النص المفهرس

صفحات 281-300

٢٢٣
وقد أوضح الحافظُ ابنُ حجر ما ذُكِرَ في آخر هذا الفصل، فقال في ((مقدمة
شرحه))(١): ويقَعُ في كثيرٍ من أبوابه الأحاديثُ الكثيرةُ، وفي بعضِها ما فيه حديثٌ
واحد، وفي بعضِها ما فيه آيةٌ من كتاب الله، وبعضُها لا شيءَ فيه آلبتةَ، وقد ادَّعَى
بعضُهم أنه صَنَع ذلك عَمْداً، وغَرَضُه أن يُبيِّنَّ أنه لم يَثْبَتْ عندَه حديثٌ بشرطِهِ في
المعنى الذي تُرجَم له، ومن ثَمَّ وَقَع مِن بَعْضٍ مَنْ نَسَخَ الكتابَ ضَمُّ بابٍ(٢) لم يُذكَّر
فيه حديثٌ إلى حديثٍ لم يُذكَر فيه بابٌ، فأشكَّلَ فَهْمُه على الناظرِ فيه.
وقد أوضح السَبَبَ في ذلك الإِمامُ أبو الوليد الباجي المالكيُّ في ((مقدمة كتابه»
في أسماءِ رجال البخاري(٣)، فقال(٤): أخبَرَني الحافظ أبوذر عَبْدُ بنُ أحْمَدّ
الهروي (٥)، قال حدثنا الحافظ أبو إسحاق إبراهيم بن أحمد المستملِي، قال: انتَسختُ
كتابَ البخاري من أصلِهِ الذي كان عند صاحبه محمد بن يوسف الفِرَبْرِي، فرأيتُ
فيه أشياءَ لم تتِمَّ، وأشياءَ مُبَيَّضَةً، منها تراجِمُ لم يُثبِت بعدَها شيئاً، ومنها أحاديثُ
لم يُترجِم لها، فأضفنا بعضَ ذلك إلى بعض.
قال أبو الوليد الباجيُّ: مما يَدُلُّ على صِحَّةِ هذا القولِ أنَّ روايةَ أبي إسحاق
المستملِي ، وروايةَ أبي محمد السَّرَخْسِي، وروايةَ أبي الهيثم الكُشْمِيْهَني، وروايةً أبي زيد
المَرْوَزِي مختلِفَةٌ بالتقديم والتأخير، مع أنهم انتَسَخُوا من أصلٍ واحد، وإنما ذلك
(١) أي ((هَدْي الساري)) ٥:١ من الطبعة المنيرية ذات الجزءين.
(٢) وقع في الأصل: (ومن ثَمَّ وقع في بعضٍ مِن نُسَخِ الكتاب ضمُّ باب ... ). والمثبت
من ((هدي الساري)) ١: ٥ .
(٣) واسمُهُ: ((التعديل والتجريح لمن خرَّج له البخاري في الجامع الصحيح)).
(٤) ١ : ٣١٠
.(٥) وقع في الأصل وفي («هَذْي الساري)): (أبو ذر عبدُ الرحيم بنُ أحمد)، ولفظُ (الرحيم)
مقحم غلطاً، ووقع في أول مقدمة ((فتح الباري)) نفسِه ١: ٦ (أبو ذر عبد الله بنُ أحمد)، ولفظُ
الجلالة مقحم غلطاً أيضاً.
وقد وقع هذا الغلط في أكثر من كتاب، وصوابه: (عبدُ بنُ أحمد الغَرَوي) كما في ترجمته في
غير كتاب، وهو في كتاب الباجي سليم قويم، وسيأتي هذا الغلط مرة ثانية في ص ٧٤٨.

٢٢٤
بحَسَبٍ ما قَدَّر كلُّ واحدٍ منهم، فيما كان في طُرَّةٍ أو رُقعةٍ مُضَافٍ أنه من موضعٍ مًّا،
فأضافه إليه، ويُبينُ ذلك أنك تجدُ ترجمتينِ وأكثرَ من ذلك متصلةً، ليس بينها
أحادیث.
قال الباجي: وإنما أوردتُ هذا هنا لِمَا عُنِيَ به أهلُ بلدنا من طَلَبٍ مِعنِىَّ يَجِمَعُ
/٩٠ بين الترجمةِ والحديثِ / الذي يليها، وتكلّفِهم من ذلك من تعسف التأويلِ
ما لا يَسوغُ انتهى.
قلتُ: هذه قاعدةٌ حسنة يُفزَعُ إليها حيث يتعسَّرُ الجمعُ بين الترجمة والحديث،
وهي مواضعُ قليلة جداً ستظهر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى(١).
ثم ظهَرَ لي أنَّ البخاريَّ مع ذلك فيما يُورِدُه من تراجم الأبوابِ على أطوارٍ:
إِن وَجَدَ حديثاً يُناسِبُ ذلك البابَ ولو على وجهٍ خَفِيّ وافَقَ شَرْطَهِ، أَوَرَدَهِ فيهِ
بالصيغةِ التي جعَلَها مصطلحَه لموضوعٍ كتابِهِ، وهي حدَّثَنَا وما قَامَ مَقامَ ذلك،
والعنعنةُ بشرطِها عنده(٢).
وإن لم يَجِد فيه إلَّ حديثاً لا يُوافِقُ شَرْطَه مع صلاحِيَتِهِ للحُجَّة، كتبه في البابِ
مغايراً للصيغةِ التي يَسُوقُ بها ما هو من شَرْطِه، ومن ثَمَّ أَورَدَ التعاليقَ كما سيأتي في
فصلِ حُكمِ التعليق .
وإن لم يجد فيه حديثاً صحيحاً لا على شرطِه ولا على شَرْطِ غيره، وكان مما
يُستأنَسُ به ويُقَدِّمُهُ قُومٌ على القياس، استَعمَل لفظَ ذلك الحديثِ أو معناه ترجمةً
باب، ثم أَوردَ في ذلك إمَّا آيَةً من كتابِ الله تَشْهَدُ له، أو حديثاً يُؤْيِّدُ عمومَ ما دَلَّ
عليه ذلك الخبرُ. وعلى هذا فالأحاديثُ التي فيه على ثلاثة أقسام. اهـ.
(١) يعني في ((فتح الباري)) للحافظ ابن حجر صاحب هذا الكلام.
(٢) وقع في الأصل: ( ... وما قام مقام ذلك من العنعنة بشرطها عنده). وهو مخالف
لما أثبته من ((هدي الساري)) ١: ٥.
/

٢٢٥
وقد أَشكلَتْ عبارةُ الباجيِّ على بعضِ الناس فقالَ: وهذا الذي قاله الباجيُّ
فِيهِ نَظَرٌ، من حيثُ إِنَّ الكتابَ قُرِىء على مؤلَّفِهِ، ولا ريبَ أنه لم يُقرَأ عليه إلَّ مُرَتَّباً
مُبَّباً، فالعبرةُ بالروايةِ لا بالمُسَوَّدَةِ التِي ذَكَرَ صِفتَها.
وفي هذا النظرِ نَظَرٌ، لأنَّ الباجيَّ لم يَذكر أنَّ الكتابَ كان غيرَ مبوَّبٍ
ولا مرتَّبِ، بل ذَكَر أنه يُوجَدُ في بعضِ المواضع منه تراجمُ ليس بعدَها شيء،
وأحاديثُ لم يُترجَم لها، وهي كما قال الحافظ: مواضِعُ قليلةٌ جداً. والكتابُ على هذه
الصفةِ يُمكِنُ قراءَتُه وأخذُهُ بالرواية .
فإن قلتَ: كيف يَفعَلُ إذا وَصَل إلى ترجمةٍ ليس بعدَها شيء؟ قلتُ: هنا
احتمالانٍ: أحدُهما: أن يَتْرُكَ قراءةً الترجمة. والثاني: أن يَقرأها ويُشِيرَ إلى أنه لم يجد
إلى ذلك الوقتِ ما يُناسِبُها. فإن قلتَ: فلمَ لا يَضرِبُ عليها؟ قلتُ: إنَّ كثيراً من
المؤلِّفين يفعلون مثلَ ذلك، ويَأْمُلُون أن يجدوا بعدَ حينٍ ما يُناسِبُ الترجمةَ. على أنَّ
كثيراً من المؤلّفاتِ التي قُرِئت على مؤلَّفِيها لا تخلو عن بَيّاض.
وأمَّ الأحاديثُ التي لم يُترجِم لها، فالأمرُ فيها سَهْل، فإنه يُمكِنُ أن يَجِعَل عنوانَ
الترجمة: باب، ويَذكرَ بعدَه الحديثَ الذي لم يجعل له ترجمةً خاصةً، ولا يُحْتَمَلُ هنا
عَدَمُ قراءتِه، لأنَّ المقصودَ الأولَ في كتابِهِ هو معرفةُ الأحاديثِ الصحيحة.
وقد وقع في ((البخاري)) كثيراً ذِكرُ لفظِ: بابٍ، وليس بعدَهُ شيء، فمن ذلك في
كتابٍ الإِيمان: بابٌ، حدَّثَنا أبو اليمان. قال الشُّرَّاحُ: بابٌ بالتنوين، بغير ترجمة،
ولفظُ البابِ ساقِطٌ عند الأَصِيلي، وحينئذٍ فالحديثُ التالي من جملةِ الترجمةِ السابقة،
وعلى روايةِ إثباتِهِ فهو كالفَصْلِ عن سابقِهِ، لتعلَّقِهِ به، وفي الحديثِ السابق بيانُ أنَّ
حُبَّ الأنصارِ من الإِيمانِ، وفي الحديثِ اللاحِقِ الإِشارةُ إلى سَبَبٍ تلقيبهم بالأنصار،
لأنَّ ذلك كان ليلةَ العَقَبَةِ لَّا بايعُوا على إعلاء كلمة الله، وكان يقال لهم: بُنُو قَيْلَة،
وقَيْلَةُ بالفتحِ الأمُّ التي كانت تَجِمَعُ القَبِيلَتَيْنِ. اهـ.
واعلم أنَّ ((صحيح مسلم) قد قُرِىء على جامعِه مع خُلُوِّ أبوابِهِ عن التراجم،

٢٢٦
قال شارحُه(١): إنَّ مسلماً رَتَّبَ كتابَه على أبواب، فهو مبوَّبٌ في الحقيقة، ولكنه
لم يَذكر تراجمَ الأبوابِ فيه، لئلا يَزْدادَ حَجْمُ الكتابِ أو لغير ذلك، وقد ترجّمَ جماعةٌ
أبوابَه بتراجمَ بعضُها جيد، وبعضُها ليس بجيد، إمَّا لقصورٍ في عبارةٍ الترجمة،
أو الركاكةٍ في لفظِها، وإما لغير ذلك. وأنا أَحرِصُ على التعبير عنها بعباراتٍ تليق بها في
مواطنها .
وأمَّا قولُ ذلك القائل(٢): إنَّ العبرةَ بالرواية لا بالمسوَّدَةِ التي ذُكَر صِفَتَها،
/٩١ فالجوابُ أنَّ الروايَةَ إنما تُلقِّيَتْ من نُسَخ الأصولِ المأخوذةِ من / تلك المُسَوَّدة، وهي في
الحقيقة مُبَيِّضة.
الفائدةُ الثالثة:
في أنَّ الشيخين لم يَستوعبا الصحيحَ ولا التَّزَما ذلك
قد ظَنَّ أُناسٌ أنهما قدِ التّزمًا أن يُخرِجا كلَّ ما صَحَّ من الحديثِ في كتابيهما،
فاعتَرَضُوا عليهما بأنهما لم يَقُومًا بما الّزَما به، وليس الأمرُ كذلك.
فقد رُوِيَ عن البخاري أنه قال: ما أَدخلتُ في كتابي ((الجامع)) إلّ ◌َمَا صَحَّ،
وتَركتُ جملةً من الصِّحَاحِ خَشْيَةً أن يَطُولَ الكتابُ.
ورُوِيَ عن مسلم أنه لما ◌ُوتِبَ على ما فَعَل من جمع الأحاديثِ الصحاح في
كتابٍ، وقيل له: إنَّ هذا يُطَرِّقُ لأهلِ البِدَع علينا، فَيَجِدُون السبيلَ بأن يقولوا إذا
احْتُجَّ عليهم بحديثٍ: لَيْسَ هذا في ((الصحيح))، قال: إنما أُخرجتُ هذا الكتابَ
وقلتُ: هو صِحَاح، ولم أَقُلْ: إنَّ ما لم أُخرِجه من الحديثِ في هذا الكتاب فهو
ضعيفٌ، وإنما أَخرجتُ هذا الحديثَ من الصحيح، ليكونَ عندي وعندَ من يكتِّبُهُ
عني ولا يرتابُ في صحّتِه.
وقد رَفَعَ بذلك العَتْبَ، ولسانُ حالِهِ يقول: أُلامُ على ما يُوجِبُ الحُبَّ؟!
(١) أي الإِمامُ النووي في الفصل العاشر من فصول مقدمة شرحه ٢١:١.
(٢) أي في التعقيب على كلام الباجي السابق بآخر الصفحة ٢٢٥.
İ

٢٢٧
ومن الغريب أنَّ بَعْضَ الناس لنُفْرَتِهِ من تجريدِ الصِّحاح، صَرَّح بتفضيلِ
((سُنَّن النسائي)) على ((صحيح البخاري))، وقَالَ: إِنَّ مَنْ شَرَطَ الصحةَ فقد جَعَلَ لمن
لم يَستكمِل في الإِدراكِ سَباً إلى الطعنِ على ما لم يُدخَل، وجَعَل للجدالِ مَوْضِعاً فيما
أدخِل.
وهو قولٌ شادٌّ لا يُعوِّلُ عليه، ولا يُلْتَفَتُ إليه. ولو لم يكن الناقلُ عن هذا
القائلِ وأمثالِهِ ممن يُوثَقُ بنقلِهِ، لشَكَّ اللبيبُ في صُدورِ ذلك عمن له أدنى سَهْم في
الفهم، وكأنهم لم يَشعُروا بما نشأ عن مَزْجِ الصحيح بغيرِهِ من الضُّرَرِ الذي حَصَلَ
لکثیر من الناس.
وليتَهم نظروا في مقدِّمةِ ((كتاب مسلم)) نَظرةً، ليقفوا على الباعِثِ لتجريد
الصحيح، لعلهم يَسكُتُون فُسكَتَ عنهم، ولكنَّ الَيْلَ إلى الإِغرابِ غريزةٌ في بعضٍ
النفوس.
والمقصودُ هنا قولُ مسلم(١): وبَعْدُ يَرَمُك الله، فلولا الذي رأينا من سُوءٍ
صَنِيعِ كثيرٍ ممن نَصَبَ نفسَهُ محدِّثاً، فيما يَلزمُهم من طَرْحِ الأحاديثِ الضعيفةِ،
والرواياتِ المنكْرةِ، وتركهم الاقتصارَ على الأخبارِ الصحيحةِ المشهورةِ، مما نَقّله
الثقاتُ المعروفون بالصدقِ والأمانةِ، بعدَ معرفتِهم وإقرارِهم بألسنتِهم أنَّ كثيراً مما
يَقِذِفُون به إلى الأغبياءِ من الناس، وهو مستنكرٌ - ومنقولٌ -عن قومٍ غير مَرْضِيِّين ممن ذَمَّ
الروايةَ عنهم أئمةُ الحديث، مثلُ مالك بن أنس، وشعبةً بنِ الحجاج، وسفيانَ بن
عيينة، ويحيى بن سعيدٍ القطان، وعبد الرحمن بن مَهْدِي، وغيرهم، لَا سَهُلَ علينا
الانتصابُ لَا سألتَ من التمييزِ والتحصيل، ولكنْ من أجلِ مَا أَعلمناك من نَشْرِ
القوم الأخبارَ المنكرةَ بالأسانيدِ الضعافِ المجهولةِ، وقَذْفِهم بها إلى العَوَامِّ الذين
لا يَعرِفون عُيُوبَها، خَفَّ على قُلُوْبِنا إجابتك إلى ما سألتَ. اهـ.
وقد نقلنا عنه فيما سَبَقَ(٢) مقالةٌ أُخرَى في ذَمِّ هذه الفِرقة، قال في آخِرِها: ومن
(١) في مقدمة ((صحيحه)) ١ : ٥٩.
(٢) في ص ١٩٢ .

٢٢٨
ذَهَبَ في العلمِ هذا المذهبَ، وسَلَكَ هذا الطريقَ، لا نصيبَ له فيه، وكانَ بأن
يُسمَّى جاهلاً أولى من أن يُنسَّبَ إِلَى عِلْم(١).
وبما ذكرنا من عَدَمِ التزامِهما استيعابَ الأحاديثِ الصحيحةِ أجمَعَ، يَظْهَرُ لك
أنْ لا وَجْهَ لإِلزامِ من الزّمَهما إخراجَ أحاديثَ لم يُخْرِجاها، مع كونها صحيحةً على
/٩٢ شَرْطَيْهما. قال(٢) في ((شرح مسلم)): أَلْزَمَ الإِمامُ الحافظُ / أبو الحسن عليُّ بِنُ عُمَّر
الدارقطنيُّ وغيرُهُ البخاريَّ ومسلماً رضي الله عنهما إخراجَ أحاديثَ تَرّكا إخراجها، مع
أنَّ أسانيدَها أسانيدُ قد أُخرَجا لرواتِها في («صحیحیھما)» بها.
وذَكَر الدارقطنيُّ وغيرُهُ أنَّ جماعةٌ من الصحابة رضي الله عنهم، روَوْا عن
رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم ورُوِيَتْ أحاديثهم من وجوهٍ صحاحٍ لا مطعَنَ في
ناقِليها، ولم يُخْرِجا من أحاديثهم شيئاً، فَيَلزَمُهما إخراجُها على مذهبيهما.
وذكَرَ البيهقيُّ أنهما اتَّفَقَا على أحاديثَ من صحيفةِ هَمَّام بن مُنبِّه، وأنَّ كلَّ واحدٍ
منهما انفَرَدَ عن الآخَرَ بأحاديثَ منها، مع أنَّ الإِسنادَ واحد. وصَنَّفَ الدار قطنيُّ
وأبو ذَرّ الْهَرَويُّ في هذا النوع الذي أَلزَمُوهما.
وهذا الإِلزامُ ليس بلازمٍ في الحقيقة، فإنهما لم يَلتزما استيعابَ الصحيح، بل
صَحَّ عنهما تصريحُهما بأنهما لم يَستوعباه، وإِنما قَصَدَا ◌َجْعَ ثُمَلٍ من الصحيح، كما
يَقْصِدُ المصنّفُ في الفقهِ جَمْعَ مُلةٍ من مسائله، لا أنه يَحِصْرُ جميعَ مسائله.
لكنهما إذا كان الحديثُ الذي تَرَكَاهُ أو تَرَكَهُ أحدُهما مع صحةِ إسنادِهِ في الظاهرِ
أصلاً في بابه، ولم يُخرِجا له نظيراً ولا ما يَقُومُ مقامَه، فالظاهرُ من حالِهِمَا أَنَّمَا اطَّعًا
(١) يتجلى من كلام مسلم هذا، أنه لا يُسيخ إيرادَ الأخبار الضعيفة المنكرة
أو الموضوعة، مع السكوت عن بيانها، اعتماداً على ذكر الإِسناد فيها، فإنه لا يَرى هذا مسؤُغاً
لروايتها كذلك، إذ لا بُدَّ عنده من كشفها لمن يقف عليها، وهذا رأي صحيح هام.
(٢) أي الإِمامُ النوويُّ في الفصول التي قدَّمها في أول شَرحِهِ على ((صحيح مسلم)) ٢٤:١،
في الفصل ١٢.

٢٢٩
فيه على علةٍ إن كانا رَوَياه، ويُحْتمَلُ أنهما تَرَكاهُ نِسياناً، أو إيثاراً لتركِ الإِطالة، أو رَأيًا
أنَّ غيرَه مما ذَكَرَاهُ يَسدُّ مسدّه، أو لغير ذلك. والله أعلم.
والظاهرُ أنَّ المعترِضِين عليهماَ في ذلك لم يَبلُغْهم تصريحُهما بما ذُكِرَ، ومنهم
ابنُ حِبَّانَ فإنه قال: ينبغي أن يُناقَشَ البخاريُّ ومسلمٌ في تركِهما إخراجَ أحاديثَ هي
من شرْطِهما.
وقال بعضُهم: لعلَّ شُبهةَ المعتَرِضِين نشأَتْ من تسميةِ البخاري كتابَهُ
بالجامِع، وهي شُبْهَةٌ واهيةٌ، لا سيما إن نُظِرَ إلى تتمةِ الاسم، وقد عَرفتَ سابقاً(١) أنه
سَمَّاهُ: ((الجامعَ الصحيحَ الْمُسْنَدَ المختَصَرَ من أُمورِ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم
وسُنَتِهِ وأيَّامِه)). وأمَّا الحاكمُ فإنه اقتصَرَ على أن قال: ولم يَحِكُما ولا واحِدٌ منهما أنه
لم يَصِحَّ من الحديثِ غيرُ ما خَرَّجَه. وقد نَبَغَ في عَصْرِنا هذا جماعةٌ من المبتدِعةِ
يَشْمَتُون بُرُواةِ الآثار، ويقولون: إنَّ جميعَ ما يَصِحُ عندَكم من الحديثِ لا يَبْلُغُ عَشْرَةً
آلافٍ حدیث.
وقد اختلف العلماءُ في مقدارِ ما فاتّهما من جهةِ القِلَّةِ والكثرة، فقال الحافظ أبو
عبد الله محمدُ بن يعقوب بن الأخرَمِ شيخُ الحاكم: قلَّما يَقُوتُ البخاريَّ ومسلماً مما
يَثْبتُ من الحديثِ، ويَردُ على ذلكَ قولُ البخاري فيما نقّلَه الحازميُّ والإِسماعيلي:
وما تَرَكْتُ من الصِّحاح أُكثُرُ.
وقال النووي: قد فاتَّهمَا كثيرٌ، والصوابُ قولُ من قال: إنه لم يَفْت الأصولَ
الخمسةَ إِلَّ اليسيرُ.
والأصولُ الخمسةُ هي صحيحُ البخاري، وصحيحُ مسلم، وسُنَّنُ أبي داود،
والترمذيِّ، والنسائيِّ.
وقد جَعَل بعضُهم الأصولَ سِتَّةً بضَمُّ سُنَنٍ ابن ماجه، إليها. قِيل: أوَّلُ من
فَعَل ذلك ابنُ طاهر المَقْدِسي، فتابَعَه أصحابُ الأطرافِ والرِّجالِ على ذلك، وتَبِعَهم
(١) في ص ٢٢٠.
!

٢٣٠
غيرُهم. وإنما لم تُذكَرْ هِنا لِمَا قَال المِزِيُّ وهو: أنَّ كلَّ ما انفَرَدَ به ابنُ ماجه عن الخمسةِ
فهو ضَعِيف. قال الْحُسَينِيُّ: يَعني من الأحاديثِ، وقال ابنُ حجر: إنه انفردَ بأحاديثَ
كثيرةٍ وهي صحيحةٌ، فالأَولَى حَمْلُ الضَّعْفِ على الرِّجال.
وقد تَمَع العلامةِ مجدُ الدين ابنُ الأثير: الأصولَ الخمسةَ في كتابٍ، وضِّمَّ إليها
((مُوَطَّأَ الإِمام مالك))، حتى صارَتْ بذلك سِنَّةً، وسَمَّه ((جامعَ الأصول، من حديثٍ
الرسول))(١)، فصار الوصولُ إلى هذه الأصولِ سَهْلَ الَسْلَك، قَرِيبَ الْمُدْرَكِ.
/٩٣
/ والمرادُ بسُنَنِ النَّسائي هنا هي الصُّغْرَى، لما رُوِيَ أنه لَّا صَنَّفِ ((الكبرى)،
أَهداها لأمير الرَّمْلَةِ، فقال له: أَكُلُّ ما فيها صحيح؟ فقال: فيها الصحيحُ والحَنُ
وما يُقارِئُها، فقال: مَيِّزْلي الصحيحَ من غيره، فصنَّفَ له ((الصُّغْرَى))، وسمّاها ((المجتبى
من السُّنَن)).
ويَرِدُ على ما ذَكَرَ النوويُّ أيضاً قولُ البخاري فيما نُقِلَ عنه: أحفَظُ مِئَةَ الْفِ
حديثٍ صحيح، ومئتيْ ألفِ حديثٍ غير صحيح. والأحاديثُ التي في الأصولِ
الخمسةِ لا تَبلُغُ خمسين ألفاً، فَضْلًا عن أَنْ تَقْرُبَ من مِثَةٍ ألفٍ، فيكونُ ما فَاتَهَا مِن
الصحيح كثيرٌ جداً.
قال بعضُ أهل الأثر: إنَّ كثيراً من المتقدِّمين كانوا يُطلِقون اسمَ الحديث على
ما يَشْمَلُ آثارَ الصحابة والتابعين وتابِعِيهم وفتاوِيهِم، ويَعُدُّون الحديثَ المرويَّ
بإِسنادَيْنِ: حديثينٍ، وحينئذ يَسهُلُ الخَطْبُ. وكم من حديثٍ وَرَد مَن مِئَةٍ طريقٍ
فأكثر(٢) .
(١) ويُنْتَقَدُ عليه فيه - فيما يُنْتَقَد - أنه حَذَفَ ما قاله الترمذي في ((جامعه)) عقِبَ
الأحاديث، من قوله: حسن صحيح، وصحيح حسن، وحسن غريب، وغيرها، وحَذِفَ
ما تَعَقَّب به أبو داود بعضَ الأحاديث في ((سننه))، من بيان أنها واهية، أو فيها فلان ضعيف،
أو نحو ذلك. كما نبّه إلى هذا العلامة الأمير الصنعاني في ((توضيح الأفكار)) ٨٢:١.
(٢) تقدم ما يتصل بهذا في ص ٤٠، في أول الكتاب.

٢٣١
وهذا حديثُ ((إنما الأعمالُ بالنيات)» نُقِلَ مع ما فيه عن الحافظ أبي إسماعيل
الأنصاري الَرَوِي، أنه كتَبّهُ من جهةٍ سبعٍ مِئَةٍ من أصحابٍ يحيى بن سعيد
الأنصاري(١). وقال الإِسماعيلي عقِبَ قولِ البخاري: لم أُخرِج في هذا الكتاب إلاّ
صحيحاً، وما تركتُ من الصحيح أكثر: إنَّهُ لو أخرَج كلِّ حديثٍ صحيحٍ عنده
◌َجَمَع في الباب الواحدِ حديثَ جماعةٍ من الصحابة، ولذَكَرَ طُرُقَ كلِّ واحدٍ منهم إذا
صَحَّتْ، فَيَصِيرُ كتاباً كبيراً جداً.
وقال الجَوْزَقِيُّ: إنه استَخَرَجَ على أحاديثِ الصحيحين فكانت عِدَّةُ الطُّرُقِ
خمسةً وعشرين ألفَ طريقٍ وأربعَ مِئَةٍ وثمانين طريقاً .
قال بعضُ المحققين: وإذا كان الشيخانِ مع ضِيق شَرْطِهما، بَلَغ جملةُ ما في
كتابيهما بالمكرَّر ذلك، فما لم يُخْرِجاه من الطرقِ للمتونِ التي أخرجاها لعلَّه يَبلُغُ ذلك
أيضاً أو يزيد، وما لم يُخرجاه من المتون من الصحيح الذي على شَرْطِهما، لعلّه يَبلُغ
(١) وقع في الأصل: (من أصحابٍ رواية يحيى بن سعيد الأنصاري). ولفظُ (رواية)
مقحم هنا، فقد حكى الحافظ ابن حجر قول الحافظ أبي إسماعيل الهروي ثم تعقبه، وليس فيه لفظُ
(رواية)، وأنقلُهُ هنا تعقيباً على كلام الهروي، قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ١: ١١ ((قد
تواتر عن يحيى بن سعيد، فحكى محمد بن علي بن سعيد النقاش الحافظ، أنه رواه عن يحيى
مئتانٍ وخمسون نفساً، وسَرَد أسماءهم أبو القاسم بنُ منده فجاوَزَ الثلاث مئة. ورَوَى أبو موسى
المديني عن بعض مشايخه مذاكرة، عن الحافظ أبي إسماعيل الأنصاري الهروي قال: كتبتُه من
حديث سبع مئةٍ من أصحاب يحيى .
قلتُ ـ القائل ابن حجر - : وأنا أستبعدُ صحة هذا، فقد تتبعتُ طرقَهُ من الروايات
المشهورة والأجزاء المنثورة، منذ طلبتُ الحديث إلى وقتي هذا، فما قَدَرتُ على تكميل المئة، وقد
تتبعتُ طرق غيره - كحديث ابن عمر في غُسل الجمعة - فزادت على ما نُقِلَ ــ فيه ــ عمن
تقدم».
قال عبد الفتاح: وقد أورد الحافظ الذهبي في ((سير أعلام النبلاء)) ٤٧٦:٥ - ٤٨١،
أسماءهم في ترجمة (يحيى بن سعيد الأنصاري) نقلاً عن ابن منده، فبلغت ٣٣٧.

٢٣٢
ذلك أو يَقْرُبُ منه، فإذا أُضِيفَ ذلك إلى ما جاء عن الصحابة والتابعين بَلَغَ العِدَّةَ
التي يحفَظُها البخاريُّ بل ربما زادَتْ.
وهذا الحَمْلُ مُتَعِينٍّ، وإلاّ فلو عُدَّتْ أحاديثُ المسانيدِ والجوامعِ والسُّنَّنِ
والمعاجمِ والفوائد والأجزاء وغيرها، مما هو بأيدينا، صحيحِها وغيره، ما بَلَغَتْ ذلك
بدونِ تكرارٍ بل ولا نِصْفَّه. اهـ.
وقال بعضُهم: ويؤيِّدُ أنَّ هذا هو المرادُ أنَّ الأحاديثَ التي بين أيدِينا من
الصِّحاحِ بل وغير الصحاح، لو تُتُبِّعَتْ من المسانيدِ والجوامعِ والسُّنَنِ والأجزاءِ
وغيرها ما بلَغَتْ مِئَةً ألفٍ بلا تكرار، بل ولا خمسين ألفاً، ويَبعُدُ كلُّ الْبُعْدِ أن يكونَ
رجلٌ واحدٌ يَحِفَظُ ما فات الأمَّةَ جميعَه، مع أنه إنما حَفِظَهُ من أصولِ مشايخِهِ، وهي
موجودة . اهـ.
وقد تبينَّ بما ذُكِرَ أنَّ ما قاله البخاريُّ لا يُنافي ما قاله ابنُ الأخرم، فضلا عما قاله
النوويُّ، على أنَّ بعضَهم حَمَلَ كلامَ ابنِ الأخرم فيما فاتهما على الصحيحِ المجمَعِ
عليه، فكأنه قال: لم يَفْتَّهما من الصحيحِ الذي هو في الدرجة الأولى إلَّ القليلُ،
والأمْرُ كذلك، والأحاديثُ التي هي في الدرجةِ الأولى لا تَبْلُغُ - كما قال الحاكم -
عَشَرَةً آلاف.
تتمة في بيان عَدَدِ أحاديث الصحيحين
قال الحافظ ابنُ الصلاح(١): ◌ُملةُ ما في ((صحيح البخاري)) سَبْعةُ آلافٍ
ومِئتان وخمسة وسبعون حديثاً / بالأحاديثِ المكرّرة. وقد قيل: إنها بإسقاطِ المكرّرةِ
أربعةُ آلافٍ حديث. قال الحافظُ العراقي(٢): هذا مُسَلَّمٌ في رواية الفِرَبْرِي، وأما
روايةُ حَمَّادِ بن شاكر فهي دُونَها بمئتي حديث، ودُونَ هذِهِ بمئةٍ حديث روايةُ إبراهيم بن
معقِل.
/ ٩٤
(١) في كتابه ((صيانة صحيح مسلم ... )) ص ١٠٠، ونقله النووي في مقدمة شرحه
١: ٢١.
(٢) في ((شرح ألفيته)) ٤٧:١ في آخر مبحث (أصح كتب الحديث).

٢٣٣
قال الحافظ ابن حجر(١): إنَّ عِدَّةَ أحاديثِ البخاري في رواياتِ الثلاثةِ سواء،
وإنما حَصَل الاشتباهُ من جهة أنَّ الأخيرينِ فاتَهمَا من سَمَاعِ الصحيح على البخاري
ما ذُكِرَ من آخِرِ الكتاب، فَرَوَيَاه بالإِجازة، فالنَّقْصُ إنما هو في السَّمَاعِ لا في الكتاب.
قال(٢): والذي تحرَّرَ لي أنها بالمكرَّر سِوَى المعلّقاتِ والمتابَعَاتِ والموقوفاتِ سبعةُ
آلاف وثلاثُ مئةٍ وسبعةٌ وتسعون حديثاً، وبغير المكرَّر من المتونِ الموصولةِ ألفان
وبسِتُّ مِئةٍ وحديثانٍ، ومن المتونِ المعلّقةِ المرفوعةِ التي لم يَصِلها في موضعٍ آخَرَ منه مئةٌ
وتسعةٌ وخمسون، فمجموعُ غير المكرر ألفانٍ وسبع مِئَةٍ وأحَدٌ وستون، نَقَّل ذلك بعضُ
تلامیذِهِ عنه .
وقد نَقَل بعضُ العلماء عن الحافظِ المذكور حاصلَ ما قاله في تحريرِ العَدَدِ، إلاّ
أنَّ فيه زيادةَ بَسْطٍ فيما يتعلَّقُ بالمكرَّر، فأحببتُ إيرادَ ذلك على وجهٍ يكون أقرَبَ منالاً ،
قال :
جملةُ أحاديثِ البخاري بالمكرَّر: سبعةُ آلافٍ وثلاثُ مِئةٍ وسبعةٌ وتسعون
٧٣٩٧.
وجملةُ ما فيه من المعلّقات وذلك سوى المتابعات وما يُذكَرُ بعدَها: ألفُ
وثلاثُ مئةٍ وواحِدٌ وأربعون حديثاً ١٣٤١.
وجملةُ ما فيه من المتابَعَات والتنبيهِ على اختلافِ الرواياتِ: ثلاث مئة
وأربعةٌ وأربعون حديثاً ٣٤٤ .
فجملةُ ما في البخاري بالمكرّر: تسعةُ آلافٍ واثنان وثمانون ٩٠٨٢ سوى الموقوفاتِ
(١) في كتابه ((النكت على كتاب ابن الصلاح)) ١: ٢٩٤ .
(٢) هذا نقله القاضي زكريا الأنصاري تلميذُ الحافظ ابن حجر، في شرحه لألفية العراقي :
((فتح الباقي على ألفية العراقي)) ٤٧:١. وسيقول المؤلف في ختامه: (نَقَل ذلك بعضُ تلاميذه
عنه).

٢٣٤
على الصحابة، والمقطوعاتِ الواردةِ عن التابعين فمن بعدهم(١).
وعدَدُ كُتُبِ البخاريِّ مِئَةٌ وشيء، وعدَدُ أبوابِهِ: ثلاثةُ آلافٍ وأربع مئةٍ وخمسون
باباً، مع اختلافٍ قليل في نُسَخ الأصول.
وأما صحيحُ مسلم فجملةُ ما فيه بإسقاطِ المكرَّر نحوُ أربعةِ آلافٍ حديثٍ.
قال(٢) في ((شرح مسلم): قال الشيخ أبو عَمْرو يعني ابن الصلاح: روينا عن
أبي قُرَيش الحافظ قال: كنتُ عند أبي زُرْعَة الرازي، فجاء مسلمُ بنُ الحجاج فسلّم
عليه وجَلَس ساعة، وتذاكرًا، فلما قام قلتُ له: هذا ◌َعَ أربعةَ آلافٍ حديثٍ في
الصحيح، قال أبو زرعة: فلمن تَرَكَ الباقي؟ قال الشيخُ: أراد أنَّ كِتَابَهُ هذَا أربعةُ
آلافٍ حديثٍ أصولٍ دُون المكرَّرات. اهـ.
قال العراقي: وهو يزيدُ على البخاريِّ بالمكرَّرِ لكثرةِ طُرُقِهِ، قال: ورأيتُ عن
أبي الفضل أحمد بن سَلَمة أنه قال: إنها اثنا عشرَ ألفَ حديث. وقال أبو حفص
المَّانِي: إنها ثمانيةُ آلافُ. قال بعضُ الباحثين في ذلك: ولعلَّ هذا أقربُ إلى الواقع
مما قبله .
وأحمدُ بن سَلَمة بمن رَوَى عن مسلمٍ ، قال النووي في ((شرح كتابه))(٣):رَوَى
عنه جماعاتٌ من كبارٍ أئمة عصرِهِ وحُفَّاظِه، وفيهم جماعاتٌ في درجتهِ، فمنهم
أبو حاتم الرازي، وموسى بنُ هارون، وأحمدُ بن سَلَمة، وأبو عيسى الترمذي،
وأبو بكر بن خُزَيمة، ويحيى بنُ صاعد، وأبو عَوَانة الإِسفرائِني، وآخَرُون
لا يُحصَوْن. ثم قال: قال الحاكم أبو عبد الله: حدَّثنا أبو الفضل محمد بن إبراهيم،
قال: سمعتُ أحمد بن سلمة يقول: رأيتُ أبا زُرعةً وأبا حاتم يُقدِّمانِ مسلم بن
الحجاج في معرفةِ الصحيح على مشايخ عَصْرِهما. وفي روايةٍ في معرفةِ الحديث.
(١) كانت أرقام عدد الأحاديث في الأصل في أول السطر، فجعلتها في آخره.
(٢) أي الإمام النووي في الفصل العاشر من فصول مقدمته على ((شرح صحيح مسلم))
١ : ٢١.
(٣) في الفصل الأول من فصول مقدمة شرحه ١: ١٠.

٢٣٥
الفائدة الرابعةُ
فیما انتُقِدَ عليهما والجواب عن ذلك
/ قال النووي في ((شرح مسلم))(١): قد استَدرَك جماعةً على البخاري ومسلم /٩٥
أحاديثَ أخلا بشَرْطَيْهِما فيها، ونَزَلَتْ عن درجةِ ما التزماه، وقد سَبقَتْ الإِشارةُ إلى
هذا(٢)، وقد ألَّفَ الإِمامُ الحافظ أبو الحسن علي بن عُمَر الدارقطني في بيان ذلك كتابه
المسمَّى ((بالاستدراكات والتتبع))، وذلك في مئتي حديثٍ مما في الكتابين،
ولأبي مسعودٍ الدمشقي أيضاً عليهما استدراكٌ، ولأبي علي الغَسَّاني الحَيَّاني في كتابه
(تقييد المُهْمَل)) في جُزءِ العِلَل منه استدراكٌ أكثرُهُ على الرُّواةِ، وفيه ما يلزمهما. وقد
أُجِيبَ عن كل ذلك أو أكثرِه، وستراهُ في مواضعه. اهـ.
وقال الحافظ ابن حجر في الفصل الثامن من ((المقدمة))(٣): ينبغي لكلِّ مُنْصِفٍ
أن يَعلم أنَّ هذه الأحاديثَ وإن كان أكثرُها لا يَقدَحُ في أصلِ موضوعِ الكتاب، فإنَّ
جميعَها وارِدٌ من جهةٍ أخرى، وهي ما ادَّعاه الإِمام أبو عَمْرٍو بنُ الصلاح وغيرُه من
الإجماع على تلقّي هذا الكتابِ بالقبول والتسليمِ لصحةٍ جميع ما فيه، فإنَّ هذه
المواضعَ متنازَعْ في صِحَّتِها، فلم يَحصُل لها من التلقِّي ما حَصَلَ لُعْظَم الكتاب. وقد
تعرض لذلك ابن الصلاح في قوله إلَّ مواضع يسيرة انتَقَدَها عليه الدارقطنيُّ وغيرُه.
وقال في ((مقدمة شَرْح مسلم) له (٤): ما أُخِذَ عليهما يعني على البخاريِّ ومسلمٍ وَدَحَ
فيه مُعْتَمَدَ من الحُفَّاظِ، فهو مستَنِىَّ مما ذكرناه، لعدم الإِجماع على تلقِّيهِ بالقبولِ.
انتھی. وهو احترازٌ حسن.
وقد أحببتُ أن أُورِدَ من هذا الفصلِ المُهِمُّ على طريقِ التلخيص: ما يُمكِّنُ
الطالبَ من الإِشرافِ على هذا النوع، الذي هو من أهمِّ الأنواع عندَ المعروفين في
(١) في الفصل الخامس عشر من فصول مقدمته ٢٧:١ .
(٢) أي في كلام النووي هناك، في الفصل الثالث عشر ١: ٢٤.
(٣) ٢: ٨١.
(٤) وهو المطبوع المسمى: ((صيانة صحيح مسلم.١٠٠ ص ٨٦.

٢٣٦
هذا الفن بالنَّقْدِ والتمييز، ومن أرادَ الاستيفاءَ فليَرْجِعْ إلى الأصل، قال أجزل الله
ثوابه :
اعلَمْ أَنَّ الجوابَ عما يتعلَّقُ بالمعلَّقِ سَهْل، لأنَّ وَضْعَ الكتابينِ(١) إنما هو
للمُسْنَداتِ، والمعلَّقُ ليس بمسنَد، ولهذا لم يَتعرَّض الدارقطنيُّ فيما تتبّعَهُ على
((الصحيحين)» إلى الأحاديثِ المعلّقةِ التي لم تُوصَل في موضعٍ آخرَ، لعلمِهِ بأنها ليسَتْ
من موضوع الكتاب، وإنما ذُكِرَتْ استئناساً واستشهاداً.
وقد ذكرنا الأسبابَ الحاملةَ للمصنّفِ على تخريجِ ذلك التعليقِ، وأنَّ مُرادَه
بذلك أن يكون الكتابُ جامعاً لأكثر الأحاديثِ التي يُحتَجُّ بها، إلَّ أنَّ منها ماهُوَ على
شرطِه، فساقَهُ سِياقَ الأصل، ومنها ما هو على غير شَرْطِهِ فغايَرَ السِّيَّاقَ في إيرادِهِ
ليَمتازَ، فانتَفَى إيرادُ المعلّقات، وبقي الكلامُ فيما عُلِّلَ من الأحاديثِ المسئَدَاتِ.
وعِدَّةُ ما اجتَمَع لنا من ذلك مما في كتابٍ البخاريِّ وإن شاركه مسلم في
بعضِهِ: مِئَةٌ وعَشَرَةُ أحاديث، منها ما وافَقَه مسلم على تخريجه، وهو اثنان وثلاثون
حديثاً، ومنها ما انفَرَد بتخريجِهِ وهو ثمانيةٌ وسبعون حديثاً.
والأحاديثُ التي انتُقِدَتْ عليهما تنقسِمُ ستةَ أقسام:
القسمُ الأولُ منها: ما تَخْتَلِفُ الرّواةُ فيه بالزيادةِ والنقصِ من رجالِ الإِسناد .
القسمُ الثاني: ما تختلِفُ الرواةُ فيه بتغيير رجانِ بعضِ الإِسنادِ.
/ القسمُ الثالثُ منها: ما تفرَّدَ بعضُ الرواةِ بزيادةٍ فيه عمن هو أكثرُ عَدَداً
أو أضبطُ.
/٩٦
القسمُ الرابعُ منها: ما تفرَّدَ به بعضُ الرواة ممن ضُعِّفَ.
القسمُ الخامسُ منها: ما حُكِمَ فيه بالوَهَمِ على بعضِ رجالِهِ.
القسمُ السادسُ منها: ما اختُلِفَ فيه بتغيير بعضٍ ألفاظ المتن.
(١) في ((هدي الساري)) ٢: ٨١ (لأن موضوع الكتابين).

٢٣٧
وهذا أكثرُهُ لا يَترتُّبُ عليه قَدْحٌ، لإِمكانِ الجَمْعِ في المختلِف من ذلك
أو الترجيحِ ، على أنَّ الدارقطني وغيره من أئمةِ النقد، لم يتعرَّضوا لاستيفاءِ ذلك من
الکتابین، کما تعرَّضوا لذلك في الإسناد.
فهذه جملةُ أقسامِ ما انتقَده الأئمةُ على الصحيح. وهذا حِينُ الشروعِ في
إيرادِها على ترتيب ما وَقَع في الأصل، لتَسْهُلَ مُراجَعَتُها. وقد أوردنا نحن من ذلك
ما يكفي لمطالعٍ كتابنا هذا.
في كتاب الصلاة (١)
١ - قال الدارقطني(٢): أخرَجَا جميعاً حديثَ مالك، عن الزهري، عن
أنس، قال: كُنَّا نُصلي العصرَ، ثم يَذهَبُ الذاهبُ منا إلى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهم والشمسُ
مُرْتَفِعة .
وهذا مما يُنْتَقَّدُ به على مالك، لأنه رَفَعَه وقال فيه: إلى قُبَاءِ، وخالَفَه عدَدٌ كثيرٌ،
منهم شُعيبُ بن أبي ◌َحْزَة، وصالحُ بن كَيْسان، وعَمْرُو بن الحارث، ويُونسُ بن يزيد،
ومَعْمَر، والليثُ بن سعد، وابنُ أبي ذِئب، وآخَرُون. انتهى .
وقد تعقّبَه النسائيُّ أيضاً على مالك، وموضِعُ التعقُبِ منه قولُه: إلى قُباء.
والجماعَةُ كلُّهم قالوا: إلى العَوَالي. ومِثلُ هذا الوَهَمِ اليسيرِ لا يَلزَمُ منه القَدْحُ في
صحةِ الحديث، لا سيما وقد أخرَجًا الروايةَ المحفوظةً. اهـ.
أقول(٣): وقد أخرَجَ البخاريُّ ذلك في (باب وقتِ العَصْر) (٤) وقال في الرواية
(١) أغفل المؤلف الأحاديث التي أوردها الحافظ ابن حجر قبلَ هذا، بعنوان (من كتاب
الطهارة).
(٢) ٨٦:٢ من («هدي الساري)).
(٣) القائل هو المؤلف العلامة الجزائري رحمه الله تعالى.
(٤) ٢٨:٢ من ((فتح الباري))، وانظره ففيه كلام طويل في نفي توهيم مالك في رواية (إلى
قباء).

٢٣٨
المحفوظة(١): حدثنا أبو اليمان، قال: أخبرنا شُعَيب، عن الزهري، قال: حدَّثني
أنسُ بن مالك، قال: كان رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم يصلي العصرَ والشمسُ
مرتفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذهَبُ الذاهِبُ إلى العَوَالِ فيأتِيهم والشمسُ مرتفعة، وبعضَ العَوَالِي
من المدينة على أربعة أميالٍ أو نحوه.
وَأَخِرَج مسلمٌ ذلك في (بابٍ استحباب التبكير بالعصر)(٢)، وقال في الرواية
المحفوظة (٣): حدَّثَنَا قُتَيبة بنُ سعيد، قال: أنبأنا الليثُ - ح - ، وحَدَّثنا محمدُ بن
رُمح، قال: أنبأنا الليثُ، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، أنه أخبره أنَّ
رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم كان يُصلِّ العصرَ والشمسُ مرتفِعَة حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ
الذاهبُ إلى العوالي، فيأتي العواليَ والشمسُ مرتفعة، لم يَذكُرِ قتيبةُ: فيأتي
العواليّ. اهـ. وابنُ شهاب هو الزهري.
٢ - قال الدارقطني (٤): أُخرَجًا جميعاً حديث ابن أبي ذِئب، عن سَعِيدٍ
المَقْبُرِي، عَنْ أبِيهِ، عن أبي هريرة، عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: لا يَجِلُّ
لامرأةٍ تُسافِرُ ولیس معها محرم. قال الدارقطني: وقد رواه مالك ویحیی بنُ أبي کثیر
وسُهَيل، عن سَعِيدٍ، عن أبي هريرة، يعني لم يقولوا: عن أبيه.
قلتُ: لم يُهِل البخاريُّ حكايةً هذا الاختلاف، بل ذكره عقِب حديث
ابنِ أبي ذئب.
والجوابُ عن هذا الاختلافِ كالجوابِ عن الحديثِ الثاني (٥)، فإنَّ: سعيداً
المَقْبُريَّ سَمِعَ من أبيه، عن أبي هريرة، وسَمِعَ مِن أبي هريرة، فلا يكونُ هذا
/٩٧ الاختلافُ قادحاً. وقد / اختُلِفَ فيه على مالك، فرواه ابنُ خُزَيمة في ((صحیحه))،
من حديث بِشْرِ بن عُمَر، عنه، عن سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة، وقال بعده:
لم يَقُل أحدٌ من أصحابٍ مالك في هذا الحديث عن سعيد، عن أبيه، غيرُ بِشْر بن
(١) ٢٨:٢.
(٢) ١٢٢:٥.
(٣) ١٢١:٥.
(٤) ٢ :٨٨.
(٥) أي هناك في كتاب الطهارة ٢: ٨٤.

٢٣٩
عُمَرَ. اهـ. وقد أخرجه أبو عوانة في (صحيحه))، من حديث بِشْر بن عُمَر أيضاً،
وصَحِّحَ ابنُ حبان الطريقينِ معاً. والله أعلم.
أقولُ: أخرَجَ البخاريُّ هذا الحديثَ في (باب في كم تُقْصَرُ الصلاة)(١)،
فقال: حدَّثَنا آدمُ، قال: حدثنا ابنُ أبي ذئب، قال: حدثنا سعيدُ المَقْبُري، عن أبيه،
عن أبي هريرة، قال: قال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: لا يَحِلُّ لامرأةٍ تُؤمِنُ بالله
واليومِ الآخِر، أن تُسافِرَ مَسِيرةَ يومٍ وليلةٍ ليس مَعَها حُرْمَة. تابَعَه يحيى بنُ أبي كثير
وسُهَيل ومالكٌ عن المقبري، عن أبي هريرة. اهـ. وقولُهُ: حُرْمَة بضم الحاء وسكون
الراء، أي رَجُلٌ ذُو حُرْمَةٍ منها بنَسَبٍ أو غيرِهِ.
في كتاب الجنائز
٣ - قال الدارقطني(٢): أَخرَجَ البخاريُّ(٣) حديثَ داود بن أبي الفُرَات، عن
ابن بُرَيدة، عن أبي الأسود، عن عُمَرَ، مُرَّ بجنازة فقال: وَجَبَتْ، الحديث. وقد قال
علي بن المديني: إنَّ ابنَ بُرَيدة إنما يَروِي عن يحيى بن يَعْمَر، عن أبي الأسود، ولم
يقل في هذا الحديث: سَمِعتُ أبا الأسود.
قال الدار قطني: وقلتُ أنا: وقد رَوَاه وكيعٌ، عن عُمَرَ بنِ الوليد الشَّنيّ، عن
ابنِ بُرَيدة، عن عُمَر، ولم يذكُر بينهما أحداً. انتهى.
ولم أرَهُ إلى الآنَ من حديثِ عبدِ الله بن بُريدة إلّ بالعنعنة، فعِلَّتُه باقيةٌ، إلاّ أن
يُعتذَرَ للبخاريِّ عن تخريجه بأنَّ اعتمادهُ في الباب على حديث عبد العزيز بن صُهَیب،
عن أنس، بهذهِ القِصَّةِ سَوَاءً، وقد وافَقَه مسلمٌ على تخريجه. وأخرج البخاريُّ حديثَ
أبي الأسود كالمتابعة لحديث عبد العزيز بن صهيب، فلم يَستوف نَفَيَ العلة عنه، كما
يستوفيها فيما يُخرِجُه في الأصول. والله أعلم.
أقول: ذكّرَ البخاريُّ ذلك(٤) في (باب ثناء الناس على الميّت)(٥) فقال: حدَّثَنا
(١ ) ٢ : ٥٦٦ .
(٣) في (باب ثناء الناس على الميت) ٢٢٩:٣ .
(٢) ٢ : ٨٩.
(٤) يعني حديثُ عبد العزيز بن صُهَيب، الذي هو أصلّ في الباب، وحديثَ ابن بُرَيدة.
(٥) ٢٢٨:٣.

٢٤٠
آدمُ، حدَّثَنا شعبة، حدثنا عبد العزيز بن صُهيب، قال: سَمِعتُ أنس بن مالك
يقول: مُرُّوا بجنازةٍ فَأَثْنَوْا عليها خيراً، فقال النبي صلَّى الله عليه وسلَّم: وَجَبَتْ،
ثم مَرُّوا بِأُخرَى فأثنوا عليها شَرّاً فقال: وَجَبَتْ، فقال عمر بن الخطاب: ما وجَبَتْ؟
قال: هذا أثنيتُم عليه خيراً، فوجَبَتْ له الجنة، وهذا أثنيتُم عليه شراً، فوجْبَتْ له
النار، أنتم شُهَداء الله في الأرض.
حدَّثنا عفان بن مسلم، حدثنا داود بن أبي الفُرَات، عن عبد الله بن بُرَيدةٌ،
عن أبي الأسود، قال: قَدِمْتُ المدينةَ وقد وَقَعَ بها مَرَضٌ، فجلستُ إلى عمر بن
الخطاب، فمرَّتْ بهم جنازة فأُثنيَ على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجَبَتْ، ثم مُرِّ
بأخرى فأُثْنِيَ على صاحبها خيراً، فقال عمر: وجَبَتْ، ثم مُرُّوا بالثالثةِ فَأَتْنِيَ على
صاحبها شراً، فقال: وجَبَتْ، فقال أبو الأسود فقلتُ: وما وَجَبَتْ يا أميرَ المؤمنين؟
قال: قلتُ كما قال النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: أَما مسلمٍ شَهِدَ له أربعةٌ بخيرِ
أدخله الله الجنة، فقلنا: وثلاثةً، قال: وثلاثة، فقلنا: واثنانٍ قال: واثنانٍ، ثم لم
نسأله عن الواحد.
في كتاب البيوع
٤ - قال الدارقطني (١): وأخرَجًا جميعاً (٢) حديثَ مالك، عن مُميد، عن
أنس، أنَّ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم نَهَى عن بَيْعِ الثَّمارِ حتى تُزْهِيَ، فقيل: وما
تُزْهِي؟ قال: حتى تَحْمَرَّ، قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أرأيتَ إذا مَنَعَ اللَّهُ
الثَمرةَ بم يأخُذُ أحدُكم مالَ أخيه؟ قال الدارقطني: خالَفَ مالكاً جماعةٌ منهم
إسماعيلُ بن جعفر، وابنُ المبارك، / وهُشَيم، ومروانُ بن معاوية، ويزيدُ بن
هارون، وغيرُهم، قالوا فيه: قال أنس: أرأيتَ إن مَنْعَ الله الثمرةُ. قال: وقد
/٩٨
(١) ٢: ٩٢.
(٢) البخاري ٤: ٣٩٣ في (باب إذا باع الثمار قبلَ أن يبدو صلاحُها ثم أصابَتْهُ عاهة)،
ومسلم ١٠ :٢١٧ في (باب وَضْع الجوائح).
i

٢٤١
أخرَجا جميعاً حديثَ إسماعيل بن جعفر، وقد فَصَّلَ كلامَ أنس من كلام النبي
صلَّى الله عليه وسلّم.
قلتُ: سَبَقَ الدارقطنيَّ إلى دعوى الإِدراج في هذا الحديث أبو حاتم وأبو زُرعة
الرازيان وابنُ خزيمة وغيرُ واحد من أئمة الحديث كما أوضحته في كتابي ((تقريب
المَنْهَج، بترتيبِ الْمُذْرَج))، وحكيتُ فيه عن ابن خزيمة أنه قال: رأيتُ أنسَ بن مالك
في المنام، فأخبَرَني أنه مرفوع، وأنَّ معتمِرَ بن سليمان رواه عن حُمَيِّد مُدْرَجاً، لكن قال
في آخِرِهِ: لا أدري أنسٌ قال: بَمَ يَستحِلُّ أو حدَّثَ به عن النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم؟ والأمْرُ في مثلِ هذا قريب، والله أعلم.
قال ابن الأثير في ((النهاية))(١): وفيه نَهْيٌ عن بيعِ الثمر حتى يُزْهِي، وفي روايةٍ
حتى يَزْهُو، يقال: زَهَا النَّخْلُ يَزْهُو إذا ظَهَرَتْ ثمرَتُهُ، وَأَزْهَى يُزهِي إذا اصفَرَّ
أو أحْمَرَّ، وقيل: هما بمعنى الاحمرارِ والاصفرارِ، ومنهم من أنكَرَ يَزْهُو، ومنهم من أنكَرَ
یُزهِي. اهـ.
٥ - قال الدارقطني(٢): وأخرَجًا جميعاً(٣) حديثَ عَمْرٍو بن دينار، عن
طاوس، عن ابن عباس، قال: بلَغَ عُمَرَ بنَ الخطاب أنَّ سَمُرَةَ باع ◌َخْراً، فقال:
قاتَلَ الله سَمُرَةَ، الحديثَ. وقد رواه حمادُ بن زيد، عن عَمْرو، عن طاوس، أنَّ عُمَرَ
قال. وكذلك رواه الوليدُ بن مسلم، عن حنظلة بن أبي سفيان، عن طاوس أنَّ عُمَرَ
قال .
قلتُ: صَرَّحَ ابنُ عيينة عن عَمْرٍو بسماعٍ طاوس له من ابن عباس، وهو
أُحفَظُ الناسِ لحديثٍ عمرو، فروايتُهُ الراجحةُ، وقد تابَعَه رَوْحُ بن القاسم، أخرجه
مسلم من طريقه . اهـ.
(١) ٣٢٣:٢.
(٢) ٢: ٩٢.
(٣) البخاري ٤: ٤١٤ في (باب لا يُذابُ شحمُ الميتة ... ). وسيأتي ذكرُ موضع الحديث
عند مسلم، واللفظ المذكور هنا هو لفظ مسلم، وفيه التصريح باسم (سَمُرَة)، وفي لفظ البخاري
(أن فلاناً باع خمراً، فقال: قاتل الله فلاناً ... )، وسيورده المؤلف بلفظ مسلم.

٢٤٢
قال مسلم في (باب تحريم بيع الخمر)(١): حدَّثنا أبو بكر بن أبي شيبة،
وزُهَيْرُ بنُ حرب، وإسحاقُ بن إبراهيم واللفظُ لأبي بكر، قال: أنبأنا سفيان بن
عيينة، عن عَمْرٍو، عن طاوس، عن ابن عباس، قال: بَلَغْ عُمَرَ أنَّ سَمُرَةَ باعَ خْراً،
فقال: قاتَلَ الله سَمُرَة، ألم يَعلم أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم قال: لعَنَ الله
اليهودَ، حُرِّمَتْ عليهم الشُّحُومُ فَجَمَلُوها فباعُوْها. حدَّثَنا أميّةُ بن بِسطام، قال:
أنبأنا يزيد بن زُرَيَعْ، قال: حدثنا رَوْحْ يعني ابنَ القاسم، عن عَمْرِو بن دينارِ، بهذا
الإِسنادِ مِثلَه. اهـ.
تنبيه: هذه الخمرُ كان سَمُرَةُ أَخَذَها من أهلِ الكتاب، عن قيمةِ الجزية،
فباعَهَا منهم غيرَ عالمٍ بتحريمِ ذلك(٢).
في کتاب الجهاد
٦ - قال الدارقطني: وأخرَجَا جميعاً(٣) حديثَ موسى بن عُقْبَة، عن أبي النّضْر
مولى عُمَر بن عُبَيد الله، قال: كتب إليهِ عبدُ الله بن أبي أوْنَى، فقرأتُه أنَّ النبي
صلَّى الله عليه وسلّم قال: لا تَتَمِنَّوْا لِقَاءَ العَدُوِّ، وإذا لَقِيتُموهم فاصْبِرُوا، الحديث.
قال: وأبو النضر لم يَسمع من ابن أبي أوْفَى، وإنما رواه عن كتابِهِ، فهو حُجّةٌ في روايةِ
المُكاتِبَة.
قلتُ: فلا ◌ِلَّةَ فِيه، لكنه يَنْبَنِي على أنَّ شَرْطَ الْمُكاتَّبَةِ هل هو من الكاتبِ إلى
المكتوب إلیه فقط، أم كلُّ من عرف الخطّ روی به وإن لم یکن مقصوداً بالكتابة إلیه،
الأوَّلُ هو المُتبادِرُ إلى الفَهْمِ من المصطلح، وأما الثاني فهو عندَهم من صُوَرِ الْوِجادة،
/٩٩ لكن يُمكِنُ أن يقال هنا: إِنَّ رِوايَةً أبي النضر تكونُ عن مَوْلاهُ عمرَ بنِ / عُبْيدِ الله،
(١) ١١ :٧.
(٢) وذكر الحافظ ابن حجر ٤: ٤١٥ وجوهاً أخرى في شأن بيع سَمُرة للخمر.
(٣) البخاري ٦: ٤٥، في (باب الصبر عند القتال)، ومسلم ١٢: ٤٦، في (باب كراهية
تمني لقاء العدو).
1