النص المفهرس
صفحات 301-320
٢٤٣ عن كتابٍ ابن أبي أوفى إليه، ويكونُ أَخْذُه - لذلك - عن مولاه عَرْضاً، لأنه قرأه عليه، لأنه كان كاتِبَه، فَتَصِيرُ والحالةُ هذه من الروايةِ بالمكاتبة كما قال الدارقطني. ٧ - قال الدارقطني(١): وأخرج البخاري(٢) حديثَ محمد بن طلحة، عن أبيه، عن مصعب بن سعد، قال: رأى سَعْدٌ أنَّ له فضلاً على مَنْ دُونَهُ، فقال النبي صلَّى الله عليه وسلّم: هل تُنْصَرُون وتُرْزَقُون إلاّ بضعفائكم. قال الدارقطني: هذا مرسل. قلت: صُورَتُه صُورَةُ المرسَل، إلاّ أنه موصولٌ في الأصل، معروفٌ من روايةٍ مصعَب بن سعد، عن أبيه. وقد اعتَمَد البخاريُّ كثيراً من أمثالِ هذا السِّياق، فأخرَجَه على أنه موصولٌ إذا كان الراوي معروفاً بالروايةِ عمن ذكره، وقد رَوّيناه في ((سُنن النسائي)) وفي ((مُسْتَخْرَجَيْ الإِسماعيلي وأبي نُعَيم)) وفي ((الحِلية)) لأبي نعيم، وفي (الجزء السادس)) من حديث أبي محمد بن صاعد، من حديث مصعب بن سعد، عن أبيه، أنه رأى، فذكره. وقد تَرَك الدارقطنيُّ أحاديثَ في الكتاب من هذا الجنسِ لم يَتَتَبّعها. في أحاديث الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ٨ - قال الدارقطني(٣): أخرج البخاريُّ(٤) حديثَ ابنِ أبي أُوَيْس، عن أخيه، عن ابنٍ أبي ذئب، عن سعيدِ المَقْبُرِيّ، عن أبي هريرة، قال: يَلْقَى إبراهيمُ أباه آزَرَ يومَ القيامة، وعلى وَجْهِ آزَرَ قَتْرَة، الحديث. قال: وهذا رواه إبراهيمُ بنُ طَهْمَان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد المقبري، عن أبيه، عن أبي هريرة. قلت: قد علَّق البخاريُّ حديثَ إبراهيم بن طَهْمَان في التفسير، فلم يُهُمِل (١) ٢ : ٩٤. (٢) ٨٨:٦ في (باب من استعان بالضعفاء والصالحين في الحرب). (٣) ٢ : ٩٦. (٤) ٤٩٩:٨، في كتاب التفسير في (باب ولا تُخْزِني يوم يبعثون). ٢٤٤ حكايةَ الخلاف فيه، ولكن أعلَّه الإِسماعيليُّ من وجهٍ آخر، فقالَ بعدَ أن أورده: هذا خبرٌ في: صحتِهِ نظرٌ من جهة أنَّ إبراهيم عالِمٌ بأنَّ اللّه لا يُخْلِفُ الميعاد، فكيف يَجْعلُ ما بأبِيهِ خِزْياً له، مع خَبَرِهِ بأنَّ الله قد وعَدَهُ أن لا يُخْزِيَه يومَ يُبعَثُونَ، وأعلّمَه بأنه لا خُلْفَ لوعدِه. انتهى. وسيأتي جوابُ ذلك في موضعه(١). في كتاب اللباس ٩ - قال الدارقطني (٢): اتفَقَا(٣) على إخراج حديث أبي عثمان، قال: كَتّب إلينا عُمَرُ في الحرير إلاّ موضعَ إِصْبَع. وهذا لم يَسمعه أبو عثمان من عمر، لكنه حُجَّةٌ في قبول الوِجادة. قلتُ: قد تقدَّمَ نظيرُ هذا الكلام في حديث أبي النضر، عن ابنِ أبي أوفَ (٤). ١٠ - قال الدارقطني(٥): وأَخرَج البخاريُّ (٦) حديثَ ثابت، عن ابنِ الزبير، قال: قال محمدٌ صلَّى الله عليه وسلّم: مَنْ لَبِسَ الحريرَ في الدنيا لم يَلْبَسْه في الآخِرة. وهذا لم يَسمعه ابنُ الزبير من النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وإنما سَمِعَه من عمر. قلتُ: هذا تعقُّبُ ضعيف، فإنَّ ابنَ الزبير صحابي، فَهَبْهُ أُرسَلَه، فماذا كان؟ وكم في الصحيح من مُرْسَلٍ صحابي، وقد اتَّفَق الأئمةُ قاطبةً على قبولِ ذلك إلّ من شَذَّ ممن تأخّرَ عَصْرُه عنهم، فلا يُعتَدُّ بِمُخالفَتِهِ، والله أعلم. (١) أي في ((فتح الباري)) ٥٠٠:٨ - ٥٠١. (٢) ٢ :١٠٦. (٣) البخاري ١٠: ٢٨٤ في (باب لبس الحرير للرجال)، ومسلم ١٤ : ٤٧، في (باب تحريم استعمال إناء الذهب ... ). (٤) وهو الحديث ذو الرقم (٦) من هذه الأحاديث المذكورة هنا. (٥) ١٠٦:٢. (٦) ١٠: ٢٨٤ في (باب لبس الحرير للرجال). ٢٤٥ وقد أخرج البخاري حديثَ ابن الزبير، عن عُمَر تِلْوَ حديثٍ ثابت(١)، عن ابن الزبير، فما بَقِيَ عليه للاعتراض وَجْه. / ١٠٠ وقال في آخِرِ الفصل(٢): هذا جميعُ ما تعقَّبَه الْحُفَّاظُ النَّقَّدُ العارفون بعِلَلٍ الأسانيد، المُطّلِعون على خَفَايَا / الطرق، وليسَتْ كلُّها من أفرادِ البخاري، بل شارَكَه مسلمٌ في كثيرِ منها كما تراه واضحاً ومَرْقُوماً عليه رَقْمُ مسلم، وهو صُورَةُ (م). وعِدَّةُ ذلك اثنانٍ وثلاثون حديثاً، فأفرادُهُ منها ثمانيةٌ وسبعون فقط، وليست كلُّها قادِحةً، بل أكثرُها الجوابُ عنه ظاهر، والقدحُ فيه مندفع، وبعضُها الجوابُ عنها مُحْتَمِل، واليسيرُ - منها - في الجوابِ عنه تعسُّفٌ كما شرحتُه مجملا في أولِ الفصل، وأوضحتُهُ مبِيَّناً إِثْرَ كلِّ حديثٍ منها. فإذا تأمَّلَ الْمُنصِفُ ما حرَّرتُه من ذلك، عَظُمَ مِقدارُ هذا المُصَنَّفِ في نفسِهِ، وجَلَّ تصنيفُه في عينِهِ، وعَذَرَ الأئمةَ من أهل العلم في تلقِّهِ بالقبول والتسليم، وتقديمهم له على كل مُصَنَّف في الحديثِ والقديم. ولَيْسَا سَوَاءٌ(٣) من يَدِفَعُ بالصَّدْرِ فلا يَأْمَنُ دَعْوَى العصبيَّة، ومن يَدفَعُ بيدِ الإِنصافِ على القواعِدِ المَرْضِيَّة والضوابطِ الَّرْعِيَّة، فالحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي، لولا أن هدانا الله، والله المستعانُ، وعليه التُّكْلانُ. وأمَّا سياقُ الأحاديث التي لم يَتَتَبَّعها الدارقطنيُّ وهي على شَرْطِه في تتبعه من هذا الكتاب، فقد أوردتُها في أماكنها من الشرح، لتُكْمُلَ الفائدةُ مع التنبيهِ على مواقع الأجوبةِ المستقيمة كما تقدم، لئلا يَستدركها من لا يفهم. وإنما اقتصرتُ على ما ذكرتُه عن الدارقطني عن الاستيعاب، لأني أردتُ أن (١) في النسخة المطبوعة من ((فتح الباري)) ١٠: ٢٨٤ جاء قبلَهُ. (٢) ٢: ١١٠. (٣) وقع في الأصل: (وليسَ سواءً ... ). والتصويبُ المُثَبَتُ من ((هدي الساري) ٠١١٠:٢ ٢٤٦ يكونَ عُنواناً لغيرِهِ، لأنه الإِمامُ المقدَّمُ في هذا الفن، وكتابُهُ في هذا النوع أوسَعُ وأَوْعَب، وقد ذكرتُ في أثناءِ ما ذَكَرَه عن غيرِهِ قليلاً على سبيل الأمثلة، والله أعلم. وقد أتَبَعَ الحافظُ ابنُ حجر هذا الفصلَ بفصلٍ آخَرَ يُناسِبُه، قال في أوله: الفصلُ التاسعُ في سياقٍ أسماءِ من طُعِنَ فيه من رجالٍ هذا الكتاب، مُرَتِّباً لهم على حروفِ المعجم، والجواب عن الاعتراضاتِ مَوْضِعاً مَوْضِعاً، وتمييز من أَخرج - له - منهم في الأصول والمتابعاتِ والاستشهاداتِ، مُفَصِّلاً لذلك جمیعه. وَقبلَ الخوضِ فيه ينبغي لكل مُنْصِف أن يَعلم أنَّ تخريجَ صاحب ((الصحيح)) لأيِّ راوٍ كان، مقتَضٍ لعدالتِهِ عنده، وصحةٍ ضبطِه، وعدمِ غفلتِه، هذا إذا خَّجَ له في الأصول وأمَّا إن خَرَّج له في المتابعاتِ والشواهدِ والتعاليق، فهذا تتفاوتُ درجاتُ من أَخرَج له منهم في الضبطِ وغيرِهٍ(١)، مع حصول اسمِ الصدقِ لهم. وحينئذٍ فإذا وجدنا لغيره في أحَدٍ منهم طعناً، فذلك الطعنُ مُقابِلٌ لتعديلِ هذا الإِمام، فلا يُقبَلُ إلَّ مَبِينٌ السببِ مفسَّراً بقادح، يَقْدَحُ(٢) في عدالةِ هذا الراوي وفي ضبطِهِ مطلقاً، أو في ضبطهِ لخبّرٍ بعينه، لأنَّ الأسبابَ الحاملَةَ للأئمةِ على الجَرْح متفاوتة، منها ما يَقْدَحِ، ومنها ما لا يَقْدَح. وقد كان أبو الحسن المُقْدِسي يقولُ في الذي خُرِّجَ عنه في ((الصحيح)): هذا جَازَ القَنْطَرَةَ. يعني بذلك: أنه لا يُلْتَفَتُ إلى ما قِیلَ فیه. وأسبابُ الجرح مختلفة، ومدارُها على خمسةِ أشياء: البدعةِ، والمخالفةِ، والغلط، وجهالةِ الحال، ودعوى الانقطاع في السند، بأن يُدَّعَى في الراوي أنه كان يُدلِّسُ أو يُرسِل. أما جهالةُ الحال فمندفعةً عن جميعٍ من أُخرِجَ لهم في الصحيح، لأنَّ شَرْطَ (١) وقع في الأصل. (من أخرج لهم في الضبط)، والصوابُ المثَبَتُ من ((هدي الساري) ١١١:٢. (٢) وقع في الأصل: (ليقدح). والمثبَتُ من «هدي الساري)). ! ٢٤٧ الصحيح أن يكون راويه معروفً بالعدالة، فمن زَعَم أنَّ أحداً منهم مجهولٌ، فكأنه نازَعَ المصنَّفَ في دعواه أنه معروف. ولا شكَّ أنَّ المدَّعِيَ لمعرفتِهِ مقدَّمٌ على من يَدَّعِي عدَمَ معرفتِّه، لما مع المثبِتِ من زيادةِ العلم. ومع ذلك فلا تجدُ في رجال الصحيح أحداً ممن يَسُوغُ إطلاقُ آسمِ الجهالةِ عليه أصلاً كما سنبيِّنُه. / وأمَّا الغَلَطُ فتارةً يَكثُرُ من الراوي، وتارةً يَقِلُّ، فحيثُ يُوصَفُ بكونِهِ كثيرَ / ١٠١ الغلط، يُنظَرُ فيما أَخَرَجَ له، إنْ وُجِدَ مَرْوِياً عندَهُ أو عندَ غيرِهِ من روايةٍ غير هذا الموصوفِ بالغلط، عُلِمَ أنَّ المعتَمَدَ أصلُ الحديثِ لا خصوصُ هذه الطريق، وإن لم يُوجَد إلَّ من طريقِهِ، فهذا قادحٌ يوجبُ التوقُّفَ عن الحكم بصحةٍ ما هذا سبيلُه، وليس في الصحيح من هذا شيء. وحيثُ يُوصَفُ بقلةِ الغلط، كما يقالُ: سيِّىء الحفظ، أولَهُ أوهام، أو له مناكير، وغيرُ ذلك من العبارات، فالحكمُ فيه كالحكمِ في الذي قبله، إلَّ أنَّ الروايةَ عن هؤلاء في المتابعاتِ أكثرُ منها عندَ المصنُّف من الرواية عن أولئك. وأما المخالفةُ، وينشأ عنها الشذوذُ والنكارَةُ، فإذا رَوَى الراوي الضابطُ الصَّدُوقُ شيئاً، فرواه من هو أحفَظُ منه أو أكثرُ عدَداً بخلافٍ ما رَوَى، بحيث يَتعذّرُ الجمعُ على قواعدِ المحدثين، فهذا شاذٌّ، وقد تَشتدُّ المخالفةُ أو يَضْعُفُ الحفظُ، فُيُحكَمُ على ما يُخالِفُ فيه بكونِهِ منكراً، وهذا ليس في الصحيح منه إلَّ نَزْرٌ يسيرٌ، قد بُينٌ في الفصلِ الذي قبلَهُ. وأما دعوى الانقطاع فمدفوعةٌ عمن أَخرجَ لهم البخاري، لما عُلِمَ من شَرْطِه، ومع ذلك فحُكْمُ من ذُكِرَ من رجالِهِ بتدليسٍ أو إرسالٍ أن تُسَبَرَ أحاديثُهم الموجودَةُ عنده بالعنعنة، فإن وُجِدَ التصريحُ بالسماعِ فيها اندَفَعَ الاعتراض وإلاّ فلا. وأما البدعةُ فالموصوفُ بها إمَّا أن يكونَ ممن يُكفِّرُ بها، أو يُفَسَّقُ، فالمكفّرُ بها لا بُدَّ أن يكونَ ذلك التكفيرُ متفَقاً عليه في قواعدٍ جميع الأئمة، كما في غُلاةِ الروافضِ ٢٤٨ مِن دَعْوَى بعضِهِم حُلولَ الإِلهَيَّةِ في عليّ أو غيرِهِ، أو غير ذلك، وليس في الصحيح من حديثٍ هؤلاء شيء آلبتُّةً. وأما المفسَّقُ بها كبِدَعِ الخوارجِ والروافض الذين لا يَغْلُون ذلك الغُلُّوَّ، وغير هؤلاء من الطوائف المخالفين لأصولِ السُّنَّةِ خِلافاً ظاهراً، لكنَّه مستِنِدٌ إلى تأويلٍ ظاهِرُهُ سائغ، فقد اخْتَلَفَ أهلُ السنة في قبول حديثٍ مَنْ هذا سَبِيلُه(١)، إذا كان معروفاً بالتحرُّزِ من الكذِب، مشهوراً بالسلامةِ من خَوَارِمِ المروءَة، موصوفاً بالدِّيانةِ والعبادةِ، فقيل: يُقبَلُ مطلقاً، وقيل: يُرَدُّ مطلقاً، والثالثُ: التفصيلُ بين أن يكونَ داعِيةُ إلى بدعتِهِ فَيُرَدُّ حديثُه، أو غيرَ داعية فيُقبَلُ، وهذا المذهَبُ هو الأعدَلُ، وصارَتْ إليه طرائفُ من الأئمة، وادِّعَى ابنُ حبان إجماعَ أهلِ النقلِ عليه، لكن في دعوی ذلك نظر. انتھی باختصار یسیر. وقد أحببتُ أن أُورِدَ من هذا الفصلِ شيئاً، ليقِفَ الْمُطالِعُ على مسلكِهم في البحث عن حالِ الرجال، الذي هو من أهمِّ المباحثِ عند أهل الأثر. حَرْفُ الألف (خ د ) أحمد بن صالح المِصْري أبو جعفر بنُ الطَّبري، أحْدُ أئمةِ الحديثِ الحُفَّاظِ المتقِنين الجامعين بين الفقه والحديث، أكثرَ عنه البخاريُّ وأبو داود، ووثَّقَهُ أحمد بن حنبل ويحيى بن معين - فيما نقَلَه عنه البخاري - وعليّ بنِ الَّدِينِي والنَّمَيْرِيُّ(٢) والعِجْلِيُّ وأبو حاتم الرازيُّ وَآخَرُون. وكان النسائي سَيِّىءَ الرأي فيه، /١٠٢ ذكرَهُ مَرَّةً / فقال: ليس بثقةٍ ولا مأمون. وقد ذَكَرَ السببَ الحاملَ له على ذلك أبو جعفر العُقَيْلِيُّ فقال: كان أحمدُ بن صالح لا يُحدِّثُ أحداً حتى يَسأل عنه، فلما أنْ قَدِمَ النسائي مصرَ، جاء إليه وقد صَحِبَ (١) لفظ (حديث) ساقط من الأصل، وثابت في ((هدي الساري)) ١١١:٢. (٢) في ((هدي الساري)) ١١٢:٢ (وابنُ ثُمَير). انتهى. وهو الحافظُ محمد بن عبد الله بن تْمَيرِ الهَمْداني الکوفي. -.. ٢٤٩ قوماً من أهلِ الحديثِ لا يرضاهم أحمد، فأبى أن يُحدِّثَه، فَذَهَبَ النسائيُّ فجمَعَ الأحاديثَ التي وَهِمَ فيها أحمد، وشَرَعَ يُشِنِّعُ عليه، وما ضَرَّه ذلك شيئاً، وأحمدُ بن صالح إمامٌ ثقةٌ. قال ابن عدي: كان النسائيُّ يُنكِرُ عليه أحاديثَ، وهو من الحُفَّاظِ المشهورين بمعرفة الحديث، ثم ذَكَر ابنُ عدي الأحاديثَ التي أنكرها النسائي، وأجاب عنها، وليس في البخاري مع ذلك منها شيء، وقد تبينٌ أنَّ النسائي انفَرَدَ بتضعيفٍ أحمد بن صالح بما لا يُقبَلُ. (خ ت س ق ) أحمد بن المقدام بن سليمان العِجْليُّ أبو الأشعثِ، مشهورٌ بكنيته، وثَّقَه أبو حاتم وصالح جَزّرَةً والنسائيُّ، وقال أبو داود: لا أُحدِّثُ عنه، لأنه كان يُعَلِّمُ الْمُجَّانَ الُجُونَ، كان مُجَّانٌ بالبصرة يَصُرُّون صُرَرَ دراهم، فيَطرحُونَها على الطريق، ويَجلِسون ناحيةً، فإذا مَرْ مارٌّ بصُرَّةٍ وأراد أن يَأْخُذَها صاحوا: ضَعْها لَيَخْجَلِ الرجل، فعلَّم أبو الأشعثِ المارّةَ وقال لهم: هَيِّتوا صُرَرَ زُجاجٍ كصُرَرِ الدراهم، فإذا مررتُم بصُرَرِهم فأردتم أخْذَها، فاطْرَحُوا صُرَرَ الزُّجاج، وخُذُوا صُرَرَ الدارهم التي لهم ففعلوا ذلك. وتعقّبَ ابنُ عدي كلامَ أبي داود هذا، فقال: لا يُؤْثِّرُ ذلك فيه، لأنه من أهل الصدق. قلتُ: ووَجْهُ عدمِ تأثيرِهِ فيه أنه لم يُعلِّم المُجَّان كما قال أبو داود، وإنما علَّمَ المارَّةَ الذين كان قَصَدَ المُجَّانُ أن يُخْجِلُوهم! وكأنه كان يَذهَبُ مذهَبَ من يُؤدِّبُ بالمال، فلَهَذَا جَوَّزَ للمارَّةِ أن يأخذوا الدراهمَ تأديباً للمُجَّان حتى لا يَعُودوا لتخجيلِ الناس، مع احتمالِ أن يكونوا بعدَ ذلك أعادوا لهم دراهمهم، والله أعلم. وقد احتَجَّ به البخاريُّ والترمذيُّ والنسائيُّ وابنُ خزيمة في «صحيحه)) وغيرهم . (خ ت د) إسماعيل بن أَبَانٍ الورَّاقُ الكوفي، أَحَدُ شيوخ البخاري، ولم يُکثِر عنه، وثَّقَه النسائيُّ ومُطَيِّنٌ وابنُ معين والحاكمُ أبو أَحْمَدَ وجعفرٌ الصائغ والدراقطنيُّ وقال في رواية الحاكم عنه: أثنى عليه أحمدُ، وَليس بقويّ، وقال الجوزجاني: كان ٢٥٠ مائلاً عن الحق، ولم يكن يكذِبُ في الحديث، قال ابنُ عدي: يعني ما عليه الكوفيون من التشيع. قلتُ: الجوزجاني كان ناصبياً مُنْحَرِفاً عن عليّ، فهو ضِدُّ الشيعي، ولا ينبغي أن يُسمَع قولُ مبتدِع في مبتدع. وأما قولُ الدارقطني فيه، فقد اختَلَفَ، ولهم شيخٌ يقال له: إسماعيلُ بن أبانِ الغَنَوِيُّ، أجمعوا على ترکِهِ، فلعلَّه اشتبه به. حرف الباء (ع ) بَكْرُ بنُ عَمْرٍو أبو الصِّدِّيقِ البصريُّ النَّاجِيُّ، مشهورٌ بكنِيتِهِ، وثَّقَه جماعةٌ، وقال ابن سعد: يَتكلَّمون في أحاديثه ويستنكرونها . قلتُ: ليس له في ((البخاري)) سوى حديثٍ واحد، عن أبي سعيد، في قِصَّة الذي قَتَّلَ تسعةً وتسعين نَفْساً من بني إسرائيل ثم تاب(١)، واحتَجَّ به الباقون. : حرف التاء المثناة (خ م د س ) تَوْبَةُ بنُ أبي الأسَد العَنْبري البصريُّ، من صِغارِ التابعين، وثَّقَهُ ابنُ معين وأبو حاتم والنسائي، وشذَّ أبو الفتح الأزدي فقال: منكَرُ الحديث(٢). /١٠٣ حرف الثاء المثلثة / (ع) ثَّوْرُ بن زيدِ المَدَني، شيخُ مالك، وثَّقَه ابنُ معين وأبو زرعة والنسائي وغيرُهم، وقال ابنُ عبد البر: صَدُوقٌ لم يَتَّهِمه أحد، وكان يُنْسَبُ إلى رأيِ الخوارج والقولِ بالقَدَر، ولم يكن يدعو إلى شيء من ذلك. وحكى عن مالكٍ أنه سُئل كيف رَويتَ عن داود بن الحُصَينِ، وثورِ بنِ زيد، وذَكَرَ غيرَهما وكانوا يَرَوْنِ القَدَرَ؟ فقال: كانوا لأن يَخِرُّوا من السماءِ إلى الأرضِ أسهَلُ عليهم من أن يَكْذِبوا(٣). (١) وهو في البخاري ٦: ٥١٢، في كتاب الأنبياء، في (بابٍ) بعدَ (باب حديث الغار). (٢) هكذا في الأصل دون ذكر جوابٍ عنه من الحافظ ابن حجر، وفي ((هدي الساري)) ١٢٠:٢، تعقّب الحافظُ أبا الفتح الأزدي فقال عقب الكلام المذكور أعلاه: «قلتُ: له في الصحيح حديثانٍ أو ثلاثة، من رواية شعبة عنه، وروى له مسلم وأبو داود والنَّسائي». (٣) وجاء بعده في ((هدي الساري)): (احتجَّ به الجماعة). ٢٥١ حرف الجيم (ع ) جعفر بن إياس أبو بشر بن أبي وَحْشِيَّة، مشهورٌ بكنيته، من صِغار التابعين، وثَّقَه ابنُ معين والعجلي وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي، وكان شعبة يقول: إنه لم يَسمع من مجاهدٍ ولا من حبيبٍ بن سالم، وقال أحمد: كان شعبة يُضَعَّفُ أحاديثَه عن حبيب بن سالم. وقال البَرْدِيجِي: هو من أثبَتِ الناس في سعيد بن جُبير. وقال ابن عدي : أرجو أنه لا بأس به. قلتُ: احتَجَّ به الجماعةُ، لكن لم يُخرِج له الشيخان من حديثه عن مجاهد ولا عن حبيب بن سالم. حرف الحاء (خ ٤ ) حَرِيز بن عثمان الحِمْصي، مشهورٌ، من صِغار التابعين، وثَّقَه أحمد وابن معين والأئمة، لكن قال الفَلَّسُ وغيرُه: إنه كان يَنْتَقِصُ علیاً، وقال أبو حاتم: لا أعلَمُ بالشام أثبَتَ منه، ولم يَصِحَّ عندي ما يُقالُ عنه من النَّصْبِ، وقال البخاري : قال أبو اليمان: كان حَرِيزٌ يتناوَلُ من رَجُلٍ ثم تَرَك. قلتُ: هذا أعدَلُ الأقوال، فلعلَّه تابَ. وقال ابنُ حِبَّان: كان داعيةً إلى مذهبِهِ يُجِتْنَبُ حديثُه. قلتُ: ليس له عندَ البخاري سوى حديثينِ: أحدُهما في صِفَةِ النبي صلّى الله عليه وسلَّم عن عبد الله بن بُسْ (١)، وهو من ثلاثَيَّاتِهِ(٢). والآخَرُ حديثُهُ عن عبدِ الواحد النَّصْرِي (٣)، عن وائِلَة بن الأسقع، وهو حديثُ: مِن أَفْرَى الفِرَى أن (١) وقع في الأصل: (بشر)، وهو تحريف عن (بُسْر) بالسين المهملة وضم الباء، كما في البخاري و «هَذي الساري)» وغیر کتاب. (٢) هو في البخاري ٥٦٤:٦، في كتاب المناقب في (باب صفة النبي صلَّى الله عليه وسلّم). (٣) النَّصْرِي، بالنون المفتوحة بعدها صاد مهملة، كما ضبطه الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ٦: ٥٤١، وكما في ترجمته من کتب الرجال، ووقع في الأصل و («هدي الساري)) ١٢٢:٢ (البصري)، أي بالباء الموحدة نسبة إلى (البصرة)، وهو تحريف. ٢٥٢ يُرِيّ الرجلُ عَيْنَهُ ما لم تَرَ (١). حرف الخاء (خ م ت س ق ) خالد بن ◌َخْلَد القَطَواني الكوفي أبو الهيثم، من كبارٍ شُيوخ البخاري، رُوَي عنه، ورَوَى عن واحدٍ عنه، قال العِجْلِي: ثقةٌ فيه تشيع، وقال ابنُ سعد: كان متشيِّعاً مُفْرِطاً، وقال صالحُ جَزَّرة: ثقةٌ إلَّ أنه كان متَّهماً بالغُلُو في التشيّع، وقال أحمد بن حنبل: له مناكير، وقال أبو داود: صدوقٌ إلَّ أنه يتشيَّعُ، وقال أبو حاتم: يُكتبُ حديثُه ولا يُحتَجُ به. قلتُ: أما التشُعُ فقد قَدَّمْنا(٢) أنه إذا كان ثَبْتَ الأخذِ والأداءِ، لا يَضُرُّهُ، لا سيَّما ولم يكن داعيةً إلى رأيه. وأما المناكيرُ فقد تتبّعها أبو أحمدَ بنُ عَدِي من حديثِهِ وأوردها في ((كامله)) وليس فيها شيء مما أخرجه له البخاري، بل لم أرَ عندَهُ من أفرادِهِ سوى حديثٍ واحد، وهو حديثُ أبي هريرة: ((من عادى لي وليًّاً، الحديث(٣). ورَوَى له الباقون سوی أبي داود. (١) هو في البخاري ٦: ٥٤٠، في كتاب المناقب في (بابٍ) بعدَ (بابِ نسبةِ اليَمَن إِلى إسماعيل). (٢) أي في ((هدي الساري)) هناك. وتقدم ذلك في ص ٢٤٨ في قوله: والمفسَّقُ بها. (٣) هو في البخاري ١١: ٣٤٠، في كتاب الرقاق في (باب التواضع). قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)» ١١: ٣٤١ عند كلامه على هذا الحديث: ((ساق الذهبي في («الميزان» في ترجمة (خالد بن مَخْلَد)، بعدَ أن ذكر قولَ أحمد فيه: له مناكير، وقولَ أبي حاتم: لا يُحْتَجُّ بَه، وأخرج ابنُ عدي عشرة أحاديث من حديثه استنكرها، قال الذهبيُّ : هذا الحديثُ من طريق محمد بن تَخْلَد، عن محمد بن عثمان بن كرامة شيخِ البخاري فيه، وقالَ: هذا حديثٌ غريبٌ جداً، لولا هَيْبَةُ الصحيح لعَدُّوه في منكراتِ خالد بن تَخْلَد، فإنَّ هِذا المتنَ لم يُرْوَ إلَّ بهذا الإسنادِ، ولا خرّجه مَنْ عَدَا البخاريَّ، ولا أظنّه في ((مسند أحمد)». قلتُ - القائل ابن حجر ـ: ليس هو في ((مسند أحمد)) جَزْماً، وإطلاقُ أنه لم يُرْوَ هذا المتنُ إلاّ بهذا الإسناد مردودٌ، ومَعَ ذلك فَشَرِيكٌ - بنُ عبد الله بن أبي ◌َمِر، في إسناده عند البخاري - = ٢٥٣ حرف الدال (٤) داود بن الحُصَينِ المَدَني، وثَّقَه ابنُ معين وابنُ سعد والعِجْلِيُّ وابنُ إسحاق وأحمدُ بن صالح / المصريُّ والنسائيُّ، وقال أبو حاتم: ليس بقوي، لولا أنَّ مالكاً /١٠٤ رَوَى عنه لتُرِكَ حديثُه، وقال الساجِيّ: منكُرُ الحديث، متَّهَمُ برأي الخوارج، وقال علي بن المديني: ما رَوَى عن عكرمة فمنكَر، وكذا قال أبو داود، وحديثُهُ عن شيوخه مستقیم . قلتُ: رَوَى له البخاري حديثاً واحداً(١)، من روايةِ مالك، عنه، عن أبي سفيان مولى ابنٍ أبي أحمد(٢)، عن أبي هريرة في العَرَايا، وله شواهِد(٣). حرف الذال (ع) ذُرُّ بن عبدِ الله الْمُرْهِبي أبو عبد الله الكوفي، أحَدُ الثقات الأثبات، وثَّقَه ابنُ معين والنسائي، وأبو حاتم وابنُ ثُمَير، وقال أبو داود: كان مرجئاً وهجَرَه إبراهيمُ النخعيُّ وسعيد بن جبير لذلك. ورَوَى له الجماعة. = شيخُ شيخ خالد، فيه مقالٌ أيضاً. وهو رَاوي حديث (المِعِراج) الذي زاد فيه ونَقَصَ وقدَّم وأخِّر، وتفرَّد فيه بأشياءَ لم يُتَابَع عليها كما يأتي القولُ فيه مستوعَباً في مكانه، ولكنْ للحديث طُرُق أخرى يَدُلُّ مجموعُها على أنَّ له أصلاً، منها ... ) ثم ساق له سبعةَ طرقٍ كلُّها ضعاف. وشَرَح الحافظُ ابنُ حجر هذا الحديثَ شرحاً طويلاً جداً، بسبع صفحاتٍ كبار، فانظره إذا شئت. (١) ٤: ٣٨٤، في كتاب البيوع في (باب بيع المُزَابَة ... ). (٢) هو عبد الله بن أبي أحمد بن جَحْش الأسدي، ابنُ أخي زينب بنت جحش أم المؤمنين. قاله الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ٣٨٦:٤. (٣) أي رَخَّصَ النبيُّ صلّى الله عليه وسلَّم في بيع العرايا بخَرْصِها. والعرايا جَمْعُ عَرِيَّة، قال العلامة ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث)): ٢٢٤:٣ «اختُلِفَ في تفسيرها، فقيل: إنه لما نَهَى عن الْزَابَنةِ وهو بَيْعُ الثَّمَر - أي الرُّطَب - في رُؤوس النخل بالتَّمْرِ، رَخَّص في جملةِ المُزَابَةِ في العَرَايا، وهو أنَّ من لا نَخْلَ له من ذوي الحاجة يُدرِكُ الرَّطَب ولا نَقْدَ بيدِهِ يشتري به الرُّطَبَ العِياله، ولا نخلَ له يُطعمهم منه، ويكونُ قد فَضَل له من قُوْتِهِ تَمْرٌ، فيجيء إلى صاحب النخل فيقولُ له: بِعْنِي ثَمْرَ نخلةٍ أو نخلتين بخَرْصِها - أي بما يُقدَّرُ مُسَاوِياً لها - من التَّمْرِ، فَيُعطِيهِ ذلك = ٢٥٤ حرف الراء (ع ) رَوْحِ بنِ عُيَادة القَيْسِيّ (١) أبو محمد البَصْري، أدركه البخاريُّ بالسنِّ ولم يَلْقَهِ، وكان أحَدَ الأئمة، وثَّقَّه عليٌّ بن المديني ويحيى بن معين، وأَثْنَى عليه أحمدُ وغيرُهُ، وكان عَفَّن يَطعنُ عليه، فَرَدَّ ذلك عليه أبو خيثمة فسَكَت عنه، وقال أبو خيثمة: أشّدُّ ما رأيتُ عنه أنه حَدَّثَ مرَّةً فَرَدَّ عليه - عليّ - ابنُ المديني اسماً، فمحاه من کتابه وأثبتّ ما قاله له عليّ. قلتُ: هذا يدلُّ على إنصافِه. وقال أبو مسعود: طعَنَ عليه اثنا عَشَر رجلاً فلم يَنْفُذْ قولُهُم فيه. قلتُ: احتَجَّ به الأئمةُ كلُّهم. حرف الزاي (ع ) زكريا بن إسحاق المكي، وثَّقَّه ابنُ معين وأحمد وأبو زرعة وأبو حاتم والنسائي وأبو داود وابنُ البَرْقِي وابنُ سعد، وقال يحيى بن معين: كان يَرَى القَدّر، أخبرنا رَوْحُ بن عُبَادة قال: رأيتُ مُنادياً يُنادي بمكة: إنَّ الأميرَ نَهَى عن مُجالسةِ زكريا لأجلِ القَدَر. قلتُ: احتَجَّ به الجماعة. (خ م ت ق ) زياد بن عبد الله بن الطَّفَيْل البَكّائي العامري الكوفي راوي ((المغازي)) عن ابن إسحاق. قال يحيى بن آدم، عن عبد الله بن إدريس: ما أحَدٌ أَثبَتَ في ابنٍ إسحاق منه، لأنه أملَى عليه إملاءً مرتين، وقال صالحُ جَزّرة: زيادٌ في نفسِهِ ضعيف، ولكنه أثْبَتُ الناس في ((كتابٍ المغازي))، وكذا قال عثمانُ الدارمي وغيرُهُ عن ابن معين، وقال أحمد بن حنبل وأبو داود: حديثُهُ حديثُ أهلِ الصدق، وضعَّفه عليُّ بن المديني والنسائي وابنُ سعد، وأفرَط ابنُ حبان فقال: لا يَجُوزُ الاحتجاجُ بخبرِهِ إذا انفرد. = الفاضِلَ من التّمْرِ بِثَمَرِ تلك النَّخَلاتِ، ليُصيبَ من رُطَبِها مع الناس. فرَخَّصَ فيه إذا كان دُون خمسة أوْسُق)). (١) وقع في الأصل وفي ((هدي الساري)) ١٢٧:٢ (العبسي)، أي بالعين والباء الموحدة، وصوابه (القيسي) بالقاف والياء المثناة کما في غیر کتاب. ! ٢٥٥ قلتُ: ليس له عند البخاري سوى حديثه عن حُميد، عن أنس، أنَّ عَمِّه غاب عن قِتالِ بَدْرٍ، الحديث، أورده في (الجهاد)(١) عن عَمْرو بن زُرَارة، عنه مقروناً بحديثٍ عبد الأعلى، عن حُميد. ورَوَى له مسلم والترمذي وابن ماجه. حرف السين (خ م ت ) سعيد بن عَمْرو بن أَشْوَع الكوفي من الفقهاء، وثَّقُهُ ابنُ معين والنسائي والعِجلي وإسحاق بن راهويه، وأمَّا أبو إسحاق الجُوزَجَاني فقال: كان زائغاً غالياً يعني في التشيع . قلتُ(٢): والجُوْزَجَانيُّ غَالٍ فِي النَّصْبِ، فتعارَضًا، وقد احتَجِّ به الشيخانِ والترمذي . حرف الشين / (ع) شَرِيك بن عبد الله بن أبي ◌َمِر أبو عبد الله المَدَني(٣)، وثَّقَه ابنُ سعد /١٠٥ وأبو داود، وقال ابن معين والنسائي: لا بأس به، وكان يحيى بن سعيد القطان لا يُحدِّثُ عنه. وقال الساجي: كان يُرْمَى بالقَدَر. قلتُ: احتَجَّ به الجماعةُ، إلاّ أنَّ في روايتِهِ عن أنس لحديثِ الإِسراءِ مواضعَ شاذة(٤) . - كما ذكرنا ذلك في آخر الفصل الثامن -. (١) ٢١:٦، في (باب قول الله عز وجل: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾). (٢) وقع في الأصل (قال). وصوابه (قلتُ) كما في ((هدي الساري))، والقولُ هنا للحافظ ابن حجر. (٣) قال الحافظ في ((فتح الباري)) ١٣: ٤٨٠ ((وهو أكبرُ من شَرِيك بن عبد الله النَّخَعِي القاضي ۔ الکوفي -». (٤) حديث شريك في الإِسراء هو في كتاب التوحيد في (باب ما جاء في قوله عز وجل: ﴿وكلِّم الله موسى تكلياً﴾) ٤٧٨:١٣، وفي طبعة بولاق ١٣: ٣٩٩، وقد أوسع الحافظ ابن حجر الكلام عليه جداً في نحو عشر صفحات. ٢٥٦ حرف الصاد (خ م د ت س ) صَخْر بن جُوَيْرِيَة أبو نافع، وثَّقَه أحمد بن حنبل وابن سعد، وقال أبو زرعة وأبو حاتم والنسائي: لا بأسَ به، وقال ابن أبي خيثمة عن ابنٍ معين: ليس بالمتروكِ، وإنما يُتَكلَّمُ فيه لأنه يقالُ: إنَّ كتابه سَقَط، قال: ورأيتُ في كتابٍ عليّ يعني ابنَ المديني، عن يحيى بن سعيد: ذَهَبَ كتابُ صخر، فُبُعِثَ إليه، من المدينة، احتَجَّ به الباقون إلاّ ابن ماجه. ( حرف الضاد خالي، حرف الطاء ( خ ٤ ) طَلْق بن غَنَّام الكوفي، من كبار شيوخ البخاري، وثَّقَه ابنُ سعد والعجلي وعثمان بن أبي شيبة وابنُ ثُميْر والدراقطني، وقال أبو داود: صالح، وشَذَّ ابنُ حزم فضعَّفَّه في ((المحلَّى)) بلا مستند، واحتَجَّ به أصحابُ ((السُّنَن)). حرف الظاء خالي، حرف العين (ع ) عاصم بن أبي النَّجُودِ المُقریء أبو بكر،قال أحمد بن حنبل: كان رجلاً صالحاً، وأنا أختارُ قراءَتَهُ والأعمشُ أحفَظُ منه، وقال يعقوب بن سفيان: في حديثه اضطراب وهو ثقة، وقال أبو حاتم: محلُّه الصدقُ وليس محلُّه أن يقال: هو ثِقَة، ولم يكن بالحافظ، وقد تكلّم فيه ابنُ عُلَيَّةِ. وقال العُقَيْلي: لم يكن فيه إلاّ سُوءُ الحِفظ، وقال البزار: لا نعلم أحداً تَرَك حديثَه، مع أنه لم يكن بالحافظ. (ع ) عامر بن وائِلَةً أبو الطُّفَيلِ اللَّيِي المَكِِّيُّ (١)، أَثبَتَ مسلمٌ وغيرُهُ له الصُّحْبَة، وقال أبو علي بنُ السَّكَن: رُوِيَ عنه رؤيتُهُ لرسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من وجوهٍ ثابتة، ولم يُرْوَ عنه من وجهٍ ثابتٍ سماعُه. وكان الخوارجُ يَرمُونه باتصالِهِ بعلي وقولِهِ بفضله وفَضْلِ أهلِ بيته، وليس بحديثِه بأس. قال ابنُ المديني: قلتُ لَجَرِير: أكان مُغِيرةُ يَكرَّهُ الروايةَ عن أبي الطَّفَيل؟ قال: نعم. وقال صالح بن أحمد بن حنبل عن أبيه: مكيٌّ ثقة، وكذا قال ابنُ سعد وزاد: كان متشيِّعاً. (١) وهو آخِرُ الصحابة موتاً سنة ١١٠ على الصحيح. ٢٥٧ قلتُ: أساء أبو محمد بنُ حزم فضعَّفَ أحاديثَ أبي الطُّفَيل، وقال: كان صاحبَ رايةِ المختارِ الكذَّاب. وأبو الطّفَيل صحابيٍّ لا شَكَّ فيه، ولا يُؤْثِّرُ فيه قولُ أحدٍ ولا سيما بالعَصَبِيَّةِ والهوى، ولم أرَ له في «صحيح البخاري)) سوى موضعٍ واحد في (العلم)(١)، رواه عن علي، وعنه معروفُ بنُ خَرَّبُوْذَ، وَرَوَى له الباقون. اهـ. أقولُ: قد سَبَق ذِكرُ ذلك(٢)، ولنُعِدْهُ هنا فنقول: قال البخاري في كتاب العلم (باب مَنْ خَصِّ بالعلم قوماً دون قومٍ كراهِيَةَ أن لا يَفْهَموا، وقال عليٌّ: حَدِّثُوا الناسَ بما يَعرِفون، أُحُبُّون أن يُكذِّبَ اللَّهُ ورسولُه) حدَّثَنَا عُبَيْدُ الله بنُ موسى، عن معروف بن خَرِّبُوْذَ، عن أبي الطُّفَيْل، عن عليٍّ بذلك. اهـ. /١٠٦ قال الشُرَّحُ: هذا الإِسنادُ من عوالي / المؤلف، لأنه يلتحقُ بالثلاثیاتِ من جهةِ أنَّ الراويَ الثالثَ وهو أبو الطُّفَيْل صحابيٍّ. وقدَّمَ المؤلفُ المتنَ هنا على السَّنَدِ لُمَّزَ بين طريقِ إسنادِ الحديث وإسنادِ الأثر، أو لضعفِ الإِسنادِ بسببٍ معروفٍ، أو للتفنُّنِ وبيانِ الجواز، ومن ثَمَّ وقَعَ في بعض النُّسَخ مؤخّراً. وقد سَقَط هذا الأثرُ كلُّه من روايةِ الكُشْمِيْهَني. ومعروفٌ المذكورُ هو من صِغار التابعين، ضعَّفّه يحيى بن معين. وقال أحمد: ما أدري كيف هو، وقال السّاچِي: صدوقٌ، وقال أبو حاتم : يُكتبُ حديثُه. ورَوَى له مسلم وأبو داود وابن ماجه حديثَهُ عن أبي الطَّفَيل أنه رأى النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم في الحَجِّ. (خ د ت ق ) عبد الله بن صالح الجُهَني أبو صالح، كاتبُ الليث، لَقِيَه البخاريُّ وأكثرَ عنه، وليس هو من شرطِهِ في ((الصحيح))، وإن كان حديثُهُ عنده صالحاً، فإنه لم يُورِد له في كتابه إلَّ حديثاً واحداً، وعلّق عنه غيرَ ذلك على ما ذكر الحافظ المِّيُّ وغيرُه، وكلامُهم في ذلك متعقّب. (١) ١: ٢٢٥، في (باب من خَصِّ بالعلم قوماً ... ) كما سيقوله المؤلف بعد قليل. (٢) في ص ٦٢ . ٢٥٨ ثم ذَكَرَ وَجْهَ التعقُّبِ وقَالَ: بعدَهُ قلتُ: ظاهِرُ كلامٍ هؤلاء الأئمةِ أنَّ حديثَه كان في الأولِ مستقيماً ثم طَرَأ عليه فيه تخليط، فمقتضى ذلك: أنَّ ما يَجِيءُ من روايتِهِ عن أهل الحِذْقِ کیحیی بن معين والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم، فهو من صحیحٍ حديثه، وما يَجِيءُ من رواية الشيوخ عنه فيُتوقَّفُ فيه، والأحاديثُ التي رواها البخاريُّ عنه في ((الصحيح)) بصيغةِ حَدَّثَنَا، أو قالَ لي، أو قالٌ، المجرَّدَةِ قليلٌ، وأورَدَ ذلك. ثم قالَ: وأمَّا التعلیقُ عن اللیث من رواية عبدِ الله بن صالح عنه فکثیرٌ جداً، وقد عاب ذلك الإسماعيليُّ على البخاريِّ وتعجّبَ منه كيف يَحتَجُّ بأحاديثِهِ حيث يُعلِّقُها، فقال: هذا عجيبٌ يَحتَجُّ به إذا كان منقطعاً، ولا يَحتَجُ به إذا كان مُتَّصِلا؟ وجوابُ ذلك أنَّ البخاريَّ إنما صَنَع ذلك، لما قرَّرناه أنَّ الذي يُورِدُهُ من أحاديثِهِ صحيحٌ عندَهُ، قَد انتَقَاه من حديثِهِ، لكنه لا يكونُ على شرطِهِ الذي هو أعلى شروط الصحة(١)، فلهذا لا يسوقُه مساق أصل الکتاب، وهذا اصطلاح له قد عُرِفَ بالاستقراءِ من صنيعِه، فلا مُشاحَّةً فيه، والله أعلم. (ع) عبد الوارث بن سعيد أبو عُبَيْدة البصري، من مشاهير المحدِّثين ونبلائِهم، أثنى شعبةُ على حفظِهِ، وكان يحيى بن سعيد القطان يَرجِعُ إلى حفظِهِ، ووثَّقَّهُ أبو زرعة والنسائي وابنُ سعد وأبو حاتم، وذكر أبو داود عن أبي علي المَوْصِلي أنَّ حماد بن زيد كان يَنهاهم عنه لأجل القولِ بِالقَدَر. والذي اتَّضَحَ أنهم اتَّموه بالقَدَرِ لأجلِ ثنائِه على عَمْرِوِ بن عُبَيد، فإنه كان يقولُ: لولا أنني أَعلَمُ أنه صَدُوقٌ ما حدَّثتُ عنه. وأئمةُ الحديثِ كانوا يُكذِّبون عَمْرَوبنَ عبيد ويَنْهَونِ عن مُجَالْسَتِهِ، (١): هكذا عمَّمَ الحافظ وأفاد أن شرط البخاري في ((صحيحه)) لأعلى الصحة لا لأصلِ الصحة، وهو مخالف لما قاله في ((النكت على كتاب الصلاح)) ٢٨٩:١ و٥٩٥:٢، من أن (شرط البخاري) في المعنعَن لأصلِ الصحة، لا لأعلى الصحة، وانظر تعليقي عليه بآخر (الموقِظَة)) للذهبي ص ١٣٥ - ١٣٧ في (التتمة الثالثة في بيان مذهب الإمام مسلم في الحديث المعنعن ... ). ٢٥٩ فمِن هُنا اتُهمَ عبدُ الوارث. وقد احتَجِّ به الجماعة. اهـ. أقول: عَمْرُو بن عُبَيد المذكور كان داعيةً إلى الاعتزال، وقد ذَكَر مسلمٌ في ((مقدمة كتابه))(١) شيئاً مما قيل فيه، فقال: حدَّثَنا حسن الحُلْواني، حدثنا نُعَيم بن حماد، ح(٢)، قال أبو إسحاق(٣): وحدَّثَنا محمد بن يحيى، قال حدثنا نُعَیم بنُ حماد، حدثنا أبو داود الطَّيَالِسي، عن شعبة، عن يونس بن ◌ُعُبَيد، قال: كان عَمْرُو بنُ عُبَيد یکذب في الحدیث. وحدَّثَنِي عَمْرُو بن علي أبو حفص، قال سمعتُ مُعاذ بنَ مُعاذ يقول، قلتُ لعوفٍ بنِ أبي جميلة: إنَّ عَمْرو بن عُبَيد حدَّثنا، عن الحسن، أنَّ رسول الله صلَّ الله عليه وسلّم قال: ((من ◌َمَلَ علينا السِّلاحَ فليس منا)). قال: كَذَبَ واللَّهِ / عَمْرُو، ولكنه أرادَ أن يَجُوزَها إلى قولِهِ الخبيث(٤). / ١٠٧ وحدثنا عُبَيد الله بنُ عُمَر القواريري، حدثنا حَّدُ بن زيد، قال: كان رجلٌ قد لَزِمَ أيوبَ وسَمِعَ منه، فَفَقَدَه أيوب، فقالوا له(٥): يا أبا بكر، إنه قد لَزِمَ عَمْرُو بن عبيد، قال حَمَّد: فبينا أنا يوماً مع أيوب وقد بكَّرنا إلى السُّوقِ، فاستقبله الرجلُ فسلّم (١) ١ : ١٠٨. (٢) حرفُ (ح) لتحويل السند عند المحدثين. وليس موجوداً في النسخ المطبوعة التي وقفتُ عليها من ((صحيح مسلم)). وانظر التعليقة التالية. (٣) قال الإِمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) ١: ١٠٨: ((قوله: (حدثنا الحَسَنُ الحلواني، قال: حدثنا نُعَيم بنُ حَمَّاد، قالَ أبو إسحاقَ إبراهيمُ بن سفيان: وحدثنا محمد بن يحيي قال: حدثنا نعيم بن حماد، حدثنا أبو داود الطيالسي)، هكذا وَقَعَ في كثير من الأصول المحققةِ قولُ أبي إسحاق، ولم يقع قولُهُ، في بعضها، وأبو إسحاق هذا صاحبُ مسلم وراوِيةُ الكتابِ عنه، فيكون قد ساوَى مسلماً في هذا الحديث وعَلَا فيه برجل)). انتهى. وبهذا يتبينٌ أن وضع المؤلّفِ هنا (ح) للتحويل: غلَطُ، لأنه يجعَلُ مسلماً ناقلاً عن أبي إسحاق. وهذا خطأ، لما علمتَ. (٤) وقع في الأصل هنا وفيما يأتي (أراد أن يجوزها ... ) أي بالجيم، وهو تحريف. والتصويب من ((صحيح مسلم)) ١ : ١٠٩. (٥) وقع في الأصل: (فقال له)، وهو تحريف، والصوابُ المثبتُ من ((صحيح مسلم)) ١ :٠١٠٩ ! ٢٦٠ عليه أيوبُ وسأله، ثم قال له أيوب: بلَغَنِي أنك لَزِمتَ ذاك الرجل؟ قال حَمَّدَ سَمّاه يعني عَمْراً، قال: نعم يا أبا بكر، إنه يَجِيئنا بأشياءَ غرائب، قال يقولُ له أيوب: إنما نَفِرُّ أو نَفْرَقُ من تلك الغرائب(١). وحدَّثَنِي حَجَّاجُ بن الشاعر، حدثنا سليمان بن حَرْب، حدثنا ابنُ زيد يعني حَّداً، قال: قيل لأيوب: إنَّ عُمْرَو بن عُبِيد رَوَى عن الحَسَنِ قالَ: لا يُجِلَدُ السَّكْرَانُ من النّبيذ. قال: كذَبَ، أنا سمعتُ الحَسَنَ يقولُ: يُحِلَّدُ السكرانُ من النبيذ. وحدَّثَنِي حَجَّاجٌ، حدثنا سليمان بن حرب، قال: سمعتُ سَلَّمَ بنَ أبي مُطِيعٍ، قال: بَلَغ أيوبَ أني آتي عَمْراً، فأقبَلَ عليَّ يوماً فقال: أرأيتَ رجلًا لا تأمَنُه على دِينِهِ، فكيف تأمَنُهُ على الحديث. اهـ. تنبيه: حديثُ ((من حَمَلَ علينا السلاحَ فليس منا)) صحيحٌ مَرْوِيٌّ من طرق، وقد ذكرها مسلم في كتاب الإِيمان(٢). وقد أوَّل علماءُ أهلِ السنة هذا الحديثَ، فقال بعضُهم: هو محمولٌ على المستَحِلِّ لذلك بغير تأويل، فيكفُرُ ويَخرُجُ من الملة. وقيل: معناه ليسَ على سِيرتِنا الكاملةِ وهَدْيِنا. وهذا ما يقولُ الرجلُ لولدِهِ إذا لم يَرْضَ فِعلَه. لستَ مني. وهكذا القولُ في جميع الأحاديثِ الواردةِ بنحوِ هذا القولِ كقوله عليه السلام: ((من غَشِّنا فليس مِنَّ))، فإنَّ مذهب أهلِ السنة أنَّ من ◌َمَلَ السلاحَ على المسلمين بغير حقٍّ ولا تأويلٍ ولم يَسْتَحِلَّه فهو عاصٍ ، ولا يَكفِّرُ بذلك. وكان سفيان بن عيينةِ يَكْرَهُ قولَ من يُفَسِّرُه بليس على هَدْيِنا ويقولُ: بِئْسَ هذا القولُ، يعني أنه يُمسِكُ عن تأويله، ليكونَ أوقَعَ في النفوس وأبلَغَ في الزجر. وَمَلَتْهُ المعتزلةُ على ظاهِرِهِ فقالوا: إنَّ مَنْ ارتكَبَ كبيرةً ولم يُتُب خَرَجَ من الإِيمان، وخُلِّدَ في النار، ولا يُسمُّونه مؤمناً ولا كافراً، وإنما يُسمونه فاسِقاً. ولكون (١) وقع في الأصل: (إِنما نقر أو نغرف). والتصويب من ((صحيح مسلم)) ١: ١٠ (٢) ١٠٧:٢ - ١٠٨٪ ٢٦١ ظاهِرِ هذا الحديثِ يُؤَيِّدُ مذهبَ المعتزلةِ قال عوفٌ: كَذَبَ واللَّهِ عَمْرٌو، ولكنه أرادَ أن يَجُوزَها إلى قولِهِ الخبيث. يعني أنه أراد أن يَعضُدَ بهذه الكلمةِ مذهَبَه الباطل، وهو مذهبُ المعتزلة . ومُرادُ مسلم بذِكْرٍ ذلك هنا، بَيَانُ أنَّ عَوْفً جَرَحِ عَمْرَوبنَ عُبَيْد وكذَّبَه، وقد حاوَلَ العلماءُ بيانٌ وَجْهٍ لتكذيب عَوْفٍ فقالوا: إنما كذَّبه مع أنَّ الحديثَ صحيح: إمّا لكونِهِ نسَبَه إلى الحسن، والحسَنُ لم يَرْوِ هذا، أو لكونِهِ لم يَسمَعْه من الحسن، وكان عَوفٌ من كبار أصحاب الحسَن. ولكن بقي أن يقال: فماذا أرادَ عوفٌ بقوله: ولكنه أراد أن يَجُوزَها إلى قولِهِ الخبيث. واعلَمْ أنَّ هذا الحديثَ وأشباهَهُ، لو انفَرَد بروايتِهِ ثِقاتُ الرواةٍ من المعتزلة، ولو لم يكونوا دُعاةً إلى مذهبهم، لا يُقبَلُ عند المحدِّثين البتة، لما عَرَفتَ من أنَّ المبتدِعَ إذا كان متحرِّزاً من الكذب وموصوفاً بالديانة لا يُقبَلُ من روايتِهِ عند من يَقْبَلُها إلّ ما لا يكونُ مؤيِّداً لبدعتِهِ ظاهراً. ولو لم يُرْوَ هذا الحديثُ من طريقٍ غيرِ طريق عَمْرٍو وإخوانِهِ، لُجُعِلَ مِثالاً للحديثِ الموضوع الذي وَضَعَتْهُ المعتزلةُ تشييداً لمذهبهم، وإن كانوا أبعَدَ الناسِ عن الوضع . وقد نقلنا سابقاً(١) قولَ بعضِ العلماءِ الأعلام: إِنَّ من يَعتَقِدُ أنه يُخُلِّدُ في النار على شهادةِ الزور، أبعَدُ في الشهادةِ الكاذبة ممن لا يَعتَقِدُ ذلك، فكانت الثقةُ بشهادتِهِ وخبَرِهِ أُكمَلَ من / الثقةِ بمن لا يَعتقِدُ ذلك. ومَدارُ قبولِ الشهادةِ والروايةِ على الثقةِ /١٠٨ بالصدق، وذلك متحقِّقٌّ في أهلِ الأهواء. وقد حاوَلَ حكيمُ أهل الأثر ابنُ حِبَّن حَلَّ هذه العُقدة على وَجْهٍ ربما أَرضى الفريقين، فقال: كان يَكذِبُ في الحديثِ وَهَماً لا تَعَمُّداً. ولا يخفى أنَّ الكذِبَ وَهَماً (١) في ص ٩٥. 1 ٢٦٢ عبارةٌ عن وقوع - خطأ - في حديثِهِ على طريقِ السهوِ أو الغفلةِ ونحو ذلك، وهو مما لا يخلو عنه إنسانٌ مهما جَلَّ حِفظُه وانتباهُه . قال الحافظ الترمذي: قال وكيع: إنْ لم يَكُن المعنى واسِعاً فقد هَلَكَ الناس، وإنما تفاضَلَ أهلُ العلم بالحفظِ والإِتقانِ والتثُبتِ عند السماع، مع أنه لم يَسلم من الخطأ والغَلَطِ أحدٌ من الأئمةِ مع حفظهم. والظاهِرُ أنَّ عَمْرو بن عُبَيد كان جارياً على سَنَنِ جُهورِ أهلِ الأثر في قبولِ خَبَرَ الواحد إذا استوفى الشروطَ المشهورة. قال ابن حزم في كتاب ((الإِحكام))(١) في إثباتِ خبر الواحد: ولا خلافَ بين مؤمنٍ ولا كافٍ قطعاً في أنَّ كلَّ صاحِبٍ وكلَّ تابعٍ سألَهُ مُسْتَقْتٍ عن نازلةٍ في الدِّين، أنه لم يَقُل له قط: لا يَجوزُ لك أن تَعمَل بما أخبرتُك به عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم حتى يُخبِرَك بذلك الكَوَافُّ، كما قالوا لهم فيما أخبروا به: أنه رأيٌ منهم، فلم يُلزِموهم قبولَه. ثم قال: فصَحَّ بهذا إجماعُ الأمَّةِ كلِّها (٢) على قبولِ خبرِ الواحدِ الثقةِ، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، يَجِرِي على ذلك في كلِّ فِرقةٍ علماؤها، كأهل السُّنَّةِ والخوارجِ والشيعةِ والقَدَرية، حتى حَدَثَ مُتْكلِّمو المعتزلةِ بعدَ المئة من التاريخ، فخالفوا الإِجماعَ في ذلك. ولقد كان عَمْرُو بن عُبَيد يَتديَّنُ بما يَروِي عن الحَسَنِ ويُفْتِي به، هذا أمرٌ لا يجهلُه من له أقلُّ عِلم. اهـ. ولا يخفى ما في هذه العبارةِ من الإِشعارِ بفَرْطِ شُهرةِ هذا الرجل، مع عِظَمِ موقعِهِ في نفوس المعتزلة. ولْنذكُرْ شيئاً من ترجمته مما ذكره أهلُ الأثر، حاذِفين كثيراً مما يتعلَّقُ بذمِّه، فقد عُرِفَ رأيهم فيه، فنقول: هو أبو عثمان عَمْرُو بن عُبَيد البَصْرِي، رَوَى عن الحسن وأبي قلابة، ورَوَى (١) ١١٣:١ و١٠٢:١. (٢) وقع في الأصل: (الأئمة كلها)، والتصويب من (الإِحكام)) لابن حزم ١ :١١٣.