النص المفهرس

صفحات 341-360

٢٨٣
وقد حَكَى مسلمٌ في ((مقدمة صحيحه))(١) أنَّ أيوبَ السَّخْتِيانيَّ ذَكَرَ رجلا فقال:
هو يَزِيدُ في الرَّقْمِ، وكَنَى بهذا اللفظِ عن الكذِب. وقد جَرَى الإِمامُ البخاريُّ على
هذه الطريقة، فأكثرُ ما يقولُ: منكَرُ الحديث، سَكْتُوا عنه، فيه نظر، تركوه، وقَلَّ أن
يقول: فلانٌ كذَّاب، أو وَضَّاعِ، وإنما يقول: كذَّبه فلان، رماه فلانٌ بالكذب.
وقال له وَرَّاقُهُ: إِنَّ بعضَ الناس ينقمون عليك التاریخَ، يقولون: فيه اغتيابُ
الناس فقال: إنما رَوينا ذلك روايةً ولم نَقُله من عندِ أنفسِنا، وقد قال النبي صلَّى الله
عليه وسلّم: ((بِئْسَ أَخُوِ العَشِيرة)(٢).
وقال يحيى بن سعيد القطان لمن قال له: أمَا تخشى أن يكون هؤلاءِ خُصَمَاءَك
يومَ القيامة؟ لأنْ يكونوا خصائي أحبَّ إليَّ من أن يكون خَصْمي النبيَّ عليه الصلاة
والسلام حيث لم أَذُبَّ عن حديثه.
واعلَمْ أنَّ اضطرارَ أهل الأثر إلى معرفة أحوالِ الرواة، بَعَثَهم على البحثِ عنها
لَيَعرِفوها، ثم تدوينٍ ما أمكنهم منها ليَعرِفَها من غاب عنهم أو مَنْ يأتي بعدَهم، فنشأ
من ذلك التأليفُ في تاريخ الرواة، وصار يُذكَرُ فيه بالعَرَضِ ما يَتعلَّقُ بغيرهم إذا دعا
إليه داع، على أنَّ الحديثَ شُجون، و- أنَّ - كثيراً مما يُحتاجُ إليه لا تَتِمُّ معرفتُهُ إِلَّ
بمعرفةِ ما لا يُحتاجُ إليه، وإن كان من هذا الوجه صار مُحتاجاً إليه.
ثم توسَّعُوا هم وغيرُهم في التاريخ، فألَّفوا في أنواعِهِ المختلفة، فَظَهَرَتْ تلك
الكتبُ البديعةُ، المختلفةُ الأنواع، المتعدِّدةُ الأوضاع. وكُتُبُهم فيه أجوَدُ من كتبٍ
غيرهم في الغالب، لكثرة تثبُّتِهم وتحرِّيهم للصدق.
وكُتُبُهم المسنَدَةُ فيه يَحتاجُ الناظرُ فيها إلى معرفةِ أحوالِ رجالِ السند، لَيَعرِفَ
درجَةَ الخَرِ في الصحةِ والسَّقَم.
(١) ١ :١٠٤.
(٢) رواه البخاري في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها، في كتاب الأدب في ثلاثة
أبواب: (باب لم يكن النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم فاحشاً ولا مُتَفاحشاً) ٤٥٢:١٠، و(باب ما يجوز
من اغتياب أهل الفسادِ والرِّيَب) ٤٧١:١٠، و(باب المداراة مع الناس) ٥٢٨:١٠.

٢٨٤
وقد تَوَّهَمَ كثيرٌ من الناس أنَّ ذِكرَ السَّنَدِ يَدُلُّ على تقويةِ الخبر. والحالُ أنه يَدُلُّ
إمَّا على تقويتِهِ أو توهينِهِ، إلَّ أنه ينبغي التنبّهُ لأمرٍ، وهو أنَّ بعضَ المؤرخين ربما غَلَبَ
عليهم التعصُّبُ على مَن يُخالِفُهم، فسَعَوْا فِي سَتْرِ مَحَاسِنِه وإظهارٍ مَسَاوِیه، بل ربما
حَمَلَهم شِدَّةُ التعصُّبِ على الافتراءِ عليه ولو على لسانٍ غيرهم، بأن ينقلوا عن غيرهم
ممن لا يُوثَقُ به خبراً يَشِينُ مُخالِفَهم، إلاَّ أنَّ هذا لا يَخْفَى على النبيهِ الباحثِ(!) .:
إلّا أنَّ بعضَ أربابِ السَّخَافة يَعرِضُون إلى ما كتبه بعضُ المؤرِّخين الثقاتُ في
حَقِّ ◌ُخالِفِهم مما لو كان في حَقِّ مُخَالِفِيهم لم يكتبوا غيرَ ذلك، فيُوهُون الأغمار أنَّ فلاناً
بَخَسَ فلاناً حَقَّهُ لكونِهِ مُخالِفاً له، كأنهم يُريدون أن يَخْلُقَ المؤرِّخُ لَه مَحاسِنَ غيرَ
ما فيه .
وقد ترجَمَ أُناسٌ من كبارِ المؤرِّخين أناساً من المشهورين بالفضلِ ، وفُوْهم فيها
حقّهم بل زادوا في ذلك، فَعَمَدَ بعضُ المتعصِّبين لهم إلى الغَضُّ عنهم والتنفير منهم،
/١١٨ زاعمين أنهم لم يُوفوهم حقُّهم / بَغْياً وعُدواناً، مع أنَّ المترجمين لو رأَوْا تلك التراجمَ
لقالوا للمترجمين: قد أعطيتمونا فوقَ ما نستحقُّ، وعدُّوْهم من أعظم المخلِصين في
حُبِّهم، إلَّ أنَّ أكثر هؤلاء الأتباعِ هم بمنزلةِ الرَّعَاعِ، ليس لهم رأيٌ جَزْل، يُفرِّقون به
بين الجِدِّ والهَزْل، فلا ينبغي أن يُعبَأ بكلامِهم، ولا يُلتَفَتَ إلى مَلامِهم، فهم منكِرون
للإِحسان، ليس فيهم غيرُ الصورة من الإِنسان.
هذا، والمؤلّفاتُ في الرواة كثيرة، قد سَبَق ذكرُ بعضِها(٢)، وقد أحببنا أن نعودَ
إلى ذلك وإن تكررَتْ بَعضُ الأسماء، فنقولَ نقلاً عمن لهم عناية بذلك:
مِن الكتبِ المشتملةِ على الثقاتِ والضعفاءِ جميعاً ((كتابُ ابن أبي خَيْثَمة)»، وهو
کثیرُ الفوائد.
(١) انظرٍ مصداقَ هذا في «تاريخ بغداد)» للخطيب البغدادي ١٣: ٣٨٨ - ٤٢٣، في ترجمة
الإمام أبي حنيفة رضي الله عنه.
(٢) في ص ٢٧٤

٢٨٥
و ((الطبقاتُ)) لابن سعد.
و ((تواريخُ)) البخاري، وهي ثلاثة: كبير، وهو على حروف المعجم، وابتدأَهُ
بمن اسمُهُ محمد، وأوسَطُ وهو على السِّنين، وصغير.
ولَسْلَمَةَ بنِ قاسم ذيلٌ على الكبير سَمَّاه ((الصِّلَة))، وهو في مجلد.
ولابن أبي حاتم جزءٌ كبير انتَقَد فيه على البخاري(١). وله ((الجَرْحُ والتعديلُ»،
مَشَى فيه خَلْفَ البخاري .
وللحسين بن إدريس الأنصاري الحَرَوي ويُعرَف بابن خُرَّم ((تاريخٌ)) على نحوٍ
التاريخ الكبير للبخاري .
ولعلي بن المديني ((تاريخٌ)) في عشرة أجزاء حديثية.
ولا بن حِبَّان كتابٌ في أوهام أصحاب التواريخ، في عشرة أجزاء أيضاً.
ولأبي محمَّدٍ عَبْدِ الله بن علي بن الجارُود كتابٌ في الجرح والتعديل.
ولمسلم رُواة الاعتبار.
وللنسائي التمييزُ.
ولأبي يَعْلَى الخليلي الإِرشادُ.
وللعماد بن كثير التكميلُ في معرفة الثقاتِ والضعفاءِ والمجاهيل. جَمَع فيه بين
تهذيب المِزِّي وميزانِ الذهبي مع زياداتٍ وتحرير في العبارات، وهو أنفَعُ شيء
للمحدِّث والفقيهِ التالي لأثره.
قال الخطيب في ((جامعه)): ومن جملةِ ما يَهتمُّ به الطالبُ سماعُ تواريخٍ
المحدِّثين وكلامِهم في أحوالِ الرواة، مثلُ كتبٍ ابن معين روايةِ الْحُسَينِ بنِ حِبَّان
(١) واسمُه: ((بيان خطأ محمد بن إسماعيل البخاري في تاريخه))، طُبع في حيدر آباد الدَّكَّن
بالهند سنة ١٣٨٠.

٢٨٦
البغدادي(١)، وعَبَّاسِ الدُّوْرِي، والمُفَضَّل الغَلَاَبيِّ، وتاريخٍ ابن أبي خَيْثَمة،
وحنبلٍ بن إسحاق، وخليفةً بنِ خَيَّط، ومحمدٍ بن إسحاق السَّرَّاج(٣)، وأبي حسان
الزيادي، وأبي زرعة الدمشقي، وكتابٍ الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
قال: ويُربِي على هذه كلِّها تاريخُ البخاري. ثم ساق عن أبي العباس بن
عُقدة أنه قال: لو أن رجلًا كَتَبَ ثلاثين ألفَ حديث لما استَغنى عنه. اهـ.
وقد ذَكَر المحدثون للتاريخ بمعنى التعريف بالوقتِ الذي حَصَلَتْ فيه الحادثةُ
فوائد باعتبار فنهم :
أحدُها أنه أحدُ الطرق التي يُعلَمُ بها النسخُ في أحد الخبرين المتعارضين اللذينِ
تعذَّرُ الجمعُ بينهما.
وثانيها أنه طريقٌ لمعرفة ما يُؤْخَذُ به من أحاديثِ الثقات الذين لَحِقَهم الاختلاطُ
مما لا يُؤخَذُ به.
ويَظهَرُ لك ذلك مما ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة عبد الرزاق بن همَّام
الصَّنْعَاني، قال: كان أحَدَ الحفاظِ الأثباتِ أصحابِ التصانيف، وثَّقَه الأئمةُ كلُّهم
إلَّ العباسُ بن عبد العظيم العنبريُّ وحدَه، فتكلّم بكلام أفرَطَ فيه ولم يُوافقه عليه
أحد، وقال ابنُ عدي: رَحَل إليه ثقاتُ المسلمين وكتبوا عنه إلّ أنهم نسبوه إلى
التشُّع، وهو أعظم ما ذَمُّوه به، وأما الصدقُ فأرجو أنه لا بأسَ به. وقال النسائي:
(١) قال الخطيب البغدادي في ترجمته في ((تاريخ بغداد)) ٣٦:٨ («أبو علي الحُسَين بن حِبَّان،
صاحبُ يحيى بن معين، كان من أهل الفضل والتقدم في العلم، وله عن يحيى كتاب غزيرُ
الفائدة، رَوَى عنه ابنه عليّ بن الحُسَين ذلك الكتابَ عَنْ أبيهِ وِجادَةً، والحُسَين بن حِبَّان قدیمُ
الموت، توفي سنة ٢٣٢ قبلَ وفاة يحيى بسَنَة)).
(٢) وقع في الأصل: (السداج)، بالدال المهملة، وهو تحريف عن (السَّرَّاج) بالراء
المهملة، وله ترجمة حافلة في ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي ٢٤٨:١ - ٢٥٢، وقال فيها
الخطيب: ((ولد سنة ٢١٨، ومات ٣١٣)) كما قَرَأ تاريخَ وفاته مكتوباً على قبره بنيسابور ..

٢٨٧
فيه نظر لمن كَتّب عنه بأَخَرةٍ، كتبوا عنه أحاديثَ منكرة، وقال الأثرَمُ عن أحمد: من
سَمِعَ منه بعدَ ما عَمِيَ فليس بشيءٍ، وما كان في كتبه فهو صحيح، فإنه كان يُلقِّنُ
٠
فيَتلَقِّن.
/ ١١٩
قلتُ: احتَجِّ به الشيخان في جملةٍ من حديثٍ من سَمِعَ منه قبلَ الاختلاط،
وضابطُ ذلك من سمِعَ منه قبلَ المئتين، فأمّا بعدها فكان / قد تغيّر، وفيها سَمِعَ منه
أحمدُ بن شَبُويه فيما حَكَى الأَثْرَمُ عن أحمدَ، وإسحاقُ الذَّبَرِيُّ وطائفةٌ من شيوخ
أبي عوانة والطبرانيُّ ممن تأخّر إلى قرب الثمانين ومئتين، ورَوَی له الباقون.
وثالثُها: معرفةُ من حدَّث عمِّن لم يلقه، إما لكونِهِ كذَبَ، أو دلَّسَ أو أرسَل.
وفي ذلك معرفةُ ما في السَّنَدِ من انقطاعٍ أو إعضالٍ أو تدليس.
ولا يخفى أنَّ من المهم عند المحدِّث معرفةَ كونِ الراوي لم يُعاصِر من رَوَى عنه
أو عاصَرَهُ ولكنه لم يَلقه، لكونهما من بلدينٍ مختلفَينِ، ولم يَدخل أحدُهما بلدَ الآخر،
ولا التَّقَيَا في حَجِّ وغيره، مع أنه ليست منه إجازةٌ أو نحوُها.
قال سفيان الثوري: لَّا استَعمَلَ الرُّواةُ الكذِبَ استعملنا لهم التاريخ. وعن
حَسَّان بن زيد قال: لم يُستَعَنْ على الكذَّابِين بمثل التاريخ، يقال للشيخ: سَنَّةً كم
وُلِدتَ؟ فإذا أَقرَّ بمولدِهِ مع معرفتِنا بوقتٍ وفاةِ الذي انتَمَى إليه، عَرَفنا صِدْقَهُ من
كذِبِهِ. وعن حفص بن غِيَاث القاضي قال: إذا اتَّهَمْتُمُ الشيخ فحاسِبُوه بالسِّنَيْنِ، وهو
تثنيةُ سِنّ بمعنى العُمُر، يعني احسبوا سِنَّه وبِنَّ من كَتَبَ عنه.
وسأل إسماعيلُ بن عياش رجلاً فقال له: في أيِّ سنةٍ كتبتَ عن خالد بن
مَعْدان؟ فقال: سنة ثلاثَ عَشْرَةَ ومئة، فقال: أنت تَزعُمُ أنك سمعتَ منه بعدَ موتِهِ
بسبع سنين. وفي ((مقدمة مسلم))(١) أنَّ المعلّ بن عِرفان قال: حدَّثَنا أبو وائل، قال:
خَرَج علينا ابنُ مسعود بصِفِّين، قال أبو نُعَيم يعني الفَضْلَ بن دُكَيْنْ حاكِيهِ عن
(١) ١١٧:١.

٢٨٨
المُعَلَّى: أُتراه بُعِثَ بعدَ الموت؟ وذلك لأنَّ ابنَ مسعود تُونِّ سنةً اثنتين أو ثلاثٍ وثلاثين
قبلَ انقضاءِ خلافةِ عثمان بثلاثِ سنين، وصِفِّين كانت في خِلافةٍ عليّ بعدَ ذلك.
والتاريخُ في اللغة الإِعلامُ بالوقت، يقالُ: أَرَّختُ الكتابَ وِوَرَّخْتُه بمعنى بِيَنْتُ
كتابته، قيل: إنه ليس بعربي محض بل هو معرَّبٌ من الفارسية، وأصلُه مَاه رُوْز،
فماه القَمَر، ورُوزِ النَّهَار. والتعريبُ فيه على هذا الوجه غيرُ ظاهر.
ومن الغريب أنَّ بعضَ الناقلين ذكَر أنَّ الأصمعي قال: بنوتميم يقولون:
وَرَّخْتُ الكتاب توريخاً، وقيسٌ تقول: أرَّخْتُه تأريخاً، وقد نَقَل بعضُهم ما يُشعِرُ بأنَّ
لفظَ التاريخ يَمَنِيٌّ، فقال: رَوَى ابنُ أبي خيثمة من طريق محمد بن سيرين، قال: قَدِمَ
رجلٌ من اليمن، فقال رأيتُ باليمن شيئاً يُسمُونه التاريخَ، يكتبونه من عامٍ كذا
وشهرٍ كذا، فقال عمر: هذا حسَنْ فأرِّخوا.
الفائدة الخامسة
في درجة أحاديث («الصحيحين» في الصحة
قد عَرفتَ فيما سَبَق(١) أنَّ الحديثَ الصحيح له درجات تتفاوت في القوة
بحسب تمكَّنِ الحديثِ من الصفاتِ التي تُبنَى الصحةُ عليها وتُنْبِىءُ عنها، وأنَّ أُصحَّ
كتب الحديث كتابُ البخاري وكتابُ مسلم(٢) .
وقد قسموا الحديث الصحيح باعتبار تفاوتِ الدرجات إلى سبعة أقسام:
القسمُ الأولُ وهو أعلاها: مَا أخرَجَه البخاريُّ ومسلم (٣). القسمُ الثاني: ما انفرد به
(١) في ص ٢١١!
(٢) وهذا سبق في ص ٢١٤ في (الفائدة الأولى).
(٣) أي اتفقا على إخراجِه، وهو الذي يُقَال فيه: متفقٌ عليه.
وإنما يقال في الحديث: متفقٌ عليه، أو اتَّفَق عليه الشيخان، أو اتفق عليه أصحاب السنن
الأربعة، أو اتفق عليه الستة، أو نحو ذلك من العبارات، إذا أخرجوه كلُّهم، أو أخرجاه جميعاً،
عن صحابي واحدٍ بعينه، مع اتفاقِ اللفظِ أو اختلافٍ يسير فيه، أو اختلافٍ في اللفظِ واتفاقٍ في
المعنى والموضوع.
=

٢٨٩
البخاريُّ عن مسلم. القسمُ الثالثُ: ما انفرد به مسلمٌ عن البخاري. القسمُ
الرابعُ: ما هو على شرطِهما ولكن لم يُخرجه واحدٌ منهما. القسمُ الخامسُ: ما هو على
فيقال فيه حينئذٍ - إذا كان مثلاً في ((الصحيحين)) - : متفقٌ عليه، أو اتفق عليه الشيخان،
وإذا كان في ((السنن الأربعة)): اتفق عليه أصحابُ السنن الأربعة، وإذا كان معهم الشيخان:
اتفق عليه الستة.
أما إذا اختَلَف الصحابيُّ راوي الحديث عندهما أو عندهم، فأخرجه مثلاً البخاريُّ عن
عمر رضي الله عنه، وأخرجه مسلمٌ عن علي رضي الله عنه، فهذا لا يقال فيه: متفقٌ عليه ولو اتفق
الصحابيان على لفظِهِ تماماً، أو اختلفا فيه اختلافاً يسيراً واّحدَ موضوعُهُ عندهما.
فَعُلِمَ من هذا أنه يُشتَرَطُ لوصفِ الحديث بأنه متفَقَّ عليه عند الشيخين، أو الثلاثة،
أو الأربعة، أو الخمسة، أو الستة ... شرطانٍ: أحدُهما: أن يكون مَخَرَجُه ــ أي صحابيُّه الذي
رواه عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم - واحداً، وثانيهما: اتحادُ موضوع الحديث في جملته أو بعضه،
سواءٌ اتفقت ألفاظُه تماماً أو اختلفت كثيراً أو قليلاً إذا كان متصلاً بالموضوع نفسِه أو بمعناه.
ولذا لما عَقَد الإمام النووي في كتابه ((رياض الصالحين)» ص ٥ - ٦ الباب الأول منه (بابَ
الإِخلاص وإحضار النية)، أورَدَ فيه الحديثَ الرابعَ حديثَ جابر بن عبد الله رضي الله عنه فيمن
حَبْسهم العُذر عن غزوة تبوك، وقال في آخره: ((رواه مسلم)). ثم أَتَبَعَه الحديثُ الخامسَ حديثٌ
أنس رضي الله عنه أيضاً فيمن حَبَسهم العُذرُ عن غزوة تبوك، وقال: ((وَرَواه البخاري عن أنس
رضي الله عنه ... )).
قال شارحُهُ العلامة ابنُ عَلَّن في ((دليل الفالحين)) ٥٣:١ ((عَدَل المصنف عن قوله: (متفَقٌ
عليه)، مع أنهما روياه - لكن باختلافٍ يسير في لفظِه، وذلك الاختلافُ لا يَضُرُّ في إطلاق
الاتفاق - لاختلافٍ صحابيّي الحدیثِ عندهما)). انتهى.
قال الحافظ ابن حجر في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ٢٩٧:١ - ٢٩٨، في مباحث
(الصحيح): ((مذهبُ الحافظ أبي بكر محمد بن عبد الله الجَوْزَقي - النيسابوري صاحب ((الجمع
بين الصحيحن)) - في كتابه ((المتفِقِ)): أنه يَعُدُّ المتنَ - إذا اتَّفَق الشيخان على إخراجه ولو من
حديثٍ صحابيين - حديثاً واحداً، كما إذا أخرج البخاريُّ المتنَ من طريق أبي هريرة رضي الله
عنه، وأخرجه مسلم من طريق أنس رضي الله عنه.
وهذا غيرُ جار على اصطلاح جمهور المحدثين، لأنهم لا يُطلقون الاتفاقَ إلَّ على ما اتفَقّا على
إخراج إسنادِه - أي على الصحابيِّ ◌َخرجِ إسنادِهِ - ومَتْنِهِ معاً)).
=

٢٩٠
شرطِ البخاري ولكن لم يُخرجه. القسمُ السادسُ: ما هو على شرط مسلمٍ ولكن
لم يخرجه. القسمُ السابعُ: ما ليس على شرطهما ولا على شرطٍ واحدٍ منهما، ولكنه
صَحَّ عند / أئمةِ الحديث(١).
/ ١٢٠
(١) قال عبد الفتاح: هذا التقسيمُ السَّبْعيُّ لدرجات الحديث الصحيح، الذي أورده
المؤلف رحمه الله تعالى هنا، ذكره الحافظ ابن الصلاح في ((مقدمته)) في مباحث الحديث الصحيح،
ومن عندِهِ اشتَهَر وإنتَشَر، ولعله اقتبسه مما ذكره الشيخ أبو حفص عُمَر بن عبد المجيد الميّانِجِيُّ
- والمَيَّنِشِيُّ - المغربيُّ التونسيُّ ثم المكي، المتوفى بها سنة ٥٨١ رحمه الله تعالى، فقد قال في جزئه
المسمى «ما لا يَسَعُ المحدِّثَ جهلُه)»:
((الصحيح من أحاديث رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم على مراتب، وأعلاها ما اتفق على
تخريجه الشيخان البخاريُّ ومسلم، ويتلوه ما انفرد به كلٍّ منهما، ويتلوه ما كان على شرطهما وإن
لم يخرجاه في صحیحیھما لعلّةٍ وقعتْ، ثم دون ذلك في الصحة ما كان إسنادُهُ حسناً». انتهى.
وهذا التقسيمُ - فيما أرى - هو أصلٌ للتقسيم السَّبْعي الذي مَشَى عليه الحافظ ابنُ الصلاح،
ثم تابَعَه من تابَعَه عليه، وأَلَّف الإِمامُ ابنُ دقيق العيد كتابَهِ المسمَّى: ((الاقتراح في بيان
الاصطلاح، وما أُضيف إلى ذلك من الأحاديث المعدودةِ من الصِّحاح)). وأورَدَ فيه الأحاديث
المعدودة من الصحاح، على الترتيب السَّبْعي الذي قرَّره ابنُ الصلاح، فقال في كتابه هذا بعد أن
فَرَغْ من بيانِ (الاصطلاح): ((ونخْتُم الكتابَ بذكرٍ أحاديثَ صحيحةٍ، منقسمةٍ على أقسامٍ
الصحيح النَّفَقِ عليه والمختَلَفِ فيه)). وأورَدَ لكل قسم من هذه الأقسام السبعةِ ٤٠ حديثاً.
وهذا الترتيبُ في الأَصَحِيَّةِ ترتيبٌ قام على أسلوب المناطقة وتقسيماتهم، ولم يَقُم على أسلوب
المحدِّثين وواقع الحال، إذْ واقعُ الوُجُودِ يُخْالفُه، والتدقيق والنظرُ العلمي لا يتقبّلُه كما سيتضحُ
ذلك مما سيأتي من رَدِّ جمهرةٍ الأئمةِ له، ومن شواهدِ الوجودِ والواقعِ التي أُوردُها ...
١ - فقد رَدَّه الإِمامُ الكمالُ بن الهُمام قال في ((فتح القدير)) ١: ٣١٧، في (باب النوافل):
(«قولُ من قال: أصحُ الأحاديث ما في الصحيحين، ثم ما انفرد به البخاري، ثم ما انفرد به
مسلم، ثم ما اشتمل على شرطهما من غيرهما، ثم ما اشتمل على شرطِ أحدِهما: تحكُّمٌ لا يجوزُ
التقليدُ فيه، إذ الأُصَحِيَّةُ ليس إلَّ لاشتمالِ رُواتهما على الشروط التي اعتبراها، فإذا فُرِضَ وجودُ
تلك الشروط في رواةٍ حديثٍ في غير الكتابين، أفلا يكونُ الحكمُ بأصحيَّةِ ما في الكتَابِين عيْنَ
التحگُّم.
ثم حكمُهما أو أحَدِهما بأن الراويَ المعينٌّ مُجْتَمِعُ تلك الشروط: ليس مما يُقطَّعُ فيهِ بمطابقةٍ =

٢٩١
٠
= الواقع، فيجوزُ كونُ الواقع خلافَه، وقد أخرج مسلم عن كثير في كتابه ممن لم يُسلم من غوائلٍ
الجَرْح، وكذا في البخاريِّ جماعةٌ تُكِلِّمَ فيهم، فدار الأمرُ في الرواةِ على اجتهاد العلماء فيهم، وكذا
في الشروط، حتى إنَّ من اعتبر شرطاً وألغاه آخَرُ، يكونُ ما رواه الآخَرُ مما ليس فيه ذلك الشرطُ
عنده مُكافِئاً لمُعَارَضَةِ المشتمِلِ على ذلك الشرط، وكذا فيمن ضَعَّفَ راوياً ووثّقه الآخر.
نعم تَسكُنُ نفسُ غيرِ المجتهد ومن لم يَخُر أمرَ الراوي بنفسِهِ، إلى ما اجتمع عليه الأكثر، أما
المجتهدُ في اعتبارِ الشرط وعدمِه، والذي خَبَرَ الراويَ: فلا يرجعُ إلَّ إلى رأي نفسِه. فما صح من
الحديثِ في غير الكتابين يُعارِضُ ما فيهم). انتهى. بزيادة الجملة الأخيرة تلخيصاً من سابق كلامِهِ
ولاحقِه .
٢ - وقال الكمال بن الهُمام أيضاً نحوَ هذا في كتابه ((التحرير)) في أصول الفقه ٣: ٣٠، في
(فصل في التعارض)، وأقرَّه عليه شارحُهُ العلامة ابنُ أمير الحاج في شرحِهِ المسمَّى ((التقرير
والتحبير في شرح كتاب التحرير)» ٣٠:٣، وعزَّزَه بالجواب عما قد يَرِدُ على كلام الإِمام ابن الهُمام.
٣ - وردِّه أيضاً العلامة قاسم في حاشيته على ((شرح نخبة الفِكَر)» لشيخِهِ الحافظ
ابن حجر، المسماة: ((القول المبتكر على شرح نخبة الفِكْر)) - مخطوطة -، بأنَّ قُوَّةَ الحديث إنما هي
بالنظر إلى رجاله، لا بالنظر إلى کونه في کتابٍ کذا.
٤ - ونقله عنه العلامة ابن الحنبلي في ((قفو الأثر)) ص ٥٧، وأقرَّهُ، فيُذكَرُ في عداد من رَدّهُ
أيضاً.
٥ - ورَدَّه أيضاً العلامة الأمير الصنعاني صاحبُ ((سُبُل السلام))، في كتابه ((توضيح
الأفكار))، كما يتبينٌ لك ذلك إذا جمعت بين كلامِهِ في ١ : ٤٠ - ٤٤ وكلامه في ١: ٨٦ - ٨٩.
٦ - ورَدَّه أيضاً شيخُنا العلامةُ المحقّقُ الكوثري رحمه الله تعالى، في تعليقه على ((شروط
الأئمة الخمسة)) للحازمي ص ٢٥ و٥٨، فنقلَ كلامَ الإِمامِ ابنِ الهمام ثم قال: ((وهو كلامٌ متين،
تابَعَه عليه المحقّقون مِن بعدِهِ، ولا يَهُولَنَّك امتعاضُ بعضُ أصحاب الكُنَّاشات من أهل عصرنا،
من هذا الكلام دون تمحيص للبحث».
٧ - ونَبَّه إلى رَدِّه أيضاً شيخنا العلامة الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى، في ص ١٢ من
المقدمة التي كتبها لصحيفة هَمَّام بن مُنّبِّه، التي رواها الإِمام أحمد في ((المسند)) عن أبي هريرة
رضي الله عنه، ٣١٢:٢ - ٣١٩ من طبعة البابي الحلبي، و٢٧:١٦ - ١٠٩ من طبعة دار
المعارف المحققة، التي حقَّقَها الشيخ أحمد شاكر، وبلغَتْ أحاديثُها ١٤٢ حديث، فقال ما يلي : =
=

٢٩٢
---
=
((وهذه الصحيفةُ من أقوى الدلائل على أنّ الشيخين: البخاريَّ ومسلماً لم يَستوعِبًا جميعَ
الأحاديث الصحاح؛ ولا التزما ذلك، وهما لم يقولا ذلك قط، وإنما هو ظنَّ من بعض العلماء
واستنباطٌ فقط، إكباراً للصحيحين، وتنويهاً بفضلِ الشيخين واجتهادِهما وتحرِّيهما، والصحيحانِ
جدیرانِ بکل اکبار.
ولكن ليس معنى هذا ألّا تُوجَدَ أحاديثُ صِحاحٌ فيما لم يُخْرِجاه، في دَرَجَةِ ما أخرجاه في
الصحة، بل الصحاحُ التي في درجةٍ أحاديثهما كثيرة إذا ما استوفَتْ شُروطَ الصحةِ العاليةِ ..
فها هي ذي الصحيفةُ الصحيحةُ ـــ ((صحيفةُ هَمَّام بن مُنَبِّه)) -، اتفق الشيخانِ على إخراج
أحاديثَ منها، وانفرد البخاريُّ منها بأحاديث، وانفرد مسلم منها بأحاديثَ أُخَر، وتَرَكا معاً إخراجَ
ما بقي منها مما لم يُخْرجاه، كما سيظهَرُ ذلك من تخريج أحاديثها إن شاء الله. ـ وسيأتي بيان
ما اتفقا علیه وما انفرد به گلُّ واحدٍ منهما - .
بل هي تَدُلُّ أيضاً على أنَّ ما اتفقا على إخراجِهِ من الأحاديث، لا يكونُ دائماً أُعلَى درجةٌ في
الصحة مما انفرد به أحدُهما، ولا مما لم يُخْرِجاه، وإنما العبرةُ في ذلك كلِّه باستيفاءِ شُروطِ الصحة،
أو استيفاءِ شُروطٍ أعلى درجاتِها في أيِّ حديثٍ كان، أخرجاه أم لم يُخْرِجاه.
ومن البيِنِّ الواضح أننا نُريدُ بما (اتفَقًا على إخراجِهِ منها) أو (انفردَ به أحدُهما)، هو ما یَرویانِهِ
منها من طريق (عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة)، وإلَّ ففي أحاديثهما ما يَروياِهِ
- أو أحدُهما - عن أبي هريرة من غير طريق هَمَّم، وعن هَمَّامٍ من غير طريق مَعْمَرَ، وعن مَعْمَرٍ من
غير طريق عبد الرزاق، والمثُلُ على ذلك تتبينٌ واضحةً في تخريجها إن شاء الله)). انتهى كلام شيخنا
أحمد شاكر رحمه الله تعالى ..
٨- قال عبد الفتاح؛ ففي كلام الحافظ ابن الصلاح ومن تابَعَه في تقسيمِهِ (الصحيحَ) إلى
هذه المراتب التي ذكرها المؤلِّفُ العلامة الجزائريُّ: أنظارٌ كثيرة، وإليك بيانها:
١ - قول الحافظ ابن الصلاح ومن تابَعَه: (أعلى الصحيح ما اتفق عليه الشيخان)، غيرُ
مسلَّم، فإنهما رَوَيا من أحاديث ((صحيفةِ هَمَّام بن مُنَبِّه)) - المشتملةِ على ١٤٢ حديث ــ ٩٧ حديثاً،
كلُّها بسندٍ واحد من طريقٍ واحد: (عبدِ الرزاق، عن مَعْمَرِ، عن هَمَّام، عن أبي هريرة)، كما في
(تحفة الأشراف)) للحافظ المِزِّي ١٠: ٣٩٧ - ٤١٠، اتفقا على ٢٣ حديثاً، وانفَرَد البخاريُّ بـ ١٦°
حديثاً، وانفَرَد مسلمٌ بـ ٥٨ حديثاً.
وهذا الإِسنادُ: (عبدُ الرزاق، عن مَعْمَر، عن هَمَّام، عن أبي هريرة)، ليس من أعلى =

٢٩٣
.
= الصحيح، فلا يَتحقَّقُ إطلاقُ أنَّ أعلى الصحيح ما اتَّفَق عليه الشيخان، فهما قد اتفقا على ٢٣
حديثاً من «صحيفة هَمَّام بن مُنبّه))، وليست هي من أعلى مراتب الصحيح.
٢ - وقولُ الحافظ ابن الصلاح أيضاً ومن وافَقَهُ في بيان مراتب الحديث الصحيح: (ثم
الثاني ما انفرد به البخاريُّ عن مسلم)، غيرُ مسلَّمٍ أيضاً، فقد انفرد البخاريُّ عن مسلم بـ ١٦
حديثاً من هذه الصحيفة نفسِها، وبالسندِ نفسِه، فكيف صار أقوى مما رواه مسلم من الصحيفة
ذاتِها وبالسندِ ذاتِه؟ فهذا عينُ التحكم.
٣ - ثم قولُ الحافظ ابن الصلاح ومن وافَقَه: (الثالثُ: ثم ما انفرد به مسلم) غيرُ مسلّم
أيضاً، فقد انفرد مسلم بـ ٥٨ حديثاً من نفسٍ صحيفةٍ هَمَّام بن منبِّه، وسندُها سنَدُ ما اتفقا عليه
وما انفرد به البخاريُّ عن مسلم بالذات، فكيف يكونُ ما انفرد به مسلم أقَلِّ أصحيةً مما انفرد به
البخاري؟ وسندُهما واحد؟!
وقد ينفردُ مسلمٌ بحديثٍ وله طُرقٌ كثيرةٌ صحيحة، وينفردُ البخاريُّ بحديثٍ فَرْدٍ ليس له
طرق، فحديثُ مسلم الذي انفرد به في تلك الحال أقوى وأعلَى صحةٌ بلا ريب كما سيُشيرُ إليه
المؤلف . - وإلى صورة أخرى نَقَضَ بها صورةً أخرى من صور التقسيم أيضاً - فكيف يكونُ
ما انفرَدَ مسلمٌ به أدنى صحةً مما انفرد به البخاري؟ فما هذا إلّ عينُ التحكم.
٤ - ثم اعتبارُ ما انفرد به مسلم، في المرتبة الثالثة من الصحة، فيه وقفةٌ ونظرٌ طويلٌ بالنظر
إلى ما رسموه في شرطِ الصحيح عند البخاري، لأنه قد ينفردُ به مسلمٌ وهو على شرطِهِ من إِمكانٍ
اللقاءِ وعدمِ التدليس، فهو صحيحٌ عنده، وغيرُ صحيح عند البخاريِّ ومَنْ وافَقَهُ ومَشَى على
شَرْطِه، فكيف عدُّوه في المرتبة الثالثة من الصحة وهو غيرُ صحيح عند البخاري ومَنْ رأى شرطَه؟!
فتقريرُهم أنَّ ما كان من الحديث على هذا الوصف صحيحٌ من المرتبة الثالثة: يؤكِّدُ ويُعزِّزُ ترجيحَ
مذهب مسلم في المسألة.
٥- ثم کیف یکون ما انفرد به البخاريُّ أُصحَّ مما انفرد به مسلم؟ فإذا انفرد البخاري
بحديثٍ في سَنَدِهِ راوٍ متكلَّمٌ فيه، وانفرد مسلم بحديثٍ كلُّ رجالِهِ ثقاتٌ لا كلامَ فيهم، فكيف
يكونُ ذاك الحديثُ الذي انفرد به البخاري أصحَّ من هذا الذي انفرد به مسلم؟ نعم، ما هذا إلّ
تحكُّمْ أو عينُ التحكمِ كما قال الإِمامُ ابنُ الهمام رحمه الله تعالى.
وأذكرُ مثالاً واقعاً لذلك، حديث البخاري في كتاب العلم ١ :١٨٨ - ١٨٩ في (باب من
أعاد الحديث ثلاثاً لِيُفهَمَ عنه)، فقد ساق البخاري فيه من طريق عبد الله بن المثنى، عن عَمِّهِ =

٢٩٤
= ثُمَامَةَ بنِ عبد الله: حديثاً.
فقال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)): ((وعبدُ الله بن المثنّ ممّن تَفَرِّدَ البخاريُّ بإخراج حديثه
دون مسلم. وقد وثَّقَهُ العِجْلِيُّ والترمذي، وقال أبو زُرْعَة وأبو حاتم: صالح، وقال ابنُ أبي خيثمة
عن ابن معين: ليس بشيء، وقال النسائي: ليس بالقوي. قلتُ - القائل ابنُ حجر بـ: لعلَّةٌ
أراد: في بعض حديثه؟
وقد تقرّر أن البخاري حيث يُخْرِجُ لبعض من فيه مقال، لا يُخْرِجُ شيئاً مما أُنِكِرَ عليه، وقولُ
ابن معين: ليس بشيء، أرادَ به في حديثٍ بعَيْنِهِ سُئِلَ عنه، وقد قَوّاه في روايةٍ إسحاق بن منصور)). انتهى .
وقال الحافظ ابن حجر أيضاً، في ((هَدْي الساري)) ٢: ١٣٩، في ترجمة (عبد الله بنّ الْمُثَنِى):
((وثَّقَّه العجلي والترمذي، واختَلَف فيه قولُ الدارقطني، وقال ابن معين وأبو زرعة وأبو حاتم:
صالح، وقال النسائي: ليس بالقويّ، وقال الساجيُّ: فيه ضعف، ولم يكن من أهل الحديث،
وروی مناکیر، وقال العُقیلی: لا يُتابعُ علی أکثرٍ حديثه .
قلتُ - القائل ابن حجر -: لم أر البخاريُّ احتَجِّ به إلَّ في روايتِهِ عن عَمِّهِ ثُمَامَةٌ، فعندَهُ
عنه أحادیثُ)). انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر أيضاً، في (تهذيب التهذيب)) ٣٨٨:٥ في ترجمته أيضاً: ((قال
ابنُ معين - في رواية إسحاق بن منصور - وأبو زرعة وأبو حاتم: صالح، زاد أبو حاتم: شيخ،
وقال النسائي: ليس بالقوي، وذكره ابن حبان في ((الثقات))، وقال: ربما أخطأ، وقال الآجُرِّيُّ عن
أبي داود: لا أُخرِجُ حديثَه، وقال في موضع آخر: حدثنا أبو داود، ثنا أبو طَلِيقِ، ثُنَا أبو سَلَّمة، ثُنا
عبدُ اللّه بن المثنّ ولم يكن من القَرْيَتَيْنِ عظيم . - هذا كناية عن تضعيفه ــ.
قلتُ - القائل ابن حجر -: وقال العِجْليُّ: ثقة، وقال الترمذي: ثقة، وقال ابن
أبي خيثمة: رَوَى مناكير، وبنحوِهِ قال الأزدي، ومن مناكيره روايتُهُ عن أنس، عن أبي قَتَادة
حديثَ: الآياتُ بعدَ الِتَيْنِ. وقال العُقَيلي: لا يُتَابَعُ على أكثرِ حديثه، وقال الدارقطني: ثقة، وقال
مرةً: ضعيف)). انتهى. فمِثْلُ هذا الحديثِ الذي تفرَّدَ به البخاري، يكونُ أصحّ مما تفرَّدَ به مسلمٌ .
عمن هم ثقاتٌ لا كلامَ لأحدٍ فيهم؟! فهذا عينُ التحكّم، والأمثلَةُ كثيرة فُكتَفَى بهذا.
وبهذا: يَتبيّنٌ أن هذا الترتيبَ السَّبْعِيَّ فِي الأَصَحِّيَّة، ليس سليماً ولا مُسَلَّماً، وقد بَّنتُ ذلك
بأدلته، والحمدُ لله رب العالمين.
٩ - وبعدَ كتابتي ما تقدَّمَ رأيتُ الحافظَ ابنَ حجر، قد استدرك على هذا التقسيم أيضاً، =

٢٩٥
٠٠٠
= فقال في ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ١: ٣٦٥، بعد أن ذكر أنَّ ما اتفقًا على تخريجه أقوى مما
انفرَدَ به واحدٌ منهما، قال رحمه الله تعالى:
(نعم قد يكون في ذلك الحديثِ أيضاً قُوَّةٌ من جهةٍ أخرى، وهو أنَّ المتن الذي تتعدّدُ طُرقُه
أقوى من المتن الذي ليس له إلَّ طريقٌ واحدة، فالذي يَظهَرُ من هذا أن لا يُحُكمَ لأحدِ الجانبينِ
بحکم کلی.
بل قد يكونُ ما اتفقًا عليه من حديثٍ صحابيٍ واحدٍ - إذا لم يكن فرداً غريباً - أقوى مما
أخرجه أحدُهما من حديثٍ صحابيٍ غير الصحابي الذي أخرجه الآخَرُ، وقد يكون العكسُ إذا
كان ما اتفقًا عليه من صحابي واحدٍ فَرْدَاً غريباً، فيكون ذلك أقوى منه.
وهذه الأقسامُ التي ذكرها المصنِّفُ - ابنُ الصلاح - للصحيح: ماشيةٌ على قواعد الأئمةِ
وُفِّقي النُّقَّاد، إلَّ أنها قد لا تَطَرِدُ، لأنَّ الحديثَ الذي ينفردُ به مسلمُ مثلاً، إذا فُرِضَ مجيئُهُ من
طرقٍ كثيرة حتى تبلُغَ التواترَ أو الشهرةَ القوية، ويُوافقُهُ على تخريجه مشترطو الصحة مثلاً، لا يقالُ
فيه: إنَّ ما انفرَدَ البخاريُّ بتخريجه إذا كان فَرْداً ليس له إلَّ ◌َخْرَجٌ واحد أقوى من ذلك، فليُحمَلْ
إطلاقُ ما تقدَّمَ من تقسيمِهِ على الأكثر. والله أعلم)). انتهى.
وبهذا النقدِ من الإِمامِ الحافظِ ابنِ حجر هذا التقسيم ــ إلى ما سَبَقَهُ من انتقادِ الأئمة الذين
قَدَّمتُ أقوالهم فيه - تأكَّدَ أنه تقسيمٌ غيرُ سديد، والله ولي التوفيق. وانظر زيادة بيانٍ مسهبٍ في
نقد هذا التقسيم علقتُها على ((شروط الأئمة الخمسة)) للحازمي، نقلاً عن الإِمام الصنعاني في كتابه
((توضيح الأفكار))١: ٤٠ - ٤٥، ٨٦ - ٨٩، ففيها ما ليس هنا من وجوه النقد لهذا التقسيم.
وسيعود المؤلف إلى ذكر هذا التقسيم في ص ٥٠٢ - ٥٠٣.
تَذْبِيلة: رأيتُ من المناسب هنا أن أذكر كلماتٍ في التعريف بالإمام الكمال بن الهُمام رحمه الله تعالى،
الذي تقدَّم ذكرُهُ في أوائل هذه التعليقة، فهو على إمامتِهِ وشُهرِهِ بين الفقهاءِ الحنفية، قد يكونُ غيرَ
مشهور لدى غيرهم، فأوردُ جُمُلاً من ترجمته في ((الضوء اللامع)) للحافظ السخاوي ١٢٧:٨ -
١٣٢، وهو من تلامذته والآخذين عنه والعارفين به عن مجالسةٍ ودراسة عليه، قال السخاوي
رحمه الله تعالى:
((محمدُ بنُ عبد الواحد بنِ عبد الحميد بن مسعود، الكمالُ بنُ هُمَامِ الدين بنِ حَميد الدين بنِ
سعد الدين، السِّيْوَاسيُّ الأصل، ثم الإِسكندريُّ القاهري، الحنفي، وأبوه عبدُ الواحد - وهو
باسمٍ هُمَام أشهر - فاضِلُ خيِّرٌ كان قاضيَ الإِسكندرية، وولي جَدُّه كجد أبيه القضاءَ في سِيْوَاس =

٢٩٦
= - مدينة في تركيا -، ويُعرَفُ بابنِ اهُمَام.
وُلِدَ بالإِسكندرية سنة ٧٩٠، وكان يوصف بالذكاء المُفْرِطِ، والعقل التام، والسُّكون، أَخَذَ
عن ... ، . ... ، واجتمع بكل من حفيدِ ابنِ مرزوق، وابنِ الفَتَرِي حين رجوعهما من الحج،
ويَحَث مع كل منهما بما أَبهَرَ بِه من حَضَرَ. وربما كان تَحِضُرُ عند البدر الأَقْصْرَائي في التفسير، ويُدقّق
المباحثَ معه، بحيث لا يَجِدُ البَذْرُ له غْلَصاً.
وأخَذَ عن العيني الدواوينَ السبعَ أشعارَ العرب، وكان أحَدَ المقرِّرين عنده في مُحدِّثي
المؤيّدية، وأخَذَ غالبَ شرحِ ألفيةِ العراقي عن وَلَدِ مؤلِّه وَلِيِّ الدين أبي زُرْعة، ورام أولاً التدقيقَ
في البحث، بحيث يُشَكِّكُ في الاصطلاح، فلم يُوافقه الوليُّ على الخوض في ذلك، وتردِّدَ على
العِزِّ بن جماعة في العلوم التي كانت تُقرأ عليه، وكان لوفورٍ ذكائِهِ إذا استشعَرَ الشيخُ - العِزُّنِ
بمجيئِهِ قَطَع القراءة.
وأخَذَ الفقهَ عنِ السِّرَاج قارىء الهداية، قرأها بتمامِها عليه في سنَتَّ ثماني عَشْرَة والتي تليها،
وبه انْتَفَع، وكان يُحاقِقُهُ ويُضايقُهُ بحيث كان يُحُرَجُ منه، مع وصفِ الكمالِ له بالتحقيقِ في كل
فن، وكَتَبَ له السِّرَاجُ أنه أفادَ أكثرَ مما استفاد، ورام السِّرّاجُ استنابتَهُ في القضاء فامتّنَع، وسافر
صحبتَهُ إلى القدس، فكان يقرأ عليه هناك في ((الكشاف))، ويَسمَعُ في («الهداية» .
وسَمِعَ على الحافظ ابن حجر، ووَصَفَهُ الحافظُ بالعالم العلَّمة الفاضِل، حفظه اللّهِ وَرَفَعَ
درجتَه، وحَضَر الحافظُ ابنُ حجر في أوّلِ مجلسٍ من مجالس دروسه في الفقه بقُبَّةِ المنصوریّة، مع
شيوخِهِ: الْبِسَاطِيِّ وقارىء الهداية والبَدْرِ الأَقْصُرَائي وخلقٍ من غيرهم، وامتّنَع من الجلوسِ صَدْرَ
المجلس أدباً، مع إلحاح الحاضرين عليه في ذلك بل جَلَّسَ: مكانَ القارىء، تكلُّم فيه على قوله
تعالى: ﴿يُؤْني الحِكمةَ مَنْ يَشاءُ﴾، وقال: الكلامُ على هذه الآية كما يجيء لا كما يجبُ، أبان فيه
عن يَدٍ طُوْلَى وتمكُّنٍ زائدٍ في العلوم، بحيث أقرَّ الناسُ بسَعَةٍ علمه وأذعنوا له، وبَحَث مَعَ صاحبُ
(«الهداية)).
وشَرَح شيخُهُ الحافظُ ابنُ حجر يَصِفُ عِلمَه وتفتُّتَه، على العادة في الإِشارة بذلك إلى الانتهاء
- أي خَتْمِ الدرس - ، فقال شيخُهُ البِسَاطِيُّ: دَعُوهُ يَتكلّمُ ونَتَلذَّذُ بمقالِهِ، فإنه يقولُ مَا لا نظير له.
وقال البرهان الأبْنَاسِي أَحَدُ رفقائه، حين رام بعضُهم المشيَ في الاستيحاش بينهما: لو طُلِبَتْ
حُجَجُ الدين ما كان في بلدنا من يقومُ بها غيرُهُ. وقال يحيى بن العَطَّار: لم يَزَل يُضرَبُ به المَثَلُ في
الجَمَالِ المُفْرَد مع الصيانة، وفي حُسنِ النَّفْحَة مع الديانة، وفي الفصاحةِ واستقامةِ البحث مع الأدب ..
=

٢٩٧
وكلُّ قسمٍ من هذه الأقسام أعلى مما بعدَه، غيرَ أنه قد يَعرِضُ لبعض
الأحاديث من زيادةِ التمكُّنٍ من شروط الصحة، ما يجعلُه أرجحَ من حديثٍ آخَرَ
يكونُ في القسمِ الذي هو أعلَى منه في الدرجة، وعلى هذا: فَيَرجُحُ ما انفَرَدَ به مسلمٌ
ولكنه رُوِيَ من طُرُقٍ مختلفةٍ، على ما انفَرَدَ به البخاريُّ إذا كان فَرْداً. وكذلك یَرِجُحُ
ما لم يُخْرِجاه ولكنه وَرَدَ بإسنادٍ يقالُ فيه: إنه أصحُّ إسناداً، على ما انفرَدَ به أحدُهما،
قلتُ - القائل السخاوي -: وفي التقلُّلِ في أوّليتِهِ مع الشهامة، وفي الرياضةِ والكُرَم،
= واستمرَّ يَترقّى في دَرَج الكمالِ حتى صار عالماً مُفَتَّناً علامةٌ مُثْقِناً، درَّس وأفتى وأفاد، وعَكَف الناسُ
عليه واشتهَرَ أمرُهُ وعَظُم ذكرُه، كان إماماً عارفاً بأصولِ الدياناتِ والتفسير والفقهِ وأصولِهِ
والفرائض والحساب والتصوف والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والجدّل
والموسيقى وجُلِّ علم النقل والعقل، متفاوتَ الرتبة في ذلك، مع قلة علمه في الحديث - كذا
زعَمَ السخاوي ! - عالِمَ أهل الأرض، ومحقق أولي العصر، حُبَّةً أُعجوبةً، ذا حُجَج باهرة،
واختياراتٍ كثيرة، وترجيحاتٍ قويّة، بل كان يُصِرِحُ بأنه لولا العوارضُ البَدَنِيَّةً من ◌ُولٍ
الضعفِ والأسقامِ وتراكمِها في طُولِ المُدَد، لبَلَغَ رتبةَ الاجتهاد.
وقد تخرَّجَ به جماعةٌ صاروا رؤساءَ في حياتِه، من الحنفية ... ، ومن الشافعية ... ، ومن
المالكية ... ، ومن الحنابلة ... ،
وهو أنظَرُ من رأيناه من أهل الفنون، ومِن أجمعهم للعلوم، وأحسنهم كلاماً في الأشياءِ
الدقيقة، وأجْلَدِهم على ذلك، مع الغاية في الإتقان، والرجوعِ إلى الحق في الَّاحثِ ولو على لسانٍ
آحادِ الطلبة .
كلُّ ذلك مع مَلاحةِ الترسُّلِ، وحُسنِ اللقاءِ والسمتِ والبِشْرِ والِزَّةِ ونُور الشَّيْبَة، وكثرةٍ
الفُكَاهة، والتودُّدِ، والإِنصافِ وتعظيمِ العلماء، والإِجلالِ للتقيِّ بن تيميّة، وعَدَمِ الخوضِ فيما
يُخالفُ ذلك، وُلِّ الهمة، وطيبِ الحديث، ورِقَّةِ الصوت، وطَرَاوِ النَّفْحَةِ جداً، بحيث يُطرِبُ
إذا أنشَدَ أو قَرَأ، وله في ذلك أعمال.
ومع إجاديِّهِ للتكلُّم بالفارسيّ والتركيّ، إلاّ أنه بأوَّلِما أمهَرُ، وسَلَامةِ الصدر، وسُرعةٍ
الانفعالِ والتغيّر، والمحبة في الصالحين، وكثرةِ الاعتقاد فيهم، والتعهدِ لهم، والانجماعِ عن
التردُّدِ لبني الدنيا، حتى السُّلطانِ الظاهرِ جَقْمَق، مع مَزيدِ اختصاصِهِ به، ولكنه كان يُراسِلُهُ هو
ومَنْ دُونَهُ فيما يُسأَلُ فيه. ومات سابعَ رمضان سنة ٨٦١، وصُلِّ عليه في مشهد حافل شَهِدَهُ
السلطانُ فمن دونه، ومحاسنُهُ كثيرة، ولم يُخُلِّف بعدَهُ في مجموعِهِ مثلَه، رحمه الله تعالى وإيانا)).

1
٢٩٨
لا سيما إن كان في إسنادِهِ من فيه مقالٌ، وقِسْ على ذلك(١).
وقد ظَنَّ بعضُ أرباب الأهواء الذين لا يميلون إلى كتاب البخاري ولا إلى
كتاب مسلم، أنهم يجدون بسبب هذه المسألةِ ذريعةً إلى الخلاص من حُكمِهما، ليتسعَ
لهم المجالُ فيما وافق أهواءهم من الآراءِ، وصار دأبُهم أن يقولوا: كم من حديثٍ
صحيحٍ لم يَرِد في «الصحيحين))، وهو مع ذلك أصحُّ مما وَرَد فيهما، يَظْنُّون أنهم
بذلك يُوهنون أَمْرَهما ويَضَعُون قَدْرَهما.
والحالُ أنَّ مزية ((الصحيحين)) ثابتةٌ ثبوتَ الجبال الرواسي، لا يُنكِرُها إِلَّ غُمْرٌ.
يُزرِي بنفسِه وهو لا يَشْعُر، والعلماءُ إنما فتحوا هذا البابَ لأربابِ النقد والتمييز،
الذين يُرجحون ما يُرجِّجون بدليلٍ صحيح، مبني على القواعد التي قرَّرها المحققون
في هذا الفن، وأما المموِّهون الذين يُريدون أن يجعلوا الصحيحَ سقيماً، والسقيمُ
صحيحاً بشُبَهٍ واهية جَعَلُوها في صُورةِ الأدلة، فينبغي الإِعراضُ عنهم، مع خَلّ
الشُّهِ التي يُخْشَى أن تَعلَقَ بأذهانِ من يُريدون أن يُوقعوه في أشراكهم.
هذا، وقد نقّل بعضُ العلماء عن بعضهم أنه اعتُرِضَ على هذا الترتيب الذي
جَرَى عليه أهلُ الأثر، فقال: قولُ من قال: أصحُّ الأحاديث ما في ((الصحيحين))،
ثم ما انفَرَد به البخاري، ثم ما انفَرَد به مسلم، ثم ما اشتَمَل على شرطِهما، ثم
ما اشتَمَل على شرطِ أحدِهما: تحكُّمٌ لا يَجوزُ التقليدُ فيه، إذ الأَصَحِّيّةُ ليسَتْ إِلَّ
لاشتمالِ رُواتِهما على الشروطِ التي اعتَبَرَها، فإذا فُرِضَ وجودُ تلك الشروط في رواةٍ
حديثٍ في غير الكتابين، أفلا يكونُ الحكمُ بأصحيَّةِ ما في الكتابين عينَ التحكم؟
ثم حُكمُهما أو أحدِهما بأنَّ الراويّ المعيِنَّ مُجتمِعُ تلك الشروط مما لا يُقِطَّعُ فيه
(١) وسيعود المؤلف إلى ذكر هذا البحث مرة ثانية في ص ٧٢٧.

٢٩٩
بمطابقةِ الواقع، فيجوزُ كونُ الواقع خلافَه. وقد أَخرَجَ مسلمٌ عن كثير ممن لم يُسلم
من غَوَائلِ الجَرْح، وكذا في ((البخاري)) جماعةٌ تُكلِّمَ فيهم، فدار الأمرُ في الرُّواةِ على
اجتهادِ العلماءِ فيهم، وكذا في الشروط، حتى إنَّ من اعتبرَ شرطاً وألغاه آخَرُ، يكونُ
ما رواه الآخَرُ مما ليس فيه ذلك الشرطُ عنده مُكافِئاً لمعارَضَةِ المشتمل على ذلك
الشرط، وكذا فيمن ضَعَّفَ راوياً ووَتَّقَه الآخِرُ.
نعم تَسكُّنُ نفسُ غير المجتهد ومن لم يَخْبُرُ أَمَرَ الراوي بنفسِهِ إلى ما اجتَمَع عليه
الأكثر، أمَّا المجتهِدُ في اعتبارِ الشرط وعدمِهِ، والذي خبَرَ الراويَ، فلا يَرجِعُ إلَّ إلى
رأي نفسِه، فما صحّ من الحدیث في غیر الکتابین یُعارِضُ ما فيهما.
ولا يخفى أنَّ صاحبَيْ ((الصحيحين)) لم يَكتفيا في التصحيح بمجرَّدِ النظرِ إلى
حالِ الراوي في العدالةِ والضبط، كما يتوهمه كثيرٌ ممن لم يُعْنَ بهما، ولم يكن له إمعانُ
نَظَر في أصول الأثرِ، بل ضَمّا إلى ذلك النظرَ في أمورٍ أخرى بمجموعِها يَظهَرُ الحُكمُ
بالصحة. وقد ذكرناشيئاً من ذلك سابقاً(١)، وربما ألممنا به عندَ ذِكر ((المستدرك))(٢).
وقد تعرَّض العلامةُ تقيُّ الدين بن تيمية إلى ما ذكرنا آنفاً، فقال: فَصْلٌ وأما
الحديثُ الواحدُ إذا رواه ((البخاريُّ)) ورواه (الموطأ))، فقد تكونُ رجالُ ((البخاري))
أفضَلَ، وقد تكونُ رجالُ ((الموطأ)»، فيُنظَرُ في هذا وهذا إلی رجالهما، ونحن وإن كنا
نعلمُ أنَّ الرجالَ الذين في ((البخاري)) أعظَمُ من الرجال الذين في ((الموطأ)) على
/ الجملة، فهذا لا يُفيدُ العلمَ بالتعيين، فإنَّ أعيانَ ثقاتِ ((الموطأ)) رَوَى لهم
البخاري، فهم من رجالِ الموطأ والبخاري، والمتنُ الواحدُ قد يَرويه البخاريُّ
بإسنادٍ، وهو في ((الموطأ)) بإسنادٍ آخرَ على شرطِ البخاري أجوَدَ من رجال البخاري،
فالحديثُ إذا كان مسنداً في الكتابين نُظِرَ إلى إسنادِهما، ولا يُحكَمُ في هذا بحكم مجمّل.
لكن نعلمُ من حيث الجملةُ أنَّ الرجالَ الذين اشتَمَل عليهم ((البخاريُّ)» أصحّ
(١) في ص ٢١٧ وما بعدها.
(٢) وذلك في (الفائدة السادسة) في ص ٣٣٩ وما بعدها.
/١٢١

٣٠٠
من جنس رجالِ ((الموطأ)) وغيرهم، والحديثُ المذكورُ في ((الموظّ)) رجالُهُ رجَالُ
البخاري .
وأما معاذُ بن فَضَالة وهِشامُ الدَّسْتَوائي ونحوُهما من رجالِ أهل العراقِ،
فليسوا في ((الموطأ))، ومنهم من تأخّر عن مالك كمعاذ، وهِشامٌ الدَّسْتَوائي هو في طبقةِ
شيوخِ مالك بمنزلةٍ يحيى بن أبي عَرُوبة، ومنصورِ بنِ المعتمر، والأعمشٍ ،
ويونسَ بنِ عُبَيد، وعبدِ الله بن عَوْن، وأمثالهِم من رجالِ أهل العراق، الذين هم
من طبقةِ شيوخ مالك. والحديثُ الذي يكونُ عن رجالِ البخاري وليس هو في
الصحيح، لا يُحكِمُ بأنهِ مِثلُ ما في الصحيح مطلقاً، لكن قد يَتَّفِقُ أن يكون مثلّه كما
قد يَتَّفِقُ أن يكون معتلاً وإن كان ظاهِرُ إسنادِهِ الصحة، والله أعلم. اهـ.
أقولُ: قد سَبَق ذكرُ هشام الدَّسْتَوائي في أثناءِ ذکرٍ من ◌ُعِنَ فیه من رجالٍ
البخاري(١)، وأنَّ الأئمة احتَجُوا به، لأنه كان ثقةً حُجَّة، ولم يكن وَجْهٌ للطعن فيه
غیر أنه کان یری القدر إلاّ أنه کان لا یدعو إليه.
هذا، ورُجحانُ كتاب البخاري على كتاب مسلم أمرٌ ثابتٌ أَدَّى إليه بحثُ
جهابذةِ النَّقَّادِ واختبارُهم، وقد صَرِّح بذلك كثير منهم، ولم يُصرِّح أحدٌ بخلافه، إلاّ
أنه نُقِلَ عن أبي علي النيسابوريِّ شيخِ الحاكم وبعضِ علماء المغرب ما يُوهم رُجحانَ
كتابٍ مسلم عليه، أما أبو علي فقد نَقَل عنه ابنُ مندَهْ أنه قال: ما تحت أديم السماءِ
أصحُّ من كتاب مسلم.
وهذه العبارةُ ليسبت صريحةً في كونه أصحَّ من كتاب البخاري، وذلك لأنَّ
ظاهرها يَدلُّ على نفي وجودٍ كتابٍ أصحَّ من كتاب مسلم، ولا يَدلُّ على نفي وجودٍ
كتابٍ يُساويه في الصحة، وإنما تكون صريحةٌ في ذلك أن لوقال: كتابُ مسلم أُصحُ
كتابٍ تحت أديم السماء ..
قال بعضُ أهل الأدب: ذَهَب من لا يَعرف معانيَ الكلام إلى أنَّ مِثلَ قوله
(١) في ص ٢٧٢.

٣٠١
صلَّى الله عليه وسلَّم: ((ما أقلَّتْ الغَبْرَاءُ ولا أظلَّتْ الخَضْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً من
أبي ذر))(١)، مُقْتَضاهُ أن يكون أبو ذر أصدَقَ العالم أجمعَ، وليس المعنى كذلك، وإنما
نفى أن يكون أحدٌ أعلَى رتبةً في الصدق منه، ولم يَنفِ أن يكون في الناس مثلُه في
الصدق، ولو أرادَ ما ذهبوا إليه لقال: أبو ذَرٍّ أصدَقُ من أقلَّتْ الغبراءُ وأظلَّتْ
الخضراءُ.
وقال بعضُهم: إنَّ هذه الصيغة تُستعملُ تارةً على مقتضى اللغة، فَتَدُّ على
نفي الزيادةِ فقط، وتُستعمَلُ تارةً على مقتضى العُرْفِ فَتَدُلُّ على نفي الزيادة،
والمساواةِ معاً، وحيث إنَّ عبارةَ أبي عليّ تحتمِلُ المعنيين فلا ينبغي أن يُنسَبَ إليه
أحدُهما جَزْماً، كما فَعَل جماعةٌ حيث ذكروا أنه قال: إنَّ كتابَ مسلم أصحُّ من كتاب
البخاري .
وقال بعضَ العلماء: والذي يَظهَر لي من كلام أبي عليّ، أنه إنما قَدَّم ((صحيح
مسلم)) لمعنى آخَرَ، غير ما يَرجِعُ إلى ما نحن بصددِهِ من الشرائط المطلوبةِ في
الصحة، بل ذلك لأنَّ مَسلماً صَنَّفَ كتابه في بلدِهِ بحضورِ أصولِهِ في حياةٍ كثيرٍ من
مشايخِه، فكان يَتحرَّزُ في الألفاظ ويَتحرَّى في السِّياق، بخلاف البخاري فإنه ربما
كَتَبَ الحديثَ من حفظِه، ولم يميز ألفاظَ رُواتِه، ولهذا ربما يَعرِضُ له الشك، وقد صَحَّ
عنه أنه قال: رُبَّ حديثٍ سَمِعتُه بالبصرة فكتبتُه بالشام .
ولم يَتصدَّ مسلمٌ لما تَصدَّى له البخاريُّ من استنباطِ الأحكام ليُبَوِّبَ عليها،
حتى لَزِمَ من ذلك تقطيعُه للحديث في أبوابِهِ، بل جَمَع مسلم الطَّرُقَ / كلَّها في مکاٍ
واحد، واقتَصَر على الأحاديثِ دون الموقوفات، فلم يُعرِّج عليها إلّ في بعض المواضع
على سبيلِ النَّدرة تبعاً لا مقصوداً، فلهذا قال أبو علي ما قال، مع أني رأيتُ بعضَ
/١٢٢
(١) رواه الترمذي في «جامعه» في كتاب المناقب (مناقب أبي ذر رضي الله عنه) ٣٤٩:٩،
وابن ماجه في مقدمة «سننه)) ١: ٥٥، كلاهما من طريق ابن ثُمیر، وقال الترمذي: ((حديث حسن))،
وهو كما قال.

٣٠٢
أئمتنا يُجُوِّزُ أن يكون أبو علي ما رأَى صحيحَ البخاري، وعندي في ذلك بُعْدِ،
والأقربُ ما ذكرتُه. اهـ.
وأما بعضُ علماء المغرب فقد نُقِلَ عنهم ما يدل على تفضيل كتاب مسلم على
كتاب البخاري، إلَّ أنه ليس في عبارة أحدٍ منهم ما يُشعِرُ بأنَّ ذلك من جهة الصحةُ،
فقد نُقِلَ عن أَحَدٍ تلاميذِ ابن حزم أنه كان يقول: كان بعضُ شيوخي يُفضِّلُ
((صحيحَ مسلم)) على ((صحيح البخاري))، ويُظنُّ أنه يَعني بذلك: ابنّ حزم.
قال القاسم التُّجِيبيُّ في ((فهرسته)): كان أبو محمد بنُ حزم يُفضِّلُ كتابَ مسلم
على كتاب البخاري، لأنه ليس فيه بعدَ خطبتِهِ إلَّ الحديثُ السَّرْد، فقد أبان ابنُ حزم
أنَّ تفضيلَ كتابٍ مسلم من جهة أنَّه لم يَمْزُج فيه الحديثَ بغيره من موقوفاتِ الصحابة
والتابعين وغير ذلك.
وقال مَسْلَمَةُ بنُ قاسم القرطبي - وهو من أقران الدراقطني - في ((تاريخه))
عند ذكرٍ كتاب مسلم: لم يَضَع أحدٌ مثلَه.
· وهذا محمولٌ على حُسنٍ الوضع، وجودةِ الترتيب، وسهولةِ التناول، فإنّه جَعَل
لكل حديث موضعاً واحداً يليقُ به، جَمَع فيه طُرِقَهُ التي ارتضاها واختار ذكرها،
وأورد فيه ألفاظَهُ المختلِفَةَ، بخلافِ البخاري فإنه يَذكُرُ الطرق في أبوابٍ متفرقة،
ويُوردُ كثيراً من الأحاديث في غيرِ الأبوابِ التي يَتبادَرُ إلى الذهن أنها تُذكَرُ فيها.
وقد وقع بسبب ذلك لناسٍ من العلماء أنهم نَفَوْا روايةَ البخاري لأحاديث هي
موجودةٌ فيه، حيثُ لم يجدوها في مظانِّها السابقةِ إلى الفهم. وقد اعتّمَد كثيرٌ من
المغاربة ممن صنَّف في الأحكام بحذفِ الأسانيد كعبد الحق، على كتابٍ مسلمٍ في
نقلِ المتون وسياقها، لوجودِها فيه في موضعٍ واحد، وتقطيعٍ البخاري لها.
وقد تعرَّض مُرجِّجو كتابٍ البخاري على كتابٍ مسلم من جهةِ الصحة، لبيانٍ
مُوجِب ذلك فقالوا: إنَّ مَدارَ صحةِ الحديث على ثلاثة أشياء: الثقةِ بالرواة،