذلك تكرارٌ لبعض
ما سَبَق، لأمرٍ يَجْمِلُ عليه، فَتَذكُرُهُ من غير إشارةٍ إليه، وقد آنَ أن نشرعَ في ذلك
فنقول :
الخبرُ إِمَّا أن يَروِيَه جماعةٌ يَبلغون في الكثرة مبلغاً تُجِيلُ العادةُ تواطؤهم على
الكذب فيه، أولا . فالأولُ المتواتِرُ، والثاني خبرُ الآحاد.
والمتواترُ ليس من مباحثِ علم الإِسناد، لأنَّ علم الإِسناد عِلمٌ يُبحَثُ فيه عن
صِحةِ الحديثِ أو ضعفِهِ، من حيث صِفاتُ رُواتِه وصِيَغُ أدائِهِم، ليُعمَلَ به أو يُتْرَك.
والمتوائِرُ صحيحٌ قطعاً، فيجبُ الأخذُ به من غير توقف، وهو يُفِيدُ العلمَ
بطريق اليقين. والمتواترُ يَنْذُرُ أن يكونَ له إسنادٌ مخصوصٌ كما يكونُ لأخبار الآحاد،
الاستغنائِهِ بالتواترِ عن ذلك. وإذا وُجِدَ له إسنادٌ معينَّ لم يُبحث عن أحوالِ رجالِهِ،
بخلافٍ خبرِ الآحادِ فإنَّ فيه الصحيحَ وغيرَ الصحيح، والصحيحُ منه لا يُحكّمُ له
بالصحةِ على طريقِ اليقين، نعم قد تقترِنُ قرائنُ تُفِيدُ العلمَ بالصحة .
ولا بُدَّ في خبر الآحادِ أن يكون له إسنادٌ معينَّ، يُبحَثُ فيه عن أحوالِ رجالِهِ
وصِيَغْ أدائِهِم ونحوِ ذلك، ليُعلَمَ المقبولُ منه من غيرِهِ، فانحصَرَ البحثُ هنا في خبرِ
الآحاد.
وخبرُ الآحاد إن كانت رُواتُهُ في كل طبقةٍ ثلاثةً فأكثرَ يُسمَّى مشهوراً.

٤٩٠
وإن كانت رُواتُهُ في بعضِ الطبقات اثنينٍ، ولم تَنْقُص في سائرِها عن ذلك
يُسمَّى عزيزاً.
وإن انفَرَد في بعض الطبقات أوكلِّهَا راٍ واحِدٌ يُسمَّى غريباً.
والمشهورُ عندهم أنه لا يُشترَطُ في المشهورِ والعزيزِ التعدُّدُ في الطبقةِ الأولى،
فُيُسمُّون الحديثَ مشهوراً إذا رواه في كل طبقةٍ ثلاثةٌ فأكثرُ، وإن كان مَنْ رواه من
الصحابة: أقلَّ من ثلاثة ويُسمُّون الحديثَ عزيزاً إذا رواه في بعضِ الطبقاتِ اثنانٍ،
ولم تَنقُصِ رُواتُه في سائرِها عن ذلك، وإن كان الراوي له من الصحابةِ واحداً فقط.
والغريبُ إن كانت الغرابةُ فيه في أصلِ السند يُسمَّى الفَرْدَ المطلقَ، ويقالُ له
أيضاً: الغريبُ المطلَقُ، وإن كانت الغرابةُ فيه في غير أصل السند يُسمَّى الفَرْدَ
النسبيَّ، ويقالُ له أيضاً: الغريبُ النسبيُّ. والمرادُ بأصَلِ السَّنَدِ أوَّلُه ..
وقد عرفتَ آنفاً أنَّ الغريبَ ما يَنفرِدُ بروايتِهِ شخصٌ في أيِّ موضع كان من
مَوَاضعِ السَّنَد، وأنَّ انفرادَ الصحابي فقط بالحديثِ لا يُوجِبُ الحكم له بالغرابة . ..
فالفَرْدُ المطلَقُ هو ما يَنفِرِدُ بروايتِهِ عن الصحابيِّ واحدٌ من التابعين، وذلك
/ ٢١٠ كحديثِ النَّهْيِ عن بَيْعِ الوَلاءِ، فإنه تَفرَّدَ به / عبدُ الله بن دينار، عن عبد الله بن
عَمَر.
وقد يَتفرَّدُ به راوٍ عن ذلك المتفرِّدِ، وذلك كحديثٍ شُعَب الإِيمان، فإنه تفرَّدَ به
أبو صالح، عن أبي هريرة، وتفرَّد به عبدُ الله بن دينار، عن أبي صالح. وقد يَستمِرُ
التفرُّدُ في جميعِ رُواتِهِ أو أكثرِهم، وفي ((مسند البزار) و(المعجم الأوسط)) للطبراني أمثلةٌ
كثيرة لذلك.
والفَرْدُ النسبيُّ هو ما يَنفردُ بروايتِهِ واحدٌ ممن بَعْدَ التابعين، وذلك بأنْ يَروِيُه
عن الصحابي أكثرُ من واحد، ثم يَنفرِدَ بالروايةِ عن واحد منهم أو أكثرَ واحِدٌ.
ويَقِلُّ إطلاقُ اسم الفَرْدِ على الفَرْدِ النسبيّ، وإنما يُطلَقُ عليه في الغالب اسمُ
الغريب. قال الحافظ ابن حجر: إنَّ أهل الاصطلاح قد غايْرُوا بين الفَرْدِ والغريب

٤٩١
من حيث كثرةُ الاستعمالِ وقِلَّتُه، فالفَرْدُ أكثرُ ما يُطلِقُونه على الفَرْدِ الْمُطْلَق، والغريبُ
أكثرُ ما يُطلقونه على الفَرْد النسبي. وهذا من حيث إطلاقُ الاسم عليهما، وأما من
حيث استعمالُهُم الفعلَ المشتقِّ فلا يُفرِّقون، فيقولون في المطلَقِ والنسبيِّ: تفرَّدَ به
فلان أو آَغرب به فلان .
ولا يَسُوغُ الحُكمُ بالتفُّدِ إلَّ بعدَ الاعتبار. والاعتبارُ هو تتُّعُ الطرق من
الجوامع والمسانيد والأجزاءِ لذلك الحديث الذي يُظَنُّ أنه فَرَدٌ، ليُعلَمَ هل لراوِيهِ
مُتابعٌ؟ أو هل له شاهدٌ أم لا؟ ومَظِنَّةُ معرفةِ الطُّرُقِ التي يَحصُل بها المتابعاتُ
والشواهدُ، وينتفي بها التفرّد: كُتُبُ الأطراف.
قال العراقي: الاعتبارُ أن تأتيَ إلى حديثٍ لبعضِ الرواة، فَتَعتَبِرَه برواياتٍ
غيره من الرواةِ، بسَبْرِ طُرُقِ الحديث، لتَعرِفَ هل شاركه في ذلك الحديثِ راوٍ غيرُه،
فرواه عن شيخِهِ أم لا؟ فإن يكن شاركه أحدٌ ممن يُعتَبَرُ بحديثِهِ أي يَصْلُح أن يُخْرَجَ
حديثُهُ للاعتبارِ به والاستشهادِ به، سُمِّي حديثُ هذا الذي شاركه تابعاً. وسيأتي بَيَانُ
من يُعتبرُ بحديثِهِ في مراتب الجَرْح والتعديل.
وإن لم تجد أحداً تابَعَه عليه عن شيخه، فانظُر هل تابَعَ أحدٌ شَيْخَ شيخِهِ فرواه
مُتَابِعاً له أم لا؟ فإن وَجَدتَ أحداً تابَعَ شيخَ شيخِهِ عليه فرواه كما رواه، فسَمِّه أيضاً
تابعاً، وقد يُسمُّونه شاهداً.
وإن لم تجد فافعَلْ ذلك فيمن فوقَهُ إلى آخِرِ الإِسنادِ حتى في الصحابي، فكلُّ
من وُجِدَ له مُتَابِعٌ فسمٌّ حديثَ الذي شاركه تابعاً، وقد يُسمُّونه شاهداً.
فإن لم تجد لأحدٍ ممن فوقه مُتَابِعاً عليه، فانظُر هل أتى بمعناه حديثٌ آخَرُ؟ فسمِّ
ذلك الحديثَ شاهداً، وإن لم تجد حديثاً آخَرَ يُؤدِّي معناه فقد عَرِيَ من المتابَعَاتِ
والشواهدِ فالحديثُ إذاً فَرْدٌ.
قال ابن حبان: وطريقُ الاعتبارِ في الأخبارِ مِثالُه: أن يَروِي حَمَّدُ بن سَلَمة
حديثاً لم يُتَابَع عليه، عن أيوب، عن ابن سِيرين، عن أبي هريرة، عن النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم. فيُنظَرُ هل رَوَى ذلك ثقةٌ غيرُ أيوب، عن ابن سيرين؟ فإن

٤٩٢
وُجِدَ عُلِمَ أنَّ للخبرِ أصلاً يَرجِعُ إليه، وإن لم يوجد ذلك فئقةٌ غيرُ ابن سيرين رواه
عن أبي هريرة، وإلَّ فصحابيُّ غيرُ أبي هريرة رواه عن النبي صلَّى اللهُ عليه وسلّم،
فأيُّ ذلك وُجِدَ يُعلَمُ بهَ أنَّ الحديثَ يَرجِعُ إليه وإلا فلا. انتهى .
قلتُ: فمثالُ ما عُدِمَتْ فيه المتابعاتُ من هذا الوجهِ من وَجْهٍ يَثْبُتُ ما رواه
الترمذيُّ من رواية حمَّدُ بن سَلَمة، عن أيوب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة أُرَاهُ
رفَعَه: أَحْبِبْ حبيبك هَوْناً مَّا، الحديث. قال الترمذي: حديثٌ غريبٌ لا نعرفُهُ بهذا
الإِسنادِ إلاّ من هذا الوجه. قلتُ أي من وَجٍْ يَثْبُتُ، وقد رواه الحَسَنُ بنُّ دينار
- وهو متروكُ الحديث - عن ابن سيرين، عن أبي هريرة. اهـ.
مِثالُ ما وُجِدَ له تابعٌ وشاهدٌ ما رَوَى مسلم والنسائي من رواية سفيان بن
/٢١١ عيينة، عن عَمْروبن دينار، عن عطاء، عن ابن عباس، أنَّ رسول الله / صلَّى الله
عليه وسلَّم مَرَّ بشاةٍ مطروحةٍ أُعطِيْها مولاةٌ لميمونة من الصدقة، فقال: أَلا أَخَذُوا
إهابَهَا فَدَبَغُوهُ فانتَفّعُوا بِهِ؟ فلم يَذكرْ فيه أحدٌ من أصحابٍ عَمْرو بن دينار: فدبغوه إلّ
ابنُ عيينة . وقد رواه إبراهيمُ بن نافع المكيُّ، عن عَمْرٍو، فلم يَذكر الدباغَ.
فنظرنا هل نجدُ أحداً تَابَعَ شيخَه عَمْرَو بن دينار على ذكر الدباغ فيه، عن
عطاءٍ أم لا؟ فوجدنا أسامة بن زيد الليثيَّ تابَعَ عَمْراً عليه، رَوَى الدار قطنيُّ والبيهقيُّ
من طريق ابن وهب، عن أسامة، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، أنَّ
النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال لأهلٍ شاةٍ ماتَتْ: أَلَا نزعتُم إهابها فدبغتموه فانتفعتُم
به، قال البيهقي: وهكذا رواه الليثُ بنُ سعد، عن يزيدَ بنِ أبي حبيب، عن عطاء.
وكذلك رواه يحيى بنُ سعيد، عن ابن جريج، عن عطاء، فكانت هذه مُتَابَعاتٍ
لرواية ابن عيينة .
ثم نظرنا فوجدنا له شاهداً وهو ما رواه مسلم وأصحابُ السنن من رواية
عبد الرحمن بن وَعْلَة المصري، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم: أَيْمَا إِهابٍ دُبِغَ فَقدِ طَهَرَ.

٤٩٣
والمتابعةُ إن حَصَلَتْ للراوي نفسِهِ فهي الْمُتَابَعَةُ التامَّةُ، وإن حصَلَتْ لشيخِهِ
فمن فوقَه فهي المُتَابَعَةُ القاصرة.
والشاهِدُ إن كان يُشبِهُ مَتْنَ الحديث الفَرْدِ في اللفظِ والمعنى، فهو الشاهدُ
باللفظ، وإن كان يُشبهه في المعنى فقط فهو الشاهدُ بالمعنى. والشاهِدُ مَتْنٌ يُروَى عن
صحابيٍّ آخَرَ يُشبِهُ متنَ الحديثِ الفَرْد.
وقد أورد الحافظ ابن حجر مِثالاً تجتمعُ فيه المتابعَةُ التامَّةُ والمتابعَةُ القاصِرَةُ
والشاهِدُ باللفظِ والشاهِدُ بالمعنى، وهو ما رواه الشافعي في ((الأم))(١) عن مالك، عن
عبد الله بن دينار، عن ابن عمر، أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: الشَّهْرُ
تسعٌ وعشرون فلا تصوموا حتى تَرَوا الهلالَ، ولا تُفطِروا حتى تَرَوْهِ، فإنْ غُمَّ عليكم
فأكملوا العِدَّةَ ثلاثين.
وقد ظَنَّ قومٌ أنَّ هذا الحديثَ بهذا اللفظِ قد تفرَّدَ به الشافعي عن مالك،
فعدُّوه في غرائبه، لأنَّ أصحاب مالك رَوَوْه عنه بهذا الإِسنادِ بلفظِ: فإنْ غُمَّ عليكم
فأقْدُروا له. فنظرنا فوجدنا للشافعيِّ مُتابِعاً، وهو عبدُ الله القعنبيُّ، أخرجه
البخاريُّ عنه، عن مالكٍ بلفظِ الشافعي. فهذه متابعةٌ تامة، وقد دَلَّ هذا على أنَّ
مالكاً رواه عن عبدِ الله بن دينار باللفظين معاً.
ووجدنا عبدَ الله بن دينار قد تُوبِعَ فيه عن ابنِ عمر من وجهين: أحدهما:
ما أخرجه مسلم من طريق أبي أسامة، عن عُبَيد الله بن عُمَر، عن نافع، عن
عبدِ الله بن عُمَر، فذكَرَ الحديثَ، وفي آخِرِهِ: فإنْ غُمِّيَ عليكم فأَقْدُروا ثلاثين.
والثاني: ما أخرجه ابنُ خزيمة في ((صحيحه))، من طريقٍ عاصم بن محمد بن زيد،
عن أبيه، عن جدِّه ابنِ عمر، بلفظِ: فإن غُمَّ عليكم فكمِّلُوا ثلاثين. فهذه متابعةٌ
لكنها قاصرةٌ.
وله شاهدان: أحدهما: من حديث أبي هريرة، رواه البخاري عن آدم، عن
(١) ٢ : ٩٤.

٤٩٤
شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، بلفظ: فإن غُمِّيَ عليكم فأكملوا عِدَّةً
شعبان ثلاثين. وثانيهما: من حديث ابن عباس، أخرجه النسائي من رواية عَمْرٍو بن
دينار، عن محمد بن حُنَيْنْ، عن ابن عباس، بلفظِ حديثٍ ابن دينار، عن ابنِ عمر
سَوَاءً، وهو: فَأَكمِلُوا الْعِدَّةَ ثلاثين. فهذا شاهِدٌ باللفظِ، وما قبلَه شاهِدٌ بالمعنى.
تنبيهات
التنبيهُ الأولُ: يُسْمَّى حديثُ الذي شَارَكَ الراويَ فيه تابعاً، وقد يُسمَّى
/٢١٢ شاهداً. وأما الشاهدُ فلا / يسمَّى تابعاً. وقال بعضُهم: إنَّ التابع تَخْتَصُّ بما كان
باللفظِ، سواءٌ كان من روايةِ ذلك الصحابيَّ أم غيره، والشاهدُ يختصُّ بما كان بالمعنى
كذلك. وقال الجمهورُ: ما أَتَ عن ذلك الصحابي فتابِعٌ، وما أتَ عن صحابيّ
آخَرَ فشاهدٌ. فعندهم أنَّ روايةَ ابن وَعْلَة المذكورةَ تكونُ متابعةً لعطاء، وما رواه
يكون تابعاً لا شاهداً . .
ويقالُ للتابع: الْمُتَابِعُ بالكسر. قال بعضهم: قد يُطلَقُ المتابعُ على الشاهد،
والشاهدُ على المتابع، والخطبُ في ذلك سهل إذْ المقصودُ الذي هو التقويةُ حاصلٌ
بكل منهما، فإذا قامت قرينةٌ تدلَّ على المقصود، لم يكن في ذلك بأس، غيرَ أنَّ الغالبُ
استعمالُ كُلٍّ منهما في معناه الذي يَسبِقُ إلى الذهن.
التنبيهُ الثاني: أنه لا انحصارَ للمُتابعاتِ والشواهدِ في الثقة، ولذا قال
ابن الصلاح: واعلَمْ أنه قد يَدخُلُ في باب المتابعةِ والاستشهادِ روايةُ من لا يُحْتَجُّ
بحديثه وحده، بل يكون معدوداً في الضعفاء، وفي كتابَيْ البخاري ومسلم جماعةٌ
من الضعفاء، ذَكَرَاهم في المتابعاتِ والشواهد، وليس كلَّ ضعيفٍ يَصلُح لذلك،
ولهذا يقولُ الدارقطني: فلانٌ يُعتبرُ به، وفلانٌ لا يُعتبرُ به.
قال بعضُ العلماء: وإنما يُدخِلون الضعفاءَ لكونِ المتابع لا اعتمادَ عليه، وإنما
الاعتمادُ على من قَبْلَه. وقال بعضهم: إنه لا انحصارَ له في ذلك، بل قد يكونُ كلِّ
من المتابِعِ والمتابَعِ لا اعتمادَ عليه إلَّ أنَّ باجتماعهما تَحصُلِ القُوّة.
!

٤٩٥
التنبيهُ الثالثُ: قد عَرفتَ(١) أنهم قَسَموا خبرَ الآحاد إلى ثلاثة أقسام:
مشهور، وعزيز، وغريب. وهذا التقسيمُ إنما هو بالنظرِ إلى عَدَدِ الرُّواةِ. ولمَّا كان كلُّ
قِسم من هذه الأقسام، لا يخلو من صحيحٍ وغير صحيح، عادوا ثانياً فقَسَمُوه
- بالنظرِ إلى هذه الجهةِ - إلى مقبولٍ ومردود، ثم قَسَموا كلَّ واحدٍ منهما إلى أقسام.
وقد آن أوانُ الشروع في ذلك، مُرْجِئين البحثَ عن الشاذِّ الذي يُعَدُّ قسماً من
أقسام الفَرْدِ الذي كنا في صدده، وكذلك المنكرُ، إلى الموضع الذي يَلِيقُ بهما فيما
سيأتي، فنقول:
خبّرُ الآحادِ ينقسمُ إلى قسمين: مقبولٍ، ومرود، فالمقبولُ هو ما دَلَّ دليلٌ على
رُجحانِ ثبوتِه في نفسِ الأمر، والمردودُ ما لم يَدلَّ دليلٌ على رُجحانِ ثبوتِهِ في نفس
الأمر.
فإن قلتَ: يَدخُلُ في تعريفِ المردودِ الخبرُ الذي لا يَترجّحُ ثبوتُه ولا عدَمُ
ثبوتِه، بل يَتساوَى فيه الأمران، قلتُ: نعم، واعتَذَرَ عن ذلك من أدخَلَه فيه بأنَّ
مُوجِبَه لَّا كان التوقُّفَ صار كالمردودِ فأُلحِقَ به، لا لوجودِ ما يُوجِبُ الرد، بل لعدمِ
وجودِ ما يُوجِبُ القبول. ومن جعَلَه قِسماً مستقلاً عَرَّفَ المردودَ بأنه الخبرُ الذي دَلِّ
دليلٌ على رُجحانِ عدمِ ثبوتِهِ في نفس الأمر.
وعرَّفَ الخبرَ المتوقَّفَ فيه بأنه الخبرُ الذي لم يَدلَّ دليلٌ على رُجحانٍ ثبوتِه ولا على
رُجحانِ عَدَمِ ثبوتِهِ، وهذا هو الخبرُ المشكوكُ فيه، وهو كثيرٌ جداً تكادُ تكونُ أفرادُهُ
أكثرَ من أفرادِ القسمينِ الآخَرَينِ. وحُكمُ هذا القسمِ التوقُّفُ فيه البتّةَ إلى أن يُوجَدَ
ما يُلحِقُه بأحَدِ القسمين المذكورين.
والمقبولُ ينقسمُ إلى أربعة أقسام: صحيحٍ لذاته، وصحيحٍ لغيره، وحَسَنٍ
لذاته، وحَسَنٍ لغيره. وذلك لأنَّ الحديثَ إن اشتَمَل من صفاتِ القبولِ على أعلى
(١) أي مما تقدَّم في ص ١١٣ .

٤٩٦
مراتِبِها فهو الصحيحُ لذاته، وإن لم يَشتمل على أعلى مراتبها، فإن وُجِدَ فيه ما يجبُرُ
ذلك القصورَ الواقعَ فيه فهو الصحيحُ لا لذاته بل لغيره، وهو العاضِدُ.
/٢١٣
وقد مثَّل ذلك ابنُ الصلاح بحديثِ محمد بن عَمْرٍوبن علقمة، عن
أبي سلمة، عن أبي هريرة، أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: لولا أنْ أَشْقَّ على
أمِّي لَأَمَرْتُهم / بالسواكِ عند كلِّ صلاة. فإنَّ محمد بن عَمْرو من المشهورين بالصدقِ.
والصيانة، لكنه لم يكن من أهل الإتقان، حتى ضعَّفه بعضُهم من جهةٍ سُوءِ حفظِهِ،
ووثَّقَه بعضُهم لصدقِه وجلالِتِه، فلما انضمَّ إلى ذلك كونُهُ رُوي من وجهٍ آخَرَ أَمِنَّا
بذلك ما كنا نخشاه من جهةٍ سُوءِ حفظِه، وانجَبَر به ذلك النقصُ اليسير، فالتّحَقّ
الإِسنادُ بدرجةِ الصحيح .
وإن لم يُوجَد فيه ما يَجِبُرُ ذلك القصورَ الواقعَ فيه فهو الحَسَنُ لذاته. وإن كان في
الحديثِ ما يقتضي التوقّفُ فيه، لكن وُجِدَ ما يُرجِّحُ جانبَ قبولِهِ فهو الحسَنُ لا لذاتِهِ
بل لغيره، وهو العاضِدُ، وذلك نحوُ أن يكون في الإِسنادِ مستورُ الحال إذا كان غيرَ:
مغفَّلٍ ، ولا كثير الخطأ في الرواية، ولا متَّهمٍ بالكذب ونحوه من منافیاتِ العدالة.
فإذا وَرَد من طريقٍ آخَرَ زال التوقُّفُ فيه، وحُكِمَ بِحُسْنِه لا لذاتِه بل للعاضد.
فالصحيحُ هو ما اتَّصَل إسنادُهُ بنقلِ عدلٍ ضابطٍ عن مثلِه من أولِهِ إلى
منتهاه، وسَلِمَ من شذوذٍ وعِلَّة.
واحترزوا بالقيدِ الأولِ وهو قولهم: ما اتَّصَل إسنادُه، عما لم يتصِل إسنادُه،
وهو المنقطِعُ والمعضَلُ والمرسَلُ عند من لا يحتجُّ به .
وبالقيدِ الثاني وهو قولهم: بنقلِ عدلٍ، عن نقلِ مجهولِ العين أو الحالِ
أو المعروفِ بعدم العدالة .
وبالقيدِ الثالثِ وهو قولهم: ضابطٍ، غير الضابط، وهو المغفَّلُ وكثيرُ الخطأ.
وبالقيدِ الرابعِ وهو قولهم: وسَلِمَ من شُذوذٍ وعِلَّة ما لم يَسلم من ذلك، وهو
الشاذُّ والمعلَّل.

٤٩٧
قال بعضُهم: الأَخْصُرُ أن يقال: بنقلِ ثقةٍ عن مثلِهِ، لأنَّ الثقةَ عندَهم هو من
جَمَعَ بين العدالةِ والضبط.
وأُجيبَ بأن الثقة قد يُطلَقُ على من كان عَدْلاً في دِينِه وإن كان غيرَ مُكَمِ
الضبطِ، والتعريفُ ينبغي أن يُجْتَنب فيه الألفاظُ التي ربما أوقعَتْ في اللَّبْس.
وهذا التعريفُ إنما هو الصحيح لذاتِه، وهو الذي يَنصرِفُ اسمُ الصحيح إليه
عندَ الإِطلاق.
والحسَنُ ما اتَّصَل إسنادُهُ بنقلِ عدلٍ عن مثلِهِ من أولِهِ إلى منتهاه، وكان في
رُواِهِ مع كونهم موسومين بالضبطِ من لا يكونُ قوياً فيه، وسَلِمَ من شذوذٍ وعِلَّة.
والمرادُ بالحسن هنا الحَسَنُ لذاته، وهو كالصحيح لذاتِه في كل شيء إلاّ في أمرٍ
واحدٍ وهو تمامُ الضبط، فإنَّ الصحيح لذاتِهِ لا بد أن يكون كلَّ واحدٍ من رُواته تامّ
الضبط، والحسَنُ لذاته لا بُدَّ أن يكون في رُواتِهِ من لا يكون تامًّ الضبط. وقد ظهر
لك أنَّ المرادَ بالضابطِ في تعريف الصحيح التامُّ الضبط. وقد اختار بعضُهم التصريحَ
بذلك دفعاً للالتباس.
والحسَنُ لذاتِهِ إذا وَرَد من طريقٍ آخَرَ مساوٍ للطريقِ الذي وَرَد منه أو أرجحَ،
ارتفَعَ إلى درجةِ الصحيح لغيره، فإن وَرَد من طريقٍ أدنى من الطريق الذي ورد منه
لم يُحِكَم له بالصحة، وذلك كأن يَرِد من طريقِ الحسنِ لغيره إلاّ أن يَتعدَّدَ هذا
الطريق .
والحاصلُ أنَّ الحَسَنَ لذاتِهِ يرتفعُ عن درجتِهِ إلى درجة الصحيح لغيره إذا وَرَد
من طريقٍ واحدٍ يكونُ مُساوِياً لطريقه أو راجحاً عليه، أو من طُرقٍ متعددةٍ ولو كان
كلُّ واحد منها منحطاً عنه.
وأما قولُ الحافظ الترمذي: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ، بالجمع بين الوصفين
معاً، فللعلماء في مُرادِهِ بذلك أقوالٌ، نكتفي هنا بإيرادِ أحدِها، وهو أنَّ الحديثَ
الموصوف بذلك إن لم يكن له إلاّ إسنادٌ واحد فَوَصْفُه بالوصفينِ معاً يكون:
أ

٤٩٨
إمَّا بالنظر إلى ترُدُّدِ الناظر في حالِ الرواة، هل هم ممن بَلَغْ درجةَ رواة
الصحيح، فُيُحكَمَ على ما رووه بالصحة، أم هم ممن قَصَّرَ عن تلك الدرجةِ فُيُحكّمَ
على ما رَوَوْهِ بالْحُسْنِ.
وإِمَّا بالنظر إلى اختلافِ أئمة الحديث في ذلك، فكأنه يقول: هذا حديثٌ
حسنٌ عندَ قوم، صحيحٌ عندَ قومٍ.
/ ٢١٤
وعلى الوجهين يكونُ / ما قيل فيه: صحيحٌ، فقط أقوى مما قيل فيه: حسَنٌ
صحيح، لأنه يُشعِرُ بالجزم، بخلاف ما قيل فيه: حسَنٌ صحيح، لأنه يُشعِرُ إِمَّا بترُّدِ
الفِكر فيه بين الصحةِ والحُسْن، وإمَّا باختلافِ الأئمة فيه.
وإن كان الحديثُ الموصوفُ بالوصفينِ معاً له إسنادانٍ، يكونُ إطلاقُهما معاً
عليه بالنظرِ إلى حالِ الإِسناد، فكأنه يقول: هذا حديثٌ حسَنْ بالنظر إلى أحدٍ
الإِسنادين، وصحيحٌ بالنظر إلى الإِسناد الآخَر. وعلى هذا فما قيل فيه، حسَنٌ
صحيحٌ أقوى مما قيل فيه: صحيحٌ، فقط.
هذا إذا كان له إسنادٌ واحد، فإن كان له أيضاً إسنادانٍ لم يَتعينَّ ذلك،
لاحتمالٍ أن يكون كلٌّ منهما على شرطِ الصحيح، فيكون أقوى مما قيل فيه ؛ حسن
صحيح، فإذا كان له إسنادانِ وجَبَ البحثُ أولاً عن حالِهِما، فإِذا عُرِفَ حُكِمَ
بُرُجحانِ ما يقضي الحالُ بُرُجحانِهِ .
فإن قيل: إنَّ الترمذي قد صرَّحَ بأنَّ شَرْطَ الحَسَنِ أن يُروَى من غير وجهِ،
فكيف يقولُ في بعض الأحاديث: حسَنٌ غريبٌ لا نعرفُه إلَّ من هذا الوجه؟.
يقال: إنَّ الترمذي لم يُعرِّف الحسَنَ مطلقاً، وإنما عَرَّفَ نوعاً خاصاً منه، وهو ما
يقولُ فيه: حسَنٌ من غير صفةٍ أخرى، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: حَسَنّ،
وفي بعضها: صحيحٌ، وفي بعضها: غريبٌ، وفي بعضها: حسَنٌ صحيح، وفي
بعضها: حسَنٌ غريب، وفي بعضها: صحيحٌ غريب، وفي بعضها: حَسَنٌ صحيحٌ
غريب .

٤٩٩
وتعريفُهُ إنما وقع على ما يقول فيه: حَسَنٌ، فقط، ويدلُّ على ذلك ما قاله في
آخِرِ كتابه، وهو: وما قلنا في كتابنا: حديثٌ حَسَنٌ، فإنما أردنا به حُسنَ إسنادِهِ
عندنا، فكلُّ حدیثٍ يُروَی لا یکون راوِیهِ متهماً بكذب، ويُروی من غير وجه نحوَ
ذلك، ولا يكونُ شاذاً، فهو عندنا حديثٌ حسنٌ.
فعُرِفَ بهذا أنه إنما عَرَّف ما يقول فيه: حَسَنٌّ، فقط. وأما ما يقولُ فيه: حسَنُ
صحيح، أو حسَنٌ غريب، أو حسَنٌ صحيحٌ غريب، فلم يُعرِّفه، كما لم يُعرِّف
ما يقولُ فيه: صحيحٌ، أو غريب. وكأنه تَرَك ذلك لشُهرِهِ عند أهلِ الفن، واقتَصَر
على تعريفٍ ما يقول فيه: حَسَنٌ، فقط. إمَّا لخفائِه، وإما لأنه اصطلاحُ له جديدٌ
لم يكن من قَبْلُ، فوجَبَ تعريفُه من قِبَلِهِ ليُعرَفَ ما أراد به.
ويتفاوَتُ الصحيحُ الرتبةِ بسبب تفاوتِ الأوصافِ المقتضيةِ للصحة في القوة،
فمن الرُّبَةِ العُلْيا في ذلك ما رُوِيَ بإسنادٍ أَطلَقَ عليه بعضُ الأئمة أنه أصحُّ الأسانيد،
كالزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه. وكمحمد بن سِيرين، عن
عَبِيدَة بن عَمْرو السَّلْماني(١)، عن عليّ. وكإبراهيم النَّخَعِي، عن علقمة، عن
عبد الله بن مسعود.
ويليها في الرتبة مثلُ روايةٍ بُرَيدٍ بن عبد الله بن أبي بُرْدَة، عن جدِّه، عن أبيه
أبي موسى. ومثلُ روايةٍ حماد بن سَلَمة، عن ثابت، عن أنس.
ويليها في الرتبة مثلُ رواية سُهَيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة.
ومثلُ روايةِ العلاء بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة، فإنَّ الجميع يَشْملُهم
اسمُ العدالةِ والضبطِ، إلَّ أنَّ لِلمرتبةِ الأولى من الصفاتِ المرجِّحَةِ ما يقتضِي تقدیمٌ
روايتهم على التي تليها، وفي التي تليها من قوةِ الضبطِ ما يقتضي تقديمها على الثالثة،
وهي مقدَّمةٌ على روايةٍ من يُعَدُّ ما يَنفِرِدُ به حَسَناً كمحمد بن إسحاق، عن عاصم بن
عمر، عن جابر. وعَمْرٍو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وقِسْ على هذا ما يُشبهه.
(١) وقع في الأصل: (عَبِيدَة بن عمر) بغير واو. وهو تحريف.

٥٠٠
وقد اختُلِفَ في أصحِّ الأسانيد، فقال البخاري: أصحُّ الأسانيدِ كلِّها مالكٌ،
عن نافع، عن ابن عمر.
وقال إسحاق بن راهويه: أصحُّ الأسانيد كلِّها الزهريُّ، عن سالم، عن أبيه.
وزُوِي نحوه عن أحمد بن حنبل.
وعن خَلَفِ بن هشام البزَّار أنه قال: سألتُ أحمدَ بن حنبل أيُّ الأسانيدِ أَثْبَتُ؟
فقال: أیوبُ، عن نافع، عن ابن عمر.
وقال مَعْمَر - ورُوِيَ أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة -: أصحُّ الأسانيدِ كلِّها
/٢١٥ / الزهري، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن علي.
وفي هذه المسألةِ أقوالٌ أُخَرُ مذكورةٌ في المبسوطات .
والمختارُ أنه لا يُحكَمِ لإِسنادٍ بأنه أصحُّ الأسانيدِ كلِّها، إذ لا يُمْكِنُ أن يُحُكَّمَ
لكلِّ راوٍ ذُكِرَ فيه بأنه قد حاز أعلى صفاتِ القبول، من العدالةِ والضبطِ ونحوِهما على
وجهٍ لا يُوازيه فيه أحَدٌ من الرواةِ الموجودين في عصره، ولذلك اضطربَتْ أقوالُ مِن
خاض في ذلك، إذ ليس لديهم دليلٌ مُقْنِعٌ، وأكثرُ الأقوالِ المذكورة في ذلك متكافئةٌ
يَعْسُرُ ترجيحُ بعضِها على بعض في الأكثر، فالحكمُ حينئذٍ على إسنادٍ معينٍّ بأنه أُصحُ
الأسانيد على الإطلاق .ــ مع عدَمِ اتفاقِهم فيه -: ترجيحٌ بلا مرجِّح:
قال بعضُ الحفاظ : ومع ذلك يُمكِنُ للناظرِ المتقِنِ ترجيحُ بعضِها على بعض،
من حيث حفظُ الإِمام الذي رَجَّحَ وإتقانُهُ، وإن لم يتهيأ ذلك على الإطلاق، فلا يخلو
النظرُ فيه من فائدة، لأنَّ مجموع ما نُقِلَ عن الأئمة من ذلك يُفيدُ ترجيحَ التراجم
التي حكموا لها بالأصحيَّةِ على ما لم يقع له حُكمٌ من أحدِهم .
وهذا حيث لم يكن مانع، ولذلك قال أبو بكر البَرْدِيجِي: أجمَعَ أهلُ النقل على
صحة أحاديث الزهري، عن سالم، عن أبيه. وعن سعيد بن المسيب، عن
أبي هريرة، من روايةٍ مالكٍ وابنٍ عيينة وَمَعْمَر، ما لم يختلفوا، فإذا اختَلَفُوا تُوقّفَ
فيها .
i

٥٠١
هذا، ولَّا كان لا يَلزمُ من كونِ الإِسناد أُصحَّ من غيرِهِ أن يكون المتنُ كذلك،
قَصَرِ الأئمةُ الحكمَ على الإِسنادِ فقط، ولا يُحفَظُ عن أحد منهم أنه قال: إنَّ الأحاديثَ
المرويةَ بإسنادِ كذا من الأسانيد التي حُكِمَ لها بأنها أصحُ من غيرها: هي أصحُّ
الأحاديث.
فإن كان ولا بُدَّ من الحكمِ فينبغي تقييدُ كلِّ ترجمةٍ بصَحابِّها، أو بالبلدةِ التي
منها أصحابُ تلك الترجمة، بأن يقال: أصحُّ أسانيدِ فلانٍ كذا، وأصحُ أسانيد أهلِ
بلدةِ كذا كذا، فإنه أقلُّ انتشاراً، وأقرَبُ إلى الحَصْرِ، بخلافِ الأوَّل فإنه في أمرٍ
واسعٍ شديد الانتشار، والحاكمُ فيه على خطرٍ من الخطأ، والخطأ فيه أكثرُ من الخطأ
في مثل قولهم: ليس في الرواة من اسمُهُ کذا سوى فلان.
وعلى ذلك يقالُ: أصحُّ أسانيدِ ابنِ عمر: مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر(١).
وأصحُّ أسانيد ابنٍ مسعود: سفيانُ الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة،
عن ابن مسعود. وأصحُ أسانيد أنس بن مالك: مالك، عن الزهري، عنه. قال
بعضُهم: وهذا مما يُنازَعُ فيه، فإنَّ قتادةَ وثابتاً البُنَانيَّ أعرَفُ بحديثِ أنسٍ من
الزهري، ولهما من الرواة جماعة، فأثبَتُ أصحابٍ ثابتٍ حماد بن زيد، وقيل: حمادُ بن
سَلَمة. وأثبتُ أصحابٍ قتادة شعبةُ، وقيل: هشام الدَّسْتَوَائِي.
وأصحُ أسانيدِ المكبين: سفيانُ بن عيينة، عن عَمْرو بن دينار، عن جابر.
وأصحُ أسانيدِ اليمانيين: مَعْمَر، عن هَمَّم، عن أبي هريرة. وأثبَتُ أسانيد المصريين:
الليثُ، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عُقبة بن عامر. وأُصحُ أسانيد
الكوفيين: يحيى بنُ سعيد القطان، عن سفيان الثوري، عن سليمان التيمي، عن
الحارث بن سُوَيد، عن علي.
ومن الرتبة العُلْيَا ما اتَّفَق البخاريُّ ومسلم على إخراجِه في صحيحهما، وذلك
لجلالةِ شأنهما في هذا العلم، وتقدُّمِهما على غيرهما فيه، وفَرْطِ عنايتهما بتمييزِ الصحيح
(١) وقع في الأصل هنا (وأصحُّ أسانيد أنس: مالك عن الزهري عنه)، فطويتُه لتكرره مع
ما يأتي .

٥٠٢
من غيره، وتلقّي علماءِ الحديثِ لكتابيهما بالقبول، حتى حَكُمُوا في الجملةِ على كون
ما رَوَيَاه أصحَّ الصحاحُ.
ولم يختلفوا في هذا الأمر، وإنما اختلفوا في أمرٍ آخَرَ، وهو أنَّ ما رَوَيَاهُ هل يُفيدُ
العلمَ أم لا؟ فذهب ابنُ الصلاح ومن نحا نحوَه إلى أنه يُفيدُ عِلمَ اليقين، واستَثْنِى
من ذلك أحرُفاً يسيرة تكِلَّمَ عليها بعضُ أهل النقد، كالدارقطنيِّ وغيرِهِ، قال: وهي
معروفةُ عند أهل هذا الشأن ..
واستَثنَى بعضُهم أيضاً ما وقع التعارضُ بين مدلوليهِ / مما اتفق وقوعُه في
:
/٢١٦
كتابيهما، وذلك لاستحالةِ أن يُفِيدَ المتناقضانِ العلم. وهذا حيثُ لم يَظهر رُجحانٌ
أحدِهما على الآخر، فإن ظَهَر ذلك كان الحُكمُ للراجح، وصار مفيداً للعلم.
وَذَهَب الجمهورُ إلى أنَّ ما رَوَياه يُفيدُ الظنَّ ما لم يتواتر، وذلك لأنَّ شأنَ الآحادِ
إفادةُ الظن، ولا فَرْقَ في ذلك بين الشيخين وغيرهما. وتلقّي الأمَّةِ لهما بالقبول إنما
يقتضِي وجوبَ الأخذِ بما فيهما من غير بحثٍ، لالتزامِهما إخراجَ الصحيح فقط، وفَرْطِ
براعتِهما في معرفته، بخلافٍ غيرهما، فإنَّ منهم من لم يلتزم إخراجَ الصحيح فقط،.
ومنهم من التَّزَم ذلك غيرَ أنه ليس له من البراعة في ذلك ما لهما.
فلم يتعيّنَّ وجوبُ العملِ بما في غير كتابيهما إلَّ بَعْدَ البحثِ والنظر، فإنْ تَبيِّنَتْ
صِحَّتُهُ وجَبَ الأخذُ به، وإلَّ فلا، فظهر أنَّ إجماع العلماءِ على وجوبِ الأخذِ بما فيهما
إن ثبَتَ الإِجماعُ، لا يَدلَّ على إجماعِهم على القطع بأنه من كلام النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم، فإنَّ الأُمَّة مأمورةٌ بالعمل بالظن، حيث لا يُطلَبُ القطعُ، والظنُّ قد يُخِطِىُ.
هذا، وقد قَسَمِ الجمهورُ الحديثَ الصحيحَ بالنظر إلى تفاوتِ الأوصاف
المقتضية للصحة فيه، إلى سبعة أقسام، كلَّ قسم منها أعلى مما بعدَه.
القسمُ الأول ما أخرجه البخاري ومسلم، ويُعبِّرُ عنه أهلُ الحديث بقولهم:
هذا حديثٌ متفَقٌ عليه، أو على صحته. ومُرادُهم بالاتفاقِ عليه اتفاقُ الشيخين
لا اتفاقُ الأمة. وقال ابن الصلاح: يَلزَمُ من اتفاقِهما اتفاقُهم، لتلقيهم له بالقبول.
القسمُ الثاني ما انفرد به البخاري .