النص المفهرس

صفحات 441-460

٣٨٣
الدرجة الدنيا كالصدقِ وعدمِ التهمة بالكذبِ، لا يُنافيه وجودُ ما هو أعلى منه
كالحفظِ مع الصدق، فيصح أن يقال في هذا: إنه حسنٌ، باعتبارٍ وجودِ الصفة الدنيا
وهي الصدقُ مثلاً، صحيحٌ، باعتبارِ الصفةِ العليا وهي الحفظُ والإِتقان. ويَلزَمُ على
هذا أن يكون كلُّ صحيحٍ حَسَناً، ويُلتَزَمُ ذلك ويُؤْيِّدُهُ وُرودُ قولهم: هذا حديثٌ
حَسَنٌ، في الأحاديث الصحيحة، وهذا موجودٌ في كلام المتقدمين. انتهى.
وقال الحافظ عماد الدين بن كثير: أصْلُ هذا السؤال غيرُ متجه، لأنَّ الجمع بين
الْحُسْنِ والصحةِ في حديثٍ واحدٍ رتبةٌ متوسطةٌ بين الصحيح والحسَن، قال: فهنا
ثلاثُ مراتب: الصحيحُ أعلاها، والحسَنُ أدناها، والثالثةُ ما تتشرَّبُ من كل منهما،
فإنَّ كل ما كان فيه شَبَهُ لم يَتمخَّض لأحدِهما، اختَصَّ برتبةٍ مفردة، كقولهم للمُزُّ:
- وهو ما فيه حلاوةٌ وُموضة - : هذا حُلْوٌ حامِضٌ أي مُزّ.
قال: فعلى هذا يكونُ ما يقولُ فيه: حَسَنٌ صحيح، أعلى رتبةً عندَه من
الحسن، ويكونُ حُكمُه على الحديثِ بالصحةِ المحضةِ أقوى من حكمِهِ عليه بالصحةِ
مع الحُسْنِ.
قال الحافظ أبو الفضل العراقي في ((نكته)) على ابن الصلاح(١): وهذا الذي
قاله ابنُ كثير تحكّمٌ لا دليلَ علیه، وهو بعيد من فهمهم معنی کلام الترمذي.
قال الإِمامُ بدر الدين الزركشيُّ والحافظُ أبو الفضل بن حجر كلاهما في ((النكت
على ابن الصلاح)»: هذا يقتضِي إثباتَ قسمٍ ثالث، ولا قائلَ به. وعبارةُ الزركشي:
وهو خَرْقٌ لإِجماعهم، ثم إنه يَلَزَمُ عليه أن لا يكونَ في كتاب الترمذي حديثٌ صحيح
إلا قليلاً، لقلةِ اقتصارِهِ على قوله: هذا صحيح، مع أنَّ الذي يُعبِّرُ فيه بالصحةِ
والحُسْنِ أكثرُهُ موجودٌ في الصحيحين.
وقال الشيخ سراج الدين البُلْقِيني في ((محاسن الاصطلاح))(٢) أيضاً: في هذا
(١) ص ٤٧ .
(٢) ص ١١٥.

٣٨٤
الجواب نظر. لكن جَزَم الإِمامُ شمس الدين الجَزَري في ((الهداية))، فقال: والذي
قال صحيحٌ حسنٌ، فَالترمذيُّ يَعْنِي: يُشَابُ صِحةٌ وحُسْناً، فهو إذَنْ دون الصحيح
معنیّ ..
وقال الزركشي: فإن قلتَ: فما عندَك في رفع هذا الإشكال؟ قلتُ: يَحْتَمِلُ أن
يُرِيدَ بقوله: حسَنٌ صحيح، في هذه الصورةِ الخاصةِ: الترادُفَ، واستعمالُ هذا قليلًا
دليلٌ على جوازِهِ، كما استَعمَّلَهِ بعضُهم حيث وَصَفَ الحَسَنَ بالصحةِ على قولٍ من
أَدَرَج الحَسَنَ في القسم الصحيح، ويجوزُ أن يريدَ حقيقتهما في إسنادٍ واحدٍ باعتبارٍ
حالينٍ وزمانينٍ، فيجوز أن يكونَ سَمِعَ هذا الحديثَ من رجلٍ مرةً في حالٍ كونِه
مستوراً أو مشهوراً بالصدقِ والأمانة، ثم تَرَقَّى ذلك الرجلُ الْمُسْمِعُ وارتَفَع حالُه إلى
درجةِ العدالةِ، فسَمِعَهُ منه الترمذيُّ أو غيرُه مرةً أخرى، فأخبَرَ بالوصفين. وقد رُوِيّ
عن غير واحد أنه سَمِعَ الحديثَ الواحدَ على شيخٍ واحدٍ غيرَ مرة، قال: وهذا
الاحتمالُ وإن كان بعيداً فهو أشبهُ ما يقال.
/ ١٦٠
قال: / ويَحْتَمِلُ أن يكون الترمذيُّ أدَّى اجتهادُه إلى حُسْنِهِ، وأدَّى اجتهادُ غيرهِ
إلى صحتِه أو بالعكس، فبانَ أنَّ الحديثَ في أعلى درجاتِ الْحَسَنِ وأَوَّلِ درجاتِ
الصحيح، فَجَمَع بينهما باعتبارِ مذهبينٍ، وأنت إذا تأمَّلتَ تصرُّفَ الترمذيِّ لعلك تَسكُنُ
إلى قصدِهِ هذا. انتهى كلامُ الزركشي، وبعضُه مأخوذ من الجَعْبري(١)، حيث قال في
((مختصره): وقولُه حسَنٌ صحيحٌ، باعتبارِ سَنَّدينٍ أو مذهبينٍ.
(١) هو الإِمام العلامة الفقيه المقرىء المحدث الموقّت النحوي المؤرخ ذو الفنون، برهان
الدين أبو إسحاق إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الجعبري، الشافعي، ولد في بلدة قلعة جَعْبَر على
الفُرَات بين بالِسَ والرَّقَّة في حدود سنة ٦٤٠، وقرأ حفظاً ((التعجيز) - مختصر ((الوجيز)) للغزالي في
الفقه - على مؤلِّفه الإِمام ابن يونس، وسَمِعَ من جماعة الحديث، وتلقى القراءات عن كثير من
شيوخها، ورحل واستفاد، وحدث وأقرأ وأفاد.
واستقر في مدينة الخليل عليه السلام، ووَلِيِّ مَشْيَخَةَ الحَرَم الخليلي، فأقام بها بضعاً وأربعين
سنة إلى وفاته. وصنّف التصانيف الجيدة المفيدة المحررة التي قاربت المئة، واشتَهَر ذكرُه، وهو أحَدُ =
٠

٣٨٥
وقال الحافظ ابن حجر في ((النكت))(١): قد أجاب بعضُ المتأخرين عن أصل
الإِشكال بأنه باعتبار صدقِ الوصفين على الحديث بالنسبةِ إلى أحوالِ رُوَاتِهِ عند أئمةٍ
الحديث، فإذا كان فيهم من يكون حديثُهُ صحيحاً عندَ قوم، وحَسَناً عند قوم، يقالُ
ذلك فيه .
= شيوخ الحافظ الذهبي في القراءات، رحَلَ إليه وأخذها عنه في مدينة الخليل.
حكى عن نفسه قال: كنتُ أوَّلَ الأمر أشتري بفَلْسٍ جَزَراً أَتقوَّتُ به ثلاثةَ أيام أو قال سبعةً
أيام، قال الذهبي: وكان ساكناً وَقُوراً ذَكِيّاً، له قُدرةً تامَّةً على الاختصار، وحسبُك ممن يَخْتصيرُ
((المختصرَ)) - لابن الحاجب في أصول الفقه - و((الحاجبيَّة)) - مقدمة في النحو له أيضاً -،
وصاحبُهما تتأجَّجُ نفسُه في الواوِ والغاءِ إذا كان أحدهما زائداً لغير معنى، وأَلَّف في كثير من العلوم،
ومن مؤلَّفاتِهِ: رُسُومُ التحديث في علم الحديث. وله شعر رقيق رفيع، وتوفي سنة ٧٣٢ عن تسعين
سنة رحمه الله تعالى)). انتهى من ((الوافي بالوفيات)) للصفدي ٦: ٧٣، و((طبقات الشافعية الكبرى))
للسبكي ٣٩٨:٩.
قال عبد الفتاح: وما تزال ذريتُه وأُسرتُه معروفة في بلد الخليل إلى يومنا هذا، وفيهم العلماء
والمفتون. أما قُدرَتُهُ التّامَّةُ وبَراعَتُهُ الفائقةُ في الاختصار، واختصارُهُ هذين (المختصرَيْن)، فمَوْهِبَةٌ
نادرة، ولعله اقتبسها من شيخه الإِمام ابن يونس، فقد قال التاج السبكي في ترجمته في ((طبقات
الشافعية الكبرى)) ١٩١:٨ ما يلي:
((عبد الرحيم بن محمد بن يونس المَوْصِلي، تاجُ الدين بن رضي الدين بن عماد الدين، ولد
بالموصل سنة ٥٩٨، ومات ببغداد سنة ٦٧١. وهو صاحب ((التعجيز)) مختصر ((الوجيز))، و((النبيه
في اختصار التنبيه))، ((مختصَرِ المحصول)) في أصول الفقه.
وكان آيةً في القُدرة على الاختصار الحَسَنِ الوافي بالمقصود، ومن أحسنٍ مختَصَرٍ له في الفقه
كتابٌ سَمَّاه ((نهايةَ النَّفَاسة))، قلَّ أن رأيتُ مثلَه في عُذُوبة منطقِه، وكثرةِ المعنى، وصِغَر الحجم.
وسأله الحنفيةُ أن يختصرَ لهم ((القدوري))، فاختصره اختصاراً حسناً، وهو عندي)). انتهى.
قلت: اختصارُ الكتب بجَوْدةٍ وسَلَاسَةٍ وَفَصَاحَةٍ مَوْهِبَةٌ فائقة وعلم نادر عزيز، وقد صار
الاختصارُ مقصِداً من المقاصد الأولى في القرن السابع وما بعده كما تَرى في ترجمة هذين الإِمامين،
ولكن ترتَّبَ عليه مآخِذُ علمية ومفاسد كثيرة، أَضرَّتْ بالعلم والمتعلمين والعلماء! وانظر شرح ذلك
بالأمثلة والبيان في كتاب «التعليم والإِرشاد)) للأستاذ بدر الدين النعساني الحلبي، أحَدٍ من أخذتُ
عنه واستفدتُ من كتابه المذكور، رحمه الله تعالى.
(١) ١ :٤٧٧ .

٣٨٦
قال: ويُتعَقَّبُ هذا بأنه لو أراد ذلك لَأَقَى بالواو بالنسبة إلى ما عنده، لا بالنسبةِ
التي للجَمْع، فيقول: حسَنْ وَصحيح .
قال: ثم إِنَّ الذي يَتبادَرُ إليه الفهمُ أنَّ الترمذي إنما يَحِكُمُ على الحديثِ بالنسبة
إلى غيره، فهذا يَقدَحُ في الجواب، ويَتوقَّفُ أيضاً على اعتبارِ الأحاديث التي جَمع
الترمذيُّ فيها بين الوصفين(١)، فإن كان في بعضِها ما لا اختلافَ عند جميعهم في
صحتِها، قُدِحَ في الجواب أيضاً، لكن لو سَلِمَ هذا الجوابُ لكان أقرَبَ إلى مُرادِهِ من
غيره .
قال: وإني لأَمِيلُ إليه وأرتضِيه، والجوابُ عما يُرِدُ عليه ممكن.
قال: وقيل: يَجوزُ أن يكونَ مُزادُه أنَّ ذلك باعتبارِ وصفين مختلفين، وهما
الإِسنادُ والحُكمُ، فيجوز أن يكونَ قولُه: حَسَنٌ، أي باعتبار إسنادِه، صحيحٌ أي
باعتبارٍ حُكمِه، لأنه من قَبِيل المقبول، وكلُّ مقبولٍ يجوز أن يُطلَقَ عليه اسمُ الصحة .
وهذا يَمشي على قولِ مِن لا يُفرِدُ الحَسَنَ من الصحيح، بل يُسمِّي الكلَّ صحيحاً،
لكن يَرِدُ عليه ما أوردناه أولاً، من أنَّ الترمذيَّ أكثرَ من الحُكْمِ بذلك على الأحاديثِ
الصحیحةِ الإِسناد.
قال: وأجاب بعضُ المتأخرين بأنه أراد حَسَنّ على طريقةٍ من يُفرِّقُ بين
النوعين، لقصورِ رتبة راوِيهِ عن درجةِ الصحةِ المصطلَحةِ، صحيحٌ على طريقةٍ من
لا يُفرِّقُ بينهما .
(١) هكذا وقعت العبارة في الأصل! وهي لا تخلو من تحريفٍ واختلاطٍ وإقحام، فأنقُلُ هنا
عبارة كتاب ((النكت)) المنقول منه لسلامتها، وليُعرَفَ ما في العبارة هنا من خَلَلٍ واضطراب.
قال: ((ويُتعقَّبُ هذا بأنه لو أراد ذلك لأتى بالواو التي للجَمْع، فيقولُ: حسنٌ وَصحيح،
أو أَتَّى بأو التي هي للتخيير أو للتردُّد، فقال: حسنٌ أَوْ صحيح .
ثم إنَّ الذي يَتبادَرُ إلَى الفَهْمِ أنَّ الترمذي إنما يَحكمُ على الحديثِ بالنسبةِ إلى ما عِندَهُ،
لا بالنسبة إلى غيره. فهذا يَقدَحُ في الجواب، ويَتوقُّفُ أيضاً على اعتبار الأحاديثِ التي جمع الترمذيُّ
فيها بين الوصفين ... )). انتهى. وبهذا يظهر ما في العبارة المطبوعة من تداخلٍ وإقحامٍ مُفْسِدٍ لها.

٣٨٧
قال: ويَرِدُ عليه ما أوردناه فيما سبق .
قال: واختار بعضُ من أدركناه أنَّ اللفظين عنده مترادفانٍ، ويكونُ إتيانُه
باللفظِ الثاني بعدَ الأولِ على سبيل التأكيد له، كما يقال: صحيحٌ ثابتٌ، أو جيّدٌ
قَوِي، أو غيرُ ذلك.
قال: وهذا قد يَقدّحُ فيه القاعدةُ، فإنَّ الحَمْلَ على التأسيس خيرٌ من الحَمْلِ
على التأكيد، لأنَّ الأصلَ عدَمُ التأكيد، لكن قد يندفِعُ القَدْحُ بوجود القرينةِ الدالةِ
على ذلك، وقد وجدنا في عبارةٍ غير واحد كالدارقطنيِّ : هذا حديثٌ صحيحٌ ثابت.
قال: وفي الجملةِ أقوى الأجوبة ما أجاب به ابنُ دقيق العيد. انتهى كلامُ
الحافظ ابن حجر في ((النكت)).
قال في ((شرح النخبة))(١): إذا اجتّمَع الصحيحُ والحَسَنُ في وصفٍ واحد،
فالتردُّدُ الحاصلُ من المجتهدِ في الناقل: هل اجتَمَعَتْ فيه شروطُ الصحةِ أو قَصُرَ
عنها؟ وهذا حيث يَحِصُل منه التفرُّدُ بتلك الرواية.
قال: ومُحصَّلُ الجواب أنَّ تردُّدَ أئمة الحديث في ناقِليه اقتَضى للمجتهدِ أن
لا يَصِفَه بأحدِ الوصفين، فيُقال فيه: حسَنٌ، باعتبارِ وصفِهِ عند قوم، صحيحٌ،
باعتبارٍ وصفِهِ عند قوم. وغايَةٌ ما فيه أنه حَذَفَ منه حَرْفَ التردُّد، لأنَّ حَقَّه أن يقول:
حَسَنٌ أو صحيحٍ. وهذا كما حَذَفَ حَرْفَ العطفِ من الذي بعده.
وعلى هذا ما قيل فيه: حسَنٌ صحيحٌ، دُونَ ما قيل فيه: صحيح، لأنَّ الجزمَ
أقْوَى من التردد، وهذا من حيث التفرُّدُ، وإلّ فإذا لم يَحصُل التفرُّدُ فإطلاقُ الوصفينِ
معاً على الحديث يكونُ باعتبارِ إسنادينِ أحدُهما صحيح، والآخَرُ حَسَن. وعلى هذا
فما قيل فيه: حسَنَّ صحيح، فَوْقَ ما قيل فيه: صحيحٌ، فقط، إذا كان فَرْداً، / لأن /١٦١
كثرة الطرق تُقوِّي .
(١) ص ٤٩.

٣٨٨
فإن قيل: قد صَرَّح الترمذيُّ بأن شَرْطَ الحَسَن أن يُروَى من غير وَجْه، فكيف
يقولُ في بعض الأحاديث: حسَنٌ غريبٌ لا نَعرِفُه إلاّ من هذا الوجه؟.
فالجوابُ أنَّ الترمذيّ لم يُعرِّف الحَسَنَ مطلقاً، وإنما عَرَّف بنوعٍ خاصٍّ وَقَع في
كتابه، وهو ما يقول فيه: حسَنْ من غير صفةٍ أخرى، وذلك أنه يقول في بعضِ
الأحاديث: حسَنٌ، وفي بعضِها: صحيحٌ، وفي بعضِها: غريب، وفي بعضِها: حسَنٌ
صحيح، وفي بعضِها: حسَنٌ غريب، وفي بعضِها: صحيحٌ غريب، وفي بعضِها:
حَسَنٌ صحيحٌ غريب ..
وتعريفُهُ إِنما وَقَعٍ على الأولِ فقط، وعبارتُهُ تُرشِدُ إلى ذلك، حيث قال في
أواخِرٍ كتابه: وما قلنا في كتابنا: حديثٌ حسنٌ، فإنما أردنا به حُسْنَ إسنادِهِ عندنا،
فكلُّ حديثٍ رُوِيَ لا يكونُ راوِيه متهماً بكذِب، ويُروَى من غير وجهٍ نحوَ ذلك، ولا
یکونُ شاذاً: فهو عندنا حديثٌ حسن.
يُعرَفُ(١) بهذا أنه إَّمَا عَرَّف الذي يقولُ فيه: حسَنٌ، فقط، أمَّا ما يقولُ فيه:
حسَنْ صحيح، أو حسَنَّ غريب، أو حسَنٌ صحيحٌ غريب، فلم يُعرِّج على تعريفِهِ،
كما لم يُعرِّج على تعريفٍ ما يقولُ فيه: صحيحٌ، فقط، أو غريبٌ، فقط. وكأنِهِ تَرَك
ذلك استغناءً بشهرتِهِ عند أهلِ الفن، واقتَصَر على تعريفِ ما يقولُ فيه في كتابه:
حسَنٌ، فقط، إمَّا لِغُموضِهِ، وإمّا لأنه اصطلاحٌ جديد، ولذلك قَيَّدَ بقولِهِ: عندنا،
ولم يَنْسُبه إلى أهلِ الحديث كما فَعَل الخطابي، وبهذا التقريرِ يندفعُ كثيرٌ من
الإِيراداتِ التي طال البحثُ فيها ولم يُسِفِر وَجْهُ تَوْجِيهها، فللَّهِ الحمدُ على ما أَلَْمِ وعَلَّم.
قلتُ: وظَهَر لي توجيهانِ آخرانٍ، أحدُهما أنَّ المرادَ حَسَنٌ لذاتِه، صحيحٌ
لغيره، والآخَرُ أنَّ المرادَ حسَنٌ باعتبارِ إسنادِهِ، صحيحٌ أي أنه أُصَحُّ شَيءٍ وَرَد في
البابِ، فإنه يقالُ: أصَحُّ ما وَرَد كذا وإن كان حَسَناً أو ضعيفاً، فالمرادُ أرجَحُه أو أقلُّهُ
ضعفاً.
(١) الذي في ((شرح النخبة)) ص ٥١ (فُعُرِفَ بهذا ... ).

٣٨٩
ثم إنَّ الترمذيَّ لم ينفرد بهذا المصطلح بل سَبَقَه إليه شيخُه البخاري، كما نَقَلَه
ابنُ الصلاح في غيرِ ((مختصره))، والزركشيُّ وابنُ حجر في ((نكتهما)».
قال الزركشي: واعلَمْ أنَّ هذا السؤالَ يَرِدُ بعينه في قول الترمذي: هذا حديثٌ
حسَنْ غريب، لأنَّ مِن شرطِ الحَسَنِ أن يكون معروفاً من غير وجه، والغريبُ
ما انفرد به أحَدُ رُواتِه، وبينهما تنافٍ .
قال: وجوابه أن الغريبَ يُطلَقُّ على أقسامٍ : غريبٌ من جهةِ المتن، وغريبٌ
من جهةِ الإِسناد، والمرادُ هنا الثاني دونَ الأول، لأنَّ هذا الغريبَ معروف عن جماعةٍ
من الصحابة، لكنْ تفرُّدُ بعضِهم بروايتِهِ عن صحابي، فبحَسَبِ المتنِ حَسَنٌ،
وبحَسَبِ الإِسناد غريبٌ، لأنه لم يَروه من تلك الجماعةِ إلَّ واحدٌ، ولا منافاةً بين
الغريبِ بهذا المعنى وبين الحَسنِ، بخلاف سائرِ الغرائبِ، فإنها تنافي الحسَنَ. انتهى
ما نُقِلَ من ((قُوتِ المغتّذِي)).
وقد سُئل العلامة تقي الدين بن تيمية عن هذه المسألة وما يتعلَّقُ بها فقال في
الجواب: أمَّ الغريبُ فهو الذي لا يُعرَفُ إلَّ من طريقٍ واحد، ثم قد يكونُ صحيحاً
كحديثٍ ((الأعمالُ بالنيات))، ونهيِهِ عن بَيْعِ الوَلاءِ وهِبِه، وحديثِ أنه دخل مكة
وعلى رأسِهِ المِغْفَر، فهذه صِحاحٌ في البخاري ومسلم، وهي غريبةٌ عند أهلِ الحديث.
فالأولُ إنما ثَبَت عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن محمد بن إبراهيم
الَّيْمِي، عن علقمة بن وقاص الليثي، عن عمر بن الخطاب.
والثاني إنما يُعرَف من حديث عبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عُمَر. والثالثُ
إنما يُعرَفُ من روايةِ مالك، عن الزهري، عن أنس، ولكنَّ أكثَرَ الغرائبِ ضعيفة .
وأما الحَسَنَ في اصطلاح الترمذي، فهو ما رُوِيَ من وجهين، وليس في رُواتِهِ
من هو مُتَّهِمٌ بالكذِب، ولا هو شاذٍّ مخالِفٌ / للأحاديثِ الصحيحة، فهذه الشروطُ /١٦٢
هي التي شَرَطها الترمذيُّ في الحَسَن.
لكن من الناس من يقول: قد يُسمِّ حَسَناً ما ليس كذلك، مِثلَ حديثٍ يقولُ
فيه: حسَنٌ غريبٌ، فإنه لم يُرْوَ إلَّ من وجهٍ واحد، وقد سَمَّه حَسَناً.
!

٣٩٠
وقد أُجِيبَ عنه بأنه قد يكونُ غريباً لم يُرْوَ إلَّ عن تابعيٍّ واحدٍ، لكن رُوِيَ عِنْه
من وجهين، فصار حَسَناً لتعدُّدِ طُرُقِه عن ذلك الشخصِ ، وهو في أصله غريب.
وکذلك الصحیحُ الحسنُ الغريبُ، قد یکونُ مرویاً بإسنادٍ صحيحٍ غريبٍ، ثم
رُوِي عن الراوي الأعلى بطريقٍ صحيح، وطريقٍ آخَرَ، فَيَصِيرُ بذلك حَسَناً، مع أنه
صحيحٌ غريب، لأَنَّ الْحِسَنَّ مَا تعدَّدَتْ طُرُقُه، وليس فيها مُتَّهَم، فإن كان صحيحاً
من الطريقينِ فهذا صحيحٌ محض، وإن كان أحَدُ الطريقين لم يُعلَم صِحَّتُه فهذا حَسَن.
وقد يكونُ غريبَ الإِسناد فلا يُعرَف بذلك الإِسنادِ إلاّ من ذلك الوجهِ، وهو
حَسَنُ المتن، لأنَّ المتن رُوِيَ من وجهين، ولهذا يقول: وفي الباب عن فلان وفلان،
فيكون لمعناه شواهدُ تُبِينٌ أن مَتْنَه حَسَنٌ وإن كان إسنادُهُ غريباً، وإذا قال مع ذلك:
إنه صحيح، فيكونُ قد ثَبَتَ من طريقٍ صحيحٍ، ورُوِيَ من طريقٍ حسن، فاجتمَعِ
فيه الصحةُ والحُسنُ، ويكونُ غريباً من ذلك الوجه، لا يُعرَفُ من ذلك الإِسنادِ إلَّ
من ذلك الوجهِ، وإن كان صحيحاً من ذلك الوجه، فقد يكون صحيحاً غريباً، وهذا
لا شُبهةَ فيه، وإنما الشُّبهةُ في اجتماعِ الْحُسْنِ والغُرْبَةِ، وقد تقدَّمَ أنه قد يكونُ
غريباً، ثم يَصِيرُ حَسَناً، فيكون حَسَناً غريباً، كما ذُكِرَ من المعنيين. وفي هذا القَدْرِ
كفاية، لأولى الجِدِّ والعِناية.
وهنا تمَّ الكلامُ في المبحث الثاني في الحديثِ الحَسَن، وبينما كنا نُريدُ أنْ نَشرِعَ
في المبحث الثالثِ في الحديثِ الضعيف(١)، وقفنا على كتاب ((معرفة علوم الحديث))
للحافظ الأجلِّ المجمع على صِدقِه وإمامته في هذا الفن، أبي عبد الله محمدٍ بن
عبد الله الضُّبِّ المعروفِ بالحاكم، فوجدنا فيه فوائدَ مهمةً رائقة، ينبغي لطالبي هذا
الفن الوقوفُ عليها، فرأينا أن نُورِدَ من كلِّ مبحثٍ من مباحثِهِ شيئاً مما ذكر فيه، حتى
يكونَ الْمُطالِعُ لذلك كأنه مُشرِفُ عليه(٢).
(١) الذي سيأتي في ص ٥٤٦ .
(٢) استحسن المؤلف رحمه الله تعالى أن يُورد هنا في كتابه هذا: أنواعاً من أهم ما جاء في
كتاب (معرفة علوم الحديث)) للحاكم رحمه الله تعالى، نظراً إلى أنَّ تلك الأنواع تتعلَّقُ بمباحثِ هذا =

٣٩١
قال الحاكم أبو عبد الله محمدُ بن عبد الله الحافظُ النيسابوريُّ (١):
الحمدُ لله ذي الَنِّ والإِحسان والقُدرةِ والسلطان، الذي أنشأ الخلقَ بُرُبوبِيَّتِه،
وجَنُّسَهم بمشيئِه، واصطَفَى منهم طائفةً أصفياء، وجعَلَهم بَرَرَةً أتقياء، فهم خَوَاصُ
عِبادِهِ، وأوتادُ بِلادِهِ، يَصرِفُ عنهم البلايا، ويُخُصُّهم بالخيراتِ والعطايا، فهم
القائمون بإظهارِ دِينِه، والمتمسكون بسُنَّنِ فَبِّه، فله الحمدُ على ما قَدَّر وقَضَى.
وأشهَدُ أنْ لا إله إلَّ اللَّهُ الذي زَجَر عن اتخاذِ الأولياءِ دُونَ كتابه، واتِّبَاعٍ
الخَلْقِ دون نَبِّه، وأشهَدُ أنَّ محمداً عبدُه المصطفى، ورسولُهُ المجتَبَى، بلَّغ عنه
رسالتَهُ(٢)، فصَلَّى اللَّهُ عليه آمِراً وناهياً، ومُبِيحاً وزاجِراً، وعلى آلِهِ الطيبين.
قال الحاكم: أمَّا بعدُ فإني لَّا رأيتُ البِدَع في زمانِنا كَثُرَتْ، ومعرفةَ الناسِ
بأصولِ السُّنَنِ قَلَّتْ، مع إمعانِهم في كتابة الأخبار(٣)، وكثرةٍ طَلَبِها على الإِهمال
والإِغفال: دعاني ذلك إلى تصنيفِ كتابٍ خفيف، يَشتمِلُ على ذكر أنواع علم
الحديث، مما يَحتاجُ إليه طلبةُ الأخبار، المواظِبُون على كتابةِ الآثار. وأعتَمِدُ في ذلك
= الكتاب، وإلى أنَّ كتاب الحاكم: ((معرفة علوم الحديث)) كان مخطوطاً عند تأليف هذا الكتاب،
فالوقوفُ عليه لا يتيسَّرُ لكل قارىء، فيكونُ في نقل كلام الحاكم هنا مزيَّةُ التيسير للاطّلاعِ عليه
والاستفادة منه أيضاً.
وكتابُ الحاكم ((معرفة علوم الحديث)) طُبع فيما بعد أكثر من مرة، طُبع أولاً بالقاهرة بمطبعة
دار الكتب المصرية سنة ١٩٣٧، بتحقيق الدكتور مُعَظّم حُسَين، الهندي، ثم صُوِّر عن هذه
الطبعة في بيروت مرتين، ثانيتهما سنة ١٣٩٧، وطُبع طبعةً ثانيةً في الهند بدائرة المعارف العثمانية
سنة ١٣٨٥، فهو الآن قريبُ المنال من أيدي الراغبين والمشتغلين بهذا العلم. وعلى كل حال يَبقَى
ما أورده المؤلّفُ منه هنا مفيداً في بابه كل الفائدة، وقد اختصَرَ بعضَ الشيء حيناً من كلام الحاكم،
وحيناً اختَصَر كثيراً، وتصرّفَ فيه بعضَ التصرُّف أيضاً، وأضاف إليه فوائد هامة وتعقّبه أيضاً.
(١) في ص ١ من «معرفة علوم الحديث)).
(٢) وقع في الأصل هنا: (رسالاته). والمثبت من ((معرفة علوم الحديث)) المطبوعة.
(٣) وقع في الأصل: (مع ما أنهم). وهو تحريف عما أثبته من ((المعرفةٍ)) المطبوعة.

٣٩٢
سُلوكَ الاختصار، دُونَ الإِطنابِ في الإِكثار، والله الموفَّقُ لما قَصَدتُه، والمانَّ في بیانِ
ما أَرْتُه، إنه جواد کریم، رؤوف رحيم.
حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا إبراهيم بن مرزوق البصري،
١٦٣/٠ حدثنا وهب بن جرير، / حدثنا شعبة، عن معاوية بن قُرَّة، قال: سَمِعْتُ أبي يُحَدِّثُ
عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: قال: ((لا يزالُ ناسٌ من أمتي منصورِينَ،
لا يَضُرُّهم من خَذَلهم حتى تَقُومَ الساعة)».
سمعتُ أبا عبد الله محمدَ بن عليّ بن عبد الحميد الآدمِيَّ بمكة يقول، سمعتُ
موسى بن هارون يقول، سمعتُ أحمدَ بن حنبل وسُئِلَ عن معنى هذا الحديث فقال:
إن لم تكن هذه الطائفةُ المنصورةُ أصحاب الحديث فلا أدري من هم.
قال أبو عبد الله: وفي مثل هذا قيل: من أمِّرَ السُّنَّةَ على نفسِهِ قولاً وفعلاً نَطَقَّ
بالحق. فلقد أحسَنَ أحمدُ بن حنبل في تفسير هذا الخبر: أنَّ الطائفة المنصورةَ التي
يُرفَعُ الخِذلانُ عنهم إلى قيام الساعة هم أصحابُ الحديث.
ومَنْ أحقُّ بهذا التأويل من قومٍ سلكوا مَحَجَّةَ الصالحين، واتَّبَعُوا آثارَ السلفِ
من الماضين، ودَمَغُوا أهلَّ البِدَعِ والمخالفين، بسُنَّنِ رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله
أجمعين؟
سَمِعتُ أبا نصر أحمدَ بنَ سهل الفقيه ببخارى يقول: سمعتُ أبا نصر أحمَدَ بنَّ
سلام الفقيه(١) يقول: ليس شيء أثقَلَ على أهلِ الإِلحادِ، ولا أبغَضَ إليهم من
سماع الحديث وروايته بإسناد(٢) .
قال أبو عبد الله: وعلى هذا عَهِدْنا في أسفارنا وأوطانِنا: كلَّ من يُنسَبُ إلى
نوعٍ من الإِلحادِ والبِدَع، لا يَنظُرُ إلى الطائفةِ المنصورة إلَّا بعين الحقارةِ، ويُسمِّيها
الحَشْوِيَّة.
(١) لفظ (أحمد) ساقط في الأصل، أثبته من ((معرفة علوم الحديث)) ص ٤.
(٢) وقع في الأصل (بإسناده)، بهاءٍ في آخره. وهو كما أثبته في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٤.
٠٠

٣٩٣
ذكرُ أولِ نوعٍ من أنواعٍ علوم الحديث(١)
النوعُ الأول من هذه العلوم: معرفةُ عالي الإِسناد. قال أبو عبد الله: هذا
جابر بن عبد الله (٢)، على كثرةٍ حديثِهِ وملازمتِهِ، رَحَلَ إلى من هو مثلُهُ أو دُونَه مسافةً
بعيدةً، في طلبٍ حدیثٍ واحد.
والعالِيَةُ من الأسانيد ليس على ما يَتوهِّمُه عوامُّ الناس، يَعُدُّون الأسانيدَ، فما
وجدوا منها أقرَبَ عَدَداً إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يَتوهّمونه أعلى.
والعالِيَةُ من الأسانيد التي تُعرَفُ بالفَهْم لا بِعَدِّ الرجال: غيرُ هذا(٣)، فُرُبَّ
إسنادٍ يَزِيدُ عدَدُه على السبعةِ والثمانيةِ إلى العَشْرَةِ، وهو أعلى مما يَنْقُصُ عن ذلك (٤)،
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٥. وقد اضطربت عبارة الحاكم في عنونة
الأنواع على وجوه شتى: فتارة يقول: ( ... من أنواع علم الحديث)، وتارة: ( ... من أنواع
علوم الحديث)، وتارة: (النوع الثالث من علم الحديث)، وتارة: (النوع الرابع من معرفة
الحديث)، وتارة: (الخامس من هذه العلوم)، وتارة: (السادس من معرفة علوم الحديث)، وتارة:
(النوع ... من علوم الحديث)، وهذا هو الغالب، فلم يَحفِل الحاكم بمراعاة الدقة والانتظام في
توحيد العناوين، فاقتضى مني البيان.
ولم يذكر المؤلف هنا لفظة (علوم) في العنوان، فأضفتها، وهي في المطبوعة من ((المعرفة)) هنا
بلفظ (علم)، وفيما بعدَ هذا النوع الأول جاء بعض الأنواع بلفظ (علم) وأكثرها بلفظ (علوم)
فأثبتها جميعاً (علوم) للتناسق والتآخي.
(٢) هذا الكلام التالي جاء في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٨، بعدَ نَّقْلِ الحاكم: قولَ
عَمْرو بنَ أبي سَلَمة للأوزاعي: يا أبا عَمْرو، أنا أَلْزَمُك منذ أربعة أيام، ولم أسمع منك إلَّ ثلاثين
حديثاً، قال: وتَستقِلُّ ثلاثين حديثاً في أربعة أيام؟ لقد سار جابر بن عبد الله إلى مصر، واشترى
راحلةً فرَكبَها، حتى سأل عُقبةَ بنَ عامر عن حديثٍ واحد، وانصرف إلى المدينة، وأنت مستقِلُّ
ثلاثين حديثاً في أربعة أيام.
قال أبو عبد الله: ((وجابرُ بنُ عبد الله على كثرة حديثه ... )).
(٣) الإِشارة هنا تعودُ إلى جملةِ طُرُقٍ عالية، أشار إليها الحاكمُ في سابق كلامه هناك
ص ١٠ - ١١، جاء فيها الإِسنادُ بأربعةِ رواة، وبثلاثةِ رواة، وبراويين اثنين.
(٤) عبارة ((معرفة علوم الحديث)) ص ١١ (وهو أعلى من ذلك).

٣٩٤
ومثالُه :
ما حدثناه أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا الحسن بن علي بن عَفَّن
العامِري، حدثنا عبد الله بن ثُمَير، عن الأعمش، عن عبد الله بن مُرَّة، عن مسروقٍ،
عن عبدِ الله بن عَمْرُو، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: أرْبَعْ من كُنَّ فِيه
كان منافقاً خالصاً، ومن كانت فيه خَصْلةٌ منهن كانَتْ فيه خَصْلَةٌ من نِفَاقٍ حتّى
يَدَعَها: إذا حَدَّثَ كَذَبٍ، وإذا عاهدَ غَدَر، وإذا وَعَد أَخْلَف، وإذا خاصَمَ فَجَر.
هذا إسنادٌ صحيح، مُخرَّجٌ في كتاب مسلم(١)، عن محمد بن عبد الله بن ثُمير،
عن أبيه، وقد بَلَغَ عَدَدُ رُواتِهِ سبعةً، وهو أعلى من الأربع الذي قدَّمنا ذكره، فإن
الغَرَضَ فيه القُربُ من سليمان بنِ مِهران: الأعمشِ ، فإنّ الحديثَ له، وهو إمامٌ من
أئمة الحديث. وكذلك كلَّ إسنادٍ يَقْرُب من الإِمام المذكورِ فيه، فإذا صَحَّتْ الروايةُ
إلى ذلك الإِمامِ بالعَدَدِ اليسير فإنه عَالي(٢).
حدثنا علي بن الفضل(٣)، حدثنا الحسنُ بن عَرَفة العبدي، حدثنا هُشَيِم، عن
يونس بن عُبَيد، عن نافع، عن ابن عمر،" قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم: مَظْلُ الغَنِيِّ ظُلْم.
وهذا أعلى ما يقعُ لأقرانِنا من الأسانيد، وفي إسنادِهِ سَبْعةٌ إلى رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم، وإنما صار عالياً لقُربِهِ من هُشَيْم بن بَشِير، وهو أحَدُ الأئمة.
/١٦٤
وكذلك كلُّ إِسنادٍ يَقْرُبُ من عبدِ الملك بن جُريج، وعبد الرحمن / بنَ عَمْرٍو
الأوزاعيِّ، ومالكِ بن أنس، وسفيان بنِ سعيد الثوري، وشعبة بنِ الحَجَّاجِ،
وزهير بن معاوية، وحماد بن زيد، وغيرهم من أئمة الحديث، فإنه عالي (٤)، وإن زاد
(١) في كتاب الإِيمان في (باب بيان خصال المنافق)، ٢ :٤٦.
(٢) في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١١ (فإنه عالٍ).
(٣) جاء في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٢ (حدثنا علي بن الفضل السَّامِريّ).
(٤) هنا في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٢ (فإنه عالٍ).

٣٩٥
في عَدَدِهِ بَعْدَ ذكرِ الإِمام الذي جعلناه مثالاً، فهذه علامةُ الإِسنادِ العالي.
ذكرُ النوعِ الثاني من أنواع علوم الحديث(١)
النوعُ الثاني من معرفةِ الحديث: العِلْمُ بالنازلِ من إسناد، ولعلَّ قائلاً يقول:
النزولُ ضِدُّ العُلُوِّ، فمن عَرَفِ العُلُوَّ فقد عَرَف ضِدَّه. وليس كذلك، فإنَّ للنزولِ
مراتبَ لا يعرِفُها إلاَّ أهلُ الصنعة، فمنها ما تُؤدِّي الضرورةُ إلى سماعِهِ نازلاً، ومنها
ما يَحتاجُ طالبُ العلم إلى معرفةٍ وتبحرٍ فيه، فلا يَكتُبُ النازلَ وهو موجودٌ بإسنادٍ أعلى
منه .
ذكرُ النوعِ الثالثِ من أنواع علوم الحديث(٢)
النوعُ الثالثُ من هذا العلمِ: مَعرِفَةُ صِدقِ المُحَدِّثِ وإتقانِهِ وَثَبَتِهِ وصِحَّةٍ
أُصولِه، وما يَحْتَمِلُهُ سِنُّهُ ورِحْلَتُهُ من الأسانيد، وغير ذلك من غَفْلِهِ وتهاونِهِ بنفسِه
وعلمه وأصولِه.
حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، حدثنا إبراهيم بن عبد الله
السَّعْدِي، حدثنا معاوية بن هشام، حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء بن
عازب، قال: ما كلُّ الحديثِ سَمِعناه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، كان يُحدِّثُنا
أصحابُنا، وكنا مشتغلين في رعايةِ الإِبلِ، وأصحابُ رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم
كانوا يَطْلُبُون ما يَفُوتُهم سماعُه من رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فَيَسمعونَهُ من
أقرانهم، وممن هو أحفظُ منهم، وکانوا یُشدِّدُون علی من کانوا یَسمعون منه.
وكان جماعةٌ من الصحابة والتابعين وأَتْباعِ التابعين ثم من أئمة المسلمين،
يَبحثون ويُنَقِّرُون عن الحديث إلى أن يَصِحَّ لهم(٣).
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٢.
(٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٤ .
(٣) وقع في الأصل (ويُنفِّرون إلى أن يصح لهم من الحديث). والمثبت من ((معرفة علوم
الحديث)) ص ١٥ وهو الصواب.

٣٩٦
ومما يَحتاجُ إليه طالبُ الحديث في زماننا: أن يَبحثَ عن أحوال المحدِّثِ أولاً ،
هل يُعتقِدُ الشريعةَ في التوحيد؟ وهل يُلزِمُ نَفْسَهُ طاعةً الأنبياءِ والرسلِ فيما أوجِيَ
إليهم ووَضَعُوا من الشرع؟
ثم يَتْأمَّلَ حالَه: هل هو صاحبُ هَوَىِّ يَدْعُو الناسَ إلى هواه؟ فإنَّ الداعي إلى
البدعة لا يُكتَبُ عنه ولا كرامَةَ، لإِجماعِ جماعةٍ من أئمةِ المسلمين على تركِهِ(١).
ثم يَتعرَّفَ سِنَّهُ هَل يَحْتَمِلُ سَمَاعَهُ عن شيوخِهِ الذين يُحدِّثِ عنهم، فقد رأينا
من المشايخ جماعةً أخبرونا بسنٍّ يَقْصُرُ عن لُقِيِّ شيوخٍ حَدَّثُوا عنهم.
ثم يَتْأمِّلَ أصولَهُ أعتيقةٌ هي أم جديدة؟ فقد نَبغَ في عصرنا هذا جماعةٌ يشترون
الكتبَ فُيُحدِّثُون بها! وجماعةٌ يكتبون سماعاتِهم بخطوطِهم في كتبٍ عتيقةٍ في الوقتِ،
فُيُحدِّثون بها! فمن يَسمعُ منهم من غير أهل الصنعةِ فمعذورٌ بجهلهِ، فأمَّا أهلُ
الصنعة إذا سَمِعُوا من أمثالِ هؤلاء بعدَ الخبرة ففيه جَرْجُهم وإسقاطُهم، إلى أنْ تَظهَرَ
توبتهم، على أنَّ الجاهل بالصنعةِ لا يُعذَرُ، فإنه يَلزمُهُ السؤالُ عما لا يَعرِفُه، وعلى
ذلك كان السلف .
ذكرُ النوعِ الرابعِ من معرفة علوم الحديث(٢)
النوعُ الرابعُ من هذا العلم: معرفةُ المسانيدِ من الأحاديث، وهذا عِلمٌ كبيرٌ
:
/١٦٥ من هذه الأنواع، لاختلافِ / أئمة المسلمين في الاحتجاج بغير المسند، والمسنّدُ من
الحديث أن يرويَهُ المحدِّثُ عن شيخ يُظهِرُ سَمَاعَهُ منه، ليس يَجْهَلُه، وكذلك سماعٌ
شيخهٍ من شيخِهِ إلى رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
ثم إنَّ للمُسْنَدِ شرائطَ غيرَ ما ذكرنا، منها أن لا يكونَ موقوفاً، ولا مرسّلاً،
(١) وقع في الأصل ( ... لا يُكتَبُ عنه ولا كرامةً له، لإجماع بين أئمة المسلمين على
تركه). والمثبت من ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٦ .
(٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٧ .

٣٩٧
ولا مُعضَلاً، ولا في روايتِهِ مدلِّسٌ، فهذه الأنواعُ يَجِيء شَرْحُها بعدَ هذا، فإنَّ معرفةً
كل نوع منها عِلْمٌ على الانفراد.
ومن شرائط المسنَدِ أن لا يكونَ في إسنادِهِ أُخْبِرتُ عن فلان، ولا رَفَعَه فلان،
ولا أظنُّهُ مرفوعاً، وغير ذلك مما يَفْسُدُ به، ونحن مع هذه الشرائطِ أيضاً لا نحكم
لهذا الحديثِ بالصحةِ، فإنَّ الصحيحَ من الحديث له شَرْطٌ نذكرُهُ في موضعه إن
شاء الله تعالى(١).
ذكرُ النوعِ الخامسِ من هذه العلوم(٢)
النوعُ الخامس منه: معرفةُ الموقوفاتِ من الروايات. إنَّ الموقوفَ على الصحابة
قلّما يَخْفى على أهل العلم، ومن الموقوفِ الذي يُستدَلُّ به على أحاديثَ كثيرةٍ :
ما حدثناه أحمد بن كامل القاضي، حدثنا يزيد بن الهيثم، حدثنا محمد بن جعفر
الفَيْدِي، حدثنا ابن فُضَيل، عن أبي سِنان، عن عبد الله بن أبي الهُذَيل، عن
أبي هريرة في قول الله: ﴿لَوَّاحَةٌ لِلْبَشَرِ﴾(٣)، قال: تَلْقَاهم جهنمُ يومَ القيامة،
فَتَلْفَحُهم لَفْحَةً فلا تَترُكَ لَخْاً على عَظْمٍ إِلَّ وَضَعَتْهُ على العراقيب. وأَشَبَاهُ هذا من
الموقوفاتِ يُعَدُّ في تفسير الصحابة.
فأمَّا ما نقولُ في تفسير الصحابي: إنه مسنَد، فإِنما نقولُهُ في غير هذا النوع،
وذلك فيما إذا أَخبرَ الصحابيُّ الذي شَهِدَ الوحيَ والتنزيلَ عن آيةٍ من القرآنِ أنها
نزلت في كذا وكذا، فإنه حدیث مسنّد.
ومما يَلزَمُ طالبَ الحديثِ معرفته نوعٌ من الموقوفاتِ، وهي مرسَلةٌ قَبْلَ الوصول
إلى الصحابة .
ومما يَلزَمُ طالبَ الحديثِ معرفتُه نوعٌ آخَرُ من الموقوفات، وهي مسنّدَةٌ في
(١) لفظ (له شَرْطٌ) ساقط من الأصل، وأثبته من ((معرفة علوم الحديث)) ص ١٩ .
(٢) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث» ص ١٩ .
(٣) من سورة المُدَّثِر، الآية ٢٩.

٣٩٨
الأصل، يُقصُِّ به بعضُ الرُّواةِ فلا يُسنِدُه، مِثالُ ذلك ما حدثنا أبو زكريا يحيى بن
محمد العنبري، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العَبْدي، حدثنا أمية بن بِسْطام،
حدثنا يزيد بن زُرَيْع، حدثنا رَوْحُ بن القاسم، حدثنا منصور، عن رِبْعِيِّ بن
جِرَاش، عن أبي مسعود، قال: إنَّ ما حَفِظَ الناسُ من آخِرِ النَّوَّةِ: إِذا لم تَسْتَحْي
فاصْنَعْ ما شِئتَ(١).
هذا حديثٌ أُسنَدَه الثوريُّ وشعبةُ وغيرُهُما، عن منصور، وقد قَصَّرَ بهِ رَوْحُ بنُ
القاسم فوَقَفَه.
ومِثالُ هذا في الحديثِ كثير، ولا يَعلمُ سَنَدَها إلَّ الفُرسانُ من حُفَّاظِ
الحديث(٢)، ولا يُعَدُّ في الموقوفاتِ .
ذكرُ النوعِ السادس من معرفة علوم الحديث(٣)
النوعُ السادسُ من هذا العلم: معرفةُ الأسانيد التي لا يُذكَرُ سَنَدُها عن
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، فمن ذلك ما حدَّثَناه أبو نصر محمد بن محمد بن
حامد الترمذي، حدثنا محمد بن حبان الصَّنْعَاني (٤)، حدثنا عمرو بن عبد الغفار
(١) وهكذا لفظُ الحديث في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢١، ولفظُهُ عند البخاري في آخر
باب من (كتاب أحاديث الأنبياء) ٥١٥:٦، وفي كتاب الأدب في (باب إذا لم تستحٍ فاصْنّع
ما شئت) ٥٢٣:١٠ _ وكذا عند أبي داود وابن ماجه والنووي في ((الأربعين النووية)) الحديث
العشرين - كالتالي: ((إنَّ مما أدرك الناسُ من كلام النبوة الأولى: إذا لم تَسْتَجِي فَاصْنَع ما شِئْتَ)).
وجاء في «مجمع الزوائد)) للهيثمي ٢٧:٨ ((عن حذيفة: إنَّ آخِرَ ما تعلَّقَ به أهلُ الجاهليَّةِ من
كلام النبوة الأولى: إذا لم تَسْتَحِ فافْعَلْ ما شئت. رواه أحمد والبزار)). انتهى. ورواية أحمد
٥: ٣٨٣ كلفظ البخاري، فالظاهر أن اللفظ المذكور للبزار، والله تعالى أعلم.
(٢) وقع في الأصل (ولا يَعلَمُ مسندها إلاّ ... ). والمثبت من ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢١ .
(٣) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢١.
(٤) هكذا جاء في الأصل (الصَّنْعَاني) بالنون ثم العين المهملة وفي ((معرفة علوم الحديث))
ص ٢٢. وأشار محققه أنه جاء في نسختين (الصغاني)، أي بالغين المعجمة بعد الصاد. ولم أصل =
i

٣٩٩
الصَّنْعَاني، حدثنا بشر بن السَّرِّي، حدثنا زائدة، عن عَّر بن أبي معاوية، عن
سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: كنا نتمضمضُ من اللَّبَنِ ولا نتوضَّأُ منه.
/١٦٦
هذا بابٌ كبير يَطُول ذكرُه بالأسانيد، فمن ذلك ما ذكرنا، ومن ذلك قولُ
الصحابيِّ المعروفِ بالصُّحبةِ: أُمِرْنا أن نُفعلَ كذا، ونُهينا عن كذا وكذا، وكنا نُؤْمَرُ
/ بكذا، وكُتَّا نُنْهَى عن كذا، وكُنَّا نَفعَلُ كذا، وكنا نقولُ ورسولُ الله صلَّى الله عليه
وسلَّم فينا، وكنا لا نَرَى بأساً بكذا، وكان يقالُ: كذا وكذا. وقولُ الصحابيِّ: من
السُّنَّةِ كذا، وأشباهُ ما ذكرناه إذا قالَهُ الصحابيُّ المعروفُ بالصُّحبة، فهو حديثٌ
مُسنَدٌ، وكلُّ ذلك مُخرَّجٌ في المسانيد.
ذكرُ النوعِ السابعِ من أنواع علوم الحديث(١)
النوعُ السابعُ من هذا العلم: معرفةُ الصحابة على مَرَاتِهم. وقد قَسَمَهم(٢)
إلى اثْنَيْ عشرة طَبَقة، والطبقةُ الثانيَةَ عَشْرَةَ منهم صِبْيانٌ وأطفالٌ رأَوْا رسولَ الله
صلَّى الله عليه وسلَّم يومَ الفتح، أو في حِجَّة الوَدَاعِ، أو في غيرهما.
ثم قالَ: ومن تبخَّرَ في معرفةِ الصحابة فهو حافظُ كاملُ الحفظ، فقد رأيتُ
جماعةً من مشايخنا يَرْؤُون الحديثَ المرسَلَ عن تابعيّ، عن رسول الله صلَّى الله عليه
وسلَّم، فيتوقَّمُونه صحابياً، وربما رَوَوْا المسنَدَ عن صحابي، فيتوهّمُونَه تابعياً.
ذكرُ النوعِ الثامن من علوم الحديث(٣)
النوعُ الثامنُ من هذا العلم: معرفةُ المراسيل المختلَفِ في الاحتجاج بها، وهذا
نوعٌ من علم الحديث صَعْبٌ، قلّما يَهْتدِي إليه إلَّ المتبخِّرُ في هذا العلم، فإنَّ مشايخَ
= إلى الجزم بتصويب أحدهما وتخطئة الآخر، غير أن (عَمْرو بنَ عبد الغفار الصَّنْعَاني) لم يرد فيه
اختلاف في النسخ، وهذا يرجح صواب (الصُّنْعاني) تلميذِهِ الراوي عنه، والله أعلم.
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٢.
(٢) أي الحاكمُ في كتابه ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٢ - ٢٤ .
(٣) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)» ص ٢٥ .

٤٠٠
الحديث لم يختلفوا أنَّ الحديثَ المرسَل هو الذي يَروِيه المحدِّثُ بأسانيدَ متصلةٍ إلى
التابعيّ، فيقولُ التابعيُّ: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
وأكثرُ ما تُرْوَى المراسيلُ من أهلِ المدينة عن سعيد بن المسيَّب، ومن أهل مكة
عن عطاء بن أبي رَبّاح، ومن أهل مصر عن سعيد بن أبي هلال، ومن أهل الشام
عن مكحولٍ الدمشقي، ومن أهلِ البصرة عن الحسَنِ بن أبي الحَسَن، ومن أهل
الكوفة عن إبراهيم بن يزيد النَّخَعِي، وقد يُروَى الحديثُ بعدَ الحديثِ عن غيرهم
من التابعين، إلاَّ أنَّ الغَلَبَةَ لرواياتهم.
وأصحُّها مراسيلُ سعيد بن المسيب، وهو فقيهُ أهلِ الحجاز ومقدَّمُهم، وأوَّلُ
الفقهاء السبعة الذين يَعُدُّ مالِكُ بنُ أَنَسٍ إجماعَهم إجماعَ كافَّةِ الناس.
وأما مشايخُ أهل الكوفة فإنَّ عندَهم أنَّ كلَّ حديث أرسَلَه أحَدٌ من التابعين،
أو أتباعِ التابعين، أو من بعدَهم من العلماء، فإنه يُقالُ له: مُرسَل، وهو محتَجِّ به،
وليس الأمرُ كذلك عندنا، فإنَّ مرسَل أتباع التابعين عندنا مُعْضَل.
قال يزيد بن هارون لحماد بن زيد: يا أبا إسماعيل، هل ذَكَرِ اللَّهُ أصحابَ
الحديث في القرآن؟ فقال: بلى، ألم تَسمع إلى قول الله تعالى: ﴿لِيَتَفَقُّهُوا في الدينِ
ولِيُنْذِرُوا قومَهم إذا رَجَعُوا إليهم لعلَّهم يُحْذَرُون﴾(١). فهذا فيمن رَحْل في طلب
العلم ثم رَجَع به إلى من وراءَه ليُعلِّمَهم إياه .
ففي هذا النص دليلٌ على أنَّ العلم المحتَجَّ به هو المسموعُ غيرُ المرسَلَ، هذا
من الكتاب، وأما من السُنَّةِ فالحديثُ المشهورُ المستفيضُ وهو قوله صلَّى الله عليه
وسلَّم ((نَضَّرِ الله آمرَأَ سَمِعَ مقالتي فَوَعَاها حتى يُؤْدِّيَها إلى من لم يَسمعها)).
الحديث. اهـ.
(١) من سورة التوبة، الآية ١٢٢.

٤٠١
/١٦٧
/ ذكرُ النوعِ التاسعِ من معرفة علوم الحديث(١)
النوعُ التاسعُ من هذا العلم: معرفةُ المنقطع من الحديث، وهو غيرُ المرسل،
وقلَّما يوجد في الحُفّاظ من يُميِّزُ بينهما، والمنقطعُ على أنواع ثلاثة:
١ - فمثالُ نوع منها ما حدثناه أبو عَمْرو عثمانُ بن أحمد السَّك ببغداد،
حدثنا أيوبُ بن سليمان السَّعْدي(٢)، حدثنا عبد العزيز بن موسى اللَّحُوْني أبو رَوْحِ،
حدثنا هِلالُ بنُ حِقّ، عن الجُرَيرِي، عن أبي العلاء وهو ابنُ الشَّخَير، عن رجلين
من بني حنظلة، عن شَدَّاد بن أَوْس، قال:
كان رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يُعلُّمُ أحدَنا أن يقولَ في صلاته: اللهم إني
أسألُكَ التَّثُبتَ في الأمور، وعزيمةَ الرُّشْد، وأسألُك قَلْباً سليماً، ولساناً صادقاً، وأسألُكَ
شُكرَ نِعْمَتِك، وحُسنَ عبادتك، وأستغفرُك لما تَعلمُ، وأعوذُ بك من شرِّ ما تعلم،
وأسألُك من خير ما تعلم.
هذا الإِسنادُ مثالٌ لنوعٍ من المنقطع، لجهالةِ الرجلين بين أبي العلاء بن الشِّخِير
وشَدَّادِ بن أوس. وشواهدُهُ في الحديث كثيرة.
٢ - وقد يُروَى الحديثُ وفي إسنادِهِ رجلٌ غيرُ مسمى، وليس بمنقطع، ومِثالُ
ذلك ما أخبرنا أبو العباس محمد بن أحمد بن محبوب التاجر بَمَرْوَ، حدثنا أحمد بن
سیار، حدثنا محمد بن کثیر، أنبأنا سفيان الثوري، حدثنا داود بن أبي هند، حدثنا
شيخٌ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: يأتي على الناس
زمانٌ يُخيَّرُ الرجلُ بين العَجْزِ والفُجُور، فمن أدرك ذلك الزمانَ فَلَيَخْتَرْ العجزَ على
الفجور.
وهكذا رواه عَتَّبُ بن بَشِير والهيَّاجُ بن بِسْطام، عن داودَ بنِ أبي هند. وإذا
(١) هذا النوع في ((معرفة علوم الحديث)) ص ٢٧ .
(٢) وقع في الأصل (حدثنا أبو أيوب بن سليمان ... ). وفيه تحريف. والمثبتُ من ((معرفة
علوم الحديث» ص ٢٧ .

٤٠٢
الرجلُ الذي لم يقفوا على اسمِهِ: أبو عُمَر الْجَدَلِّ(١). وهذا النوعُ من المنقطع الذي
لا يَقِفُ عليه إلَّ الحافِظُ الفَهِمُ الْتَبَخِّرُ في الصنعة. وله شواهدُ كثيرةٌ جَعَلْتُ هذا
الواحدَ شاهِداً لها.
٣ - والنوعُ الثالثُ من المنقطع أن يكونَ في الإِسناد روايةُ راوٍ لم يَسْمع مِن
الذي يَروِي عنه الحديثَ قبلَ الوصول إلى التابعي الذي هو موضعُ الإِرسال،
ولا يُقالُ لهذا النوع من الحديث: مرسَل، وإنما يقال له: منقطعٌ.
!
مثالُه ما حدثناه أبو النصر محمد بن محمد بن يوسف الفقیه، حدثنا محمد بن
سليمان الحضرمي، حدثنا محمد بن سهل بن عسكر(٢)، حدثنا عبد الرزاق، قال:
ذَكّر الثوريُّ عن أبي إسحاق، عن زيد بن يُثْع(٣)، عن حذيفة، قال قال رسول الله
صلَّى الله عليه وسلّم: إنْ ولَيتموها أبا بكر فقّوِيُّ أمينٌ، لا تأخذُه في اللَّهِ لومةُ لائم،
وإن ولَّيْتُموها عليّاً فهادٍ مَهْدِيٌّ، يُقيمُكم على طريقٍ مستقيم.
هذا إسنادٌ لا يتأمَّلُه متأمل إلَّ عَلِمَ اتصالَهُ وسنَدَهُ، فإنَّ الحضرميَّ ومحمدَ بن
سهل بن عسكر ثقتان(٢)، وسماعُ عبد الرزاق من سفيان الثوري واشتهارُهُ به
معروف، وكذلك سماعُ الثوريِّ من أبي إسحاق واشتهارُهُ به معروف. وفيه انقطاعٌ
في موضعين، فإنَّ عبد الرزاق لم يَسمعه من الثوري، والثوريُّ لم يَسمعه من
:
أبي إسحاق.
أخبرناه أبو عَمْرو بن السَّاك، حدثنا أبو الأخْوَص محمد بن الهيثم القاضي،
(١) جاء في ((الميزان)) للذهبي ٤: ٥٥٥ _ ومثلُه في ((لسان الميزان)) -: ((أبو عُمَرِ الْجَدَلي،
عن أبي هريرة .. وعنه داودُ بنُ أبي هند، لا يُدْرَى من هو)). انتهى. و(الجَدَلِيّ) نسبةٌ إلى (جَدِيْلَة
قَيْس) وهو منها كما حكاه الحاكم في خبرٍ بعدَه ..
(٢) لفظ (بن عسكر) زيادة من ((معرفة علوم الحديث)) . :
(٣) وقع في الأصل عنا وفيما يأتي: (يشيع). وهو تحريف. وصوابُه كما أثبته وكما جاء في
«معرفة علوم الحديث» ص ٢٩ .