النص المفهرس
صفحات 461-480
٤٠٣ حدثنا محمد بن أبي السَّرِيّ، حدثنا عبدُ الرزاق، أخبرني النعمانُ بن أبي شَيْبَة الجَنَدِي، عن سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، فذَكَّر نحوَه. حدثنا أبو بكر بن أبي دارٍمِ الحافظُ بالكوفة، حدثنا الحسَنُ بن عَلُّوْيَهْ القطانُ، حدثني عبدُ السلام بن صالح، حدثنا عبد الله بن ◌ُمیر، حدثنا سفيان الثوري، حدثنا شَرِيك، عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثْع(١)، عن حذيفة، قال: ذكروا الإِمارةَ والخلافةَ عند النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، فذَكَر الحديثَ بنحوه. وكلُّ من تأمل ما ذكرناه من المنقطع عَلِمَ وتيقُّنَ أنَّ هذا العِلْمَ من / الدقيق، /١٦٨ الذي لا يَستدركُهُ إِلَّ الموفَّقُ والطالبُ المتعلّم . ذكرُ النوعِ العاشر من علوم الحديث (٢) النوعُ العاشرُ: معرفةُ المسلسَل من الأسانيد. ولم يذكر الحاكمُ تعريفَ المسلسل، وإنما نَوَّعَه إلى ثمانية أنواع، اكتَفَى فيها بذكرٍ أمثلتها ثم قال في آخرها: فهذه أنواعُ المسلسل من الأسانيد المتصلة، التي لا يَشُوبُها تدليس، وآثارُ السماع بين الراويين ظاهرة، غير أنَّ رسم الجرح والتعديل عليهما مُحْكّم، وإني لا أحكم لبعض هذه الأسانيد بالصحة، وإنما ذكرتُها ليُستدَلَّ بشواهدِها عليها. وقد تعرَّضَ ابنُ الصلاح لعبارة الحاكم، مَعَ بيان حَدِّ المسلسَل، فاقتَضَى الحالُ إيرادَ عبارتِه هنا إتماماً للفائدة، قال(٣): النوعُ الثالثُ والثلاثون معرفَةُ المسلسَل من الحدیث. التسلسُلُ من نعوتِ الأسانيد، وهو عبارة عن تتابع رجالِ الإِسناد وتوارُدِهم فيه واحداً بعد واحد، على صفةٍ أو حالةٍ واحدة. وينقسِمُ ذلك إلى ما يكون صفةً للرِّوَايَةِ والتحمُّل، وإلى ما يكون صفةً للرُّواةِ (١) انظر التعليقة (٣) في الصفحة السابقة. (٢) هذا النوع في (معرفة علوم الحديث)) ص ٢٩. (٣) أي: ابنُ الصلاح في ((مقدمته)» ص ٢٤٨ . ٤٠٤ أو حالةٍ لهم. ثم إنَّ صفاتهم في ذلك وأحوالهم أقوالاً وأفعالاً ونحوَ ذلك تنقسِمُ إلى ما لا نُحصيه(١). ونَوَّعه الحاكمُ أبو عبد الله الحافظ إلى ثمانية أنواع، والذي ذكره فيها إنما هو صُوَرٌ وأمثلةٌ ثمانية، ولا انحصارَ لذلك في ثمانية كما ذكرناه. ومثالُ ما يكون صِفةً للرِّوَاية والتحمُّلِ ما يتسلسَلُ بسَمِعتُ فلاناً، قال سَمِعتُ فلاناً، إلى آخر الإِسناد، أو يتسلسَلُ بحدَّثَنا، أو أخبَرَنا إلى آخرِه. ومن ذلك أخبرنا واللَّهِ فلانٌ، قال أخبرنا واللَّهِ فلانٌ، إلى آخره. ومثالُ ما يَرِجِعُ إلى صفاتِ الرُّواِ وأقوالِهِم ونحوِها إسنادُ حديثٍ: اللهم أُعِنِي على شُكْرِك وذِكرِك وحُسنِ عبادتك. المسلسَلِ بقولهم: إني أُحِبُّكَ فَقُلْ. وحديثٍ التشبيكِ باليد، وحديثِ العَدِّ في اليد، في أشباهٍ لذلك نَّرْوِيها وتُرْوَى كثيرة، وخيرُها ما كان فيها دلالةٌ على اتصالِ السماع وعدَمِ التدليس. ومن فضيلة التسلسلِ اشتمالُهُ على مَزِيدِ الضبطِ من الرواة . وقلَّمَا تَسلَمُ المسلسلاتُ من ضَعْفٍ أعني في وصفِ التسلسل، لا في أصلِ المتن. ومن المسلسل ما ينقطعُ تسلسُلُهُ في وسطِ إسنادِهِ، وذلك نقصٌ فيه، وهو كالمسلسل بأول حديثٍ سَمِعتُه، على ما هو الصحيحُ في ذلك. والله أعلم. ذكرُ النوع الحادي عَشَر من علوم الحديث(٢) هذا النوعُ من هذه العلوم هو معرفةُ الأحاديثِ المعنعنة، وليس فيها تدليس، وهي متصلةٌ بإجماع أئمةِ أهل النقل، فالرُّواةُ الذين ليس من مذاهبهم التدليسُ، سواءً عندنا ذکروا سَمَاعَهم أو لم يذكروه . (١) وقع في الأصل المطبوع (تنقسم إلى ما يخصه وما لا يخصه). وهو تحريف. وصوابه ما أَثبُّهُ کما جاء في «مقدمة ابن الصلاح». (٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٣٤. ٤٠٥ ذكرُ النوع الثاني عَشَرَ من علوم الحديث(١) هذا النوعُ من هذه العلوم هو المُعْضَلُ من الروايات، فقد ذَكَر إمامُ الحديث عليٌّ بن عبد الله المَدِيني فمن بعدَه من أئمتنا: أنَّ المُعْضَل من الرواياتِ أن يكون بين المرسِلِ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أَكثرُ / من رجل، وأنه غيرُ المرسَل، فإنَّ المراسيلَ للتابعين دون غيرهم. /١٦٩ مثالُ هذا النوع من الحديث ما حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب، أنبأنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا ابن وهب، أخبرني ◌َخْرَمةُ بن بُكَيْر، عن أبيه، عن عَمْرِوبن شعيب، قال: قاتَلَ عَبْدٌ مع رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يومَ أُحُد، فقال له رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم: أَذِنَ لك سيدُك؟ قال: لا، فقال: لو قُتِلْتَ لدخلتَ النار، قال سيدُهُ: فهو حُرُّ يا رسول الله، فقال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: الآنَ فقاتِلْ. فقد أعضَل هذا الإِسنادَ عَمْرُو بن شُعَيب. ثم لا نعلم أحداً من الرواة وَصَلَه ولا أرسَلَه عنه، فهو مُعْضَل، وليس كلُّ ما يُشبِهُ هذا مُعْضَلًا، فربما أعضَلَ أتباعُ التابعين الحديثَ وأتباعُهم في وقت، ثم وَصَلاهُ أو أرسَلاه في وقت. والنوعُ الثاني من المُعضَلِ أن يُعضِلَه الراوي من أتباع التابعين، فلا يَروِيَه عن أحد ويُقِفَه، فلا يذكرَهُ عن رسول الله صلّى الله عليه وسلَّم مُعْضَلاً، ثم يُوجَدَ ذلك الكلامُ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم متصلاً. هذا، وقد قَضَىَ الحالُ بأن نُورِدَ هنا ما قاله أُناسٌ من أرباب الفن، ممن كان بعدَ الحاكم إتماماً للفائدة. قال ابنُ الصلاح: المُعْضَلُ لقَبٌ لنوع خاص من المنقطع، فكلُّ مُعْضَلٍ منقطع، وليس كلُّ منقطع معضلاً، وقومٌ يسمونه مرسلاً كما سَبَق، وهو عبارة عما سَقَّط من إسنادِهِ اثنان فصاعداً. وأصحابُ الحديث يقولون: أعضَلَه فهو مُعْضَل بفتح الضاد، وهو اصطلاحٌ (١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٣٦. ٤٠٦ مشكِلُ المأخذِ من حيث اللغةُ، وبَحثتُ فوجدتُ له قولهم: أمْرٌ عَضِيلِ أي مُستَغْلِقٌ شديد. ولا التفاتَ في ذلك إلى مُعْضِل بكسر الضاد وإن كان مِثلَ عَضِيل في المعنى. ومِثالُهُ ما يرويه تابعُ التابِعِيّ(١) قائلًا: قال رسول اللّه صلَّى الله عليه وسلَّم. وكذلك ما يرويه مَنْ دونَ تابِعِيُّ التابعِيُّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، أو عن أبي بكر، أو عمر، أو غيرهما، غيرَ ذاكرٍ للوسائطِ بينه وبينهم. وذكر أبو بكر نصر السِّجْزِيُّ الحافظُ قولَ الراوي: بلَغَني، نحوُ قولٍ مالكٍ: بلغني عن أبي هريرة أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: للمملوكِ طعامُهُ وكِسْوَتُه، الحديث. وقالَ أي السِّجْزِيُّ: أصحابُ الحديث يُسمُّونَهِ المُعْضَّلِ. قلتُ: وقولُ المصنفين من الفقهاء وغيرهم: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كذا وكذا، ونحوَّ ذلك، كلُّه من قَبِيل المعضَل لما تقدم. وسَمّه الخطيبُ أبو بكر الحافظُ في بعض كلامهِ مُرْسَلاً، وذلك على مذهبٍ من يُسمِّ كلَّ ما لا يَتَصِلُ مرسَلاً كما سَبَقُ. وإذا رَوَى تابعيُّ التابعِيِّ عن التابعيّ حديثاً موقوفاً عليه، وهو حديثٌ متصلٌ مسندٌ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فقد جعَلَه الحاكم أبو عبد الله نوعاً من المعضَل. مثالُه ما رويناه عن الأعمش، عن الشعبي، قال: يقالُ للرجل يومَ القيامة عَمِلتَ كذا وكذا، فيقول: ما عَمِلتُه، فيُختَمُ على فيه، الحديث. فقد أعضَلَه الأعمشُ، وهو عند الشعبي عن أنس، عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم متصلٌ مُسنَد. قلتُ: هذا جيّدٌ حسنٌ لأنَّ هذا الانقطاعَ بواحدٍ مضموماً إلى الوقفِ يَشتَمِلُ على الانقطاع باثنين: الصحابيِّ ورسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فذلك باستحقاق اسم الإِعضال أولَى. والله أعلم. وقال الحافظُ العراقِيُّ: المعضَلُ ما سَقَط من إسنادِهِ اثنانٍ فصاعداً من أيِّ (١) في ((مقدمة ابن الصلاح)) ص ٦٥ (ما يرويه تابِعِيُّ التابِعِيّ). وهو اختلاف هينٌّ. ٤٠٧ موضعٍ كان، سواءٌ سَقَطْ الصحابيّ والتابعيّ، أو التابعيُّ وتابعُه، أو اثنانٍ قبلَهما، لكنْ بشرطِ أن يكون سقوطُهما من موضعٍ واحدٍ، أما إذا سَقَطَ واحِدٌ من بين رجلين، ثم سَقَط من موضع آخَرَ من الإِسناد واحِدٌ آخر، فهو منقطع في موضعين ولم أجد / في كلامهم إطلاقَ المعضَل عليه. وأمَّا قولُ ابن الصلاح: المعضَلُ هو عبارةٌ عما سَقَطَ من إسنادِهِ اثنانِ فصاعداً. فهو وإن كان مطلقاً فهو محمولٌ عليه. اهـ. / ١٧٠ وقال غيره: إنَّ قولَ ابن الصلاح: إن المُعْضَلَ(١) لَقَبّ لنوع خاص من المنقطِع، فكلُّ معضَلٍ منقطعٌ، وليس كلُّ منقطع معضّلاً. إنما هو جار على قولٍ من لا يَخُصُّ المنقطِعَ بما سَقَط من إسنادِهِ راوٍ واحد، ولا يَخْصُّه بالمرفوع. وقد نقلنا سابقاً(٢) شيئاً مما ذكره الحاكم في المنقطع. وقال الحافظ العراقي: اختُلِفَ في صُورةِ الحديثِ المنقطع، فالمشهورُ أنه ما سَقَط من رُواتِهِ راٍ واحدٌ غيرُ الصحابي. وحكى ابنُ الصلاح عن الحاكم وغيرِهِ من أهل الحديث أنه ما سَقَط منه قبلَ الوصول إلى التابعي شخصٌ واحد، وإن كان أكثر من واحدٍ سُمِّي مُعْضَلاً، ويُسمَّى أيضاً منقطعاً. فقولُ الحاكم: قبلَ الوصول إلى التابعي، ليس بجيِّد، فإنه لو سَقَط التابعيُّ كان منقطعاً أيضاً، فالأولى أن يُعبِّر بما قلناه: قَبْلَ الصحابي . وقال ابن عبد البر: المنقطِعُ ما لم يتصل إسنادُه، والمرسَلُ مخصوصُ بالتابعين، فالمنقطعُ أعم. وحكى ابنُ الصلاح عن بعضهم أنَّ المنقطِعَ مثلُ المرسَل، وكلاهما شاملٌ لكل ما لا يتصل إسنادُه. قال: وهذا المذهبُ أقرَبُ، وإليه صار طوائفُ من الفقهاء وغيرهم، وهو الذي ذكره الخطيب في ((كفايته))، إلاّ أنَّ أكثرَ ما يُوصَفُ بالإِرسالِ من حيث الاستعمالُ ما رواه التابعيُّ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وأكثرَ ما يُوصَفُ بالانقطاع ما رواه من دون التابعين عن الصحابة، مثلُ مالكٍ، عن ابن عمر، ونحو ذلك. اهـ. (١) وقع في الأصل: (إن المنقطعَ لقبٌ لنوع خاص من المنقطع). انتهى. وهو سبقُ قلم. (٢) في ص ٤٠١ . ٤٠٨ وقد صنّف ابنُ عبد البر كتاباً في وَصْلٍ ما في ((الموطأ)) من المرسَلِ والمنقطع والمعضَّل، قال: وجميعُ ما فيه من قولِهِ: بلَغَنِي، ومن قولِهِ: عن الثقةِ عنده، مما لم يُسنده: أحَدٌ وستون حديثاً، كلُّها مسندةً من غير طريق مالك إلَّ أربعةً لا تُعرَف، أحدُها: إني لا أَنْسَ ولكن أُنَسَّ لِأَسُنَّ. والثاني: أنَّ رسولَ الله أُرِيَ أعمارَ الناسِ قَبْلَه أو ما شاء الله، فكأنه تقاصَرَ أعمارَ أمتِه. والثالثُ: قولُ معاذ: وآخِرُ مَا وصَّاني به رسولُ الله - وقد وَضَعْتُ رِجْلي في الغَرْز - أن قال: حَسِّنْ خُلُقَك للناس. والرابعُ: إذا نَشَأَتْ بَحْرِيَّةً ثم تشاءَمَتْ، فتلك عَيْنٌ غَدِيقَةٍ (١). ومن مظان المرسّلِ والمنقطع والمعضَل كتابُ ((السنن)) لسعيد بن منصور. تنبيه: قد وَقَعَ في كلام بعض علماءِ الحديثِ استعمالُ المعضلِ فيما لم يُسقُط فيه شيءٌ من الإِسنادِ أصلًا، وذلك فيما فيه إشكالٌ من جهة المعنى، مثالُ ذلك ما رواه الدُّولابي في ((الكُنَى)) من طريق خُلَيْد بن دَعْلَج، عن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه مرفوعاً: من كانت وصيتُهُ على كتابِ الله كانت كفارةً لما تَرَكَ من زكاته. وقال: هذا مُعْضِل يكادُ يكونُ باطلاً. والظاهرُ أنه هنا بكسر الضاد، من قولهم: أعضَلَ الأمرُ إذا اشتدَّ واستغلَقَ، وأمْرٌ مُعْضِل لا يُهتدى لوجهه. ذكرُ النوع الثالثَ عَشَر من علوم الحديث(٢) هذا النوعُ هو معرفةُ المُدْرَج في حديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم من كلامِ الصحابة، وتَخْلِيصُ كَلامِ غيرِهِ من كلامِه. ومثال ذلك ما حدثناه أبو بكر بن إسحاق الفقيه، أنبأنا عمر بن حفصٍ السَّدُوسي(٣)، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا زهير بن معاوية، عن الحسن بن الحُرِّ، (١) قلتُ: قد ألَّف الحافظ ابن الصلاح رحمه الله تعالى: رسالةً في وصل هذه البلاغات الأربعة، ولطولها لا تَصلُحُ أن تكون تعليقةً هنا، وألحقتها بآخِرِ هذا الكتاب نظراً لأهميتها وصعوبةٍ الوقوفِ عليها، انظرها في ص ٩١١ - ٩٣٦. (٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٣٩. (٣) وقع في الأصل (عمر بن جعفر) والمثبت من ((معرفة علوم الحديث)) ص ٣٩ ٤٠٩ عن القاسم بن مُخَيْمِرَة، قال: أخَذَ علقمةُ بيدي وحدثني أنَّ عبدَ الله أَخَذَ بيده، وأنَّ رسولَ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أخَذَ بيدٍ عبد الله، فعلَّمه التشهدَ في الصلاة / وقال /١٧١ قل: التحيَّاتُ لله والصلواتُ، فذَكَر التشهدَ، قال: فإذا قلتَ هذا فقد قَضَيتَ صلاتَك إن شئتَ أن تقومَ فقُمْ وإن شئتَ أن تَقعُدَ فاقْعُد. هكذا رواه جماعة عن زهير وغيرِهِ، عن الحسن بن الحُرّ. وقولُه: إذا قلتَ هذا، مُدَرَجُ في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود. ثم ذكَر دليلَ الإِدراج. قال أهلُ الأثر: الإِدراجُ نوعانِ: إدراجُ في المتن، وإدراجٌ في الإِسناد، أما الإِدراجُ في المتن فهو أن يُورِدَ في متن الحديث ما ليس منه على وجهٍ يُوهِمُ أنه منه، ويُسمَّى ذلك المُورَدُ مُدْرَجَ المتن. وهو ثلاثة أقسام: مُدرَجْ في آخِرِ الحديث، ومُدَرَجٌ في أوله، ومُدرج في أثنائه. أما المُدَرَجُ في آخر الحديث فهو الغالبُ المشهورُ في هذا النوع، ولذا اقْتَصَرَ ابنُ الصلاح عليه. ومثالُهُ ما ورد في آخِرِ حديثِ التشهد المذكورِ سابقاً، وهو: فإذا قلتَ هذا فقد قضيتَ صلاتَك، إن شِئتَ أن تقومَ فقُمْ، وإن شئتَ أن تقعُدَ فاقعُدْ. فإنَّ هذا الكلام مُدْرَج في الحديث من كلام عبد الله بن مسعود، وهو مدرج في آخر الحدیث. وقد رواه شَبَابةُ بن سَوَّار عنه، فَفَصَله وبينَّ أنه من قولٍ عبد الله، فقال قال عبدُ الله: فإذا قلتَ ذلك فقد قضيتَ ما عليك من الصلاة، فإن شئتَ أن تقومَ فَقُمْ، وإن شئتَ أن تقعُدَ فاقعُدْ. رواه الدارقطنيُّ، وقال: شَبَابَةُ ثقةٌ، وقد فَصَل آخِرَ الحديثِ وجعَلَه من قولِ ابن مسعود، وهو أصحُّ من روايةٍ من أدَرَجَ آخِرَه، وقولُهُ أَشبَهُ بالصواب. وأما المدرَجُ في أول الحديث فقليلٌ، ومثالُهُ ما رواه شَبَابةُ بن سَوَّار وغيرُه، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة أنه قال، قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أسبِغُوا الوضوءَ، ويلٌ للأعقاب من النار. ٤١٠ فقولُه: أسبِغوا الوضوءَ من قولِ أبي هريرة، أُدرِجَ في الحديث في أولِهِ، ويَدِلُّ على الإِدراج ما رواه البخاري عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة أنه قال: أسبغوا الوضوء، فإن أبا القاسم صلَّى الله عليه وسلَّم قال: ويلّ للأعقاب من النار. وقد رواه بعضُهم مقتصراً على المرفوع. ثم إنَّ قولَ أبي هريرة: أسبِغُوا الوضوء، قد رُوي في الصحيح مرفوعاً من حديثٍ عبد الله بن عَمْرو بن العاص. وقال بعضُهم: إنَّ هذا القسم نادرٌ جداً، حتى إنه يَعِزُّ أن يُوجَدَ له مثالٌ ثانٍ يُعزّزُ به هذا المثال. وأما المدرَجُ في أثناء الحديث فهو كثير إذا نُظِرَ إلى ما أُدرِجَ لتفسير الألفاظِ الغريبة. ومثالُه خبرُ هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن بُسْرَة بنتِ صفوان مرفوعاً: من مَسَّ ذَكَرَهُ أو أُنْثَيَيْهِ أو رُفْغَيْهِ فليتوضأ. قال الدارقطني: كذا رواه عبد الحميد، عن هشام، وقد وَهِمَ في ذكرِ الأنثيينِ والرُّفغِ وإدراجِهِ ذلك في حديث بُسْرَة، والمحفوظُ أنَّ ذلك من قولٍ تُروة غير مرفوع، وكذلك رواه الثقاتُ عن هشام منهم أيوبُ السختياني وحمادُ بن زيد وغيرُهما. وقد رُوِيَ من طريق أيوب: من مَسَّ ذكره فليتوضأ، وكان عروةُ يقول: إذا مَسَّ رُفْغَيْه أو أُنْثَيْهِ أو ذكرَهُ فليتوضأ. فكأنه لاحَ له من معنى الخبر أن مَسَّ ما قَرُبَ من الذكر بمنزلةٍ مَسِّ الذكر فقال ما قال، فظَنَّ بعضُ الرواة أنَّ ما قاله هو نفسُ الخبر، فأورَدُوه كذلك. وقد تبيَّنَ للباحثين أن الأنثيينِ والرُّفْغَ مدرجانِ في أثناء الخبر. وقد رُوي من مَسَّ رُفْغَهُ أو أُنثِيهِ أو ذكرَهُ فليتوضأ. وقد توهَّم بعضُهم أنه على هذه الرواية یکون مثالاً ثانياً لما وقع فيه الإدراجُ في الأول، ولیس کذلك، لأن أول الحديث هو من مَسَّ، وآخِرَهُ فليتوضأ، فالإِدراجُ على كل حال إنما وقع في أثناءِ الحديث. والرُّفْغُ بضم الراءِ وفتحِها أصلُ الفَخذين. ومثالُ / ما أُدرِجَ في أثناءِ الحديث لتفسير لفظٍ غريب حديثُ: أنا زعيمٌ /١٧٢ ٤١١ - والزعيمُ الْحَمِيلُ - بِبَيْتٍ في الجنَّةِ، الحديث. فقولُه: والزعيمُ الحميلُ مُدْرَجْ في أثناء الحديثِ لتفسير اللفظ الغريب فيه. والإِدراجُ بجميع أقسامه محظور، قال ابن السمعاني: من تعمَّدَ الإِدراجَ فهو ساقطُ العدالة، وممن يُحُرِّفُ الكلِمَ عن مواضعِه، وهو مُلحَقٌ بالكذابين. وقد استثنى بعضُهم من ذلك ما أُدرِجَ لتفسير لفظٍ غريبٍ، لقلَّةِ وقوعِ الالتباس فيه، وقد فعَلَه الزهريُّ وغيرُه. ولا يَسوغُ الحكمُ بالإِدراج إلاّ إذا وُجِدَ ما يَدِلُّ عليه، فمن ذلك دلالةُ المُذْرَجِ على امتناع نسبتهِ إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وذلك كقول أبي هريرة في حديثٍ: للعبدِ المملوك أجرانِ، والذي نفسي بيدهِ لولا الجهادُ في سبيل الله وبِرُّ أُمِّي لأحببتُ أن أموت وأنا مملوك. وکقول ابن مسعود - کما جزم به سلیمان بن حرب - في حدیثٍ الطّيْرةُ شِرْكٌ: وما مِنَّا إلَّ. ومن ذلك تصريحُ بعض الرواة بالفَصْل، وذلك بإضافتِهِ لقائله، ويَتقوَّى باقتصارٍ بعض الرواة على الأصل كحديث التشهد. وهذا هو الأكثر. وبما دَلَّ الدليلُ على الإِدراج فيه حديثُ ابن مسعود: من مات لا يُشْرِكُ بالله شيئاً دخل الجنة، ومن مات يُشرك بالله شيئاً دخل النار. ففي رواية أخرى قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم كلمةً، وقلتُ أنا أخرى، فذَكَرَهما، فأفاد أنَّ إحدى الكلمتين من قولِه، ثم وردَتْ روايةٌ ثالثةٌ أفادَتْ أنَّ الكلمة التي من قولِهِ هي الثانية، وأكَّد ذلك روايةٌ رابعة اقتَصَر فيها على الكلمةِ الأولى مُضافةً إلى النبي صلَّى اللّه عليه وسلّم. وبما دَلَّتْ الأَمَارةُ على الإِدراج فيه حديثُ الكسوف، على ما ورد في رواية ابن ماجه، وهو إِنَّ الشمسَ والقمرَ لا ينكسفان لموتٍ أَحَدٍ ولا لحياته، فإذا تجلَّى الله لشيء من خَلقِهِ خَشَعَ له. فإنَّ هذه الجملةَ الأخيرةَ وهي : فإنَّ الله إذا تجلّى لشيء من خَلقِهِ خَشَع له. يَظهرُ أنها مُدْرَجَةً من كلام بعض الرواة، ولذا لم تقع في سائر الرواياتِ، مع أنَّ حديثَ الكسوف قد رُوِيَ عن بضعة عشرَ من الصحابة، على أنه يكفي أن يقال: إنها مُخالفةٌ للرواية التي وقعَتْ في الصحيح، وهي أنَّ الشمسَ والقمر ٤١٢ آيتان من آياتِ اللّه لا ينخسفان لموتِ أحَدٍ ولا لحياتِهِ، فإذا رأيتم ذلك فافْزَعُوا إلى ذكرِ الله والصلاةِ. قال أبو حامد الغزالي: إنَّ هذه الزيادة لم يَصِحَّ نقلُها، فيجبُ تكذيبُ قائلها، وإنما المرويُّ ما ذكرنا، يعني الحديثَ الذي لَيْسَتْ فيه هذه الزيادةُ. قال: ولو كان صحيحاً لكان تأويلُه أَهوَنَ من مُكابرةٍ أمورٍ قطعية، فكم من ظواهرَ أُوَّلَتْ بالأدلةِ العقلية التي لا تتبينٌ في الوضوح إلى هذا الحد، وأعظَمُ ما يَفرَحُ به المُلْحِدَةُ أن يُصَرِّحَ ناصرُ الشرع بأنَّ هذا وأمثالَهُ على خلافِ الشرع، فَيَسهُلَ عليه طريقُ إبطالِ الشرع إن کان شرْطُه أمثال ذلك. وقد ضعَّفَ العلامةُ ابنُ دقيق العيد الحكمَ بالإِدراج فيما إذا كان المُدرَجْ مُقَدَّماً على اللفظِ المرويِّ أو في أثنائِه، لا سيما في مثل: من مَسَّ ذكرَهُ أو أُنْثَبِيه فليتوضأ. وقال: إنَّ الإِدراجَ إنما يكونُ بلفظٍ تابع يمكن استقلالُه عن اللفظِ السابق. قال بعض العلماء: وكأنَّ الحاملَ لهم على عدم تخصيص الإِدراج بآخرِ الخبر، تجويزُ كونِ التقديم والتأخير من الراوي لظنّهِ الرفعَ في الجميع، واعتمادِهِ على الروايةِ بالمعنى، فَيبقَى المُدْرَجُ حينئذٍ في أولِ الخبر أو أثنائِه. وعلى كل حالٍ فالمرجعُ إلى الدليلِ المقتضِي لغلبة الظن، فإذا وُجِدَ حُكِمَ بالإِدراج سواء كان ذلك في الآخِر أو في الأولِ أو في الوسط. هذا، وأما مُذْرَج الإِسنادِ فهو ما يكونُ الإِدراجُ فيه له تعلُّقُ ما بالإِسناد، وهو ينقسمُ إلى ثلاثةِ أقسام : /١٧٣ القسمُ الأول أنْ يكون الحديثُ عند راويهِ بإسنادٍ / إلَّ طَرَفاً منه، فإنه عنده بإسنادٍ آخر، فيروي الراوي عنه جمیعَه بالإِسنادِ الأول. ويُلْحَقُ بهذا القسم قسمٌ أفرَدَه بعضُهم عنه، وهو أن يَسمعَ الحديثَ من شيخِهِ إِلَّ طَرَفاً، ثم يَسمعَ ذلك الطرفَ بواسطةٍ عنه، ثم يروِيّه جميعَه عنه بلا واسطة. ومثالُ ذلك حديثُ إسماعيل بن جعفر، عن محُميد، عن أنس، في قصة ٤١٣ العُرَنِّين، وأنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلّم قال لهم: لو خَرجتم إلى إِيلِنا فشَرِبتُم من ألبانِها وأبوالها. فإنَّ لفظةَ وأبوالها إنما سَمِعها حُميد من قتادة، عن أنس، كما بيَّنه محمدُ بن أبي عَدِي ومروانُ بن معاوية ويزيدُ بن هارون وغيرُهم، إذْ رَوَوْه عن حُميد، عن أنس، بلفظٍ فشربتم من ألبانِها. وعندهم قال حميد، قال قتادة، عن أنسٍ : وأبوالها. فروایةُ إسماعيل على هذا فيها إدراجٌ فيه تدليس. القسمُ الثاني أن يُدرَجِ بعضُ حديثٍ في حديث آخَرَ مخالِفٍ له في السند. ومثالُهُ حدیثُ رواه سعيد بن أبي مريم، عن مالك، عن الزهري، عن أنس، أن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: لا تَبَاغَضُوا، ولا تحاسَدُوا، ولا تَدَابَرُوا، ولا تَنَافَسُوا، الحديث. فقولُه: ولا تَنَافَسُوا، مُدْرَجٌ في هذا الحديث، أدرَجَه ابنُ أبي مريم فيه من حديثٍ آخَرَ لمالكٍ، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلّم: إياكم والظنَّ فإن الظنِّ أكذَبُ الحديث، ولا تجَسَّسُوا، ولا تحسَّسُوا، ولا تَنَافَسُوا، ولا تَحَاسَدُوا. وكلا الحديثين متفقٌ عليه من طريق مالك، وليس في الأول: ولا تَنَافَسُوا، وهو في الحديث الثاني. قال الخطيب وابن عبد البر: إنَّ ابنَ أبي مريم قد وَهِمَ في ذلك وخالَفَ جميعَ الرواة عن مالك في ((الموطأ))، وقال حمزة الكناني: لا أعلَمُ أحداً قالها عن مالك في حديثٍ أنسٍ غيرَه. القسمُ الثالثُ أن يَروِيَ جماعةٌ الحديثَ بأسانيدَ مختلفة، فَيَروِيَه عنهم راوٍ فَيَجمَعَ الكلِّ على إسنادٍ واحدٍ من تلك الأسانيد، ولا يُبينّ الاختلاف. ذكرُ النوعِ الرابعَ عَشَر من علوم الحديث(١) النوعُ الرابعَ عَشَر من هذا العلم: معرفَةُ التابعين. وهذا النوعُ يَشتمِلُ على علوم كثيرة، فإنهم على طبقاتٍ في الترتيب، ومتى غَفَل (١) هذا النوع في (معرفة علوم الحديث)) ص ٤١. ٤١٤ الإِنسانُ عن هذا العلم لم يُفرِّق بين الصحابة والتابعين، ثم لم يُفرِّق أيضاً بين التابعين وأتباع التابعين، قال الله عز وجل: ﴿والسَّابِقُون الأوَّلُون من المهاجِرِينَ والأنصارِ والذين اتََّعُوهم بإحسانٍ رَضِيَ اللهُ عنهم ورَضُوْا عنه وأَعَدَّ لهم جَنَّاتٍ تجري تحتَها الأنهارُ خالدين فيها أبداً ذلك الفوزُ العظيم﴾(١). وقد ذَكَّرهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كما حدثناه أبو عَمْرو عثمانُ بن أحمد بن السَّاك ببغداد، وأبو العباس محمدُ بن يعقوب الأمَوي بنيسابور، وأبو أحمدُ بكر بن محمد الصيرفي بَّرْو، قالوا: حدثنا أبو قلابة عبدُ الملك بن محمد الرَّقَاشِي، حدثنا أزهر بن سعد، حدثنا ابنُ عون، عن إبراهيم، عن عَبِيدَة، عن عبدِ الله، قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: خيرُ الناس قَرْني، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يلونهم. فلا أدري أذكَرَ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعدَ قَرْنِهِ قرنينِ أو ثلاثةً(٢). هذا حديثٌ مخرجٌ في الصحيح لمسلم بن الحجاج، وله عِلَّةٌ عجيبة، حدثناه محمدُ بن صالح بن هانيء، حدثنا محمد بن نعيم، حدثنا عَمْروبن عليَّ، حدثنا أزهر، حدثنا ابنُ عون، عن إبراهيم، عن عَبِيدَة، عن عبدِ الله، قال قال رسول الله /١٧٤ صلَّى الله عليه وسلَّم: خيرُ الناس قَرْنِي، قال: فَحدَّثتُ به يحيى / بن سعيد، فقال: ليس في حديثِ ابنِ عونٍ: عن عبدِ الله، فقلتُ له: بلى فيه، قال: لا، فقلتُ: إنَّ أزهر حدَّثَنا عن ابنَ عون، عن إبراهيم، عن عَبِيدة، عن عبدِ اللهِ، قال: رأيتُ أزهر جاء بكتابِهِ ليس فيه عن عبدِ الله، قال عَمْرُو بن علي: فاختَلَفْتُ إلى أزهرَ قريباً من شهرين للنظر فيه، فَنَظَر في كتابه ثم خَرَج فقال: لم أجده إلَّ عن عَبِيدَة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلّم. فخيرُ الناسِ قَرْناً بعدَ الصحابة: من شافَةَ أصحاب الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم وحَفِظَ عنهم الدِينَ والسُّنَن، وهم قد شَهِدوا الوحي والتنزيل. (١) من سورة التوبة، الآية ١٠٠. ووقع في الأصل (تجري من تحتها) و(ذلك هو الفوز العظیم) وهو سبق قلم. (٢) هكذا الحديث في ((صحيح مسلم)) ١٦: ٨٦ بالإِسناد عن أزهر. ٤١٥ فمن الطبقة الأولى من التابعين - وهم قومٌ لَحِقُوا العَشَرَةَ الذين شَهِدَ لهم رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بالجنة - سعيد بن المسيب، وقيسُ بن أبي حازم، وأبو عثمان النَّهْدِيُّ، وقيسُ بن ◌ُبَاد، وأبو ساسانَ حُضَيْنُ بنُ الْمَنْذِر(١)، وأبو وائل شَقِيقُ بن سَلَمة، وأبو رجاء العُطَارِدِي. ومن الطبقةِ الثانيةِ: الأسوَدُ بن يزيد، وعلقمةُ بن قيس، ومسروقُ بن الأجدع، وأبو سَلّمة بن عبد الرحمن، وخارجَةُ بن زيد. ومن الطبقةِ الثالثةِ: عامرُ بن شَرَاحيلَ الشعبيُّ، وعُبَيدُ الله بنُ عبد الله بنِ عُتبة، وشُرَيحُ بن الحارث، وهم ◌َمْسَ عَشْرَةَ طبقةٌ، آخِرُهم من لَقِيَ أنسَ بن مالك من أهل البصرة، ومن لَقِيَ عبد الله بن أبي أوفى من أهل الكوفة، ومن لَقِيَ السائب بن يزيد من أهل المدينة، ومن لَقِيَ عبدَ الله بن الحارث بن جَزْءٍ من أهل مصر، ومن لقي أبا أمامة الباهِليَّ من أهل الشام. وأما الفقهاءُ السبعةُ من أهل المدينة فسعيدُ بن المسيِّب، والقاسمُ بنُ محمد بنِ أبي بكر، وعروةُ بن الزبير، وخارجَةُ بن زيد بن ثابت، وأبو سَلَمة بنُ عبد الرحمن بن عوف، وعُبَيْدُ الله بن عبد الله بن عُتبة، وسليمانُ بن يسار. فهؤلاء الفقهاءُ السبعةُ عندَ الأكثر من علماءِ الحجاز. وأما المُخَضْرَمُون من التابعين، فهم الذين أدركوا الجاهليةَ وحياةَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وليست لهم صُحبة، فمنهم أبو رَجَاء العُطَّاردي، وأبو وائل الأَسَدي، وسُوَيدُ بن غَفَلة، وأبو عثمان النّهْدِي. وحدَّثني بعضُ مشايخنا من الأدَباءِ أنَّ المُخَضْرَمَ اشتقاقُهُ من أنَّ أهل الجاهلية كانوا يُخَضْرِمون آذانِ الإِبل: يقطعونها، لتكون علامةً لإِسلامِهم إنْ أُغِيرَ عليها أو حُورِبُوا. (١) وقع في الأصل هنا وفيما يأتي قريباً: (حصين) أي بالصاد المهلمة، وهو (حُضَيْنْ) بالضاد المعجمة مصغراً، كما جاء في ((المعرفة)» ص ٤٢ وفي غير كتاب من كتب المشتبِه، ومنها (تبصير المنتبه)) ١: ٤٤٤، و((الإكمال)» لابن ماكولا ٢: ٤٨١. i ۔۔ ٤١٦ ومن التابعين بعدَ المخضرمين طبقّةً وُلِدُوا في زمانٍ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ولم يَسمعوا منه، منهم محمدُ بن أبي بكر الصديق(١)، وأبو أُمامة بنُ سهل بن حُنَف، وسعيدُ بن سعد بن عُبَادة، والوليدُ بن عُبادة بن الصامت، وعلقَمَةُ بن قیس. وطبقَةٌ تُعَدُّ في التابعين ولم يَصِحِّ سماعُ أحدٍ منهم من الصحابة، منهم إبراهيم بن سُوَيد النَّخَعِي، وإنما روايتُهُ الصحيحةُ عن علقمة والأسود، ولم يُدرِك أحداً من الصحابة، وليس هذا بإبراهيم بن يَزِيدَ النَّخَعي الفقيه. ومنهم ثابتُ بن عَجْلان الأنصاريُّ، ولم يَصِحَّ سماعُهُ من ابن عباس، وإنما يَرْوِي عِنِ عطاءٍ وسعيد بن جُبیر، عن ابن عباس. وطبقَةٌ عِدادُهم عندَ الناس في أتباع التابعين، وقد لَّقُوا الصحابةَ، منهم أبو الزِّنَادِ عبدُ الله بن ذَكْوان، وقد لَقِيَ عبدَ الله بنَ عُمَر، وأنسَ بنِ مالك، وأبا أُمامَة بنَ سهل، وقد أُدخِلَ على عبدِ الله بن عُمَر وجابرِ بنِ عبد الله. انتهى ما ذكره الحاكم . قال بعضُ أهلِ الأثر: اختُلِفَ في طبقاتِ التابعين، فجَعَلهم مسلم في كتاب الطبقات ثلاثَ طبقات، وجعَلَهم ابن سعد أربعَ طبقات، وقال الحاكم: هم خْسَ عَشْرَةَ طبقة، الأولى منها قومٌ لحقوا العَشَرة، منهم سعيد بن المسيَّب، وقيسُ بن أبي حازم، وأبو عثمان النَّهْدِي، وقيسُ بن عُبَاد، وأبو سَاسَانَ حُضَيْنُ بنُ المنذر، / ١٧٥ وأبو وائل شقيقُ بن سَلَمة، / وأبو رجاء العُطَاردي. وقد اعتُرِضَ على الحاكم في ذلك، فإنَّ سعيد بن المسيب إنما وُلِدَ في خلافة عمر بن الخطاب، ولم يُسمع من أكثرِ العشرة، بل قال بعضُهم: إنه لا تَصِحُّ له روايةٌ عن أحَدٍ من العشرة إلّ سعد بن أبي وقاص، وكان سعدٌ آخِرَهم موتاً، على أنه ليس في التابعين من أدرك العشّرَةَ وسَمِعَ منهم سوى قيس بن أبي حازم، ذَكَر ذلك الحافظُ (١) طَوَى المؤلف هنا أسماءَ جملة من التابعين في هذه الطبقة اختصاراً منه. ٤١٧ عبدُ الرحمن بن يوسف بن خِراش، ورُوِيَ عن أبي داود أنه قال: إنه رَوَى عن التسعة، ولم یْوِ عن عبد الرحمن بن عوف. ذكرُ النوعِ الخامِسَ عَشَر من علوم الحديث(١) وهو معرفةُ أتباع التابعين، فإنَّ غَلَطَ من لا يَعرِفُهم يَعْظُمُ، وهم الطبقَةُ الثالثةُ بعدَ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وفيهم جماعة من أئمةِ المسلمين وفقهاءِ الأمصار، وفي هذه الطبقة جماعةٌ يَشتَبِهُ على المتعلِّم أساميهم، فَيَتَوَهَّمُهم من التابعين لِنَسَبٍ يجمعهم أو غير ذلك. منهم الحسينُ بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم، وهو الذي يُعرَفُ بالْحُسَين الأصغر، يَروي عنه عبدُ الله بن المبارك وغيرُه، وربما قال الراوي: عن حسين بن علي، عن أبيه، فَيَشْتَبِهُ على من لا يَتحقَّقُ أنه مرسَل، ويتوقَّمُهُ من التابعين، وليس كذلك، فإن أولادَ علي بن الحسين زين العابدين ستةٌ منهم وهم حدَّثوا، محمد، وعبدُ الله، وزيد، وعُمَر، وحُسَين، وفاطمة، وليس فيهم تابعيٌّ غيرُ محمد، وهو أبو جعفر باقِرُ العلوم. ومنهم سليمانُ الأحوَلُ، وهو سليمان بن أبي مُسْلِم المكي وربما رُوِيَ عنه عن ابن عباس، فيَتَأَمَّلُ الراوي حالَه، فيقول: هذا كبيرٌ، وهو خالُ عبدِ الله بن أبي نَجِيح، فلا يُنكِرُ أن يَلْقَى الصحابة، وليس كذلك فإنه من الأتباع، ورواياتُهُ عن طاوس، عن ابن عباس. ومنهم سليمانُ بن عبد الرحمن الدمشقي، وعِدادُهُ في المصريين، كبيرُ السنِّ والَحَلِّ، رَوَى عنه عَمْرُو بن الحارث، وشعبةُ، والليثُ. وقد قيل: عنه عن البَرَاء بن عازب. فإذا تأمَّل الراوي محلَّهُ وسِنَّهُ وجلالةَ الرواةِ عنه، لا يَستبعِدُ كونَه من التابعين، وليس كذلك، فإنَّ بينه وبين البراءِ عُبَيْدَ بنَ فيروز. (١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٤٦. ٤١٨ فقد ذكرنا هذه الأسامِيَ لُيُستَدلَّ بها على جماعةٍ من أتباع التابعين لم نذكرهم، ويُعلَمَ بذلك أنَّ معرفةَ الأتباعِ نوعٌ كبيرٌ من العلم. ذكرُ النوعِ السادسَ عَشَرَ من علوم الحديث(١) هذا النوعُ في معرفة الأكابر الرواةِ عنِ الأصاغر، وشَرْحُ هذه المعرفةِ أنَّ طالبَ هذا العلم إذا كَتَب حديثاً للَّيث، عن عبدِ الله بن صالح، لا يتوهّمُ أنَّ الراويَ دُون المرويِّ عنه، وكذلك إذا رَوَى حديثاً لابن جُرَيج، عن إسماعيل بن عُلَيَّة، وما أشبه هذا، ومثالُه في الروایات کثیر. والمثالُ الثاني لهذا النوع أن يَروِيَ العالمُ الحافظُ المتقدِّمُ عن المحدِّثِ الذي لا يَعلمُ غيرَ الرواية مِنْ كتابِهِ، فينبغي للطالب أن يَعلَمَ فَضْلَ التابع على المتبوع مثالُ هذا روايةُ ابنٍ أبي ذئب، عن عبدِ الله بن دينار وأشباهِهِ، وروايَةُ أحمد وإسحاق، عن عُبَيْدِ الله بن موسى وأشباهِهِ. وليس في هؤلاء مجروحٍ، بل كلُّهم من /١٧٦ أهلِ الصدق، إلاّ أنَّ الرواةَ عنهم أئمةٌ حُفَّاظُ وهم مُحدِّثون فقط. وقد / رأيت في زماننا من هذا النوع ما يَطُولُ ذكرُه. اهـ. قال بعضُ أهلَ الأثر: هذا نوعٌ مهمٌّ تدعو إليه الهِمَمُ العالية، والأنفسُ الزاكية، وقد قيل: لا يكون الرجلُ مُحدِّثً(٢) حتى يأخُذَ عمن فَوْقَه، وعمن هو مِثْلُه، وعمن هو دُونَه. ومن فوائدٍ معرفتِهِ الأمنُ من أن يُظَنَّ الانقلابُ في السند، والأمنُ من أن يُتوقَّمَ كونُ المرويِّ عنه أكبرَ أو أفضَلَ، نظراً إلى أن الأغلب كونُ المرويِّ عنه كذلك، فُتُجِهَلُ منزلَتُهما . ومن هذا النوع روايةُ الصحابة عن التابعين، ومنها روايةُ العَبَادِلَةِ وغيرهم من (١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٤٨. (٢) أو عالماً، كما سيأتي في آخر هذا النوع مَعْزُوًّاً إلى وكيع بن الجَرَّاحِ صاحبِ هذه الكلمةِ رحمه الله تعالى. ٤١٩ الصحابة، كأبي هريرة وأنس، عن كعب الأحبار. وممن جَرَى على ذلك الإِمامُ البخاريُّ، فقد ذكروا أن الذين كَتَّب عنهم وحدَّث عنهم ينقسمون إلى خمسَةِ طبقات: الطبقّةُ الأولى: مَنْ حدَّثَه عن التابعين، مثلُ محمد بن عبد الله الأنصاري، فإنه حَدَّثه عن حُميد، ومثلُ مكيٍّ بن إبراهيم، فإنه حَدَّثه عن يزيدَ بن أبي عُبَيد، ومثلُ أبي نُعَيم، فإنه حدَّثه عن الأعمش. الطبقةُ الثانيَّةُ: من كان في عصرٍ هؤلاء، لكنه لم يَسمع من ثقاتِ التابعين، کسعید بن أبي مريم، وأیوب بن سليمان. الطبقةُ الثالثةُ : - وهي الوُسْطَى من مشايخه -: من لم يَلْقَ التابعين لكن أَخَذ عن كبار أتباع التابعين، كسليمان بن حَرْب، وعلي بن المديني، ويحيى بن مَعِين، وهذه الطبقة، قد شارکه مسلم في الأخذ عنهم. الطبقةُ الرابعَةُ: رُفقاؤه في الطلب ومن سَمِعَ قبلَه قليلاً، كأبي حاتم الرازي، وعَبْدُ بن ◌ُميد، وأحمد بن النضر، وإنما يُخرِجُ عن هؤلاء ما فاته عن مشايخه، أو ما لم يجده عند غيرهم. الطبقةُ الخامسَةُ قومٌ في عِدادِ طَلَبِهِ في السن والإِسناد، سَمِعَ منهم للفائدة، كعبد الله بن حماد الأمُليّ، وعبد الله بن أبي العاص الخُوَارزمي، وحسين بن محمد القبّاني . وقد رَوَى عنهم أشياءَ يسيرة، وعَمِلَ في الرواية عنهم بما رَوَى عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع أنه قال: لا يكونُ الرجلُ عالماً حتى يُحدِّثَ عمن هو فوقَه، وعمن هو مثلُه، وعمن هو دُونَه. ومما رُوِيَ عنه نفسِهِ أنه قال: لا یکون المحدِّثُ کاملاً حتى يكتُبَ عمن هو فوقَه، وعمن هو مثلُه، وعمن هو دُونَه. ذكرُ النوعِ السابَعَ عَشَر من علوم الحديث(١) هذا النوعُ من هذا العلم في معرفة أولادٍ الصحابة، فإنّ من جَهِلَ هذا النوع (١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٤٩. ٤٢٠ اشتَبَه عليه كثيرٌ من الروايات. وأوَّلُ ما يَلْزَمُ الحَدِيثِيَّ معرفتُهُ من ذلك أولادُ سيِّد البَشَر محمدٍ المصطفى صلَّى الله عليه وسلَّم، ومن صَحَّتْ الروايةُ عنه منهم. وقد رُوِيَ الحديثُ عن زُهاءٍ مئتي رجلٍ وامرأةٍ من أهل البيت. ثم بعدَ هذا معرفةُ أولادٍ التابعين، وأتباعِ التابعين، وغيرهم من أئمة المسلمين: علمٌ كبيرٌ، ونوعٌ بذاته من أنواعٍ علم الحديث(١). ذكرُ النوعِ الثامِنَ عَشَرَ من علوم الحديث(٢) هذا النوعُ من علم الحديث في معرفة الجرح والتعديل (٣)، وهما في الأصل نوعان، كلُّ نوع منهما عِلْمٌ برأسِه، وهو ثمرَةُ هذا العلم والمِرقاةُ الكبيرةُ منه. وقَد تکلّمت علیه في کتاب «المدخل إلى معرفة الصحیح)» بکلام شافٍ رَضِیه کلُّ من رآه من أهل الصنعة. /١٧٧ وأصْلُ عدالةِ المُحدِّثِ أن يكون مُسْلِماً، لا يدعو إلى بدعة، ولا يُعلِنُ / من أنواعِ المعاصي ما تَسقُطُّ به عدالتُه، فإن كان مع ذلك حافظاً لحديثه، فهي أرفَعُ درجات المحدِّثين، وإن كان صاحبَ كتاب، فلا ينبغي أن يُحدِّثَ إلَّ من أصولِهِ. وأقلُّ ما يَلزمُهُ أن يُحسِنْ قراءةَ كتابِه. وإن كان المحدِّثُ غريباً لا يَقدِرُ على إخراج أصولِه، فلا يُكتَبُ عنه إلاّ ما تحفظُه إذا لم يُخالِفِ الثقاتِ في حديثه، فإنْ حدَّثَ من حفظِهِ بالمناكير التي لا يُتَابَعُ عليها لم يُؤخّذ عنه. وقد اختلف أئمةُ الحديثِ في أصحّ الأسانيد: فحدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب، قال حدثنا محمد بن سليمان، قال سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: أصحُّ الأسانيدِ كلِّها مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر. وسمعتُ أبا بكر بن أبي دَارِم الحافظ بالكوفة، يحكي عن بعض شيوخه، عن (١) خَصَّ الحاكم هذا النوع لمعرفة أولاد الصحابة، وذكّر في كتابه منهم أولادَ أبي بكر والعُمَرِيينُ، فكان حقُّ المؤلفِ هنا أن يذكرهم، ليتحقق أنَّ هذا النوع لمعرفة أولاد الصحابة . (٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٥٢. (٣) في كتاب ((المعرفة)» ص ٥٢ (هذا النوعُ من علم الحديث معرفةُ الجرح والتعديل). ٤٢١ أبي بكر بن أبي شيبة، قال: أصحُّ الأسانيدِ كلِّها الزهريُّ، عن علي بن الحسين، عن أبيه، عن عليّ. حدثني الحسين بن عبد الله الصيرفي، قال حدثني محمد بن حماد الدُّوري بحلب، قال: أخبرني أحمد بن القاسم بن نصر بن دُوْسْت، قال: حدثنا حجاج ابن الشاعر، قال: اجتمع أحمدُ بن حنبل ويحيى بنُ معين وعليّ بن المديني، في جماعةٍ معهم، اجتمعوا فتذاكروا، فذگرُوا أجود الأسانيدِ الجياد. فقال رجل منهم: أجوَدُ الأسانيد شعبةُ، عن قتادة، عن سعيد بن المسيَّب، عن عامر أخي أمِّ سلمة، عن أم سلمة. وقال علي بن المديني: أجوَدُ الأسانيد ابنُ عون، عن محمد، عن عَبِيدَة، عن عليّ. وقال أبو عبد الله أحمدُ بن حنبل: أجوَدُ الأسانيد الزهريُّ، عن سالم، عن أبيه . وقال يحيى: الأعمشُ، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله. فقال له إنسان: الأعمَشُ مِثلُ الزهري؟ فقال: بَرِئتُ من الأعمشِ أن يكون مِثْلَ الزهري، الزهريُّ يَرى العَرْضَ والإِجازةَ، وكان يَعمَلُ لبني أمية، وذَكَر الأعمشَ فمدَحَه. فقال: فقيرٌ صَبُورٌ مُجانِبٌ للسلطان، وذَكَر عِلْمَه بالقرآن ووَرَعَه. فأقولُ وبالله التوفيق: إنَّ هؤلاء الأئمةَ الحُفَّاظَ قد ذَكَر كلٌّ منهم ما أدَّى إليه اجتهادُه في أصحِّ الأسانيد، ولكلٍّ صحابيّ رُواةٌ من التابعين، ولهم أتباعٌ، وأكثُهم ثقات، فلا يُمكِنُ أن يُقطَعَ الحكمُ في أصحِّ الأسانيدِ لصحابيٍّ واحد، فنقول وبالله التوفيق : إِنَّ أصحَّ أسانيدِ أهلِ البيت: جَعْفَرُ بنُ محمد، عن أبيه، عن جده، عن عليّ إذا كان الراوي عن جعفر ثقةً . ٤٢٢ وأصحَّ أسانيدِ الصديقِ: إسماعيلُ بنُ أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر. وأصحَّ أسانيدِ عُمَر: الزهريُّ، عن سالم، عن أبيه، عن جَدِّه. وأصَحَّ أسانيدِ المُكثِرِين من الصحابة كعبدِ الله بن عُمَر: مالكٌ، عن نافع، عن ابن عمر. وأصَحَّ أسانيدِ أنسِ : مالك بن أنس ، عن الزهريِّ، عن أنس(١). ثم ذكّرَ أَوْهَى الأسانيد، ثم قال: والكلامُ في الْجَرْح والتعديل أكثرُ مما يُمكِّنُ الاستقصاءُ فيه، لكني قَصَدتُ الاختصارَ في هذا الكتاب، ليُستَدَلَّ بالحديثِ الواحد على أحاديثَ كثيرة، وقد استَقصَيتُ الكلامَ في إباحة جَرْح المحدِّث في ((المدخل إلى معرفة کتاب الإِکلیل))، فاستغنيتُ به عن إعادته. اهـ. ذكرُ النوعِ التاسَعَ عَشَر من علوم الحديث(٢) وهو معرفةُ الصَّحِيح والسَّقِيم. وهذا النوعُ من هذه العلوم غيرُ الجرح والتعديلِ الذي قدَّمنا ذكره، فرُبَّ إسنادٍ يَسلمُ من المجروحين غيرُ مُخرَّج في الصحيح، فكم من حديثٍ ليس في إسنادِهِ إِلَّ ثقةٌ ثَبْتُ وهو معلولٌ واه. فالصحيحُ لا يُعرَفُ بُرُواتِهِ فقط، وإنما يُعرَفُ بالفهم والحفظِ وكثرةِ السماع. /١٧٨ وليس لهذا النوع / من العلم عونٌ أكثرَ من مذاكرةِ أهلِ الفَهْمِ والمعرفةِ، لَيَظهَرَ ما يَخْفَى مِن عِلةِ الحديث. فإذا وُجِدَتْ مِثلُ هذه الأحاديثِ بالأسانيدِ الصحيحةِ غيرَ مخرَّجَةٍ في كتابَيْ الإِمامينِ البخاري ومسلم، لزم صاحبَ الحديثِ التنقيرُ عن عِلَّتِهِ، ومذاكرةُ أهلِ المعرفة به، لتَظهَرَ عِلَّتُه. وصِفَةُ الحديث الصحيح أن يَروِيَه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم صحابيُّ زائلٌ عنه اسمُ الجهالة، وهو أن يَروِيَ عنه تابعيانِ عَدْلانِ، ثم يتداوَلَهُ أهلُ (١) وقع في الأصل: (وأصح أسانيد أنس بن مالك الزهري عن أنس). وهو خطأ، تصويبُه من ((المعرفة)». (٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث» ص ٥٨.