النص المفهرس

صفحات 261-280

٢٠٣
أفعالهِم فيما خلا، فإن وافَقَهم القولُ بالخصوص قالوا به، وإن وافَقَهم القولُ بالعموم
قالوا به، فأصولهُم معكوسةٌ على فروعِهم، ودلائلُهم مرتََّةٌ على تَوْجِيْهِ مَسائِلِهم(١)،
وفي هذا عجَبٌ أن يكون الدليلُ على القولِ مطلوباً بعدَ اعتقادِ القول، وإنما فائدةٌ
الدليلِ وثمرَتُه إنتاجُ ما يجبُ اعتقادُه من الأقوال، فمتى يَهتدي من اعتقَد قولاً بلا
دليل، ثم جَعَل يَطْلُبُ الأدلةَ بشرطِ موافقةٍ قولِهِ، وإلَّ فهي مُطَّرَحةٌ عنده.
قال عليّ: فما احتَجَّ به من ذهَبَ إلى أنَّ اللفظَ لا يُحمَلُ على عمومِهِ إلاّ بعدَ
طلبٍ دليلٍ على الخصوص، أو إلَّ بدليلٍ على أنه للعموم، إن قالوا: قد وَجَدْنا
ألفاظاً ظاهِرُها العموم، والمرادُ بها الخصوصُ، فَعَلِمنا أنها لا تُحمَلُ على العموم إلَّ
بدلیل .
قال علي: وقد تَقَدَّمَ إفسادُنا لهذا الاستدلالِ فيما خلا، من القول بالوجوب
وبالظاهِرِ. ونقولُ ها هنا: إنه ليس وجودُنا ألفاظاً منقولةً عن موضوعِها في اللغة،
بُوجِبٍ إلى أن يُبْطَلَ كلُّ لفظ، ويُفسَدَ وقوعُ الأسماء على مُسَمِّياتِها، ولو كان ذلك
لكان وجودُنا آياتٍ منسوخةً لا يَجُوزُ العَمَلُ بها، مُوجِباً لتركِ العمل بشيءٍ من سائرٍ
الآيات كلُّها، إلَّ بدليلٍ يُوجِبُ العملَ بها من غير لفظها.
وقالوا أيضاً: لم نجد قَطُّ خِطاباً إِلَّ خاصّاً لا عاماً، فصَحَّ أنَّ كلَّ خِطابٍ إنما
قُصِدَ من بَلَغَهُ ذلك الخطابُ من العاقلين البالغين خاصةً دُونَ غيرهم.
قال عليٌّ: هذا تشغيبُ جاهلٍ متكلِّمٍ بغير علم، ليت شعري أين كان عن
قولِهِ تعالى: ﴿وَهُوَ بكلِّ شيءٍ عليم﴾(٢)، وأيضاً فإنَّ الذي ذُكِرَ من توجُّهِ الخطابِ إلى
البالغين العقلاءِ العاملين بالأمرِ دون غيرهم، فإنما ذلك بنصٍّ واردٍ فيهم، فهو عمومٌ
لهم كلِّهم. ولم نَعْنٍ بقولنا بالعموم كلَّ موجود في العالم، وإنما عَنَينا حَمْلَ كلِّ لفظٍ أَنَى
(١) وقع في الطبعتين من ((الإِحكام)) لابن حزم: (ودلائلُهم مرتبةً على ما توجبه مسائلهم).
وهو تحريف، والصواب كما جاء هنا.
(٢) من سورة البقرة، الآية ٢٩.
!

٢٠٤
على ما يقتضي، ولو لم يقتضِ إلَّ اثنينِ من النوعِ، فإنَّ ذلك عمومٌ له.
/٨١
وإنما أَنكرنا / تخصيصَ ما اقتضاه اللفظُ بلا دليل، أو التوقُّفَ فيه بلا دليل،
مثلَ قوله تعالى: ﴿ولا تَقْتُلُوا النّفْسَ التِي حَرَّمَ اللَّهُ إلَّ بالحق﴾(١)، فقلنا: هذا عُمومٌ
لكل نفس حرَّمها الله من إنسان مِلِيّ أو ذِمِّيّ، ومن حَيَوانٍ نُهِيَ عن قَتْلِهِ، إمّا لتملُّكِ
غيرنا له، أو لبعضِ الأمر، ومن خالَفَنَا لَزِمَه أن لا يُنَفِّذَ تحريمَ قتلِ نفسٍٍ إلَّ بدليل.
ومِثْلَ قوله عليه الصلاة والسلام: كلَّ مسكرٍ حَرَامٌ. فالواجبُ أن يُحمَل على كل
مسكر، ومن تَعدَّى هذا فقد أبطَلَ حُكمَ اللغة وحُكمَ العقل وحُكمَ الدِّيانةِ ..
قال علي: وشَغَّبوا أيضاً بآياتِ الوعيد مثلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّ الفُجَّارَ لفي
جَحِيم﴾(٢). ﴿ومَنْ لم يَحِكُم بما أَنزَلَ اللَّهُ فأولئك هُمُ الكافرون﴾(٣)، وقالوا: إنها
غيرُ محمولةٍ على عمومِها. قال: ونحن لم نُنكِر تخصيصَ العموم بدليلٍ نصٍّ آخّر
أو ضرُورَةِ حِسٌ، وإنما أَنكرنا تخصيصه بلا دليل.
ومما احتجوا به أنْ قالوا: قال اللَّهُ تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كلِّ شيءٍ﴾(٤)، وقال تعالى:
﴿مَا تَذَرُ من شيءٍ أَتَتْ عليه إلَّا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾(٥)، وقال تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ من كلِّ
شيءٍ﴾(٦)، وقد عَلِمنا أنَّ الريحَ لم تُدمِّر كلَّ شيء في العالم، وأنَّ بِلْقِيس لم تُؤْتَ من
كلّ شيء، لأن سليمان عليه السلام أُوتِيَ ما لم تُؤْتَ هي.
قال عليّ: وهذا كلُّه لا حُجَّةَ لهم فيه.
أمَّا قولُهُ تعالى: ﴿تُدمِّرُ كلَّ شيءٍ﴾، فإنه لم يَقُل ذلك وأَمسَكَ بل قال تعالى:
﴿ تُدَمِّرُ كلَّ شيءٍ بأمْرِ رَبِّها﴾، فصَحَّ بالنص عمومَ هذا اللفظ، لأنه تعالى إنما قال:
إنها دَمَّرَتْ كلّ شيءٍ على العمومِ من الأشياءِ التي أمَرَها الله تعالى بتدميرها، فسَقَط
احتجاجُهم بهذه الآية
(١) من سورة الأنعام، الآية ١٥١ .
(٢) من سورة الانفطار، الآية ١٤.
(٣) من سورة المائدة، الآية ٤٤ .
(٤) من سورة الأحقاف، الآية ٢٥.
(٥) من سورة الذاريات، الآية ٤٢.
(٦) من سورة النَّمْل، الآية ٢٣.

٢٠٥
وأما قولُه: ﴿مَا تَذَرُ من شيءٍ أَتَتْ عليه إلا جَعَلَتْهُ كالرَّمِيمِ﴾، فإنه إنما أَخبَرَ
أنها دَمَّرَتْ كلَّ شيءٍ أَتَتْ عليه لا كلَّ شيءٍ ولو لم تأتِ عليه، فبَطَل تمويهُهم.
وأمَّا قولُه تعالى: ﴿وَأُوتِيَتْ من كلِّ شيءٍ﴾، فإنما حَكَى تعالى هذا القولَ عن
الهُذْهُدِ، ونحن لا نَحتجُّ بقولِ الهُدْهُد، وإنما نَحتجُّ بما قال الله تعالى مخبراً به لنا عن
علمِهِ، أو ما حَقَّقه الله تعالى من خَبَرَ من نَقَل إلينا خبّرَه، وقد نَقَل تعالى إلينا عن
اليهود والنصارى أقوالاً كثيرةٌ ليسَتْ مما يَصِحُ. فإن قال قائل: إنَّ سليمان عليه
السلام قال للهُدْهُدِ: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أم كنتَ من الكاذِبِين﴾، قلنا: نعم، ولكن
لم يُخبرنا الله تعالى أنَّ اهُذْهُدَ صَدَقَ.
واحتّجُوا بقوله تعالى: ﴿خَلَقَ كلَّ شيءٍ﴾، وهو عزَّ وجَلَّ غيرُ مخلوق. ويقولِهِ
تعالى: ﴿الذين قال لهم النَّاسُ إنَّ الناسَ قد جَمَعُوا لكم فَأَخْشَوْهُمْ﴾، قالوا: وإنما
قال لهم ذلك بعضُ الناس، وإنما كان الجامِعُون لهم بعضَ الناس.
قال عليّ: نحن لا نُنكِرُ أنْ يَرِدَ دليلٌ يُخْرِجُ بعضَ الألفاظِ عن موضوعِها في
اللغة، بل أجزنا ذلك، وقد قام البرهانُ الضَّرُورِيُّ على أنَّ المرادَ بخَلْقِهِ تعالى كلَّ
شيء أنَّ ذلك في كلِّ ما دُونَهُ عَزَّ وجلَّ على العموم، وهذا مفهومٌ من نصِّ الآيةِ، لأنه
لَّا كان تعالى هو الذي خَلَق كلَّ شيء، ومن المُحالِ أن يُحدِثَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لضروراتِ
براهينَ أَحكمناها في كتاب ((الفِصَل))، صَحَّ أنَّ اللفظَ لم يأتِ قطُّ لعُمومِ اللَّهِ فيما ذَكَر
أنه خَلَقَهُ.
وكذلك لَّا كان المخبرون لهؤلاء بأنَّ الناسَ قد جَمَعُوا لهم ناساً غيرَ الناسِ
الجامعين، وكان الناسُ الجامِعُون لهم غيرَ الناسِ المخبِرِين لهم، وكانت الطائفتانِ معاً
غيرَ المجموع لها، عَلِمنا أنَّ اللفظَ لم يُقصد به إلَّ ما قامَ في العقلِ، وإنما نُنكِرُ دعوى
إخراج الألفاظ عن مفهومها بلا دليل. اهـ.

٢٠٦
وهَاكَ عباراتٍ مما ذَكَرُوا في مبحثٍ ما يُرَدُّ به الخبرُ
/ قال الشيرازيّ في ((اللَّمَع))(١) في باب بيان ما يُرَدُّ به خبرُ الواحد: إذا رَوَى
الخبرَ ثقةٌ رُدّ بأُمور:
/٨٢
أحدُها: أن يُخالِفَ مُوجِباتِ العقول، فيُعلَّمَ بُطلانُه، لأنَّ الشرعَ إنما يُرِدُ
بُجَوَّزاتِ العقول، وأمَّا بخِلافِ العقول فلا ..
والثاني: أن يُخالِفَ نَصَّ كتابٍ أو سُنَّةٍ متواترة، فيُعلَمَ أنه لا أصلَ له أو منسوخ
والثالثُ: أن يُخالِفَ الإِجماعَ فُيُستَدلَّ به على أنه منسوخٌ أو لا أصلَ له، لأنَّه
لا يَجُوزِ أن يكون صحيحاً غيرَ منسوخ، وتُجمِعَ الأمَّةُ على خلافه.
والرابعُ: أن ينفَرِدُ الواحدُ بروايةِ ما يَجبُ على الكافَّةِ عِلمُه، فَيَدُلُّ ذلك على أنه
لا أصل له، لأنه لا يَجُوز أن يكونَ له أصلٌ ويَنفرِدَ هو بعلمِهِ من بين الخَلْقِ العظيم.
والخامسُ: أن ينفرِدَ بروايةِ ما جَرَتْ العادةُ أن يَنْقُلَه أهلُ التواتر، فلا يُقبَلَ، لأنه
لا يَجُوز أن ينفرِدَ في مثل هذا بالرواية، فأمَّا إذا وَرَد مخالفاً للقياسِ أو انفَرَدَ الواحدُ
بروايةِ ما تَعُمُّ بِه الْبَلْوَى لم يُرَدّ، وقد حكينا الخلافَ في ذلك، فأَغنى عن
الإعادة . اهـ.
وقال الغزالي في (المستصفَى))(٢): القسمُ الثاني من الأخبار ما يُعلَّمُ كذِبُه،
وهي أربعة :
الأولُ: ما يُعلَمُ خِلافُه بضرورةِ العقل، أو نظرِهِ، أو الحِسِّ والمُشَاهدة،
أو أخبارِ التواتر. وبالجملة ما خالَفَ المعلومَ بالمداركِ السَِّّةِ.
الثاني: ما يُخالِفُ النَّصَّ القاطعَ من الكتابِ والسنةِ المتواترة وإجماع الأمَّة، فإنه
وَرَدَ مكذِّباً لله تعالى ولرسولِهِ عليه الصلاة والسلام وللأمة .
(١) ص ٥٢١ بشرخ ((نزهة المشتاق)).
(٢) ١ : ١٤٢.

٢٠٧
الثالثُ: ما صَرَّح بتكذيبِهِ جَمْعٌ كثيرٌ يَستحِيلُ في العادةِ تواطؤهم على الكذب،
إذا قالوا: حَضَرْنا معه في ذلك الوقتِ فلم نجد ما حكاه من الواقعة أصلاً.
الرابعُ: ما سَكَتَ الجمعُ الكثيرُ عن نقلِهِ والتحدُّثِ به، مع جَرَيانِ الواقعةِ
بمشهدٍ منهم، ومع إحالةِ العادةِ السكوتَ عن ذكرِهِ، لتوفّرِ الدواعي على نقلِهِ،
ولإحالةِ العادةِ اختصاصهُ بحکایتِه.
وقال القَرَافي(١): الدالُّ على كذِب الخبر خمسةٌ، وهو منافاتُهُ لما عُلِمَ، بالضرورةِ
أو النَّظَرِ، أو الدليلِ القاطع، أو فيما شأنُه أن يكون متواتراً ولم يتواتر، وكقواعدٍ
الشرع، أولهما جميعاً كالمعجزاتِ، أو طُلِبَ في صُدورِ الرُّواةِ أو كتبهم بعدَ اسْتِقْرَارٍ
الأحاديث فلم يُوجَد(٢).
ولنقتصرْ على هذا القَدْرِ ففيه كفاية(٣).
الفِرقةُ الثالثةُ: فِرِقَةٌ جَعَلَتْ هَمَّها البحثَ عما صَحَّ من الحديثِ لتأخذَ به،
(١) في ((تنقيح الفصول)) ٢: ١٤٠ بحاشية الشيخ محمد جُعَيْط. وراجعه لفهم النص.
(٢) وقع في الأصل (بعدَ استقراءِ الأحاديث فلم يُوجّد). وهو هكذا في ((تنقيح الفصول))
المطبوع للقرافي. ووقع نحوُه في ((تنزيه الشريعة المرفوعة)) لابن عَرَّاق ٧:١. وهو تحريفٌ قريبُ
القبول، والصوابُ فيه: (بعدَ استقرارِ الأحاديث)، أي بالراء المهملة بدَلَ الهمزة، كما جاء في
(المحصول)) للرازي ٤٢٥:١/٢، و((جمع الجوامع)) للتاج السبكي ١٢٣:٢، أي بَعْدَ جْع
الأحاديث وتدوينها والتمكنٍ من ضبطها ومعرفتها. وهذه عبارة الفخر الرازي:
«الخبرُ الذي يُروَى في وقتٍ قد استقرّتْ فيه الأخبار، فإذا قُتِّشَ عنه فلم يوجد في بطون
الكتب، ولا في صدور الرواة: عُلِمَ أنه لا أصل له، وأما في عصر الصحابة حين لم تكن قد
استقَرَّتْ الأخبار، فإنه يجوز أن يَروِيَ أحدُهم ما لم يوجد عند غيره)».
(٣) قلت: في كتابي: ((لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث)) ص ١١٧ - ١٢٧،
أوردتُ الضوابطَ والأماراتِ التي يُعرَفُ بها كذِبُ الحديث ووضعُه، فنقلتُ عن الشيخ ابن عَرَّاق في
(تنزيه الشريعة المرفوعة) ٥:١ - ٨ إحدى عَشْرَةَ أَمَارة تَدُلُّ على الحديث الموضوع، ثم نقلتُ عن
الشيخ ابن القيم في ((المنار المنيف في الصحيح والضعيف)) ص ٤٣ - ١١٥ خمسةً وعشرين ضابطاً
لمعرفة الحديث الموضوع، فقف عليه إذا شئت.

٢٠٨
فأعطَتْ المسألةَ حَقَّها من النظر، فبحثَتْ في الإسنادِ والمتنِ معاً بَحْثَ مُؤْثِرٍ للحق،
فلم تنسُبْ إلى الرُّواةِ الْوَهَمَ والخطأَ ونحوَ ذلك، لمجرَّدٍ كونِ المتنِ يَدلُّ على خلافٍ
رأيٍ لها مبني على مجرَّدٍ الظن، ولم تعتقِد فيهم أنهم معصومون عن الخطأ والنسيان.
وهذه الفِرقةُ قد ثَبَتَ عندها صِحَّةُ كثير من الأحاديثِ التي رَدَّتْها الفِرقَةُ الثانيةِ،
وهي المُفَرِّطَةُ في أمرِ الحديثِ، كما ثَبَتَ عندها عدَمُ صحةِ كثيرٍ من الأحاديثِ التِي
قَبِلَتْها الفِرقةُ الأولى، وهي المُغْرِطَةُ فيه. وهذه الفِرقةُ هي أوسَطُ الفِرَق وأمثَلُها وأقرَبُها
للامتثال، وهي أقلُّ الفِرَق عَذَداً، ومقتَّفِي أَثَرِها ممن أُرِيدَ به رَشّداً.
مُلْحَةٌ من مُلَحِ هذا المبحث
/٨٣
أخرج البخاري(١) عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلّم:
لم يَكذِب إبراهيمُ عليه / السلام إلَّ ثلاثَ كذِباتٍ، ثنتينِ منها في ذاتِ الله: قولُه (إني
سقيم)، وقولُه (بَلْ فَعَلَهِ كبيرُهم هَذَا)، وواحدةً في شأنِ سَارَةٍ(٢). قال شُرَّاحُه: إِنما
أُطلِقَ عليه الكذِبُ تجوُّزاً، وهو من باب المعارِيض المحتمِلةِ للأمرين لمقصدٍ شرعِيّ (٣).
(١) ٣٨٨:٦ في كتاب الأنبياء، في (باب واتخذ الله إبراهيم خليلاً).
(٢) هذا لفظُ مسلم في ((صحيحه)) ١٢٣:١٥، والحديثُ طويل. وأورده البخاري في ستة
مواضع، وهي في ((فتح الباري)) ٤: ٤١٠، ٢٤٦:٥، ٣٨٨:٦، - وهنا توسع الحافظ ابن حجر
في شرح هذا الحديث - ١٢٦:٩، ٣٢١:١٢، ٣٨٧:٩ معلقاً.
(٣) وقال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ٣٩١:٦ ((وأما إطلاقُهُ الكذب على الأمور
الثلاثة، فالكونِهِ قال قولاً يَعتقدُهُ السامعُ كذباً، لكنه إذا حقَّقَ لم يكن كذباً، لأنه من باب المعاريض
المحتمِلةِ للأمرين، فليس بكذب محض.
فقولُهُ: (إني سقيم) يحتمِلُ أن يكون أراد إني سأَسقَمُ، واسمُ الفاعلِ يُستعمَلُ بمعنى
المستقبَلِ كثيراً، ويحتملُ أنه أراد: إني سقيمٌ بما قُدِّر عليَّ من الموت، أو سقيمُ الحُجَّةِ على الخروج معكم.
· وقولُهُ: (بل فَعَلَهُ كبيرُهم)، قال القرطبي: هذا قاله تمهيداً للاستدلال على أنَّ الأصنام
ليسَتْ بآلهة، وقَطْعاً لقومه في قولهم: إنها تَضُرُّ وتَنفع. وهذا الاستدلالُ يُتَجوَّزُ فيه في الشرطِ
المتصل، ولهذا أَردَفَ قولَهُ: (بل فَعَلَه كبيرُهم) بقوله: (فاسْأَلُوهم إن كانوا يَنطِقون)، فهو مشترَطُ
بقوله: (إن کانوا ینطقون). )).
:
=

٢٠٩
وقد رَوَى البخاري في ((الأدب المُفْرَد)(١) من طريق قَتَادة، عن مُطَرِّف بن
عبد الله، عن عِمران بن الحُصَين: إنَّ في معاريضِ الكلام مَنْدُوحةٌ عن الكذِب.
فَأَطلَق الكذِبَ على ذلك مع كونِهِ من المعاريض، نظراً لعُلِّ مرتبته.
وقد أَنكَر بعضُ المفسِرِين من المتكلِّمين هذا الحديثَ(٢)، بناءً على ما أسَّسوه في
كتبِ الكلام، فقال في تفسير قولهِ تعالى: ﴿فَنَظَرَ نَظْرةً في النُّجومِ فقال إني سَقِيمٍ﴾:
ذَكَرَ قولَه: إني سقيم على سبيلِ التَّعرِيض، بمعنى أنَّ الإِنسانَ لا يَنفُّ في أكثر أحوالِهِ
عن حصولِ حالةٍ مكروهة إمَّا في بدنِهِ، وإمَّا في قلبه، وكلُّ ذلك سَقَمٌ. وقال
بعضُهم: ذلك القولُ عن إبراهيم كذِبٌ، ورووا حديثاً عن النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم أنه قال: ما كَذَبَ إبراهيمُ إلَّ ثلاثَ كذِبات. فقلتُ لبعضهم: هذا الحديثُ
وقال العلامة المفسِرِ الآلوسي في تفسيره ((روح المعاني)) ١٠١:٢٣ عند تفسير الآية: ((فقال
=
لهم: إني سقيم، أراد أنه سيَسقَمُ، ولقد صَدَق عليه السلام، فإن كلَّ إنسان لا بُدَّ أن يَسقَم،
وكفَى باعتلال المزاج أوَّلَ سَرَيانِ الموت في البدن سَقَاماً. والقومُ توهّمُوا أنه أراد قُربَ اتصافِهِ يسَقَمٍ
لا يستطيعُ معه الخروجَ معهم إلى معبدهم، وهو - على ما رُوي عن سفيان وابن جبير - سَقَمُ
الطاعون، فإنهما فسَّرًا (سقيم) بمطعون، وكان كما قيل: أغلَبَ الأسقام عليهم، وكانوا شديدي
الخوف منه، لاعتقادهم العدوی فیه .
وهذا - وكذا قولُهُ عليه السلام (بل فعله كبيرُهم هذا)، وقولُهُ في زوجتِهِ سَارَة: هي أختي -
من معاريض الأقوال، كقول نبينا صلَّى الله عليه وسلّم لمن قال له في طريق الهجرة: ممن الرجلُ؟
قال: من ماء، حيث أراد عليه الصلاة والسلام ذِكرَ مبدأ خَلقِهِ، ففَهِم السائلُ أنه بيانُ قبيلته،
وكقول صاحبِهِ الصديق وقد سُئل عنه عليه الصلاةُ والسلام في طريق الهجرة أيضاً، هو هادٍ يهديني
السبيل، حيث أراد شيئاً، وفَهِمَ السائلُ آخَرَ، ولا يُعَدُّ كذباً في الحقيقة.
وتسميةُ هذا القول بالكذب في بعض الأحاديث الصحيحة، بالنظر لما فَهِمَ الغيرُ منه،
لا بالنسبة إلى ما قَصَده المتكلم. والإِمامُ - الفخرُ الرازي - لضيق بِجْرابِهِ ومجالِهِ يُنكِرُ الحديثَ
الواردَ في ذلك، وهو في الصحيحين، ويقول: إسنادُ الكذب إلى راويه أهوَنُ من إسنادِه إلى الخليل
عليه السلام!)).
(١) في ص ٢٩٧ (باب من الشعر لحكمة) الحديث ٣٨١.
(٢) هو الإِمام الفخر الرازي في «تفسيره)» ٢٦: ١٤٨. والكلامُ الآتي كلُّه له.
!

٢١٠
لا ينبغي أن يُقبَلَ، لأنَّ فيه نسبة الكذِب إلى إبراهيم، فقال ذلك الرجلُ: كيف
يُحكَمُ بكذِبِ الرواةِ العُدُولِ؟ فقلتُ لَّا وَقَعَ التعارُضُ بين نسبةِ الكذِب إلى الراوي
وبين نسبتهِ إلى الخليل، كان من المعلوم بالضرورةِ أنَّ نسبته إلى الراوي أولى. ثم
نقولُ: لِمَ لا يَجُوزُ أن يكون المرادُ بكونِهِ كذِباً خبراً شبيهاً بالكذِب. اهـ.
:. اعتراضاتٌ على الحدِّ المذكور للحديث الصحيح مع الجواب عنها.
الاعتراضُ الأولُ، قال الحافظُ السيوطي في ((التدريب))(١): أُورِدَ عليه المتواترُ
فإنه صحيحٌ قطعاً، ولا يُشترَطُ فيه مجموعُ هذه الشروط. قال شيخُ الإِسلام: ولكن
يُمْكِنُ أن يُقالَ: هل يُوجَدُ حديثٌ متواتر لم تجتمع فيه هذه الشروط؟ اهـ.
أقول: قد وُجِدَ ذلك فيما ذَكَرَ ابنُ حَزْم، وقد نَقَلنا ذلك فيما مَضَى (٢)، وهو قال
علي: وقد يَرِدُ خَبْرٌ مُرسَلٌ، إلَّ أنَّ الإِجماعَ قد صَحَّ بما فيه متيقَّناً منقولاً چِيلاً فجِيلًا،
فإن كان هذا عَلِمنا أنه منقولٌ نقلَ كافَّةٍ كنقلِ القرآن، فاستُغنِيَ عن ذكرِ السَّنَدِ فيهِ،
وكان وُرودُ ذلك المرسَّلِ وِعَدَمُ ورُودِهِ سواءً، ولا فَرْقَ، وذلك نحوُ ((لا وَضِيَّةً
لوارث))، وكثيرٍ من أعلامِ نبوتِّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وإن كان قومٌ قد رَوَوْها
بأسانيدَ صِحاح، وهي منقولةٌ نقلَ الكافَّة.
على أنَّ في هذا الإِيرادِ نظراً، لأنَّ المتواترَ يجبُ أن لا يَدخُلَ حَدَّ الصحيح
المذكورِ لوجهين:
الأولُ: ماسبَقَ ذِكرُهُ من أنَّ المحدِّثين لا يبحثون عن المتواتر، لاستغنائِهِ بالتواترِ
عن إيراد سَنَدٍ له، حتى إنه إذا اتَّفَقَ له سَنَدٌ لم يُبحَث عن أحوالِ رُواتِهِ، فقولُ
المحدِّثين: إنَّ الحديثَ ينقسمُ إلى صحيح، وحسن، وضعيف، يُريدون به الحديثَ
المرويَّ من طريقِ الآحادِ، وأما المتواترُ فهو خارجٌ عن مَوْرِدِ القِسمة، وقد أَلْحَق
بعضُهم المستفيضَ بالمتواتر في ذلك.
(١) وقع في الأصل: (في التقريب). وهو سبقُ قلم، والصواب: (في التدريب) ص ٢٥
(٢) ص ١٤١، وسيرد أيضاً في ص ٦٥٩ .
و ١ : ٦٨.

٢١١
الثاني: ما ذَكَرُوا من أنهم إذا قالوا: هذا حديثٌ صحيح، فإنما يُريدون بذلك
أنه مستوفٍ لشروط الصحة، ولا يُريدون بذلك أنه صحيحٌ في نفس الأمر.
/ ٨٤
قال الحافظ ابنُ الصلاح: ومتى قالوا: هذا حديثٌ صحيح، فمعناهُ أنه اتَّصَلَ
سنَدُهُ مع سائرِ الأوصاف المذكورةِ، وليس من شرطِهِ أن يكون مقطوعاً به في نفسٍ
الأمر، إذ منه / ما ينفردُ بروايتِهِ عدلٌ واحدٌ، وليس من الأخبارِ التي أَجمَعَتْ الأَمَّةُ على
تلقِّيها بالقبول، وكذلك إذا قالوا في حديثٍ: إنه غيرُ صحيح، فليس ذلك قطعاً بأنه
كذِب في نفسِ الأمر، إذْ قد يكونُ صِدقاً في نفس الأمر، وإنما المرادُ به أنه لم يَصِحّ
إسنادُهُ على الشرطِ المذكور.
والصحيحُ يَتَنوَُّ إلى متفَّقٍ عليه ومختَلَفٍ فيه، ويتنوَُّ إلى مشهورٍ وغريبٍ،
وبَيْنَ ذلك. ثم إنَّ درجاتِ الصحيح تتفاوَتُ في القُوَّةِ بِحَسَبٍ تمكَّنِ الحديثِ من
الصفاتِ المذكورةِ التي تنبني الصحةُ عليها، وينقسِمُ باعتبارِ ذلك إلى أقسامٍ يَستعصِي
إحصاؤها على العادِّ الحاصير، ولهذا نَرى الإِمساكَ عن الحُكمِ لإِسنادٍ أو حديثٍ بأنه
الأصحُّ على الإطلاق. اهـ.
هذا، وليس في عبارةٍ ابن الصلاح المذكورةِ أولاً ما يُوجِبُ خروجَ المتواتِرِ
لكونه مقطوعاً به عن الصحيح المذكور، لأنه لم يَقُل: ومن شرطِ الصحيح أن
لا يكونَ مقطوعاً به في نفسِ الأمر، بل قال: وليس مِن شرطِ الصحيح أن يكونَ
مقطوعاً به في نفس الأمر، وهي عبارةٌ لا تُنافي أن يكونَ في الصحيح المذكور ما يكونُ
مقطوعاً به في نفسِ الأمر، وبهذا تَعلمُ أنْ لا تنافيَ بين ما قاله هنا وبين ما قالَهُ فيما
بَعْدُ، وهو أنَّ الحديثَ الذي اتَّفَق عليه البخاري ومسلم مقطوعٌ بصحتِهِ، كما توهّم
ذلك بعضُ الحفاظ.
ومن الغريبِ محاولةُ شيخ الإِسلام إدخالَ المتواتِ في تعريفِ الصحيح المذكورِ،
مع أنه قال في ((شرح النخبة))(١): وإنما أَبهمتُ شروطَ المتواتر في الأصل، لأنه على
(١) ص ٢٨ .

٢١٢
هذه الكيفية ليس من مباحثِ علم الإِسناد، إذ عِلمُ الإِسنادِ يُبحَثُ فيه عن صحةٍ
الحديث، أو ضعفِه، ليُعمَلَ به، أو يُترَكَ، من حيث صفاتُ الرجالٍ وصِيَغُ الأداء.
والمتواتِرُ لا يُبحَثُ عنِ رجاله، بل يَجِبُ العمَلُ به من غير بحث.
وقال في موضع آخر(١) في تعريف الصحيح لذاتِه: وخبرُ الآحاد بنقلِ عَدْلٍ
تامّ الضبطِ متصلِ السَّنَدِ غير معلَّلٍ ولا شاذٌّ هو الصحيحُ لذاتِه. فأَدخَل في التعريف
ما يَخْرُجُ به المتواترُ قطعاً، وأما تعريفُ الجمهور فإنه يُمكِنُ دخولُ المتواترِ فيه
لو لم يُصرِّحوا بأنهم لم يَقصِدوا دخولَه فيه، وما ذُكِرَ من أنه قد وُجِدَ في المتواتر
ما لا سنَدَ له أصلاً أو ما لَهُ سنَدٌ ولكن فيه مقال، قد يقالُ: إنه نادِرٌ، وخُروجُ الصُّوَرِ
النادرة من التعريفِ قد أجازه بعضُ العلماء.
هذا، وقد وقَعَّ لبعضٍ من كتَبَ في هذا الفنِّ وهو فيه ضعيفِ أنْ قال: قد
تَوَهَّمَ بعضُ الأفاضل من قولهم في تعريف المتواتر: إنه خبرُ جْعٍ يُؤْمَنُ تواطؤهم على
الكذِب: أنه لا يكونُ إلَّ صحيحاً، وليس كذلك في الاصطلاح، بل منه ما يكونُ
صحيحاً اصطلاحاً بأن يَروِيَه عُدولٌ عن مثلهم، وهكذا من ابتدائِهِ إلى انتهائه، ومنه
ما يكونُ ضعيفاً كما إذا كان في بعض طبقاتِه غيرُ عَدْلٍ ضابطٍ، فهذا ليس بصحيح
اصطلاحاً وإن كان صحيحاً بمعنى أنه مطابِقٌ للواقعِ باعتبارِ أمْنِ تواطىءٍ نَقَلَتِهِ على
الكذب، وعبارةُ ((التَّقْرِيب)) فيه صريحةٌ فيما ذكرناه، إذ جعَلَه قِسماً من المشهورِ،
وقَسَمه إلى صحيح وغيره أي حَسَنٍ وضعيفٍ، فَتَبَصَّرْ. اهـ(٢).
أقول: يَكفِي المتبصِرَ أن يَرجِع إلى وجدانِهِ، وأقرَبُ إليه من ذلك أنْ يَنظُرَ في
.-
عبارة ((التقريب)) التي نقلناها عنه آنفاً وليت هذا الناقلَ، اقتَفَى أَثَرَ ذلك الفاضِلِ.
(١) في ص ٣٨.
(٢) أنقلُ هنا عبارة ((التقريب)) للإمام النووي ص ٣٦٨، و١٧٣:٢ من («تدريب الراوي))
في (النوع ٣٠) لزيادة التوضيح، قال: ((النوعُ الثلاثون: المشهورُ من الحديث، هو قسمان: صحيحٌ
وغيرُه، ومشهورٌ بين أهل الحديث خاصَّةً، و- مشهورٌ - بينهم وبين غيرهم، ومنه المتواترُ المعروفُ
في الفقه وأصوله، ولا یذکرہ المحدِّثون».

٢١٣
/ ٨٥
الاعتراضُ الثاني: قد تقرَّر أنَّ الحَسَنَ إذا رُوِيَ من غير وجهٍ انتَقَلَ من درجةٍ
الحُسْنِ إلى درجة الصِّحَّة، / وهو غيرُ داخلٍ في الحد المذكور، وكذلك ما اعتّضَدَ
بتلقِّي العلماءِ له بالقبول، فإنَّ بعضَ العلماء قال: يُحِكُمُ للحديثِ بالصحةِ إذا تلقَّاه
الناسُ بالقبول وإن لم يكن له إسنادٌ صحيح .
قال ابنُ عبد البر في ((الاستذكار)) لَّا حَكَى عن الترمذي أنَّ البخاريَّ صَحَّحَ
حديثَ البحرِ ((هُوَ الطَّهُورُ ماؤه)»: وأهلُ الحديثِ لا يُصحّحون مثلَ إسنادِهِ، لكنَّ
الحديثَ عندي صحيح، لأنَّ العلماء تلَقَّوْه بالقبول. وقال أبو الحسن بن الحَصَّار(١) في
(تقريب المدارك على موطأ مالك)): قد يَعلمُ الفقيهُ صِحةً الحديثِ إذا لم يكن في سندِهِ
كذابٌ بموافقةِ آيةٍ من كتاب الله، أو بعضِ أصولِ الشريعة، فَيَحمِلُه ذلك على قبولِهِ
والعملٍ به .
وأُجِيبَ عن ذلك بأنَّ الحدَّ المذكورَ إنما هو للصحيحِ لذاتِه، وما أُورِدَ فهو من
قَبِيلِ الصحيحِ لغيره.
الاعتراضُ الثالث: من شرطِ الحديثِ الصحيح أن لا يكون منكراً، فحقُّهم
أن يزيدوا في الحَدِّ ما يَخِرُجُ به المنكْرِ. وأُجِيبَ عن ذلك بأنَّ الناس في المنكَرِ فريقان.
فريقٌ يقول: إنه هو والشاذُّ سيَّانِ، وعلى ذلك فلا إشكال. وفريقٌ يقول: إن المنكّرَ
أسوأُ حالاً من الشاذ، وعلى ذلك يقال: إنَّ اشتراطَ نفيِ الشذوذِ يقتضي اشتراطَ نفيهِ
بطريقِ الأولَى.
وقد تبينَّ بما ذكرنا أنَّ هذا الحدَّ لا يَرِدُ عليه شيء. ومما يُستغرَبُ في هذا الحدِّ أنه
(١) وقع في الأصل: (الحضَّار)، أي بالضاد المعجمة، تبعاً لما في ((تدريب الراوي)) في
طبعته القديمة، ووقع كذلك في الطبعة الأولى التي حققها الشيخ عبدالوهاب عبد اللطيف في
ص ٢٥، وصححه في الطبعة الثانية ذات الجزءين على الصواب فيه، وهو (الحَصَّار) بالصاد
المهملة، وهو أبو الحسن علي بن محمد الخزرجي الإِشبيلي الأندلسي، المتوفى سنة ٦١١
بالمدينة المنورة رحمه الله تعالى. كما في ترجمته في ((الأعلام)» للزركلي وغيرِه.

٢١٤
يُمْكِنُ أن يُوافِقَ أكثَرَ الفِرَق التي زادَتْ بعضَ الشروطِ كالجُبَّائي ومن نجا نحوَه مثلاً،
فإنه لا يقولُ بصحة الحديث إذا انفرد به واحِدٌ، ولو في طبقةٍ واحدةٍ من الطبقات،
إلّا أن يَعْضُدَ الحديثَ عاضد مما ذُكِرَ سابقاً، فإذا استُعمِلَ هذا الحدُّ أَخرِجَ ما انفَرَدٍ به
واحدٌ من غير أن يكونَ له عاضِدٌ بقوله: من غير شذوذ. وفُسِّرِّ الشذوذُ بما يُوافِقُ
ما ذَهَبَ إليه. مع أنَّ الجمهورَ يُفسِرِّون الشذوذَ بمخالفَةِ الثقةِ لمن هو أرجَحُ منه، وكمن
يَشتِرِطُ في صحةِ الحديثِ أن لا يكونَ الراوي قد عمِلَ بخلافِه بعدَ روایتِهِ له، فإذا
استُعمِلَ هذا الحدُّ أخرَجَ الحديثَ الذي عَمِلَ الراوي له بخلافِه بقوله: ولا عِلَّةُ.
وجُعِلَ من العِلَلِ القادحةِ مُخَالَفَةُ عَملِ الراوي لِمَا رواه.
وإن أردتَ إيرادَ حَذٍّ يَدخُلُ فيه الصحيحُ لغيره، يُمكنك أن تقول: الحديثُ
الصحيحُ هو الحديثُ الذي اتَّصَل إسنادُه على وجهٍ تَسكُّنُ إليه النفسُ مع السلامةِ من
الشذوذ والعلة. وإن أردتَ أجْمَعَ منه يُمكِنُك أن تقولَ: الحديثُ الصحيحُ هو الحديثُ
المرويُّ على وجهٍ تَسكُنُ إليه النَّفْسُ مع السلامةِ من الشذوذِ والعلة.
فوائد تتعلَّقُ بمبحثِ الصحيح
الفائدةُ الأولى:
في أنَّ أوَّلَ من ألَّفِ في الصحيح المجرَّد هو البخاريُّ ومسلم
أوَّلُ من صَنَّفَ في الصحيحِ المجرَّد الإِمامُ أبو عبد الله محمدُ بن إسماعيل
البخاريُّ الْجُعْفِيّ، وتلاه الإِمامُ أبو الحسين مُسْلِمُ بن الحَجَّاجِ النيسابوري القُشْيري،
/٨٦ وكان مسلمٌ ممن أَخَذ عن البخاري واستفاد منه، وهو مع / ذلك يشاركه في أكثر
شيوخه. وکتاباهما أصحُّ کتبٍ الحديث.
وأما قولُ الإِمام الشافعيِّ: ما على وَجْهِ الأرضِ بعدَ كتابِ الله أَصَحُّ من كتابٍ
مالك، فإنه كان قبْلَ وجودٍ کتابیھما.
وأما قولُ بعضهم: إنَّ مالكاً أوَّلُ من صنَّفَ في الصحيح فهو مسلّم، غير أنه

٢١٥
لم يَقتصير في كتابه عليه بل أدخَل فيه المرسَلَّ والمنقطِعَ والبلاغاتِ، ومن بلاغاتِهِ
أحاديثُ لا تُعرَف، كما ذكره الحافظُ ابنُ عبد البر، فهو لم يُجرِّد الصحيح .
واعتّرَض بعضُهم على ذلك فقال: إنَّ مِثْلَ ذلك قد وقَعَ في كتاب البخاري،
قال الحافظ ابن حجر: إنَّ كتابَ مالك صحيحٌ عنده وعند من يُقلِّدُه، على ما اقْتَضَاه
نظرُهُ من الاحتجاجِ بالمرسَل والمنقطع وغيرهما، لا على الشرطِ الذي تقدَّم التعريفُ به.
قال: والفَّرْقُ بين ما فيه من المنقطع وبين ما في ((البخاري)) أنَّ الذي في ((الموطأ))
هو مسموعٌ لمالكِ كذلك غالباً، وهو حُجَّةٌ عنده، والذي في ((البخاري)) قد حَذَفَ
إسنادَهُ عَمْداً لقصدِ التخفيف إن كان ذَكَرَه في موضعٍ آخَرَ موصولاً، أو لقصدِ التنويع
إن كان على غير شَرْطِه ليُخرِجَه عن موضوع كتابه، وإنما يَذكُرُ ما يَذكُرُ من ذلك
تنبيهاً، أو استشهاداً، أو استئناساً، أو تفسيراً لبعض آيات، أو غير ذلك مما سيأتي
عندَ الكلام على التعليقِ، فَظهَرَ بهذا أنَّ الذي في ((البخاري)) لا يُخْرِجُه عن كونِهِ جَرَّدَ
فيه الصحيحَ بخلاف ((الموطأ)).
الفائدة الثانية :
في شَرْطِ البخاري ومسلم
أَلَّف الحازميُّ كتاباً في ((شروط الأئمة))(١)، ذَكَر فيه شَرْطَ الشيخين وغيرهما،
فقال(٢): مذهَبُ من يُخرِجُ الصحيحَ أن يَعتبِرَ حالَ الراوي العدلِ في مشايخِهِ وفيمن
رَوَى عنهم وهم ثقاتٌ أيضاً، وحديثُه عن بعضِهم صحيحٌ ثابتٌ يَلزمُ إخراجُه، وعن
بعضِهم مدخولٌ لا يَصِحُّ(٣) إخراجُه إلَّ في الشواهدِ والمتابعات. وهذا بابٌ فيه
غموض، وطريقُهُ معرفةُ طَبَقاتِ الرّواةِ عن راوي الأصلِ ومَرَاتِبِ مَداركهم،
ولنوضِّحْ ذلك بمثال:
(١) أي («شروط الأئمة الخمسة)): البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي.
(٢) في ص ٤٣.
(٣) عبارة ((الشروط الخمسة)): (لا يَصْلُح).

٢١٦
وهو أن تَعْلَمَ (١) أنَّ أصحابَ الزهري مثلً على خْسٍ طبقات، ولكلٍّ طبقةٍ
منها مَزِيَّة على التي تليها .
فالأولى في غاية الصحة، نحوُ مالكٍ وابنٍ عيينة ويونسَ وعَقِيل ونحوِهم، وهي
مَقْصِدُ البخاري .
والثانيةُ شاركت الأولى في العدالة، غيرَ أن الأولى جَمَعَتْ بين الحفظِ والإِتقان
وبين طُولِ الملازمةِ للزهري، حتى كان منهم من يُزاملُهُ في السفرِ ويُلازمه في الخَضَرِ،
والثانيةُ لم تُلازم الزهريَّ إلَّ مدةً يسيرة، فلم تُمارس حديثه، وكانوا في الإتقان دون
الطبقة الأولى، كالليث بن سعد والأوزاعيّ والنعمان بن راشد، وهم شَرْطُ مسلم.
والثالثةُ جماعةٌ لَزِمُوا الزهريِّ مِثلَ أهلِ الطبقةِ الأولى، غير أنهم لم يسلموا من
غوائل الجَرْح، فهم بين الردِّ والقبول، كجعفر بن بُرْقان وسفيان بن حُسَين السُّلَمَي
وزَّمْعَة بن صالح الَكِّي، وهم شَرْطُ أبي داود والنسائي.
والرابعةُ قومٌ شاركوا الثالثةَ في الْجَرْح والتعديل، وتفرَّدوا بقلَّةِ مُمارستِهم لحديث
الزهري، لأنهم لم يُلازموه كثيراً، كمعاوية بن يحيى الصَّدَفي وإسحاق بن يحيى
الكلبي والمثنى بن الصَّبَّاحِ، وهم شَرْطُ الترمذي(٢).
(١) عبارة «الشروط الخمسة)): (أن نَعْلَمَ).
(٢) هكذا الصوابُ في ذكر هذه الطبقات الأربع، كما جاءت في ((شروط الأئمة الخمسة))
ووقع للمؤلف في نقلها منه سهو وخطأ، فجاءت هكذا:
((والثانية شاركت الأولى في العدالة، غير أن الأولى جمعَتْ بين الحفظ والإتقان وبين طول
الملازمةِ للزهري، حتى كان منهم من يُلازمه في السفرِ ويُلازمه في الحضر، کالليث بن سعد
والأوزاعي والنعمان بن راشد، والثانية لم تلازم الزهريَّ إلاّ مدة یسیرة، فلم تمارس حديثه، وكانوا
في الإتقان دون الطبقة الأولى، كجعفر بن بُرْقان وسفيان بن حُسَين السُّلَمي وزَمْعة بن صالح
المكي، وهم شَرْطُ مسلم .
والثالثة جماعة لَزِمُوا الزهريَّ مثلَ أهل الطبقة الأولى، غيرَ أنهم لم يَسلموا من غوائل الجَرْحِ،
فهم بين الردِّ والقبول، كمعاوية بن يحيى الصَّدَفي وإسحاق بن يحيى الكلبي، والمثنى بن =

ا
:
٢١٧
/ والخامسةُ نَفَرٌ من الضعفاءِ والمجهولين، لا يَجُوزُ لمن يُخْرِجُ الحديثَ على /٨٧
الأبواب أن يُخْرِجَ حديثَهم إلَّ على سبيلِ الاعتبارِ والاستشهادِ عندَ أبي داود فمن
دُونَه، فأمَّا عندَ الشيخين فلا، كبَحْرِ بن كَنِيْزِ السَّقَّاءِ(١)، والحَكَم بن عبد الله
الآيلي(٢).
وقد يُخْرِجُ البخاريُّ أحياناً عن أَعْيانِ الطبقة الثانية، ومسلمٌ عن أَعيانِ الطبقةِ
الثالثة(٣)، وأبو داود عن مَشَاهِير الرابعة، وذلك لأسبابٍ اقتَضَتْه.
وقال ابنُ طاهر: شَرْطُ البخاريِّ ومسلم أن يُخْرِجا الحديثَ المجمَعَ على ثقةٍ
رجالِهِ إلى الصحابي المشهور. قال العراقي: وليس ما قاله بجيِّد، لأن النَّسائي
= الصَّبَّح، وهم شَرْطُ أبي داود والنسائي.
والرابعةُ قومٌ شاركوا الثالثةَ في الجرح والتعديل، وتفرِّدوا بقِلَّةِ مُمارستِهم لحديث الزهري،
لأنهم لم يُلازموه كثيراً، وهم شَرْطُ الترمذي)».
انتهت عبارةُ المؤلف كما وردَتْ في الكتابِ خطأ، وقد وقع فيها سبقُ نظر وقَلْبُ في ذكرِ الرواة
الممثَّل بهم في الطبقة الثانية عنده، وهم من الرواة الممثّل بهم في الطبقةِ الثالثةِ عند الحازمي، ووقع
مثلُ ذلك في الرواة الممثَّل بهم في الطبقة الثالثة عند المؤلف، وهم من الرواة الممثَّل بهم في الطبقة
الرابعة عند الحازمي، فلذا غيّرتُها إلى الصواب ونبّهتُ.
(١) كَنِيْز، بفتح الكاف وكسر النون مكبراً، كما ضبطه الحُفَّاظ: عبد الغني في ((المؤتلف
والمختلف)» ص ١٠٨، والذهبي في ((المشتبه)) ص ٥٤٥، وابن حجر في ((تبصير المنتبه)) ١١٨٨:٣،
والفيروز آبادي صاحبُ (القاموس)) فيه فقال: ((بوزن أمير). فلا تَغْتَّرَّ بما عُلِّقَ على ((تهذيب
التهذيب)) ٤١٨:١، نقلا عن ((التقريب))، غَلَطاً في الفهم من ناقِلهِ عنه، لأن عبارة ((التقريب)):
بَحْر بن كنيز بنون وزاي)». ولو كان بالتصغير لقال: مُصَغَّراً، ولا تغتَرَّ بما ضبطه الواقفُ على
(التقريب)) من طبعة لكنو بالهند سنة ١٣٥٦ والواقف على ((الميزان)) والواقفُ على ((الكاشف))،
فقد قلَّدوا الغالط!
(٢) وقع في الأصل: (الابلي)، أي بالباء الموحدة، وهو تحريف، صوابه: (الأيلي) بفتح
الهمزة وسكون الياء المثناة، كما جاء في ((شروط الأئمة الخمسة)) وغير كتاب.
(٣) وقع في الأصل: (عن أعلام). والذي في ((شروط الأئمة الخمسة)) ص ٤٧ (عن
أعيان).

٢١٨
ضَعَّفَ رجالاً أَخْرَجَ لهم الشيخانِ أو أحدُهما. وأُجِيبَ بأنهما أَخرجًا من أُجمعَ على ثقتِهِ
إلى حينِ تصنيفهما، ولا يَقدَحُ في ذلك تضعيفُ النسائي بعدَ وجودِ الكتابين.
قال الحافظ ابنُ حجر: تضعيفُ النسائي إن كان باجتهادِهِ أو نقلِه عن معاصير
فالجوابُ ذلك، وإنْ نقَلَه عن متقدِّمٍ فلا. قال: ويُمكِنُ أن يُجابَ بأنَّ ما قاله
ابنُ طاهر هو الأصل الذي بَنْيًا عليه أمرَهما، وقد يَخْرُجانِ عنه لمرجِّح يَقومُ مِقامَه.
وسُئِلَ العلامةُ تقيُّ الدين بن تيمية عن مسائل، وهي: ما معنى إجماع العلماء؟
وإذا أجمعوا فهل يَسُوغُ للمجتهدِ مخالفتُهم؟ وهل قولُ الصحابيِّ حُجَّةٌ، وما معنى
الحسَنِ والمرسَلِ والغَرِيبِ من الحديث، وما معنى قولِ الترمذي: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ
غريبٌ؟ فقد جَمَعَ بين الحُسْنِ والصحةِ والغرابةِ في حديثٍ واحد، وهل في الحديث
متواتِرٌ لفظاً؟ وهل أحاديثُ الصحيحين تُفِيدُ اليقينَ أو الظن؟ وما شَرْطُ البخاري
ومسلم؟ فإنهم قد فَرَّقوا بينهما.
فأجاب عنها، وقال في الجوابِ عن المسألةِ الأخيرةِ التي نحن الآنَ في صَدَدِ
البحثِ عنها، بما صُورَتُه:
وأمَّ شَرْطُ البخاريِّ ومسلم، فلهذا رِجالٌ يَروِي عنهم يَخْتَصُّ بهم، ولهذا
رِجالٌ يَروِي عنهم يختصُ بهم، وهما مشتركانٍ في رجالٍ آخَرِين، وهؤلاء الذين اتفَقًا
عليهم، عليهم مَدَارُ الحديثِ المتفق عليه، وقد يَروِي أحدُهم عن رجلٍ في المتابعات
والشواهد دُونَ الأصلِ ، وقد يَروِي عنه ما عَرَفَ من طريق غيره، ولا يَرَوِي ما انفَرَد به.
وقد يَترُكُ من حديثِ الثقةِ ما عَلِمَ أنه أخطأَ فيه، فَيَظُنُّ من لا خِبْرَةَ له أنَّ كلَّ
ما رواه ذلك الشخصُ يحتجُ به أصحابُ الصحيح، وليس الأمرُ كذلك، فإنَّ معرفةً
◌ِلَلِ الحديثِ عِلمٌ شريف يَعرِفُه أئمةُ الفن، كيحيى بن سعيد القطان وعليّ بن
المدينيّ وأحمد بن حنبل والبخاريِّ صاحبٍ ((الصحيح)) والدار قطنيٌّ وغيرهم. وهذه
علوم يَعرفها أصحابُها . اهـ.

٢١٩
وأما ما أشار إليه الحاكمُ (١)، من أنهما لم يُخْرِجا حديثَ من لم يَرْوِ عنه إلاّ راوٍ
واحد، فقد سَبَقَ(٢) ما قِيلَ فيه، وأنه مخالفٌ للواقع.
وقد أَخرَج البخاريُّ ومسلمٌ حديثَ المسيّبِ بن حَزْن والدِ سعيد بن المسيَّب،
في وفاة أبي طالب(٣)، ولم يَرْوِ عنه غیرُ ابنِه سعید.
وأَخرَج البخاريُّ حديثَ عَمْرٍو بن تَغْلِب: ((إني لأُعطِي الرجلَ والذي أَدَعُ
أحَبُّ إليَّ)(٤)، ولم يَروِ عنه غيرُ الحسن.
وحديثَ قيس بن أبي حازم، عن مِرداسٍ الأَسْلَمي ((يَذْهَبُ الصالحِون))(٥)،
ولم یروِ عنه غیرُ قیس.
وأَخَرَج مسلمٌ حديثَ رافع بن عَمْرٍو الغِفاري (٦)، ولم يَرْوِ عنه غيرُ عبدِ الله بن
(١) يعني كلام الحاكم الذي قاله في كتابه ((المَدْخَل إلى كتاب الإكليل))، وتقدم نقلُ المؤلّفِ
له في ص ١٨٣.
(٢) في ص ١٨٣ وما بعدها.
(٣) البخاري ٣: ٢٢٢، في كتاب الجنائز في (باب إذا قال المشرك عند الموت: لا إلّه
إلّ الله)، ومسلم ٢١٣:١ - ٢١٤، في كتاب الإِيمان في (باب الدليل على صحة إسلام من حضَرَهُ
الموت ... ).
(٤) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد في (باب قوله تعالى: إن الإنسان خُلِقَ هلوعاً ... )
١٣ :٥١١.
(٥) أخرجه البخاري في كتاب المغازي في (باب غزوة الحديبية) ٧: ٤٤٤، وفي كتاب
الرقاق في (باب ذهاب الصالحين) ١١ :٢٥١ .
(٦) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة في (باب من قال في الخطبة بعد الثناء: أما بعد)
٤٠٣:٢، وفي كتاب الخُمُس في (باب ما كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يعطي المؤلّفةً
قلوبُهم ... ) ٦: ٢٥٠، وفي كتاب التوحيد في (باب قوله تعالى: إن الإِنسان خُلِقَ هَلُوعاً ... )
١٣ :٠٥١١

٢٢٠
/٨٨ الصامت. / وحديثَ ربيعة بن كعبِ الأسْلَمي(١)، ولم يَروِ عنه غيرُ أبي سَلَمة.
ونظائرُ ذلك في ((الصحيحين)) كثيرة.
وقد تعرَّض الحافظُ السيوطي في ((التوشيح)) لبيانِ شروطِ البخاريِّ وموضوعٍ
كتابِهِ، فأحببتُ إيرادَه بتمامِهِ، لما فيه من الفوائد المهمة، قال في أوَّلِهِ :
فَصْلٌ في بيانِ شروطِ البخاري وموضوعِه
اعلَمْ أنَّ البخاريّ لم يُوجَد عنده تصريحٌ بشرطٍ معيَنَّ وإنما أُخِذَ ذلك من تسميةِ
الكتابِ والاستقراءِ من تصرُّفِهِ .
أَمَا أولاً فإنه سَمَّه ((الجامع الصحيحَ المسنَدَ المختصَرَ من أمورٍ رسول الله صلَّى
الله عليه وسلَّم وسُنِهِ وأيامِهِ)(٢).
فعُلِمَ من قولِهِ: الجامع، أنه لم يُخُصَّه بصنفٍ دون صِنف، ولهذا أورد فيه
الأحكامَ والفضائلَ والأخبارَ عن الأمورِ الماضيةِ والآتيةِ، وغيرَ ذلك من الآداب
والرقائق .
ومن قوله الصحيح ، أنه ليس فيه شيءٌ ضعيفٌ عنده، وإن كان فيه مواضعُ
(١) أخرجه مسلم في كتاب الصلاة في (باب فضل السجود والحثُّ عليه) ٤: ٢٠٥.
(٢) وهكذا سَمَّه الحافظ ابن الصلاح في ((مقدمته)) في (الفائدة السادسة) في مبحث
(الصحيح)، ولكن بشيء من التقديم والتأخير، فقال:
((وموضوعُهُ الذي يُشِعِرُ به اسمُه الذي سّه به، وهو: ((الجامعُ المسندُ الصحيحُ المختَصَرُ من
أُمُورِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسُنَتِهِ وأيامه)). انتهى. ومثلُه تماماً عند النووي في ((تهذيب
الأسماء واللغات)) ٧٣:١، في ترجمة الإمام البخاري، وفي القطعة من ((شرحه على أول صحيح
البخاري)) ص ٧، وعند العيني في ((عمدة القاري)) ٥:١، وسمّه الحافظ ابن حجر في ((هدي
الساري)) ١: ٥ من الطبعة المنيرية، وص ٨ من طبعة السلفية: (( ... وهو مستفاد من تسميته إياه:
(الجامعُ الصحيحُ المسندُ منَ حَدِيثٍ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وسُنَتِه وأيامه).)). انتهى.
ويظهر أن فيه تساهلاً عما سَّه غيرُهُ بين لفظِ (من أمور رسول الله) ولفظِ (من حديثٍ
رسول الله). فتأمل. وانظر - إذا شئت ــ رسالتي ((تحقيق اسمَيْ الصحيحين وجامع الترمذي)).

٢٢١
قد انتَقَدها غيرُه، فقد أجِيبَ عنها، وقد صَحَّ عنه أنه قال: ما أدخلتُ في ((الجامع)) إلاَّ
ما ضَحِّ.
ومن قوله: المسنّد، أنَّ مقصودَهُ الأصلي تخريجُ الأحاديث التي اتَّصَلَ إسنادُها
ببعضِ الصحابة، عن النبي صلَّى اللّه عليه وسلَّم سواءً كانت من قولِهِ، أم فعله،
أم تقريرِه. وأما ما وَقَعَ في الكتاب من غير ذلك، فإِنما وقَعَ عَرَضاً وتَبَعَاً لا أصلاً مقصوداً.
وأمَّا ما عُرِفَ بالاستقراءِ من تصرُّفِهِ فهو: أنه يُخْرِجُ الحديثَ الذي اتَّصَلَ
إسنادُه، وكان كلٍّ من رُواتِهِ عَدْلاً، موصوفاً بالضبط، فإن قَصَّر احتاج إلى ما يَخْبُرُ
ذلك التقصِيرَ، وخَلاَ عن أن يكونَ معلولاً، أي فيه عِلَّةٌ خَفِيَّةٌ قادحة، أو شاذّاً، أي
خالَفَ رِوايَةَ من هو أكثرُ عدّدَاً منه أو أشَدُّ ضَبْطاً، مُخالَفَةً تَستلزِمُ التنافيَ، ويَتعذّر معه
الجمعُ الذي لا يكونُ فيه تعسُّف.
والاتصالُ عندهم أن يُعَبَِّ كلٍّ من الرواةِ في روايتِهِ عن شيخِهِ بصفةٍ صريحةٍ في
السماع منه، كسَمِعتُه، وحدَّثَنِي، وأخبَرَني، أو ظاهرةٍ فيه كعَنْ، أو أنَّ فلاناً، قالَ.
وهذا الثاني في غير المدلِّسِ الثقةِ، أمَّا هو فلا يُقبَلُ منه إلَّ المرتبةُ الأُولَى(١). وشَرْطُ حملٍ
الثاني على السَّماعِ عندَ البخاري أن يكونَ الراوي قد ثبَتَ له لِقَاءُ من حَدَّثَ عنه
ولو مرةً واحدةً.
وعُرِفَ بالاستقراءِ من تصرُّفِهِ في الرجال الذين يُخْرِجُ لهم، أنه يَنتقي أكثَرَهُم
صحبةً لشيخِه وأعرَفَهُم بحديثِه، وإنْ أَخرَج من حديثٍ من لا يكونُ بهذه الصفةِ،
فإنما يُخرِجُ في المتابعاتِ، أو حيث تَقُومُ له قرينةٌ بأنَّ ذلك مما ضَبَطَّهُ هذا الراوي،
فبمجموع ذلك وَصَفَ الأئمةُ كتابَهُ قديماً وحديثاً بأنه أصَحُّ الكتب المصنَّفةِ في
الحدیث.
وأكثرُ ما فُضِّلَ كتابُ مُسْلم عليه أنه يَجِمَعُ المتونَ في موضعٍ واحد، ولا يفرِّقُها
في الأبواب، ويَسُوقها تامَّةً، ولا يُقَطِّعُها في التراجم، ويُحافِظُ على الإِتيانِ بألفاظِها،
ولا يَروِي بالمعنى، ويُفرِدُها ولا يَخِطُ معها شيئاً من أقوالِ الصحابةِ ومن بعدهم.
(١) يعني بها الصيغة الصريحةً في السماع، كسَمعتُه، وحدَّثني، وأخبرني.

٢٢٢
/٨٩
. وأما البخاريُّ فإنه يفرِّقُها في الأبوابِ اللائقة بها، لكن ربما كان ذلك الحديثُ
ظاهراً وربما كان خَفِيَّاً، فالخَفِيُّ ربما حَصَلَ تناولُهُ بالاقتضاءِ، أو باللزومِ،
أو بالتمسكِ بالعموم، أو بالرمزِ إلى مُخَالَفَةٍ مُخالِفٍ، / أو بالإِشارةِ إلى أنَّ في بعض
طُرقِ ذلك الحديث ما يُعطِي المقصودَ وإن خَلَا عنه لفظُ المتنِ المسوقِ هناك، تنبيهاً
على ذلك المشارِ إليه بذلك، وأنه صالحٌ لأنْ يُحْتَجِّ به وإن كان لا يَرتقِي إلى درجةٍ
شرطه .
واحتاجَ لذلك أن يكرِّرَ الأحاديثَ، لأنَّ كثيراً من المتون تشتمِلُ على عِدَّةِ
أحكام، فَيَحتاجُ أن يُذكُرَ في كل بابٍ ما يَلِيقُ به من حكمِ ذلك الحديثِ بعينه، فإنْ
ساقه بتمامِهِ إسناداً ومَتْناً طالَ، وإِنْ أهَمَلَه فلا يلِيقُ به، فَتَصرَّفَ فيه بوجوهٍ من
التصرُّف.
وهو أنه يَنظُرُ الإِسنادَ إلى غايةٍ من يَدُورُ عليه الحديثُ من الرواةِ، أي يُنفِدُ
بروايتِهِ، فُيُخرِجُه في بابٍ عن راوٍ يرويهِ عن ذلك المنفرد، وفي بابٍ آخَرَ عنْ راوٍ آخْرَ
عن ذلك المنفرِد، وهَلُمَّ جراً. فإِن كَثُرَتْ الأحكامُ عن عدَدِ الرواةِ عَدَلَ عِن سِيَاقِةِ
تمام الإِسناد إلى اختصارِه مطلقاً، وهذه إحدى النُّكَتِ في تعليقِهِ ما وصَلَهُ في موضعٍ
آخَر، وإن ضاق ◌َخْرَجُه كأن يكون فَرْداً مطلقاً، فَيَسُوقُ المتنَ تارةً تاماً، وتارةً مختصراً.
ثم إنه حالَ تصنيفِهِ كان قد بَسَط التراجمَ والأحاديثَ، فَجعَلَ لكل ترجمةٍ
حديثاً يُلائمها، وبَقِيَّتْ عليه تراجمُ لم يجد في الحالةِ الراهنةِ ما يُلائمها، فأخلاها عن
الحديثِ، ويَقِيَتْ عليه أحاديثُ لم يتَّضِح له ما يَرتضِيه في الترجمة عنها، فجعَلَ لها
أبواباً بلا تراجم، فيُوجَدُ فيه أحياناً بابٌ بتراجم، وليس فيه سِوى آيةٍ أو كلامِ
الصحابيِّ أو التابعيِّ، وأحياناً بابٌ غيرُ مترجم، وقد ساق فيه حديثاً أو أكثر.
نَقَلَ ذلك أبو ذَرِّ الْهَزَوِي عن المُسْتَمْلي، وأشار إلى أنَّ بعض من نَقَلَ الكُتابَ
بعدَ موتِ مصنِِّهِ ربما ضَمَّ باباً مترجماً إلى حديثٍ غير مترجّم، وأخلَ البياضَ الذي
بينهما، فيَظُنُّ بعضُ الناس أنَّ هذا الحديثَ يتعلَّقُ بالترجمةِ التي قبلَه، فَيَجعَلُ لها
وجوهاً من المحامِلِ المتكلَّفةِ، ولا تَعَلَّقَ له به ألبتة. اهـ.
1
:
أ