النص المفهرس

صفحات 481-500

٤٢٣
الحديث بالقبول إلى وقتنا هذا، كالشهادة على الشهادة .
أخبرنا محمد بن أحمد بن تميم الأصم، قال: حدثنا عُبيد بن شَرِيك، قال:
حدثنا نُعَيم بن حَمّاد، قال: سمعتُ عبد الرحمن بن مهدي يقول، قيل لشعبة: من
الذي يُترَكُ حديثُه؟ قال: إذا رَوَى عن المعروفين ما لا يَعرفه المعروفون فأكثرَ تُرِكَ
حديثه، وإذا اتَّهِمَ بالكذبِ تُرِكَ حديثُه، وإذا أكثرَ الغَلَط تُرِكَ حديثُه، وإذا رَوَى حديثاً
اجْتُمِعَ عليه أنه غَلَطْ تُرِكَ حديثُه، وما كان غيرَ هذا فارْوِ عنه.
أخبرني عبد الله بن محمد بن موسى، قال: حدثنا إسماعيل بن قتيبة، قال:
حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا وكيع، عن سفيان، عن أبيه، عن الرَّبيع بن
خُثْم، قال: إنَّ من الحديثِ حديثاً له ضَوْءٌ كضوءِ النهار، نَعْرِفُه بِهِ، وإنَّ من
الحديث حديثاً له ظُلمةٌ كظلمةِ الليل، نَعرِفُه بِهَا.
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا العباس بن محمد الدُّوري،
قال: حدثنا يحيى بن معين، قال: حدثنا جرير، عن رَقْبَة، أنَّ عبدَ الله بن مِسْوَر
المدائنِي وَضَعَ أحاديثَ على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فاحتَمَلها الناسُ.
حدثنا أبو بكر الشافعي، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل السُّلَمِي، قال: حدثنا
عبد العزيز الأوَيْسِي، قال: حدثنا مالك، قال: كان ربيعةُ بنُ أبي عبد الرحمن يقولُ
لابن شهاب: إنَّ حَالِي ليست تُشبِهُ حالَك، فقال له ابنُ شهاب: وكيف ذلك؟ قال
ربيعة: أنا أقولُ برأيٍ من شاءَ أخَذَه فاستَحسَنَه وعَمِلَ به، ومن شاء تَرَكَه، وأنت في
القوم تُحدِّثُ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم فُيُحْفَظُ.
ذكرُ النوعِ العِشرين من علوم الحديث(١)
النوعُ العِشرون من هذا العلم بَعْدَ معرفةٍ ما قدَّمنا ذِكرَهُ من صحةِ الحديث
إتقاناً ومعرفةً لا تقليداً وظناً: معرفَةُ فِقِهِ الحديث، إذ هو ثَمَرةُ هذه العلوم، وبه قِوامُ
الشريعة .
(١) هذا النوع في «معرفة علوم الحديث)) ص ٦٣.

٤٢٤
ثم ذَكَرَ أناساً ممن عُرِفَ بفقه الحديث من أهل الحديث، منهم: محمدُ بن مسلم
الزهري، ويحيى بنُّ سعيد الأنصاري، وعبدُ الرحمن الأوزاعي، وسفيان بن عيينة
الهلالي، وعبدُ الله بن المبارك، ويحيى بنُ سعيد القطان، وعبدُ الرحمن بن مهدي،
ويحيى بن يحيى التميمي، وأحمدُ بن محمد بن حنبل، وعليُّ بن عبد الله بن جعفر
المديني، ويحيى بنُ معين، وإسحاقُ بن إبراهيم الحنظلي، ومحمد بن إسماعيل
البخاري، ومسلم بن الحَجَّاجِ القُشَيري، وأبو عبد الرحمن أحمدُ بن شُعَيْب النسائي،
وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيمة، وغيرهم.
وأَورَدَ عند ذكر كل واحد منهم ما قيل في شأنه من الثناءِ، ولربما أَورَدَ شيئاً من
كلامِهِ مما يتعلق بهذا النوع.
ثم قال: قد اختَصَرْتُ هذا البابَ، وتركتُ أساميَ جماعةٍ من أئمتنا كان من
حَقِّهم أن أَذْكُرَهم في هذا الموضع، فمنهم أبوداود السجستاني، ومحمد بن
عبد الوهاب العَبْدي، وأبو بكر الجَارُودِي، وإبراهيمُ بن أبي طالب، وأبو عيسى
الترمذي، وموسى بن هارون البزَّاز، والحسن بن علي المَعْمَرِي، وعلي بن الحسين بن
/١٧٩ الجُنْيْد، ومحمد بن مسلم بن وَارَهْ / ومحمدُ بن عَقِيل البلخي، وغيرُهم من مشايخنا
رضي الله عنهم أجمعين.
ذكرُ النوعِ الحادي والعشرين من علوم الحديث(١)
هذا النوعُ في معرفةِ ناسخ الحديثِ من منسوخِه، وأنا ذاكرٌ بمشيئة الله تعالى منه
أحادیثَ يُستَدَلُّ بها على الكثير.
أخبرنا أبو عبد الله محمد بن عبد الله الصفار، قال: حدثنا أحمد بن مَهْدِي بن
رُسْتُم، قال: حدثنا مؤمِّل بن إسماعيل، قال: حدثنا شعبة، عن عَمْرٍو بن دينار، عن
يحيى بن جَعْدَة، عن عبد الله بن عَمْرو القَارِيِّ، عن أبي أيوب الأنصاري، أنَّ النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم قال: تَوضَُّوا مما غَيَّرتِ النارُ.
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٨٥.
--

٤٢٥
قال أبو عبد الله: هذا الأمْرُ منسوخٌ، والناسخُ له ما حدثنا أبو العباس محمد بن
يعقوب، قال: حدثنا محمد بن عوف، قال: حدثنا علي بن عياش، قال: حدثنا
شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن المنكّدِر، عن جابر، قال: كان آخِرُ الأمرينِ من
رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم تَرْكَ الوضوء مما مَسَّتْ النار. ثم ذَكَر أمثلةً أخرى.
ذكرُ النوعِ الثاني والعشرين من علوم الحديث(١)
هذا النوعُ منه في معرفة الألفاظ الغريبة في المتون. وهذا عِلْمٌ قد تَكلَّم فيه
جماعةٌ من أتباع التابعين، منهم مالك والثوريُّ وشعبةُ فمن بعدهم.
وأوَّلُ من صَنَّفَ الغريب في الإِسلام النَّضْرُ بن شُمیل، لهفیه کتاب، هو عندنا .
بلا سَمَاعٍ، ثم صنَّف فيه أبو عُبَيد القاسمُ بن سَلَّم كتابَه الكبير. اهـ.
قال ابن الصلاح: وخالَفَ بعضُهم الحاكمَ فقال: أوَّلُ من صَنَّف فيه أبو عُبَيْدَةً
مَعْمَرُ بنُ الْمُثَنَّى. وقال بعضهم: أوَّلُ من جَمَع في هذا الفن شيئاً وألّفَه أبو عُبَيدة، ثم
النَّضْرُ بن شُمَيْل، ثم عبدُ الملك بن قُرَيْب الأصمعيُّ وكان في عَصْرِ أبِي عُبِيدة وتأخَّرَ
عنه، وصَنَّف في ذلك قُطْرُب، ثم بعدَ المئتين جَمَع أبو عُبَيد القاسم بن سَلَّم كتابَه
المشهور.
ذكرُ النوع الثالث والعشرين من علوم الحديث(٢)
هذا النوعُ من هذا العلم في معرفةِ المشهورِ من الأحاديث، والمشهورُ غيرُ
الصحيح، فُرُبَّ حديثٍ مشهورٍ لم يُخرَّج في الصحيح، فمِن ذلك: طلَبُ العلم
فريضة على كل مسلم. ومنه: نَضَّرِ اللَّهُ آمْراً سَمِعَ مقالتي فوعاها. ومنه: لا نِكاحَ إلَّ
بوليّ. ومنه: من سُئِلَ عن عِلمٍ فكتَمَه أُلْجِمَ بلِجام من نار. فكلُّ هذه الأحاديثِ
مشهورةٌ بأسانيدِها وَطُرُقِها وأبوابٍ يَجمعُها أصحابُ الحديث، وكلُّ حديثٍ منها تُجمَعُ
طُرُقُه في جزءٍ أو جزئين، ولم يُخرَّج في الصحيح منها حَرْفُ.
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٨٨.
(٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٩٢.
!
i

٤٢٦
وأما الأحاديثُ المُخرَّجَةُ في الصحيح، فمنها: إنما الأعمالُ بالنيات، وإنما لكل
امرئ ما نوى، ومنها: إنَّ الله لا يَقبِضُ العلمَ انتزاعاً يَنتزِعُهُ من الناس، الحديث.
ومنها: كلُّ معروفٍ صَدَقَة، ومنها: إنما جُعِلَ الإِمامُ ليُؤْتَّمَّ به، ومنها: تَقْتُلُ عماراً الفِئَةُ
الباغيةُ، ومنها: المسلمُ من سَلِمَ المسلمون من لسانِهِ ويده، ومنها: لا تَقَاطعوا ولا.
تَدَابَرُوا. والطّوالُ من الأحاديثِ، مِثلُ حديثِ الإِيمان، وحديثِ الزكاة، وحديثٍ
:
/ ١٨٠ الحج، وحديث / المعراج.
ومن الطَّالِ التي لم تُخرَّج في الصحيح حديثُ الطَّيْرِ، وحديثُ قُسِّ بن
ساعِدَة، وحديثُ أمِّ مَعْبَد، وغيرها من الطّوَال.
فهذه الأنواعُ التي ذكرنا، من المشهورِ الذي يَعرفه أهلُ العلم، وقلَّما يخفى ذلك
عليهم، وهو المشهورُ الذي يَستوي في معرفتِهِ الخاصُّ والعام.
وأما المشهورُ الذي يَعرِفُه أهلُ الصنعة، فمثالُ ذلك ما حدثنا أبو عبد الرحمن
محمد بن عبد الله بن أبي الوزير التاجر، قال: حدثنا أبو حاتم الرازي، قال: حدثناً
محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثني سليمان التَّيْمِي، عن أبي عِجْلَز، عن
أنس بن مالك، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قَنَتَ شهراً بعدَ الركوع، يَدْعُوِ
على رِعْلٍ وذَكْوَانَ .
قال أبو عبد الله: هذا حديثٌ مخرَّجٌ في الصحيح، وله رُواةً عن أنس غيرُ
أبي عِجْلَز، ورواه عن أبي مُجْلَزَ غيرُ التيمي، ورواه عن التيمي غيرُ الأنصاري، ولا
يَعلمُ ذلك غيرُ أهلِ الصنعة، فإنَّ غيرَهم يقول: سليمانُ هو صاحِبُ أنس، وهذا
حديثٌ غريبٌ أن يَروِيَه عن رجلٍ عن أنس .
ولا يَعلمُ أن الحديثَ عندَ الزهريِّ وقتادة، وله عن قتادة طُرُقٌ كثيرة، ولا يَعلمُ
أيضاً أَنَّ الحديثَ بطولِهِ في ذكر العُرَنِين يُجِمَعُ ويُذاكَرُ بُطُرُقه. وأمثالُ هذا الحديثِ
ألوفَ من الأحاديثِ، التي لا يَقِفُ على شُهرتِها غيرُ أهل الحديث المجتهدين في جمعِهِ
ومعرفته .

٤٢٧
ذكرُ النوع الرابع والعِشرين من علوم الحديث(١)
هذا النوعُ منه في معرفةِ الغريب من الحديث. وليس هذا العِلْمُ ضِدَّ الأوَّل
فإنه يَشتِلُ على أنواعٍ شتى لا بد من شَرْحِها في هذا الموضع.
ءے
فنوعٌ منه غرائبُ الصحيح، مثالُ ذلك ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب،
قال: حدثنا أحمد بن عبد الجبار، قال: حدثنا يونس بن بكير، عن عبد الواحد بن
أيمن المخزومي، قال: حدثني أيمن، قال سمعتُ جابر بن عبد الله يقول: كنا يومَ
الخندق نحفِرُ الخندق، فعَرَضَتْ فيه كَذَّانَةٌ وهي الْجَبَلُ(٢)، فقلتُ: يا رسول الله،
كَذَّانَةٌ قد عَرَضَتْ فيه، فقال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: رُشُّوا عَلَيْها، ثم قام
النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فأتاها وبَطْنُهُ معصوبٌ بحَجَر من الجُوعِ، فذَكَر حديثاً
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٩٤.
(٢) الكَذَّانَةُ بفتح الكاف وتشديد الذال المعجمة بعدها ألف ثم نون ثم تاءُ الوَحْدة، من
الكَذَّان، وهو الحجارةُ الرِّخوةُ إلى البياض، وهو فَعَّال، والنونُ أصلية، وقيل: فَعْلان والنون
زائدة، كذا في ((النهاية)) لابن الأثير ٤: ١٦٠ و(تاج العروس)) ٩: ٣٢٠. وجاءت هذه اللفظة في
نسخةٍ من ((المعرفة)) قرئت على الحافظ ابن الصلاح: (كُدْيَة)، فوافقت سائر الروايات.
وهذه اللفظة لم ترد في روايات الحديث عند البخاري ٧: ٣٩٦، فلذا لم يتعرض لها الحافظ
ابن حجر ولا أشار إليها، فهي في الرواية التي ساقها الحاكم هنا، وأما في رواية البخاري فهذا
ما قاله الحافظ ابن حجر وتبعه العلامة القسطلاني في «إرشاد الساري» ٦: ٣٢٠، وهو:
((فعرَضَتْ كَيْدَةٌ، كذا لأبي ذر، بفتح الكاف وسكون التحتانية، قيل: هي القطعة الشديدة
الصُّلبةُ من الأرض، وقال عياض: كأنَّ المرادَ أنها واحدةُ الكَيْد، كأنهم أرادوا أنَّ الكَيْد - وهي
الجَبَلة - أعجزهم، فلجئوا إلى النبي صلَّى الله عليه وسلّم. وفي رواية أحمد عن وكيع عن
عبد الواحد بن أيمن وها هنا - يعني الحافظ في صحيح البخاري - : كُذْيَة من الجبل، وفي رواية
الإسماعيلي: فعرضَتْ كُذْيَة، وهي بضم الكاف وتقديم الدال على التحتانية، وهي القطعة الصُّلْبةُ
الصَّمَّاء. ووقع في رواية الأصيلي عن الجرجاني: كُنْدَة، بنون، وعند ابن السكن: كُنْدَة، بمثناة من
فوق، قال عياض: لا أعرِفُ هما معنی)).

٤٢٨
طويلًا فيه ذِكرُ أهلِ الصُّفَّة، ودعوةُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم إياهم، وهو حديثٌ
فِي وَرَقَةٍ ، وَرَوَاهُ البخاري في ((الجامع الصحيح)) عن خَلَّاد بن يحيى المكِّي، عن
عبد الواحد بن أيمَن(١) فهذا حديثٌ صحيح، وقد تفرَّد به عبدُ الواحد بن أيمن،
عن أبيه، وهو من غرائبِ الصحيح(٢).
والنوعُ الثاني من غرائب الحديث: غرائبُ الشيوخ، مثالُهُ ما حدثناه
أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا الربيع بن سليمان، قال: أخبرنا الشافعيّ،
قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
قال: لا يَبْعْ حاضرٌ لبادٍ. هذا حديثٌ غريبٌ لمالك بن أنس، عن نافع، وهو إمامٌ
يُجمَعُ حديثُهُ، تفرَّدَ به عنه الشافعي، وهو إمامٌ مُقَدَّم، ولا نعلَمُ أحداً حَدَّث به عنه
غيرَ الربيع بن سليمان، وهو ثقة مأمون.
والنوعُ الثالثُ منْ غريب الحديث غرائبُ المتون، مثالُ ذلك ما حدثنا أبو محمد
عبد الله بن محمد بن إسحاق الخُزَاعي بمكة، قال: حدثنا أبو يحيى بنُ أبي مَسَرَّةٍ،
(١) رواه البخاري في كتاب المغازي في (باب غزوة الخندق وهي الأحزاب) ٣٩٥:٧.
(٢) هذا الحديث عن جابر رواه البخاري من طريقين في كتاب المغازي في (باب غزوة
الخندق والأحزاب) ٣٩٥:٧، فقال بعد سياقه من طريق خلاد بن يحيى، عن عبد الواحد بن
أيمن، عن أبيه: ((حدثني عَمْرو بن علي، حدثنا أبو عاصم، أخبرنا حنظلةُ بن أبي سفيان، أخبرنا
سعيدُ بن مِيْناء، قال: سمعت جابر بن عبد الله قال: لَّا حُفِرَ الخندق ... )). انتهى.
فقد تابَعَ أَنَ سعيدُ بنُ مِيْنَاء، وتَابَعَ عبدَ الواحد حنظلةُ بنُ أبي سفيان. فالظاهرُ أن الحاكم
رحمه الله تعالى يعني بالغريب هنا: تفرُّدَ عبد الواحد بروايته عن أبيه أيمن، كما يتبينٌ من ترجمة
(أيمن) في (تهذيب الكمال)) ٣: ٤٥١ و(تهذيب التهذيب)) ٣٩٤:١، فإنه لم يَرْوِ عنه إلاَّ ابنُهُ
عبدُ الواحد.
وهذا التفرُّدُ ليس بتفرد مطلق، إنما هو تفرُّدٌ نسبي، في الراوي عن الراوي التابعي، فلا
يَحسُنُ أن يقال فيه: (من غرائب الصحيح) هكذا، لأنه يتبادر منه الغرابة المطلقة، كالمثال الثاني
الذي ذكره بعده هناك. فهذا من تساهلات الحاكم في أمثلته. وقد علمتَ أن لرواية أيمن عن جابر
في هذا الحديث متابعاً، والله أعلم.

٤٢٩
قال: حدثنا خَلاَّد بن يحيى، قال: حدثنا أبو عَقِيل، عن محمد بن سُوقة، عن
محمد بن المنكَدِر، عن جابر، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّ هذا
الدِّينَ متينٌ، فأوغِلْ فيه برِفْق، ولا تُبُغُّضْ إلى نفسك عِبَادةَ الله (١)، فإنَّ الْمُنْبَتَّ
لا أرضاً قَطَع، ولا ظهراً أبقَى .
هذا حديثٌ غريبُ الإِسنادِ والمتنِ، فكلُّ ما رُوِيَ فيه فهو من / الخِلافِ على /١٨١
محمد بن سُوْقَة، فأمَّا ابنُ المنكدر، عن جابر(٢)، فليس يَروِيه غيرُ محمد بن سُوقَة،
وعنه أبو عَقِيل، وعنه خلَّد بن يحيى. فهذه الأنواعُ التي ذكرتُها مِثالٌ لألوفٍ من
الحديثِ تجرِي على مِثالها وسَنَتِها .
ذكرُ النوعِ الخامسِ والعِشرين من علوم الحديث(٣)
هذا النوعُ فيه معرفةُ الأَفْرادِ من الأحاديث، وهو على ثلاثة أنواع:
النوعُ الأول منه معرفةُ سُنَنِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم التي يَتفرَّدُ بها أهلُ
مدينةٍ واحدة، عن الصحابي.
ومثال ذلك ما حدثنا أبو نصر أحمد بن سهل الفقیه بُخَارَی، قال: حدثنا
صالح بن محمد بن حبيب الحافظ، قال: حدثنا علي بن حكيم، قال: حدثنا
شَرِيك، عن أبي الحسناء، عن الحَكَم بن عُتَيْبَة، عن حَنَش، قال: كان علي
رضي الله عنه يُضحِّي بِكَبْشَينِ: بكبشٍ عن النبي صلَّى الله عليه وسلّم، وبكبشٍ
عن نفسِهِ، وقالَ: كان أمَرَني رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنْ أضحِّيَ عنه، فأنا
أُضَحِّي عنه أبداً.
تفرَّدَ به أهلُ الكوفة من أولِ الإِسناد إلى آخره، لم يَشْرَكهم فيه أحد.
(١) وقع في الأصل: (ولا تبغض نفسك) بسقوط (إلى) الثابتة في ((المعرفة)) ص ٩٦.
(٢) وقع في الأصل: (محمد بن سُوقة عن ابن المنكدر عن جابر). والصواب المثبت من
((المعرفة)) ص ٩٦.
(٣) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٩٦.

٤٣٠
ثم أَورَدَ للبصرة، والمدينة، ومصر، والشام، ومكة، وخراسان، لكلِّ واحدةٍ
منها حديثاً، قد تفرَّد به أهلُها. والمثالُ الذي نقلناه عنه كافٍ في الوقوف على هذا
النوع بالنظر إلى المبتدىء، ولذلك اقتَصَرْنا عليه، وقد جَرَيْنا على هذا النهج في کثیرٍ
من المواضع .
النوعُ الثاني من الأفراد أحاديثُ يَتَفرَّدُ بروايتِها رجلٌ واحدٌ عن إمامٍ من
الأئمة .
ومثال ذلك ما حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا أحمد بن
شيبان الرَّمْلي، قال: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن نافع، عن ابن عمر،
أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم بَعَثَ سَرِيَّةً إلى نَجْد، فبلَغَتْ سُهمانُهم اثْنَيُّ عَشَر
بعيراً، فَنَفَّلَنا النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم بعيراً بعيراً .
تفرَّدَ به سفيانُ بن عيينة، عن الزهري، وعنه أحمدُ بن شيبان الرَّمْلِي.
قال أبو عبد الله: هذا النوعُ من الأفرادِ يَكثُرُ، ولا يُمكِنُ ذِكرُهُ لکثرتِهِ، وهو
عند أهل الصنعة متعارَف، وقد ذُكِرَ مِثالُه ..
فأمَّا النوعُ الثالث من الأفرادِ فإنه أحاديثُ لأهلِ المدينة، يَنفرِدُ بها عنهم أهلُ
مكة مثلاً، وأحاديثُ يَنفرِدُ بها الخراسانيون عن أهلِ الحرمينِ مثلاً، وهذا نوعٌ يَعِزُّ
وجودُهُ وفهمُه .
حدثنا أبو عَمْرو عثمان بن أحمد بن السمَّك ببغداد، قال: حدثنا محمد بن عيسى
المدائني، قال: حدثنا محمد بن الفضل بن عطية، قال: حدثنا أبو إسحاق،
- ح -(١)، وحدثنا أبو العباس الْمَحْبُوبي، قال: حدثنا محمد بن الليث، قال:
حدثنا يحيى بن إسحاق الكاجَفُوْني(٢)، قال: حدثنا عبدُ الكبيربن دينار، عن
(١) وقع في الأصل: (حدثنا أبو إسحاق حدثنا ـــ ح ـ- وحدثنا أبو العباس المحبوبي).
والصواب المثبت من ((المعرفة)) ص ١٠١.
(٢) هكذا الكلمة في الأصل، وهكذا هي مشكولةٌ في المخطوطة المعتمدة المقروءة على =

٤٣١
أَبي إسحاق(١)، عن البَرَاء، قال: كان رجلٌ يقال له: نُعْمُ، فقال له النبي صلَّى الله
عليه وسلَّم: أنت عَبْدُ الله .
قال أبو عبد الله: أبو إسحاق عَمْرُو بن عبد الله السَّبِيعي إمامٌ تابعيٌّ من أهل
الكوفة، وليس هذا الحديثُ عند الكوفيين عنه، فإنَّ عبدَ الكبير بن دينار مَرْوَزِيٌّ،
ومحمدَ بن الفَضْلِ بن عطية بُخَارِيُّ، وقد تفرَّدًا به عنه، فهو من أفرادِ الخراسانيين عن
الکوفیین .
ذكرُ النوعِ السادس والعشرين من علوم الحديث(٢)
هذا النوعُ من هذه العلوم في معرفةِ المُدَلِّسين، الذين لا يُميِّزُ من كَتَب عنهم بين
ما سَمِعوه وما لم يَسمعوه، / وفي التابعين وأتباع التابعين وإلى عصرنا هذا منهم
جماعة .
/ ١٨٢
قال أبو عبد الله: فالتدليسُ عندنا على ستةٍ أجناس :
فمن المدلِّسين من دلَّس عن الثقاتِ، الذين هم في الثقةِ مِثلُ المحدِّثِ أو فوقَه
أو دونه، إلا أنهم لم يَخرُجوا من عِدادِ الذين تُقبَلُ أخبارُهم.
الجنسُ الثاني قومٌ يُدلِّسون الحديث فيقولون: قال فلان، فإذا وَقَع إليهم من
یُنقِّرُ عن سماعاتهم ويُلِحُ ويُراجعُهم، ذكروا فيه سماعاتِهم.
الجنسُ الثالثُ قومٌ دَلَّسوا عن أقوام مجهولين، لا يُذْرَى من هم وأين هم.
= الحافظ ابن الصلاح، وفي نسخةٍ: (الكاجْغِري) وبها وردَتْ النسبةُ في كتاب السمعاني ((الأنساب))
٩:١١، قال: ((الكاجْغِري، بفتح الكاف، والجيمِ الساكنةِ، بينهما الألفُ والغينُ المعجمة، وفي
آخرها الراء، نسبةٌ إلى بلدةٍ من تُرْكِسْتَان، يقال لها: كاجْغَر وكاشْغَر أيضاً)). انتهى.
ومثلُه في ((معجم البلدان)) ٤: ٤٢٩ ولم يَرِد في ((الأنساب)) ولا في «معجم البلدان)) نسبةٌ
(کاجفون).
(١) وقع في ((المعرفة)) ص ١٠١ (عن ابن إسحاق)، وهو تحريف عن (أبي إسحاق).
(٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٠٣.

٤٣٢
قال أبو عبد الله: وقد رَوَى جماعةٌ من الأئمة عن قومٍ من المجهولين، منهم
سفيانُ الثوري، وشعبةُ بن الحجاج، وبقيةُ بن الوليد، قال أحمد بن حنبل: إذا حدَّثُ
بقيةُ عن المشهورين فرواياتُهُ مقبولة، وإذا حدَّث عن المجهولين فرواياتُه غيرُ مقبولة.
والجنسُ الرابعُ قَومٌ دَلَّسوا أحاديثَ رَوَوْها عن المجروحين، فغيّرُوا أسامِيَهم
وكُنَاهم كي لا يُعرَفوا.
والجنسُ الخامسُ قومٌ دَلَّسوا عن قوم سَمِعوا منهم الكثيرَ، وربما فاتهم الشيءُ
عنهم فيُدلِّسونه.
قال أبو عبد الله: ومن هذه الطبقة جماعةٌ من المحدِّثين المتقدِّمين والمتأخرين،
محرَّجٌ حديثُهم في الصحيح، إلاّ أنَّ المتبخِّرَ في هذا العلم يُميِّزُ بين ما سَمِعُوه وما.
لِّسوه.
والجنسُ السادس قومٌ رَوَوْا عن شيوخ لم يَرَوْهم قط، ولم يَسمعوا مِنْهُم، وإنما
قالوا: قال فلان، فحُمِلَ ذلك عنهم على السماع، وليس عندهم عنهم سماعٌ عالٍ
ولا نازلٌ.
:
قال أبو عبد الله: قد ذكرتُ في هذه الأجناسِ السنةِ أنواعَ التدليس، ليتأمَّلَهُ
طالبُ هذا العلم، فيقيسَ بالأقلِّ على الأكثر، ولم أستحسن ذِكرَ أسامي من دلَّس من
أئمة المسلمين صيانةً للحديثِ ورُوَاتِه، غيرَ أني أدلُّ على جملةٍ يَهتدِي إليها الباحثُ عنْ
الأئمة الذين دَلَّسوا والذين تورَّعوا عن التدليس.
وهو: أنَّ أهلَ الحجاز والحرمين ومصر والعَوَالِي، ليس التدليسُ من مذهبهم،
وكذلك أهلُ خراسان والجِبال وأصبهان وبلادِ فارس وخُوْزسْتَان وما وراء النهر،!
لا يُعلَمُ أحدٌ من أئمتهم ذَلَّس ..
وأكثرُ المحدِّثين تدليساً أهلُ الكوفة ونفرٌ يسيرٌ من أهل البصرة.
فأمَّا مدينةُ السلام بغدادُ فقد خَرَج منها جماعةٌ من أهل الحديث مِثلُ أبي النضر
هاشم بن القاسم، وأبي نوح عبد الرحمن بن غَزْوان، وأبي كامل مظفَّرٍ بن مُدْرِك،

٤٣٣
وأبي محمد يونس بن محمد المؤدِّب، وهم في الطبقةِ الأولى من أهل بغداد، لا يُذكَرُ
عنهم وعن أقرانهم من الطبقة الأولى التدليسُ.
ثم الطبقةُ الثانية بعدَهم: الحسَنُ بن موسى الأَشْيَب، وسُرَيْج بن النعمان
الجوهري، ومعاويةُ بن عَمْرو الأزدي، والْعَلَّى بنُ منصور، وأقرانُهم من هذه الطبقة،
لم يُذكَر عنهم التدليسُ.
ثم الطبقةُ الثالثةُ إسحاقُ بن عيسى بن الطباع، ومنصورُ بن سَلَمة الخزاعي،
وسليمانُ بن داود الهاشمي، وأبو نصر عبد الملك بن عبد العزيز التّار، لم يُذكَر عنهم
وعن طبقتهم التدليسُ.
ثم الطبقةُ الرابعةُ منهم مِثلُ الهيثم بن خارجة، والحَكَم بن موسى، وخَلَف بن
هشام، وداود بن عمرو الضَّبِّي، لم يُذكَر عنهم وعن طبقتهم التدليس.
ثم الطبقةُ الخامسة مثلُ إمامِ الحديثِ أحمدَ بنِ حنبل، ومُزَكِّي الرُّواةِ يحيى بن
معين، وصاحِبَيْ ((المُسْنَد)) ابنِ أبي خيثمة زهير بن حرب، وعَمْرٍوبن محمد الناقدٍ،
لم یُذکر عن واحدٍ منهم التدلیسُ.
ثم الطبقة السادسةُ والسابعةُ لم يُذكَّر عنهم ذلك، إلَّ لأبي بكرٍ محمدِ بن
محمد بن سليمان الباغَنْدِي الواسِطيّ، فإِنْ أخَذَ أحدٌ من أهلِ بغداد التدليسَ فعن
الباغَنْدِيِّ وحدَهُ.
/ذكرُ النوعِ السابعِ والعشرين من علوم الحديث(١)
/١٨٣
هذا النوعُ منه في معرفة عِلَل الحديث، وهو عِلْمٌ برأسِه، غيرُ الصحيح
والسقيم، والجرح والتعديل.
أخبرنا محمد بن إبراهيم بن إسحاق، قال: حدثنا أحمد بن سَلّمة بن عبد الله،
قال: سمعتُ أبا قُدَامة السَّرَخْسي يقول، سمعتُ عبد الرحمن بن مهدي يقول: لَأَنْ
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١١٢.

٤٣٤
أعرِفَ عِلَّةً حديثٍ هو عندي(١)، أحبُّ إليَّ من أن أكتُبَ عشرين حديثاً ليس عندي.
وقد اقتَصَرْنا من عبارةِ الحاكم هنا على هذا القدر، وستأتي تَتِمَّةُ عبارتِهِ في
مبحثٍ أفردناه لهذا النوع.
ذكرُ النوعِ الثامن والعشرين من علوم الحديث(٢)
هذا النوعُ منه في معرفة الشاذِّ من الروايات، وهو غيرُ المعلول، فإنَّ المعلول
ما يُوقَفُ على علَّتِهِ: أنه دَخَل حديثٌ في حديث، أو وَهِمَ فيه راٍ، أو أرسَلَه واحدٌ
فَوَصَلَهُ واهِم .
فأمَّا الشاذُّ فإنه حديثٌ يَتفرَّدُ به ثقةٌ من الثقات، وليس للحديثِ أصلٌ مُتَابِعٌ
لذلك الثقة .
سمعتُ أبا بكر أحمد بن محمد المتكلم الأشقر يقول، سمعتُ أبا بكر محمد بن
إسحاق يقول، سمعتُ يونس بن عبد الأعلى يقول، قال لي الشافعي: ليس الشاذّ
"= وهواء ين المعلل لم يفرط الجافه لهذا النوع
من الحديثِ أن يَروِيَ الثقةُ ما لا يَروِبِهِ غيرُهُ، هذا ليس بشاذ، إنما الشاذ أن يَروِيَ
، أراد أن يعرف
الثقةُ حديثاً يُخالِفُ فيه الناسَ، هذا الشاذُّ من الحديث.
الكا
ذكرُ النوعِ التاسعِ والعِشرين من علوم الحديث(٣)
هذا النوعُ من هذه العلوم في معرفةٍ سُنَنٍ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
يُعارِضُها مِثلُها، فَيَحتَجُّ أصحابُ المذاهب بإحداهما، وهما في الصحة والسَّقَّمْ سِيَّنَ.
ومثال ذلك ما حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: أخبرنا الربيع بن
سليمان، قال: أخبرنا الشافعي، قال: أخبرنا مالك، عن نافع، عن نَبِيْهِ بنَ وَهْب،
أنَّ عُمَر بن عُبَيْد الله أراد أن يُزوِّجِ طلحةَ بنَ عمرٍ: ابنةَ شيبة بنِ جُبير، فأرسَل إلى
(١) لفظ (عندي) هنا، ساقطٌ من الأصل، وثابت في ((المعرفة)» ص ١١٢.
(٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١١٩ .
(٣) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٢٢ .

٤٣٥
أبانِ بنِ عثمان ليَحضُرَ ذلك وهو أميرُ الحاجّ، فقال أبان: سمعتُ عثمانَ بنَ عفان
يقول: سمعتُ رسول الله يقول: لا يَنكِحُ المُحْرِمُ ولا يُنْكَحِ ولا يَخْطُب.
قال أبو عبد الله: في النهي عن نِكاحِ المُحْرِمِ بابٌ مُخرَّجُ أكثرُهُ في الصحيح .
ويُعَارِضُهُ هذا الخبر(١): حدثني علي بن خْشَاذ العَدْل، قال: حدثنا
إسماعيل بن إسحاق القاضي، قال: حدثنا علي بن المَدِيني، قال: حدثنا سفيان،
قال: حدثنا عَمْروبن دينار، عن جابر بن زَيْد(٢)، عن ابن عباس، أنَّ النبي
صلَّى الله عليه وسلَّم نَكَحَ ميمونةَ وهو مُخْرِمِ .
قال أبو عبد الله: وهكذا رُوِي عن سعيد بن جُبیر، وعطاء بن أبي رباح،
وطاوسٍ بن كَيْسَان، وعكرمَةَ مولى ابنِ عباس، ومجاهدٍ بن جَبْر، وعبدِ الله بن
أبي مُلَيْكَة، وغيرهم، عن عبدِ الله بن عباس. وكان سعيدُ بن المسيّب يُنكِرُ هذا
الحديث.
وقد كان يزيدُ بن الأصمّ يَروِي عن أبي رافع أنه كان يقول: كنتُ واللَّهِ
الرسولَ بين رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وميمونة، وما تَزوَّجَها إلَّ حَلَالاً.
وقد خَرَّجتُ عِلَّتَه في كتاب ((الإِكليل)) في عُمرةِ القَضَاءِ، بتفصيلِهِ وشرحِهِ حتى
/ لقد شُفِيْتُ(٣).
وذَكَر الحاكم خمسةً أمثلةٍ هذا أحدُها، ثم قال: وقد جعلتُ هذه الأحاديثَ
التي ذكرتُها مثالاً لأحاديثَ كثيرةٍ يَطُولُ شرحُها في هذا الكتاب.
/١٨٤
(١) وقع في الأصل: (ويُعارضُها). وهو سهو من المؤلف عن تغيير عبارة ((المعرفة)) التي
هي: (مُخُرَّجْ أكثُرُها في الصحيح، ويُعارضها هذا الخبر). فغيَّر المؤلف (أكثرَها) إلى (أكثرِهِ)، ولم
يغيِِّ (ويُعارِضُها) إلى (ويعارضُهُ) كما أثبتُّه.
(٢) وقع في الأصل (جابر بن يزيد)، وهو تحريف عن (زَيْد) كما جاء في ((المعرفة))
ص ١٢٧ .
(٣) وقع في الأصل: (لقد شغبت)!

٤٣٦
ذكرُ النوعِ الثلاثين من علوم الحديث(١)
هذا النوعُ من هذا العِلم: في معرفةِ الأخبار التي لا مُعَارِضَ لها بوجهٍ من
الوجوه .
ومثال ذلك ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا إبراهيم بن
مرزوق، قال: حدثنا وَهْبُ بن جریر، قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن
مُصعَب بن سعد، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم:
لا يقبلُ الله صلاةٌ بغيرِ طَهُور، ولا صَدقةً من غُلُول.
قال أبو عبد الله: هذه سُنَّةٌ صحيحةٌ لا مُعارِضَ لها.
وذَكَر أمثلةً أخرى لهذا النوع، ثم قال: وقد جعلتُ هذه الأحاديثَ مثالاً لبُسَنِ
كثيرةٍ لا مُعَارِضَ لها. وقد صنَّف عثمانُ بن سعيد الدارِمِيُّ فيه كتاباً كبيراً .
ذكرُ النوع الحادي والثلاثين من علوم الحديث(٢)
هذا النوعُ من هذه العلوم: في معرفة زيادةِ ألفاظٍ فقهية في أحاديثَ يَتفرَّدُ فيها
بالزيادة راوٍ واحدٌ.
وهذا مما يَعِزُّ وجودُه ويَقِلُّ في أهلِ الصنعة من يحفظُه، وقد كان أبو بكر
عبدُ الله بن محمد بن زياد النيسابوري الفقيهُ ببغداد يُذكَرُ بذلك، وأبو نعيم
عبدُ الملك بن محمد بن عَدِيّ الجرجاني بخراسان، وبعدَهما شيخُنا أبو الوليد.
ومثالُ هذا النوع ما أخبرنا أبو عبد الله الحسين بن الحسن الطّوسِي بنيسابور،
وأبو محمد عبد الله بن محمد الخزاعي بمكة، قالا: حدثنا أبو يحيى بنُ أبي مَسَرَّة،
قال: حدثنا يحيى بن محمد الجاري، قال: حدثنا زكريا بن إبراهيم بن عبد الله بن
مُطيع، عن أبيه، عن جَدِّه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٢٩.
(٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٣٠.

٤٣٧
وسلَّم: من شَرِبَ في إناءِ ذهبٍ أو فضةٍ أو في إناءٍ فيه شيء من ذلك، فإنما يُجَرْجِرُ في
بطنِهِ نارَ جهنم .
قال أبو عبد الله: هذا حديثٌ رُوِيَ عن أمِّ سَلَمة، وهو مُخرَّج في الصحيح،
وكذلك رُوِيَ من غير وجه عن ابن عُمَر، واللفظَّةُ: أو إِناءٍ فيه شيء من ذلك
لم نكتُبها إلاّ بهذا الإِسناد.
ذكرُ النوعِ الثاني والثلاثين من علوم الحديث(١)
هذا النوعُ من هذا العلم: في معرفة مذاهبِ المحدِّثين.
قال مالك بن أنس: لا يُؤْخَذُ العلمُ من صاحبٍ هَوَىَّ يدعو الناسَ إلى هواه .
وقال يحيى بن معين: كان محمد بن مُنَاذِر - الشاعر - زِنديقاً يَخْرُجُ إلى
البطحاءِ فَيَصطادُ العقارب، ثم يُرسِلُها على المسلمين في المسجد الحرام.
وقال سفيان الثوري: إني لأروِي الحديثَ على ثلاثةِ أوجه: أسمَعُ الحديثَ من
الرجل أَتَّخِذُه دِيناً، وأسمَعُ الحديثَ من الرجل أتوقّفُ في حديثه، وأسمَعُ الحديثَ من
الرجل لا أعتَدُّ بحديثه، وأُحِبُّ معرفةَ مذهبِهِ .
/١٨٥
وقال أبو نُعَيم: ذُكِرَ الحَسَنُ بن صالح عِنْدَ الثوريِّ(٢)، فقال: ذاك / رجلٌ
كان يَرى السيفَ على أمَّةِ محمدٍ صلَّى الله عليه وسلَّم. قال أبو عبد الله: الحسَنُ بن
صالح فقيةٌ ثقةٌ مأمون، مخرَّجٌ في الصحيح، وإنما عَنَى الثوريُّ أنه كان زَيْدِيَّ
المذهب.
قال أبو عبد الله: قد ذكرتُ ما أدَّى إليه الاجتهادُ في الوقت من مذاهب
المتقدمين، ولم يحتمِل الاختصارُ أكثرَ منه، وفي القلبِ أن أذكُرَ بمشيئة الله تعالى في غير
هذا الكتاب مذاهبَ المحدثين بعدَ هذه الطبقة، من شيوخِ شيوخِي، والله الموفق
لذلك بمنه . اهـ.
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٣٥.
(٢) وقع في الأصل: (عن الثوري)، وصوابه (عِندَ الثوري) كما في ((المعرفة)» ص ١٣٨.

٤٣٨
أقول: قَد عَرفتَّ من العباراتِ الواردةِ في هذا النوع ما أراد الحاكمُ بمذاهبٍ
المحدِّثين هنا، وقد سُئل بعضُ البارعين في علم الأثر(١) عن مذاهب المحدِّثين مُراداً
بذلك المعنى المشهور عند الجمهور(٢)، فأجاب عما سُئِلَ عنه بجوابٍ يُوضِّحُ حقيقةً
الحال، وإن كان فيه نوعُ إجمال، وقد أحببنا إيرادَه هنا مع اختصارٍ مَّا.
قال: أمَّا البخاريُّ وأبو داود فإمامانِ في الفقه، وكانا من أهل الاجتهاد.
وأما مسلمٌ والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ ماجه وابنُ خزيمة وأبو يعلى والبزار
ونحوُهم، فهم على مذهبٍ أهل الحديث، ليسوا مقلِّدين لواحِدٍ بعينه من العلماء،
ولا هم من الأئمة المجتهدين على الإطلاق، بل يَميلون إلى قولٍ أئمةِ الحديث
كالشافعي وأحمد وإسحاق وأبي عُبَيد وأمثالهِم، وهم إلى مذاهب أهل الحجاز أميَلُ
منهم إلى مذاهب أهل العراق.
وأما أبو داود الطيالسي فأقدَمُ من هؤلاء كلَّهم، من طبقةِ يحيى بنِ سعيد
القطان، ويزيد بن هارون الواسطي، وعبد الرحمن بن مهدي، وأمثال هؤلاء من
طبقةٍ شيوخ الإِمام أحمد. وهؤلاء كلَّهم لا يألون جُهداً في اتّباع السُّنَّة، غيرَ أَنَّ منهم
من يميلُ إلى مذهب العراقيين كوكيع ويحيى بن سعيد، ومنهم من يميلٌ إلى مذهب
المدنیین کعبد الرحمن بن مهدي .
وأما الدارقطني فإنه كان يميل إلى مذهب الشافعي إلاّ أنه له اجتهاد، وكان من
أئمة السنةِ والحديث، ولم يكن(٣) حاله كحالٍ أحَدٍ من كبار المحدِّثين ممن جاء على أثره
فالَزَمِ التقليدَ في عامة الأقوال إلَّ في قليل منها مما يُعَدُّ ويُحصَرَ، فإنَّ الدارقطني كان
أقوَى في الاجتهاد منه، وكان أفقَهَ وأعلَّمَ منه ..
(١) هو الشيخ الإِمام ابن تيمية، كما في ((مجموع الفتاوى)) ٣٩:٢٠ - ٤١.
(٢) وقع في الأصل: (مراراً). والصوابُ كما أثبته.
(٣) هذه العبارة مختلة! وهي في (مجموع الفتاوى)): ((لكن ليس هو في تقليد الشافعي
کالبيهقي، مع أن البيهقي له اجتهاد في کثیر من المسائل، واجتهادُ الدارقطني أقوى منه، فإنه كان
أعلم وأفقه منه)».

٤٣٩
ذكرُ النوعِ الثالثِ والثلاثين من علوم الحديث(١)
هذا النوعُ من هذه العلوم مُذَاكَرَةُ الحديثِ والتمييزُ بها، والمعرفةُ عند المذاكرة
بين الصَّدُوقِ وغيرِهِ، فإن الْمُجازِفَ في المذاكرة يُجَازِفُ في التحديث.
ولقد كَتَبْتُ على جماعةٍ من أصحابنا في المذاكرة أحاديثَ لم يَخْرُجوا من عُهدتها
قط، وهي مُثبتَةٌ عندي. وكذلك أخبرني أبو عليّ الحافظُ وغيرُه من مشايخنا، أنهم
حفظوا على قوم في المذاكرة ما احتجُّوا بذلك على جَرْحهم، ونسأل الله حُسنَ العواقبِ
والسلامةَ مما نحن فيه منِّهِ وطَوْلِه.
سمعتُ أبا العباس محمد بن يعقوب، يقول: حدثنا الحسن بن عليّ بن عفان
العامريّ، قال: حدثنا أبو يحيى الحِيَّني، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن
أبي نَضْرة، عن أبي سعيد، قال: تذاكرُوا الحديثَ، فإنَّ الحديثُ يَهِيجُ الحديثَ.
أخبرني عبد الحميد بن عبد الرحمن القاضي، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا
عبد الله بن هاشم، قال: حدثنا وكيع، قال: حدثنا كَهْمَسٌ، عن الحسن، عن
عبد الله بن بُرَيْدَة، عن علي بن أبي طالب، قال: تزاوَرُوا وأكثِرُوا ذِكرَ الحديث،
فإنكم إن لم تفعلوا يَنْدَرِسْ الحديثُ. وعن أبي الأحوص(٢)، عن عبد الله قال:
تذاكروا الحديث، فإنَّ حياتَهُ مذاكرتُه.
/ ذكرُ النوع الرابع والثلاثين من علوم الحديث(٣)
هذا النوعُ منه معرفةُ التصحيفات في المتون، فقد زَلِقَ فيه جماعةٌ من أئمة
الحديث. سمعتُ أحمد بن يحيى الذُّهْلِي يقول، سمعتُ محمد بن عبد القدوس
يقول، قَصَدْنا شيخاً لنسمَع منه، وكان في كتابه أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم
قال: ادَّهِنُوا غِبّاً، فقال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: اذْهَبُوا عَنَّا!
/١٨٦
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٤٠.
(٢) وقع في الأصل: (وعن الأحوص). والصوابُ المثبت من ((المعرفة)) ص ١٤١ .
(٣) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٤٦ .

٤٤٠
وأورَدَ الحاكمُ أمثلةً لهذا النوع، ونَقَل أنَّ شيخاً أُجلِس للتحديث، فحدَّثَ أن
النبي صلَّى الله عليه وسلَّم قال: يا أبا عُمَير، ما فَعَل الْبُعَير؟ وأنه قال: لا تَصْجَبُ
الملائكةُ رُفقةً فيها خَرَس. يُريدُ أنه صَحَّف النُّغَيرِ بالبُعَيرِ، وصحَّف الجَرَس بَالخَرَسُ.
قال في ((النهاية)): وفي الحديثِ أنه عليه الصلاة والسلام قال لأبي عُمْير أخي
أَنَس: يا أبا عُمَير، ما فَعَل النُّغَير؟ النُّغَيْرُ تصغيرُ النُّغَرِ، وهو طائرٌ يُشبِهُ العُصْفُوَرَ،
أحمرُ المِنقار. وقال: وفي الحديثِ: لا تَصحَبُ الملائكةُ رُفقةً فيها جَرَس. الْجَرَسُ هو
الجُلْجُلُ الذي يُعلَّقُ على الدَّوَاب. قيل: إنما كَرِهَه لأنه يَدُلّ على أصحابِهِ بصوتِهِ،
وكان عليه الصلاة والسلام يُحبُّ أن لا يَعلم العَذُوُّ به حتى يأتيَهم فَجْأَةٍ، وقِيلَ: غيرُ
ذلك ..
قال أبو عبد الله الحاكم: سَمِعتُ أبا منصور بن أبي محمد الفقيهَ يقول: كنتُ
بعَدَنِ اليمن يوماً، وأعرابيُّ يُذاكرنا، فقال: كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم إذا
صلَّى نَصَب بين يديهِ شَاةً، فأنكرتُ ذلك عليه، فجاء بجُزْءٍ فيه: كان رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم إذا صَلِّى نَصَبَ بين يديه عَنْزَةً، فقلتُ: أَخطأتَ إنما هو عَنْزَةُ أي
!
عَضَاً.
قال أبو عبد الله: قد ذكرتُ مثالاً يُستدَلُّ به على تصحيفاتٍ كثيرة في المتون،
صَحَّفها قومٌ لم يكن الحديثُ بَيْشَقَهم (نسخة حِرْفَتَهم) كما قال عبدُ الله بن المبارك(١).
ذكرُ النوع الخامس والثلاثين من علوم الحديث(٢)
هذا النوعُ من هذه العلوم معرفةُ تصحيفاتِ المحدِّثين في الأسانيد.
سمعتُ أحمد بن يحيى الذُّهلِيَّ يقول: سمعتُ محمدَ بنَ عَبْدُوسَ يقولُ(٣)،
(١) في حاشية ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٤٩ (بَيَشَق معرَّب عن (بيشه) بالفارسية)،
معناه: صِناعة.
(٢) هذا النوع في (معرفة علوم الحديث)) ص ١٤٩.
(٣) وقع في الأصل: (محمد بن عبد القدوس). والصوابُ المثبت من ((المعرفة)» ص ١٥٢ .

٤٤١
سمعتُ بعضَ مشايخنا يقول: قَرَأ علينا شيخٌ ببغداد، عن شَقْبَان الثوري، عن جِلْد
الجدَاء، عن الجسْر.
وذَكَرَ أمثلةً كثيرةً هذا أغرَبُها، فإنَّ الأصلَ عن سفيان الثوري، عن خالدٍ
الحَذَّاء، عن الحسن. وكأنَّ خالداً كان مكتوباً بغير ألفٍ على طريقةِ بعض الكُتَّاب في
حذفها في مثله .
ثم قال الحاكم: وقد جعلتُ هذه الأحاديثَ التي ذكرتُها مِثالاً لتصحيفاتٍ
كثيرة، أَحُثُّ به المتعلُّمَ على معرفةٍ أسامِي رُواةِ الحديث. اهـ.
وقد جَعَل ابنُ الصلاح هذا النوعَ والذي قبلَه نوعاً واحداً، غيرَ أنه قَسَمَهُ إلى
قسمين، وقد أحبَيْتُ إيرادَ كلامِهِ ها هنا، على طريق الاختصار.
قال: النوعُ الخامسُ والثلاثون معرفَةُ المصحَّف من أسانيدِ الأحاديث ومُتُونِها.
هذا فَنُّ جليلٌ، إنما يَنهَضُ بأعبائِهِ الْحُذَّاقُ من الْحُفَّاظ، والدارقطنيُّ منهم، وله فيه
تصنيفٌ مُفيد. ورَوينا عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال: ومن يَعْرَى من الخطأ
والتصحيف؟.
فمثالُ التصحيف في الإِسناد حديثُ شعبة، عن العَوَّام بن مُرَاجِم، عن
أبي عثمان النَّهْدي، عن عثمان بن عفان: لَتُؤْدُّنَّ الْحُقُوقَ إلى أهلِها. صَحَّف فيه
يحيى بنُ معين، فقال: مُزاحِم، بالزاي والحاء، فُرُدَّ عليه، وإنما هو ابنُ مُراجِمٍ
بالراء المهملة والجيم.
ومثالُ التصحيف في المتن ما رواه ابنُ لَيْعَة، عن كتابٍ موسى بنِ عُقبة إليه
بإِسناده، عن زيد بن ثابت، أنَّ رسول الله صلَّى الله / عليه وسلَّم: احتجَمَ في
المسجد. وإنما هو بالراء: احتَجَرَ في المسجد بخُصِّ أو حَصِيرِ حُجْرةً يُصلِّ فيها.
فصَحَّفَه ابنُ لهيعة لكونِهِ أَخَذَهُ من كتابٍ بغيرِ سماعٍ. ذَكَر ذلك مسلمٌ في كتاب
((التمییز)) له .
/١٨٧

'F
٤٤٢
وبلغنا عن الدارقطني أنَّ محمدَ بنَ المثنّ أبا موسى العَنَزِيّ(١)، قال لهم يوماً:
نحن قومٌ لنا شَرَفٌ، نحن من عَنَزَة، قد صلَّى النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم إلينا، يُريدُ
ما رُوِيَ أن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم صلى إلى عَنْزَةٍ. تَوَهَّمَ أنه صلَّى إلى قبلتهم،
وإنما العَنْزَةُ ها هنا حَرْبَةٌ نُصِبَتْ بين يديه فصلَّ إليها.
وأظَرَفُ من هذا ما رويناه عن الحاكم أبي عبد الله، عن أعرابي زَعَم أنه عليه
الصلاة والسلام كان إذا صَلَّى نُصِبَتْ بين يديه شاةٌ. أي صَحِّفها مِن عَنْزَةُ بإسكان
النون. وعن الدارقطني أيضاً أنَّ أبا بكر الصُّوليّ أملَى في الجامع حديثَ أبي أيوب:
من صام رمضانَ وأَتْبَعَهِ سِتّاً من شَوَّال. فقال فيه: شَيْئاً بالشين والياء.
فقد انقَسَمَ التصحيفُ إلى قسمين: أحدُهما في المتن، والثاني في الإِسناد.
وينقسِمُ قسمةً أخرى إلى قسمين: أحدُهما تصحيفُ البَصَرَ، كما شَبَق عن
ابن كَيعة، وذلك هو الأكثر. والثاني تصحيفُ السَّمْع، نحوُ حديثٍ العاصِمٍ
الأَحْوَلِ ، رواه بعضُهم فقال: عن واصِلِ الأَحْدَب، فَذَكَرَ الدارقطنيُّ أنه من
تصحيفِ السَّمْع لا من تصحيفِ البصر، كأنه ذهَبَ والله أعلم إلى أن ذلك لا يَشْتَبِهُ
من حيث الكتابةُ، وإنما أخطأ فيه سَمْعُ مَنْ رواه .
وينقسمُ قسمةً ثالثةً إلى تصحيفِ اللفظ، وهو الأكثر، وإلى تصحيفِ المعنى
دون اللفظ، كمِثلٍ ما سَبَق عن محمد بن المثنى في الصلاة إلى عَنْزَة .
وتسميةُ بعضِ ما ذكرناه تصحيفاً مجاز. وكثيرٌ من التصحيفِ المنقولِ عن
الأكابر الجلَّةِ لهم فيه أعذارٌ لم يَنقلها ناقلوه، ونسألُ الله التوفيق والعِضمة.
ذكرُ النوع السادس والثلاثين من علوم الحديث(٢)
هذا النوعُ من هذا العلم معرفةُ الإِخْوَةِ والأخَوَات، من الصحابة والتابعين
وأتباعِهم وإلى عصرِنا هذا، وهو عِلمُ برأسِه عزيز.
(١) وقع في الأصل: (الغزي)، وهو تحريف.
(٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)» ص ١٥٢ .