النص المفهرس

صفحات 421-440

٣٦٣
أربعين حديثاً، بعَثَه الله يومَ القيامة في زُمرةِ الفقهاء)»، فقد اتفقوا على ضعفِه مع كثرةٍ
طرقه .
قال بعضُ الحفاظ: إنَّ هذا النوعَ قد تكثُرُ فيه الطرقُ وإن كانت قاصرةً عن
درجة الاعتبار، حتى يرتقيَ عن رتبة المنكّر الذي لا يجوزُ العمَلُ به بحالٍ، إلى رُتبةِ
الضعيفِ الذي يجوزُ العملُ به في الفضائل، وربما صارَتْ تلك الطرقُ الواهيةُ بمنزلةٍ
الطريقِ التي فيها ضعفٌ يسير، بحيثُ لو فُرِضَ مجيءُ ذلك الحديثِ بإسنادٍ فيه ضعفٌ
يسير، صار مرتقياً من رتبةِ الضعيف إلى رتبةِ الحسَنِ لغيره.
وكما قد يرتقي بعضُ الأحاديث من درجةٍ الضعيف إلى الحسن، قد يرتقي
بعضُها من درجة الحسَنِ إلى درجة الصحيح، وذلك في الحسَنِ لذاته، فإنك قد
عَرفتَ أنه هو والصحيحُ سواءٌ لا فَرْقَ بينهما إلاّ في أمرٍ واحد وهو الضبطُ، فإنَّ رُواتَه
لا يُشترَطُ فيهم أن يَبلُغوا في الضبطِ الدرجةَ المشترطةَ في رُواةِ الصحيح، فإذا جاء
الحديثُ الحَسَنُ لذاته من وجهٍ آخَرَ انجَرَ ما فيه من خِفَّةِ الضبط، فيرتقي بذلك من
درجتِهِ وهي الدرجةُ الأولى من قِسْمَيْ الحسن إلى درجةِ الصحيح وهي الدرجةُ
الأخيرةُ منه، ويُسمَّى هُذا النوعُ بالصحيح لغيره.
وهذا النوع غير داخل في حد الصحيح الذي سبق ذكره(١)، ولذا قال بعضهم:
وأُورِدَ على هذا التعريف أنَّ الحسَنَ إذا رُوِيَ من غير وجه ارتَقَى من درجة الحسن إلى
درجةِ الصحة، وهو غيرُ داخل في هذا الحد. وأجاب بأنَّ المحدودَ هو الصحيحُ لذاته
لا لغيره، وما أُورِد من قبيل الثاني.
واعتُرِضَ على ابن الصلاح بأنه اعتنى بالحسَنِ فجعله قسمين، أحدُهما الحسَنُ
لذاته، والآخَرُ الحَسَنُ لغيره. فكان ينبغي أن يَعتَنِيَ بالصحيح وينبّهَ على أنَّ له قسمين
(١) أي فيما تقدم في ص ١٨٠ .

٠٠
٣٦٤
أيضاً، أحدُهما الصحيحُ لذاته، والآخَرُ الصحيحُ لغيره. فإن كان اقتصارُه على
تعريفِ الصحيح لذاتِهُ في بابه، وذكرُ الصحيح لغيره في نوع الحسن مبنياً على أنه
أصلُّه، فكان ينبغي أن يقتصِرَ على تعريفِ الحسن لذاتِه في بابه، ويَذكُرُ الحَسَنَّ لغيره
في نوع الضعيف، لأنه أصلُهُ. ولا يَخْفَى أنَّ الخطب في هذا الأمر سهل.
وقد گثر اعتراضُ أناس على ابن الصلاح من جهة ترتیب کتابه، فإنهم قالوا:
إنه ليس كما ينبغي. وفي هذا الاعتراض نظر، فإنَّ كتابَهُ أملاه شيئاً بعدَ شيء، قاصداً
بذلك أن يَجمَع في كتابه ما أمكنه جمعُه من مسائل هذا الفن التي كانت مفرَّقةً في كتبٍ
شتى.
فهو أوَّلُ من جمَعَه في كتابٍ واحد حتى صار سَهْلَ المنال، بعدَ أن كان لا يُحِصِّلُه
إلَّ أفرادٌ من أربابِ الهِمَم العالية، الذين لهم به وَلُوعٌ شديد، حتى لم يمنعهم تفرّقُه
من أن يَجمعوه في صدورهم، ومِثْلُه لا يتيسَّرُ له حُسنُ الترتيب، لأنَّ ذلك يَعُوقُه عن
إتمام الجمع والتأليف. وأمْرُ الترتيب بعدَ ذلك سَهْلٌ يَقْدِرُ على القيام به من هو أدنى
منه بمراتب. وهذا أمرٌ مقرَّرٌ معروفٌ، على أنَّ هؤلاء المعترضين فيهم كثيرٌ من أربابٍ
الفضلِ والنُّبْل، فكان حقُّهم أن يقوموا بهذا الأمرِ المهم، ويكتفوا منه - رحمه الله
تعالى - بقيامِهِ بالأمرِ الذي هو أهم.
على أنَّ كتابه مرتب في الجملة بحيث إنه ليس فيه تشويش يَمنعُ من الاستفادةِ
والإِفادة، وذلك مع انسجام عبارتِهِ، ولطفٍ إشارته، نعم قد ذَكَر أشياءَ في مواضع
/١٥٠ ربما كان غيرُها أَشَدَّ مناسبةً منها، إلاَّ أنَّ ذلك قليلٌ بالنسبةِ / إلى غيره، وعلى كل حالٍ
فالمعترضون معترفون بفضلِه وتقدُّمِه في ذلك، وكثيراً ما يكون الاعتراضُ دليلاً على
عُلوِّ مقامِ المعتَرَضِ عليه، أجزل الله لهم جميعاً الثوابَ والأجر، وأبقى لهم في العالمِينَ
حُسْنَ الذكر.
i

٣٦٥
الفائدة الثانية
في بيان الكتب التي يُهتدى بها إلى معرفةِ الحديث الحسن
قال ابن الصلاح: كتابُ أبي عيسى الترمذي أصلٌ في معرفة الحديث الحسن،
وهو الذي نَوَّه باسمه وأكثرَ من ذكرِه في ((جامعه))، ويُوجَدُ في متفرِّقاتٍ من كلام
بعضِ مشايخِهِ والطبقةِ التي قبلَه، كأحمد بن حنبل والبخاريِّ وغيرهما. وتختلفُ النُّسَخُ
من كتاب الترمذي في قوله: هذا حديثٌ حسن، وهذا حديثٌ حَسنٌ صحيح، ونحوَ
ذلك فينبغي أن تُصحِّحَ أصلَك مِنْهُ بجماعةٍ أُصول، وتعتمِدَ على ما اتَّفْقَتْ عليه.
ونَصَّ الدارقطنيُّ في «سننه)) على كثيرٍ من ذلك، ومن مظانِّه سُنَنُ أبي داود، فقد
روينا أنه قال: ذكرتُ فيه الصحيحَ وما يُشبِهُه وما يُقَارِبُه. وروينا عنه أيضاً ما معناه أنه
يَذْكُرُ في كل باب أصحّ ما عَرَفه في ذلك الباب. وقال: ما كان في كتابي حديثٌ فيه
وَهْنٌ شديدٌ فقد بيَّنْتُه، وما لم أذكر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضُها أصحُّ من بعض.
قلتُ: فعلى هذا ما وجدناه في كتابه مذكوراً مطلقاً، وليس في واحدٍ من
الصحيحين، ولا نَصَّ على صحتِهِ أحدٌ ممن يُميِّزُ بين الصحيح والحسن، عَرَفنا أنه من
الحسَنِ عند أبي داود(١).
وقد يكونُ في ذلك ما ليس بحسَنٍ عندَ غيرِهٍ(٢)، ولا مندرجٍ فيما حقَّقنا ضَبْطَ
(١) هكذا جاءت العبارة في الأصل، وجاءت في غير نسخةٍ من (مقدمة ابن الصلاح))
هكذا ومشكولةً: (عرَّفناهُ بِأنَّهُ من الحَسَنِ عند أبي داود).
(٢) هكذا جاءت العبارةُ في بعضٍ نُسَخِ كتابٍ ابن الصلاح، ومَشَ عليها وأقرّها غيرُ
واحدٍ ممن حقَّقَهُ، بَدْءاً من شيخنا العلامة راغب الطباخ رحمه الله تعالى في طبعة حلب بنُكَت
العراقي عليها ص ٣٨، ثم طبعة النمنكاني بتحقيق الدكتور نور الدين عتر ص ٣٣، ثم طبعة دار
الكتب المصرية بتحقيق الدكتورة بنت الشاطىء ص ١١٠.
وجاءت في جملةٍ من النسخ المخطوطةِ وفي مطبوعةِ بمباي بالهند ص ١٨ (عرَّفناهُ بأنَّهُ من =
:

٣٦٦
الحسَنِ به على ما سَبَق، إذ حَكَى أبو عبد الله بن مَنْدَهْ الحافظُ أنه سَمِعَ محمد بن سَعْد
البَاوَرْدِيَّ بمصر يقول: كان من مذهبٍ أبي عبد الرحمن النسائي أن يُخْرِجَ عن كل من
لم يُجمَعْ على تركِه. وقال ابن مَنْدَهُ: وكذلك أبو داود السِّجِسْتاني يأخذُ مَأْخَذَهُ ويُخْرِجُ
الإِسنادَ الضعيفَ إذا لم يجد في الباب غيرَه، لأنه أقوى عنده من رأي الرجال. اهـ.
وقد تعقَّب العلامة أبو الفتح محمد بنُ سيد الناس اليَعْمُرِي كلام ابن الصلاح
في شأن سنن أبي داود، فقال فيما كتبه على الترمذي: لم يَرسُم أبو داود شيئاً بالحسَنِّ،
وعَمَلُه في ذلك شبيهٌ بِعَمَلِ مسلم الذي لا ينبغي أن يُحمَل كلامُهُ على غيره: أَنْه
اجتَنَب الضعيفَ الواهيَ، وأَنَ بالقسمين الأول والثاني. وحديثُ من مَثَّلَ به من
الرواةِ موجودٌ في كتابه دون القِسم الثالث، قال: فهلَا أَلزَم الشيخُ أبو عَمْرٍو مُسْلِماً من
ذلك ما أَلزم به أبا داود، فمعنى كلامِهما واحد.
وقولُ أبي داود: وما يُشبهُهُ، يعني في الصحة .. وما يُقارِبُه، يعني فيها أيضاً: هو
نحوُ قولِ مسلم: ليس كلُّ الصحيح نجدُه عندَ مالكٍ وشعبة وسفيان، فاحتَاجَ أن
يَنْزِل إلى مثلٍ لَيْثِ بن أبي سُلَيم، وعطاءِ بن السائب، ويزيد بن أبي زِياد، لَا يَشْمَلُ
الكلَّ من اسم العدالةِ والصدق، وإن تفاوتوا في الحفظِ والإِتقان، ولا فَرْقَ بين
الطريقين، غيرَ أنَّ مسلماً شَرَط الصحيحَ فَتَحَرَّجَ من حديث الطبقة الثالثة يعني
الضعيف(١)، وأبو داود لم يَشترطه فَذَكَّرَ ما يَشتذُّ وَهْنُهُ عندَهُ، والتّزَمِ البيانَ عِنْهِ.
= الحَسَنِ عند أبي داود، وقد يكونُ في ذلك ما ليس بحَسَنٍ عِندَهُ). وهي الصواب، لأن الكلام في
الحكم على الحديثِ المذكورِ - الْمُطْلَقِ - في سُنِهِ، لا في الحكم على ذاك الحديثِ عِندَ غَيْرِهِ، فإنه
أجنبيُّ عن البحث، لأننا نحكمُ على حديثِهِ المطلق بالحَسَنِ من تلقاءِ أنفسنا، استناداً لإطلاقِهِ
الحديث، فقد يكونُ له في الحديثِ الذي نحكمُ عليه بالحَسَنِ نظر، فيكونُ ما حَكَمْنَا عليهِ بِالحَسَنِ
ليس بحَسَنٍ عندَه.
(١) هكذا الصواب في الفعل: (فَتَحَرَّجَ) بالتاء المثناة من فوق، ثم الحاء المهملة، ثم الراء
المشدَّدة المفتوحة، ثم الجيم، وبصيغةِ الفعل الماضي، أي تنزُّهَ وتباعَدَ عن إخراج حديثِ الطبقةِ =

٣٦٧
قال: وفي قول أبي داود: إنَّ بعضَها أصحُ من بعض: ما يُشيرُ إلى القَدْرِ
المشتركِ بينها من الصحة، وإن تفاوتَتْ فيه لِمَا تقتضيه صيغةُ أَفعَلَ في الأكثر. اهـ.
وقد امتَعَض أناس من هذه العبارة لإِشعارِها بأنَّ سنن أبي داود بمنزلةٍ صحيح
مسلم، فإنَّ كلَّاً منهما ذَكَرَ / الصحيحَ وما يُشبِهُهُ وما يُقارِبُه، غيرَ أنَّ مسلماً التَزَمِ أنْ / ١٥١
لا يَذكُرَ الحديثَ الضعيفَ في كتابه، وأبو داود ذكره مع بيان ضعفه، فارتفع المحذورُ
من ذكرِ الضعيفِ في كتابه، فهما عند إمعانِ النظر في منزلةٍ واحدة، بل ربما عُدَّ ذِكرُهُ
الضعيفَ مع البيان من المزايا التي ربما قَضَتْ برُجْحَانِهِ، فإنَّ معرفة ضعفِ الضعيف
من المطالبِ الْمُهِمَّة، وهذا مما لم يَخْطُر في بالِ أحدٍ من علماء الأثر، فالبَوْنُ بينهما بعيد.
على أنَّ في سنن أبي داود كثيراً من الأحاديث التي فيها انقطاع، أو إرسال
= الثالثة يعني: الحديثَ الضعيفَ.
ووقع في الأصل هذا الفعلُ محرفاً تحريفاً فاحشاً مُفسِداً، مقبولاً لدى من يقرأ قراءة عابرة!
وهو: (فُيُخرِجُ من حديثٍ ... ). وقد وقع هذا التحريف هنا تبعاً للمصدر المنقول منه وهو
((تدريب الراوي)) في طبعته القديمة الأولى ثم في طبعتَيِّهِ الثانيةِ ص ٩٨ والثالثةِ ١: ١٦٨، وطبعةٍ
الدكتور أحمد عمر هاشم ١: ١٣٦. فالحمد لله على توفيق الله .
ثم رأيتُ الحافظَ البِقَاعِيَّ رحمه الله تعالى، قال في ((النكت الوفية على شرح الألفية))
للعراقي، في الورقة ٧٥ أ ((قولُهُ: تَحَرَّجَ: تفعَّل من الخَرَجِ بمهملتين وجيم، أي أزالَ الْخَرَج، وهو
الضِّيقُ الواقِعُ من تلك الجهة، فتركه واجتَنَبَهُ، فلم يأتِ بشيء من حديثهم، لئلا يلزمَهُ بذلك ضِيقٌ
بقلة الوثوقِ بکتاپه، لطردٍ احتمال الضعف في کل حدیث منه». انتھی.
وأشار في تفسيره للكلمةِ: (تَحَرَّجَ)، إلى أنها على عكسِ مدلول هذه الصيغةِ المألوفةِ في
التركيب اللغوي، فإنَّ هذه الصيغةَ تُفيد التلبُّسَ والاتصافَ بالشيء، مِثلَ تعلَّمَ، تكلُّمَ، تبسَّمَ،
تضجَّ، تفجّرَ، تدثّرَ ... ، إلَّ ◌ِدَّةَ أفعال من هذا الوزن جاءت للسَّلْب أي لاجتنابٍ فاعلِها
معناها، فهي للتركِ والبُعدِ عن مدلولٍ مادُتِها وألفاظِها، وهي: تَحَرَّج: فَعَل ما يَخْرُجُ به عن
الخَرَج، وتَأَثْمَ إذا فَعَل ما يَخْرُجُ به عن الإثم، وتَحنُّثَ إذا فَعَل ما يَخْرُجُ به عن الحِنث، وتَهَجَّدَ إذا
تَرَكِ الهُجُودَ وهو النومُ بالليل، وتحوَّبَ إذا ترك الحُوْبَ، وهو الذَّنْبُ والمعصية، فاستفِد هذا،
واذكرني بدعوةٍ صالحة، والله يرعاك.

٣٦٨
أو روايةٌ عن مجهول كرجلٍ وشيخٍ ، مع أنه لم يُشير إلى ضعفها، وإن أُجِيبَ عنه بأنه
لم يَتعرَّض لبيانِ الضعف في هذا النوع لظهوره.
وقد نَقَل بعضُهم عن بعض أهل الأثر أنه قال: هو تعقُّبُ واوٍ جداً لا يُساوي
سماعه، ثم قال: وهو كذلك لتضمّنِهِ أَحَدَ شيئين: وقوعَ غير الصحيح في مسلم،
:
أو تصحیح کلِّ ما سكتّ علیه أبو داود.
وقد أُجِيبَ عن اعتراض ابن سيد الناس بأنَّ مسلماً التّزَمِ الصحةَ في كتابه،
فليس لنا أن نَحكُمَ على حديثٍ خرَّجه فيه بأنه حسَنُ عنده، لِمَا عُرِفَ من قصور
الحسّنِ عن الصحيح، وأبو داود قال: إنَّ ما سَكتَ عنه فهو صالح، والصالحُ يَجُوزُ
أن يكون صحيحاً، ويجوزُ أن يكون حَسَناً، فالاحتياطُ أن يُحُكَمَ عليه بالحُسْنِ.
وثَمَّ أجوبةٌ أخرى، منها: أنَّ العَمَلِين إنما تشابها في أنَّ كلَّا أَنَ بثلاثةِ أقسام،
لكنها في سنن أبي داود راجعةٌ إلى متونِ الأحاديث، وفي مسلم إلى رجالِهِ، وليس بين
ضعفِ الرجلِ وصِحَّةٍ حديثِهِ منافاة.
ومنها: أنَّ أبا دوادٍ قال: إنَّ ما كان فيه وَهْنٌ شديدٌ بَيَّتُه. ففُهِمَ أنَّ ثَمَّ شيئاً فيها
وَهْنٌ غيرُ شديد، لم يَلتِمِ بیانَه.
ومنها: أنَّ مسلماً إنما يَروِي عن الطبقةِ الثالثةِ في الْمُتَابَعَاتِ، لِينجبِرَ القصورُ
الذي في روايةٍ من هو في الطبقة الثانية، ثم إنه يُقِلُّ من حديثهم جداً، بخلافٍ
أبي داود فإنه يُخرِجُ أحاديثَ هؤلاء في الأصول، مع الإِكثارِ منها والاحتجاجِ بها،
فلذلك نزلَتْ درجةُ كتابه عن درجةٍ كِتاب مسلم.
وقال العلامة أبو بكر محمد بن رُشَيْد الأندلسي السَّبْتِي فيما نقله عنه ابنُ سيد
الناس: ليس يَلزَمُ من كونِ الحديث لم يُنُصِّ عليه أبو داود بضعفٍ، ولا نَصَّ عليه
غيرُهُ بصحة: أن يكون الحديثُ عند أبي داود حَسَناً، إذ قد يكون عنده صحيحاً وإن
لم یکن عند غيره كذلك.
قال العراقي: وقد يُجابُ عن اعتراض ابن رُشَيْد بأنَّ ابنَ الصلاح إنما ذَكّر

٣٦٩
ما لنا أن نَعرِفَ به الحديثَ عنده، والاحتياطُ أن لا نرتفعَ به إلى درجةِ الصحة وإن
جاز أن يَبلُغَها عند أبي داود، لأنَّ عبارَتَهُ فهو صالح، أي للاحتجاج به، فإن كان
أبو داود يَرى الحسَنَ رُتبةً بين الصحيح والضعيف، فالاحتياطُ ما قاله ابن الصلاح،
وإن كان رأيُهُ كالمتقدمين في انقسام الحديث إلى صحيح وضعيف، فالاحتياطُ أن
يقال: صالحٌ كما عبِّرَ هو به. اهـ.
وقد توهّمَ بعضُهم من عبارة الحافظ المنذري، الواقعةِ في خُطبةٍ كتابٍ الترغيب
والترهيب أنه يَنسُبُ إلى أبي داود تسميةً ما سكتَ عنه حَسَناً، واعتّرَض عليه بأنَّ هذا
غيرُ معروف، والمعروفُ عنه تسميتُهُ صالحاً.
وقد نظرنا في عبارته فإذا هي لا تَدُلُّ على ذلك، وهي: وأُنْبَّهُ على كثير مما
حَضَرَني حالَ الإِملاء مما تساهَلَ أبو داود في السكوت عن تضعيفِه، أو الترمذيُّ في
تحسينِه، أو ابنُ حبان والحاكمُ في تصحيحِه، لا انتقاداً عليهم رضي الله عنهم، بل
مِقياساً لمتبصِّرِ في نظائرِها من هذا الكتاب، وكلُّ حديثٍ عَزَوْتُهُ إلى أبي داود وسكتُّ
عنه، فهو كما ذَكَر أبو داود، ولا ينزِلُ عن درجةِ الحَسَن، وقد يكونُ على شرطٍ
الصحيحين. اهـ.
فقولُهُ: فهو كما ذَكَر أبو داود / يُريدُ أنه صالح. ثُمَّ بيَّنَّ أنَّ الصالح لا يَنْزِلُ عن /١٥٢
درجة الحَسَن، وقد يرتفعُ إلى درجةٍ ما يكونُ على شرط الشيخين.
وكلامُ أبي داود فيما يتعلق بكتابه مأخوذٌ من رسالته إلى أهل مكة، وقد وقفتُ
على مُلَخَّصِها(١)، فرأيتُ أن أُورِدَ منه شيئاً.
قال: إنكم سألتموني أن أذكر لكم الأحاديثَ التي في كتاب السنن، أهي أُصحُ
ما عرفتُ في البابِ؟ فَأَعلَمُوا أنه كلُّه كذلك، إلَّ أن يكون قد رُوِيَ من وجهين
(١) وقد نُشرت بعناية شيخنا الإِمام الكوثري رحمه الله تعالى، وطبعت بالقاهرة سنة
١٣٦٩.
-----

٣٧٠
أحدُهما أَقْدَمُ إسناداً، وَالآخَرُ أقومُ في الحفظ، فربما كتبتُ ذلك، ولا أَرى في كتابي
من هذا عشرةً أحاديث.
ولم أگُبْ في الباب إلاّ حديثاً أو حدیثین وإن کان في الباب أحاديثُ صحاح،
فإنها تَكْثُر، وإنما أردتُ قُرْبَ منفعته، فإذا أَعدتُ الحديثَ في الباب من وجهين
أو ثلاثة، فإنما هو من زيادةِ كلام فيه، وربما تكون فيه كلمةٌ زائدة على الأحاديث،
وربما اختصرتُ الحديثَ الطويل، لأني لو كتبتُه بطُولِه لم يَعلم بعضُ من يَسمَّعُه المرادَ
منه، ولا يَفْهَمُ موضعَ الفقه منه، فاختَصرتُه لذلك.
وأما المراسيلُ فقد كان يحتجُّ بها العلماء فيما مَضى، مثلُ سفيان الثوري،
ومالك، والأوزاعي، حتى جاء الشافعيُّ فتكلّم فيها وتابعَه على ذلك أحمدُ بن حنبل
وغيرُه، فإذا لم يكن مُسبّدٌ غيرُ المراسيل، فالمرسَلُ يُحْتَجُّ به، وليس هو مِثلَ المتصل في
القوة .
وليس في كتاب السنن الذي صنَّفْتُه عن رجلٍ متروك الحديث شيء، وإذا كان
فيه حديثٌ منكرٌ بيَّنْتُه أنه منكَرٍ، وليس على نحوِه في الباب غيرُه.
وما كان في كتابي من حديث فيه وَهْنٌ شديد فقد بيَّتُه، ومنه ما لا يَصِحُّ
سَنَدُه، وما لم أذكُر فيه شيئاً فهو صالح، وبعضُها أصحُّ من بعض.
وهو كتابٌ لا تَرِدُ عليك سُنَّةٌ عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم إلَّ وَهِيَّ فيه،
ولا أعلَمُ شيئاً بعدَ القرآن ألزَمَ للناس أن يَتعلَّمُوه من هذا الكتاب، ولا يَضُرُّ رجلاً أن
لا يَكتبَ من العلم شيئاً بَعْدَ ما يكتُبُ هذا الكتاب، وإذا نَظَر فيه وتدبّره وتفهّمُه
حينئذٍ يَعلَمُ مِقدارَه. وأما هذه المسائلُ مسائلُ الثوري ومالك والشافعي، فهذه
الأحاديثُ أصولها.
ويُعجبني أن يَكتُبَّ الرجلُ مع هذه الكتب من رأيِ أصحاب النبي صلَّى الله
عليه وسلَّم، ويَكْتُبَ أيضاً مثلَ ((جامع سفيان الثوري))، فإنه أحسن ما وُضِعَ للناس
من الجوامع .

٣٧١
والأحاديثُ التي وضعتُها في كتاب السنن، أكثرُها مشاهيرُ، وهي عند كل من
كَتَب شيئاً من الحديث، إلَّ أنَّ تمييزُها لا يَقدِرُ عليه كلُّ الناس، فالحديثُ المشهورُ
المتصلُ الصحيح ليس يَقْدِرُ أن يَرُدَّه عليك أحد. وأمَّ الحديثُ الغريبُ فإنه لا يُتَجُّ
به ولو كان من رواية الثقات من أئمة العلم، قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون
الغريبَ من الحديث، وقال يزيد بن أبي حبيب: إذا سمعتَ الحديثَ فَأَنْشُدْهُ كما تَنْشُدُ
الضَّالَّة، فإن عُرِفَ وإلَّ فدَعْهُ.
ولم أصنِّف في كتاب السُّنن إلَّ الأحكام، فهذه أربعةُ آلافٍ وثمان مئة، كلُّها في
الأحكام، فأمَّا أحاديثُ كثيرة في الزهد والفضائل وغيرها، فلم أُخرِجها، والسلام
عليكم. اهـ.
وقد اشتَهَر هذا الكتابُ بين الفقهاء اشتهاراً عظيماً لجمعِهِ أحاديث الأحكام،
قال الإِمام أبو سليمان الخطابي في ((معالم السنن)): أَعْلَموا رحمكم الله تعالى أنَّ كتاب
السنن لأبي داود كتابٌ شريف، لم يُصنَّف في علِم الدين كتابٌ مِثْلُه، وقد رُزِقَ القبولَ
من النَّاسِ كافَّةً، فصار حَكَماً بين فِرَق العلماء وطبقاتِ الفقهاء على اختلافِ
مذاهبهم، فلكلٍّ منه وِرْد، ومنه شِرْب، وعليه مُعَوَّلُ أهلِ العراق وأهلِ مصر وبلادٍ
المغرب وكثير من أقطار الأرض.
فأما أهلُ خراسان فقد أُولِعَ أكثرُهم بكتاب محمدٍ بن إسماعيل ومسلم بن
الحجاج ومن نحا نحوَهما / في جمع الصحيح على شرطهما في السَّبْك والانتقاد، إلَّ أنَّ /٥٣
كتابَ أبي داود أحسَنُ وضعاً، وأكثرُ فِقهاً. وكتابُ أبي عيسى أيضاً كتابٌ حسن،
والله يغفر لجماعاتِهم، ويُحسِنُ على جميلِ النيةِ فيما سَعَوْا له مثوبتَهم برحمته. اهـ.
وحيث عَرفتَ ما قيل في شأن كتب السنن المذكورة، تَعْرِفُ أنَّ الحافظ السِّلَفِي
قد أَفرط في التساهل حيث قال في شأن الكتب الخمسة: قد اتَّفَق على صحتِها علماءُ
الشرق والغرب. وكيف لا يقال: إنه أَفَرَط في التساهل؟ وأبو داود قد صَرَّح بانقسام
ما في كتابه إلى صحيح وغيره، والترمذيُّ قد ميَّز في كتابه بين الصحيح والحسن.

٣٧٢
فإن قيل: بأنه ممن يُدرِجُ الحسنَ في الصحيح ولا يُفرِدُه بنوع فهو قد جَرَى في
ذلك على اصطلاحه.
قيل: إنَّ العلماءِ قد صَرَّحوا بأنَّ فيها ضعيفاً أو منكراً أو نحو ذلك، على أنَّ من
سَمَّى الحسنَ صحيحاً لا يُنكِرُ أنه دون الصحيح المقدَّمِ ذِكرُه، فالفَرْقُ بين من يُميِّزُ
بينهما وبين من لا يميزُ إنما هو اختلافٌ في العبارة دون المعنى.
وقال بعضهم: إِنَّ إطلاقَ السِّلَفِي لهذه العبارة مع ما في الكتب الثلاثة في
السنن من الضعيف: بالنظر إلى قلتِه بالنسبة إلى غيره، لا سيما النسائي فإنها أقلَّها بعد
الصحیحین حديثاً ضعيفاً.
وقد أضاف بعضهم إلى الكتب الخمسة كتابَ ابن ماجه، فجعَلَها بذلك ستةً،
وأوَّلُ من فَعلَ ذلك أبو الفضل بن طاهر حيث أدرجه معها في ((الأطراف))، ثم الحافظُ
عبدُ الغني في كتاب ((الإِكمال في أسماء الرجال)) - كذا أثبته المؤلف، وصوابه:
((الكمالُ في ... ))-، وهو الكتاب الذي هذَّبه الحافظ المِزِّي.
وقدَّموا ((ابنَ ماجِه)) على ((الموطأ)) لكثرةِ زوائده على الخمسة، بخلاف الموطأ.
ولما كان ابن ماجه قد أخرج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث،
قال بعضُهم: ينبغي أن يُجْعَل السادسُ كتابَ الدارمي، فإنه قليلُ الرجالِ الضعفاء،
نادرُ الأحاديثِ المنكرةِ والشاذة، وإن كانت فيه أحاديثُ مرسلةً وموقوفة، فهو مع ذلك
أولى منه. وقد جَعَل بعضُ العلماء كَرِزِينِ السَّرَقُسْطِي: السادسَ ((الموطأ)»، وتَبِعَه على
ذلك المجدُ ابنُ الأثير في كتاب ((جامع الأصول)) وكذا غيرُه.
وأما كتبُ المسانيد فهي دون كتبِ السُّنَّن في الرتبة. وكتبُ المسانيد هي ما أُفرِدَ
فيه حديثُ كل صحابي على حِدَة، من غير نظر للأبواب. وقد جرَتْ عادَةُ مُصنّفِيها
أن يجمعوا في مسند كل صحابي ما يقع لهم من حديثه صحيحاً كان أو سقيماً،
ولذلك لا يسوغ الاحتجاجُ بما يورد فيها مطلقاً.
قال الحافظ ابن الصلاح: كتبُ المسانيد غيرُ ملحَقَةٍ بالكتب الخمسةِ التي هي

٣٧٣
الصحيحان وسننُ أبي داود وسننُ النسائي وجامعُ الترمذي وما جَرَى مَجراها في
الاحتجاجِ بها والركون إلى ما يورد فيها مطلقاً، كمسند أبي داود الطيالسي، ومسند
عُبيد الله بن موسى، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند
عبد بن حُميد، ومسند الدارمي، ومسند أبي يَعْلَى المَوْصِلي، ومسند الحسن بن سفيان،
ومسند البزَّار أبي بكر، وأشباهِها.
فهذه جرَتْ عادةٌ مؤلِّفيها أن يُخرجوا في مسند كل صحابي ما رَوَوْهُ من حديثِهِ
غيرَ متقيدين بأن يكون حديثاً محتجاً به، فلهذا تأخّرَتْ مرتبتُها - وإن جلَّتْ لجلالةٍ
مؤلَّفيها - عن مرتبةِ الكتب الخمسةِ وما أُلحِقَ بها من الكتب المصنفة على الأبواب،
والله أعلم. اهـ.
وانْتُقِدَ على ابن الصلاح عدُّهُ مسند الدارمي في كتب المسانيد، لأنه مرتب على
الأبواب، وإنما سَمِّوْه بالمسند كما سَمَّى البخاريُّ كتابَه بالمسنَد، لكونِ أحاديثِهِ
مسندَة. وانتُقِدَ عليه أيضاً تفضيلُ كتبٍ السنن وما أُلحِقَ بها على / مسند الإِمام
أحمد بن حنبل، مع أنه التَّزَم الصحيحَ في مسنده.
/ ١٥٤
وأجاب العراقي بأنَّا لا نُسلِّمُ ذلك، والذي رواه عنه أبو موسى المديني أنه سُئِل
عن حديثٍ فقال: انظروه، فإن كان في المسند وإلاّ فليس بحجة. فهذا ليس
بصريح في أنَّ كل ما فيه حُجَّة، بل هو صريح في أنَّ ما ليس فيه ليس بحجة، على أنَّ
ثَمَّ أحادیثَ مخرَّجةً في الصحیحین وليست فيه.
قال: وأما وجودُ الضعيف فيه فهو محقق، بل فيه أحاديثُ موضوعة جمعتُها في
جزء. ولعبد الله ابنِهِ فيه زياداتُ فيها الضعيفُ والموضوعُ. وقد أورد العلامة
ابن الجوزي في كتاب الموضوعات أحاديثَ من المسند لاحَتْ له فيها سِمَةُ الوضع.
وقد تصدَّى الحافظُ ابن حجر للرد على ذلك، فألَّف كتاباً سماه ((القولَ المسدَّد
في الذب عن المسنّد)»، سَرَد فيه الأحاديثَ التي جمعها العراقي، وهي تسعة، وأضاف
إليها خمسةَ عَشَر حديثاً أوردها ابنُ الجوزي في الموضوعات، وأجاب عنها.

٣٧٤
وقال في كتابه ((تعجيل المنفعة في رجال الأربعة))(١): ليس في المسند حديثٌ
لا أصلَ له إلَّ ثلاثةَ أحاديث أو أربعةً. منها حديثُ عبد الرحمن بن عوف أنّه يَدخُل
الجنةَ زَحْفاً، قال: ويُعتَذَرُ عنه بأنه مما أَمَر أحمدُ بالضربِ عليه، فتُرِكَ سهواً،
أو ضُرِبَ عليه وكُتِبَ من تحت الضرب.
وقال بعضهم: إِن مسند أحمد لا يُوازيه كتابٌ من كتب المسانيد في الكثرةِ
وحُسنِ السياق، غير أنه فاته أحاديثُ كثيرة جداً، بل قيل: إنه لم يقع له جماعةٌ من
الصحابة الذين في الصحيحين وهم نحوُ مائتين.
وجملةُ ما في المسند من الأحاديث أربعون ألفاً، تكرَّرَ منها عشرة آلاف، فيَبقَى
ثلاثون ألفاً. وقال العلامة عبد الرحمن المعروفُ بأبِي شَامَة في كتاب ((الباعث على
إنكار البِدَع والحوادث)): قال أبو الخَطَّاب(٢): وأصحابُ الإِمام أحمد يحتجُون
بالأحاديث التي رواها في مسنده، وأكثرُها لا تَحِلَّ الاحتجاج بها، وإنما أخرجها الإِمام
أحمد حتى يُعرَف من أين الحديث ◌َخْرَجُه، والمنفرِدُ به أعَدْلٌ أو مجروحٌ؟ ولا يَحِلَّ الآنَ
لمسلمٍ عالمٍ أن لا يَذكُرَ إلَّ ما صَحَّ، لئلا يَشِقَى في الدارين، لما صَحَّ عِنْ سيد
الثقلین، أنه قال: من حدَّث عني بحدیث یُری أنه کذِب فهو أحد الکاذِبین. قال:
ويَلزمُ المحدِّثَ أن يكونَ على الصفةِ التي ذكرناها في أول كتابنا، من الحِفظِ والإِتقانِ
والمعرفةِ بما يتعلق بهذا الشأن .
وقال العلامة ابن تيمية في كتاب ((منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة
والقَدَرية))(٣): ليس كل ما رواه أحمد في المسند وغيره یکون حجةً عنده، بل يَروِي
ما رواه أهلُ العلم، وشَرْطُه في المسند أن لا يَروِيَ عن المعروفين بالكذب عنده، وإن
(١) لم أجد هذا الكلام في ((تعجيل المنفعة))، فالظاهر أن المؤلف وَهِمَ في عزوِهِ إليهِ،
والله أعلم .
(٢) هو أبو الخطاب عُمّر بن حسن بن علي، المعروف بابن دِحْيَة الكلبي الأندلسي،
الحافظ المؤرخ الأديب، ولد سنة ٥٤٤، وتوفي سنة ٦٣٣ رحمه الله تعالى.
(٣) في ٤: ٢٧ و ٩٦:٧.

٣٧٥
کان في ذلك ما هو ضعيفٌ، وشَرْطُهُ في المسند مِثلُ شرْطِ أبي داود في سننه، وأما کتبُ
الفضائل فيَروِي ما سَمِعَه من شيوخه، سواءٌ كان صحيحاً أو ضعيفاً، فإنه لم يَقصِد
أن لا يَروِيَ في ذلك إلّ ما ثَبَتَ عنده.
ثم زاد ابنُ أحمد زياداتٍ، وزاد أبو بكر القَطِيعيُّ زياداتٍ، وفي زياداتٍ
القطيعي أحاديثُ كثيرةٌ موضوعة، فظَنَّ ذلك الجاهلُ أنَّ تلك من رواية أحمد، وأنه
رواها في المسند، وهذا خطأ قبيح، فإنَّ الشيوخ المذكورين شيوخُ القَطِيعِي، وكلُّهم
متأخرون عن أحمد، وهم ممن يَروِي عن أحمد لا ممن يَروِي أحمدُ عنه.
وهذا مسنَدُ أحمد، وكتابُ الزهد له، وكتابُ الناسخ والمنسوخ، وكتابُ
التفسير، وغيرُ ذلك من كتبه، يقول - فيها -: حدَّثَنا وكيع. حدثنا عبدُ الرحمن بن
مَهْدي. حدثنا سفيان. حدثنا عبد الرزاق. فهذا أحمدُ. وتارةً يقول: حدثنا أبو مَعْمَر
القَطِيعي. حدثنا علي بن الجَعْد. حدثنا أبو نَصْر التُّمَّار. فهذا عبدُ الله .
/ ١٥٥
وكتابُهُ / في ((فضائل الصحابة)) له فيه هذا وهذا، وفيه من زياداتِ القطيعي
يقول: حدثنا أحمدُ بن عبد الجبار الصُّوفي، وأمثالُه، ممن هو مثلُ عبدِ الله بن أحمد في
الطبقة، وهو ممن غايتُهُ أن يَروِيَ عن أحمد، فإنَّ أحمد تَرَك الروايةَ في آخر عمره لما
طَلَب الخليفةُ أن يُحدِّثَه ويُحدِّثَ ابنَه ويُقيمَ عندَه، فخاف على نفسِهِ من فتنة الدنيا،
فامتنَع من التحديث مطلقاً، ليَسلمَ من ذلك، لأنه قد حَدَّث بما كان عنده قبلَ ذلك.
قال بعض الناظرين فيه(١): الحقُّ أنَّ في المسند أحاديثَ كثيرةً ضعيفة، وقد
بَلَغ بعضُها في الضعف إلى أن أُدخِلَتْ في الموضوعات، ومع ذلك فهو أحسَنُ انتقاءً
وتحريراً من الكتب التي لم تُلَزَم الصحةُ فيها، وليست الأحاديثُ الزائدةُ فيه على ما في
الصحيحين بأكثرَ ضعفاً من الأحاديث الزائدة في سنن أبي داود والترمذي علیھما.
وعلى كل حالٍ فسبيلُ من أراد الاحتجاجَ بحديثٍ من كُتُب السُّنْن - لا سيما
كتابُ ابنِ ماجَهْ، ومصنّفُ ابنٍ أبي شيبة وعبدِ الرزاق -: واحِدٌ، إذْ جميعُ الجامعين
(١) هو الحافظ ابن حجر في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ١: ٤٤٨.

٣٧٦
لذلك لم يلتزموا أن لا يَخِرُجوا عن الصحيح والحسن، وعلى ذلك يُنظَر:
فإن كان مُريدُ الإحتجاج بحديثٍ منها متأهلاً لتمييز الصحيح من غيره، فعليه
أن يَنظر في اتصالٍ إسناد الحديث وحالٍ رواته، ثم يَحِكُمَ على الإِسناد بما أداه إليه
البحثُ والنظر، فيقول: هذا حديثٌ صحيحُ الإسناد، أو حسَنُه، أو ضعيفٌهِ.
ومع ذلك لا يسوغُ له الاحتجاجُ به إذا كان صحیحَ الإِسنادِ أُو حَسَنَهُ، حتى
يَتَيقَّنَ سلامَتَهُ من الشذوذ والعلة، إذ صحةُ الإِسنادِ أو حُسْنُه لا تقتضي صحةَ المتنِ
أو حُسْنَه، فإذا تَبيَّنَتْ له سلامتُهُ من الشذوذ والعلة، ساغ له الاحتجاجُ به.
قال ابن الصلاح مبيناً أنَّ صحةَ الإِسناد أو حُسْنَه لا تقتضي صحةً الحديثِ
أو حُسْنَه: قولهم: هذا حديثٌ صحيحُ الإِسناد، أو حسَنُ الإِسناد، دُونَ قولهم: هذا
حديثٌ صحيح، أو حديثٌ حسن، لأنه قد يقال: هذا حديثٌ صحيح الإِسنادِ،
ولا يَصِحُّ لكونِهِ شاذاً أو معلَّلاً، غير أنَّ المصنِّفَ المعتَمَدَ منهم إذا اقتَصَر على قوله:
إنه صحيح الإسناد، ولم يَذْكُر له علة، ولم يَقدح فيه، فالظاهرُ منه الحكمُ له بأنه
صحيحٌ في نفسه، لأنَّ عدم العلةِ والقادح هو الأصلُ والظاهر. اهـ.
وقد تعقب الحافظ ابن حجر عبارته الأخيرة فقال: الذي لا أشُكُّ فيه أن الإِمام
منهم لا يَعدِل عن قولِهِ: صحيحٌ إلى قوله: صحيحُ الإسناد، إلّ لأَمْرِ مَا.
وإن كان مريدُ الاحتجاج بحديثٍ منها غيرَ متأهل لتمييز الصحيح من غيره،
فسبيلُه أن يَبحثَ عن حالٍ ذلك في كلام الأئمة، فإن وَجَد أحداً منهم صَحَّحه
أو حَسَّنه، فله أن يُقلِّدَه، وإن لم يجد ذلك فليس له أن يُقدِمَ على الاحتجاج به، إذْ في
الاحتجاج به خطرٌ عظيم.
هذا، وما ذكرناه من أنَّ من كان متأهلاً لتمييز الصحيح من غيره، فله أن
يَحِكُمَ على الحديث بمقتَضَى ما أدَّاه إليه البحثُ والنظر، هو مبنيٌّ على مذهبٍ الجمهور
الذين قالوا: إن المميِّزِين تمامَ التمييز يُمكِنُ أن يُوجَدوا في كل زمان، وإذا وُجِدُوا ساغ
لهم أن يحكموا على الحدیث یما یتبین هم من حاله.
:

٣٧٧
وقد خالفهم ابن الصلاح في ذلك فقال: إذا وجدنا فيها نَروِي من أجزاءٍ
الحديث وغيرها حديثاً صحيحَ الإِسناد، ولم نجده في أحد الصحيحين،
ولا منصوصاً على صِحتِه في شيء من مصنفاتِ أئمةِ الحديثِ المعتمدةِ المشهورةِ، فإنّا
لا نتجاسر على جَزْمِ الحكم بصحته، فقد تعذّرَ في هذه الأعصار الاستقلالُ بإدراكِ
الصحيح بمجرَّدِ اعتبارِ الأسانيد، لأنه ما من إسنادٍ من ذلك إلاّ ونجدُ في رجالِهِ من
اعتَمَد في روايتِهِ على ما في كتابه / عَرِيّاً عما يُشترَطُ في الصحيح من الحفظِ والضبطِ /١٥٦
والإِتقان .
فآلَ الأمرُ إذاً في معرفةِ الصحيح والحسن، إلى الاعتمادِ على ما نَصَّ عليه أئمةُ
الحديث في تصانيفهم المعتمدةِ المشهورةِ، التي يُؤمّنُ فيها لشهرتها من التغيير
والتحريف، وصار مُعظَمُ المقصودِ بما يُتداوَلُ من الأسانيد خارجاً عن ذلك، إبقاءً
لسلسلة الإِسناد التي خُصَّتْ بها هذه الأمةُ زادها الله شرفاً. اهـ.
وقد خالف الجمهورُ ابنَ الصلاح فقالوا: إنَّ ذلك ممكنٌ لمن تمكَّنَ في هذا الفن
وقَوِيَتْ معرفتُه بالطرقِ الموصلةِ إلى ذلك، وعليه جَرَى العملُ، فقد صَحَّح جماعةٌ من
المتأخرين أحاديثَ لم يكن لمن تقدَّمَهم فيها تصحيح، فمن المعاصرين لابن الصلاح:
أبو الحسن عليّ بن محمد بن عبد الملك بن القطان صاحبُ كتاب ((الوَهَم والإِيهام))،
والحافظُ ضياءُ الدين محمد بن عبد الواحد المَقْدِسي صاحبُ ((المختارة))، وهو كتابٌ
التَّزَمِ فيه ذكرَ الصحيح(١)، وقد ذَكَر فيها أحاديثَ لم يُسَبَق إلى تصحيحها، والحافظُ
زكي الدين عبد العظيم المنذري. ومن الطبقةِ التي تلي هذه الطبقةَ الحافظُ
شرف الدين عبد المؤمن بن خلف الدِّمْيَاطي، وجَرَى على ذلك أناسٌ بعدَه.
قال الحافظ ابن حجر: قد اعتَّرَض على ابن الصلاح كلُّ من اختَصَر كلامه،
وكلُّهم دَفَع في صَدْرِ كلامِهِ من غير إقامةِ دليل، ولا بيانِ تعليل، ومنهم من احتَجَّ
(١) ولكن لم يَتَمَّ له ذلك، كما بيَّنْتُه فيما علَّقْتُه على ((الأجوبة الفاضلة)) للعلامة عبد الحي
اللكنوي ص ١٥٣ - ١٥٥ .

٣٧٨
بمخالفةِ أهل عصره ومن بعده له في ذلك، كابنِ القطان والضياءِ المقدسي والزكيِّ
المنذري، ومن بعدَهم كابن المّوَّاق والدِّمْيَاطِي والمِّي ونحوِهم، وليس بواردٍ، لأنه
لا حجة على ابن الصلاح بعملٍ غيرِهِ، وإنما يُحْتَجُّ عليه بإبطالٍ دليلِهِ أو معارضتِهِ
بما هو أقوى منه. ومنهم من قال: لا سَلَفَ له في ذلك، ولعله بناه على جوازٍ خلو
العصر من المجتهد، وهذا إذا انضمَّ إلى ما قبلَه من أنه لا سلَفَ له فيما اذَّعاه، وعَمَلٍ
أهلِ عصرِه ومن بعدَهم على خلافٍ ما قال: انتَهَضَ دليلاً للردِّ عليه.
قال: ثم إنَّ في عبارتِهِ مناقشاتٍ.
منها: قولُه: فإِنَّا لا نتجاسَرُ. فظاهرُهُ أنَّ الأولى تَرْكُ التعرض له، لما فيه من
التعبٍ والمشقة، وإن لم يَنهض إلى درجة التعذُّر فلا يَحسُنُ بعدَ ذلك قولُه: فقد تعذّرَ.
ومنها: أنه ذَكَر مع الضبطِ: الحفظَ والإِتقانَ. وهي ليست متغايرة.
ومنها: أنه يُفهَمُ من قولِه بَعْدَ ذلك: أنه يَعِيبُ من حَدَّثَ من كتابه، ويُصوِّبُ
من حدَّثَ عن ظهر قلبه. والمعروفُ عن أئمة الحديث خلافُ ذلك، وحينئذٍ فإذا كان
الراوي عَدْلاً لكن لا يحفظ ما سَمِعَه عن ظهر قلب، واعتَمّد ما في كتابه فحدَّث منه
فقد فَعَل اللازمَ، فحديثُهُ على هذه الصورة صحيح .
قال: وفي الجملةِ ما استدَلَّ به ابنُ الصلاح من كونِ الأسانيد ما منها إلّ وفيه
من لم يَبْلُغ درجةَ الضبطِ المشترطةَ في الصحيح، إن أراد أنَّ جميعَ الإِسنادِ كذلك
فممنوع، لأنَّ من جملتِهٍ من يكون من رجالِ الصحيح، وقلما يخلو إسنادُ من ذلك،
وإن أراد أنَّ بعض الإِسناد كذلك فمسلَّم، لكن لا ينهضُ دليلاً على التعذُّرِ إلَّ في
جُزْءٍ ينفردُ بروايتِهِ من وُصِفَ بذلك. أما الكتابُ المشهور الغنيُّ بشهرتِهِ عن اعتبار
الإِسناد منا إلى مصنِّفِه كالمسانيدِ والسننِ، مما لا يُحتاجُ في صِحةِ نسبتها إلى مؤلفيها إلى
اعتبارٍ إسنادٍ معين، فإنَّ المصنِّفَ منهم إذا رَوَى حديثاً، ووُجِدَتْ الشرائطُ مجموعةٌ،
ولم يَطلع المحدِّثُ المتقِنُ المضطلِعُ فيه على علة، لم يمتنع الحكمُ بصحتِهِ ولو لم يُنُصَّ
عليها أحدٌ من المتقدمين.

٣٧٩
/١٥٧
قال: ثم ما اقتضاه كلامُهُ من قبولِ التصحيح من المتقدمين ورَدِّهِ من
المتأخرين، / قد يَستلزمُ رَدَّ ما هو صحيح، وقبولَ ما ليس بصحيح، فكم من
حديثٍ حَكْم بصحتِهِ إمامٌ متقدِّم، اطَّلَع المتأخرُ فيه على علةٍ قادحةٍ تَمَنْعُ من الحكم
بصحته، ولا سيما إن كان ذلك المتقدم ممن لا يَرَى التفرقة بين الصحيح والحسن،
کابن خزيمة وابن حبان.
قال: والعَجَبُ منه كيف يَدَّعِي تعميمَ الخلل في جميع الأسانيد المتأخرة، ثم
يَقبلُ تصحيحَ المتقدم، وذلك التصحيحُ إنما يَصِلُ إلى المتأخر بالإِسناد الذي يَدَّعِي فيه
الخلل، فإن كان ذلك الخلل مانعاً من الحكم بصحةِ الإِسناد، فهو مانعٌ من الحكم
بقبولِ ذلك التصحيح. وإن كان لا يُؤْثِّرُ في الإِسنادٍ مِثلُ ذلك، لشهرةِ الكتاب كما
يُرِشِدُ إليه كلامُه، فكذلك لا يُؤْثِّرُ في الإِسناد المعيّنَّ الذي يَتَّصِلُ به روايةُ ذلك
الكتاب إلى مؤلِّفِهِ، ويَنحصِرُ النظرُ في مثلِ أسانيد ذلك المصنّف في المصنّف
فصاعداً.
لكن قد يَقْوَى ما ذَهَب إليه ابنُ الصلاح بوجهٍ آخر، وهو ضعفُ نظرٍ
المتأخرين بالنسبة إلى المتقدمين.
وقيل: إنَّ الحامل لابن الصلاح على ذلك أنَّ ((المستدرك)) للحاكم كتابٌ كبيرٌ
جداً، يَصْفُو له منه تصحيحُ كثير، وهو مع حِرصِه على جْع الصحيح غزيرُ الحفظ،
كثيرُ الاطلاع، واسعُ الرواية، فيَبعُدُ كلَّ البعد أن يُوجَدَ حديثٌ بشرائط الصحة
لم يُخرجه، وهذا قد يُقبَل، لكنه لا يَنَضُ دليلاً على التعذر. اهـ.
وقال بعضهم: إنَّ ما ذكره ابنُ الصلاح من وقوع الخلل في الأسانيد المتأخرة:
لا يُنْتِجُ مُدَّعاه، لا سيما في الكتب المشهورة التي استُغْنَتْ بشهرتها عن اعتبارِ الإِسنادِ
منا إلى مصنفيها، ككتاب النسائي مثلاً، فإنه لا يُحتاج في صحةٍ نسبته إلى النسائي إلى
اعتبارِ حال الإِسنادِ منا إليه كما اقتضاه كلامُه، فإذا رَوَى مصنِّفُه حديثاً، ولم يُعلِّله،
وجَعَ إسنادُهُ شُرُوطَ الصحة، ولم يَطّلع المحدِّثُ فيه على ◌ِلة، فما المانعُ من الحكم

٣٨٠
بصحته. ولو لم ينص عليها أحد من المتقدمين، لا سيما وأكثرُ ما يُوجَدُ من هذا القبيل
مما رُواتُهُ رُواهُ الصحيح، وفيهم الضابطون المتقِنون الحفاظ.
ويَظهر أنَّ هذا لا يُنازِعُ فيه من له إلمامٌ بهذا الشأن، غيرَ أنه ربما يقال: إنَّ
ابن الصلاح رأى حَسْمَ هذا الباب، لئلا يَدخُلَ منه بعضُ الْمُموَّهين، الذي لا يُميِّزُون
بين الصحيح والسقيم، وهم مع ذلك يَدَّعون أنهم من الجهابذة في هذا الفن. وكثيراً
ما راج أمرُهم بين الجمهور، فرأى سَدَّ هذا البابِ أقَلَّ خطراً.
وكما سَدَّ ابنُ الصلاحِ بابَ التصحيح والتحسين كذلك سَدَّ بابَ التضعيف،
قال في مبحث الضعيف: إذا رأيت حديثاً بإسنادٍ ضعيف، فلك أن تقول: هذا
ضعيف، وتعني أنه بذلك الإِسنادِ ضعيف، وليس لك أن تقولَ: هذا ضعيفٌ وتعني
به ضَغْفَ متنِ الحديث، بناءً على مجرَّدٍ ضعفِ ذلك الإِسناد، فقد يكون مروياً بإسناد
آخَرَ صحيحٍ يَثبُتُ بمثلِهِ الحديثُ، بل يَتوقُّفُ جوازُ ذلك على حكمِ إمامٍ من أئمةٍ
الحديث، بأنه لم يُرْوَ بإسنادٍ يَتْبُتُ به، أو بأنه حديثٌ ضعيف، أو نحوٍ هذا مُفَسِّراً
وَجْهَ القدحِ فيه، فإن أَطْلَقَ ولم يُفسِرِّ ففيه كلامٌ يأتي إن شاء الله تعالى، فاعلَمْ ذلك
فإِنه مما يُغْلَطُ فيه. اهـ.
والكلامُ الذي أشار إلى أنه سيأتي هو ما ذكره في النوع الثالث والعشرين،
المعقودِ لمعرفةِ صفةٍ من تُقبَلُ روايتُه ومن تُرُدُّ روايتُه. وهو:
قلتُ: ولقائلٍ أن يقول: إنما يَعتمِدُ الناسُ في جَرح الرواة ورَدِّ حديثهم على
الكتب الذي صَنَّفها أئمةُ الحديث في الجرح، أو في الجرح والتعديل، وقلَما يَتعرَّضون
فيها لبيانِ السبب، بل يقتصرون على مجرَّدِ قولهم: فلانٌ ضعيف، وفلانٌ ليس
١٥٨/١ بشيء، أو نحوَ ذلك، أو هذا حديثٌ ضعيف، وهذا حديثٌ / غيرُ ثابت، ونحوّ
ذلك، فاشتراطُ بيانِ السبب يُفضي إلى تعطيلِ ذلك، وسَدِّ باب الجرح في الأغلب الأكثر.
وجوابُه أنَّ ذلك وإن لم نعتمده في إثباتِ الجرح والحكم به، فقد اعتمدناه في أن
توقَّفْنا عن قبولِ حديثٍ من قالوا فيه مثلَ ذلك، بناءً على أنَّ ذلك أوقَعَ عندنا فيهم
ريبةً قويةً، يُوجب مِثلُها التوقفَ. ثم من انزاحَتْ عنه الريبةُ يُبحَثُ عن حالِهِ، فإن

٣٨١
أوجَبَ الثقَةَ بعدالتِهِ قبلنا حديثَه ولم نتوقف، كالذين احتَجَّ بهم صاحِبًا الصحيحين
وغيرهما، ممن مَسَّهم مِثلُ هذا الجرح من غيرهم، فافْهَمْ ذلك فإنه مخْلَصُ حسن. اهـ.
والظاهرُ أن ابن الصلاح وإن سَدَّ البابَ سداً محكماً من جهةٍ، فقد فَتَح خَوْخَةً
من جهةٍ أخرى، فإنه قال في ((مستدرك الحاكم))، بعد أن ذكر تساهُلَ صاحبه في أمر
التصحيح: فالأولَى أن نتوسَّطَ في أمرِه فنقولَ: ما حَكُم بصحته ولم نجد ذلك فيه
لغيره من الأئمة، إنْ لم يكن من قَبِيلِ الصحيح فهو من قَبِيلِ الحَسَن، يُحْتَجُّ به
ويُعمَلُ به، إلَّا أن تَظهر علَّةٌ تُوجِبُ ضعفَه. ويُقارِبُه في حكمِهِ صحیحُ ابن حبان
البُستي. اهـ.
فإنَّ قولَه: إلَّ أن تظهر علَّةٌ تُوجِبُ ضَعْفَهِ، يَشِمَلُ ما إذا كانت العلةُ مما ظَهَر
للمتأخّر بسببِ البحثِ والنظر، ولو لم يذكرها أحدٌ من المتقدمين، ويَظهَرُ أنَّ أَمْرَ
التضعيفِ أقرَبُ مأخذاً عنده من أمر التصحيح والتحسين.
قال الحافظ السيوطي في ((التقريب))(١) بعد أن ذكّر أنَّ ابنَ الصلاح كما مَنْعَ
المتأخرين من الحكم بصحةٍ الحديث أو حُسْنِهِ، مَنْعَهم فيما سيأتي من الحكم بضعفِه،
بناءً على ضعفٍ إسناده، لاحتمالٍ أن يكون له إسنادٌ آخَرُ يَثْبُتُ بمثلِهِ الحديث.
فالحاصلُ أنَّ ابن الصلاحِ سَدَّ بابَ التصحيح والتحسينِ والتضعيفِ على أهل
هذه الأزمان، لضعفٍ أهليتهم، وإن لم يُوافَق على الأول. ولا شكَّ أنَّ الحكم
بالوضع أولَى بالمنع قطعاً إلَّ حيث لا يخفى، كالأحاديثِ الطوالِ الركيكة التي وَضَعها
القُصَّاصُ، أو ما فيه مخالفةٌ للعقلِ أو الإِجماع.
وأمَّ الحكمُ للحديثِ بالتواترٍ أو الشُّهرةِ فلا يمتنعُ إذا وُجِدَتْ الطرقُ المعتبرَةُ في
ذلك. وينبغي التوقُّفُ عن الحكم بالفَرْدِيَّةِ والغرابةِ وعن العِزَّةِ أكثر. اهـ.
وقد أَشكَلَ العصرُ الذي يَبتدِىء فيه امتناعُ التصحيحِ وغيره عند
ابن الصلاح، فإنَّ في قولهِ: فقد تعذَّر في هذه الأعصار الاستقلالُ بإدراك الصحيح
بمجرَّدِ الأسانيد: إبهامٌ، والظاهرُ أنَّ الابتداء يكونُ مما بَعْدَ عَصْرِ آخِرٍ من أَلْفَ في
(١) يعني به ((تدريب الراوي)) ص ٨٣ و١٤٩:١.

٣٨٢
الصحيح وكان بارعاً في تمييزه من غيره.
الفائدة الثالثة
في معنى قول الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ونحو ذلك
قال الحافظ جلال الدين السيوطي في تعليقه على جامع الترمذي الذي سماه
(قوت المغتذي)): قال ابنُ الصلاح: قولُ الترمذيِّ وغيرِهِ هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيح،
فيه إشكال، لأنَّ الْحَسَئِنَ قاصِرٌ عن الصحيح، ففي الجَمْع بينهما في حديثٍ واحدٍ جمْعٌ
بين نفي ذلك القصورِ وإثباتِه.
قال: وجوابُهُ أنَّ ذلك راجعٌ إلى الإِسناد، فإذا رُوِيَ الحديثُ الواحد بإسنادِينِ
أحدُهما إسنادٌ حَسَن، والآخَرُ إِسنادٌ صحيح، استَقامَ أن يقال فيه: إنه حديثٌ حسن
صحيح، أي إنه حسَنّ بالنسبةِ إلى إسناد، صحيحٌ بالنسبة إلى إسنادٍ آخر.
/١٥٩
على أنه غيرُ مستنكر أن يكون بعضُ من قال / ذلك أراد بالحَسَنِ معناه
اللغوي، وهو ما تَمِيلُ إليه النفسُ، ولا يأباه العقلُ، دون المعنى الاصطلاحي الذي
نحن بصدده. انتهى .
وقال ابن دقيق العيد في ((الاقتراح))(١): يَرِدُ على الجواب الأولِ الأحاديثُ التي
قيل فيها: حَسَنٌ صحيح، مع أنه ليس لها إلَّ تَخْرَجٌ واحد، قال: وفي كلام الترمذيِّ
في مواضعَ يقول: هذا حديثٌ حَسَنٌ صحيحٌ لانَعرِفُه إلَّ من هذا الوجه، قال:
والذي أقولُ في جواب هذا السؤال: إنه لا يُشتَرَطُ في الحَسَنِ قَيْدُ القُصورِ عن
الصحيح، وإنما يَحِيئهِ القُصورُ، ويُفهَمُ ذلك فيه إذا اقتَصَر على قولِهِ: حسن،
فالقُصورُ يأتيه من قِبَلِ الاقتصار، لا من حيث حقيقتُهُ وذاتُه.
وشَرْحُ ذلك وبيانُهُ أنه ها هنا صِفاتٌ للرواة تقتضِي قبولَ الرواية، ولتلك
الصفاتِ درجاتٌ بعضُها فوق بعض (٢)، كالتيقظِ والحفظِ والإِتقانِ مثلاً، فوجودُ
(١) ص ١٧٣.
(٢) جاء في الأصل تبعاً للأصل المخطوط: (والصفاتُ درجاتٌ ... ). والمثبتُ من
((الاقتراح)) المطبوع.