النص المفهرس

صفحات 241-260

١٨٣
القسمُ الخامس: أحاديثُ جماعةٍ من الأئمة عن آبائهم عن أجدادهم،
ولم تتواتر الروايةُ عن آبائهم عن أجدادهم بها إلَّ عنهم، كصحيفة عَمْروِ بن شُعَيب، عن
أبيه، عن جدِّه. وبَهْزِ بن حَكِيم، عن أبيه، عن جَدِّه. وإیاسٍ بنِ معاوية، عن أبيه،
عن جَدِّه. وأجدادُهم صحابة وأحفادهم ثقات.
قال الحاكم: فهذه الأقسامُ الخمسةُ مخرَّجة في كتب الأئمة، فيُحتَجُّ بها وإن
لم يُخِرَج منها في «الصحيحين)) حديثٌ، يعني غيرَ القسم الأول. قال: والخمسةُ
المختلَفُ فيها: المرسَلُ، وأحاديثُ المدلِّسين إذا لم يَذْكُرُوا سماعَهم، وما أسنَدَه ثقةٌ
وأرسَلَه جماعة من الثقات، ورواياتُ الثقاتِ غير الحفاظ العارفين، ورواياتُ المبتدِعة
إذا كانوا صادقين. انتهى كلامُ الحاكم.
فقد جَعَل ما ذكره في ((علوم الحديث)) شَرْطاً للصحيح مطلقاً، وجَعَل ذلك في
((المدخَل)) شرطاً للصحيح عند الشيخين.
وقد نَقَض عليه الحازميُّ(١) ما ادَّعَى من أنه شرطُ ((الشيخين)) بما في الصحيح من
الغرائب التي تفرد بها بعضُ الرواة(٢). وأُجِيبٌ بأنه إنما أراد أنَّ كلَّ راوٍ في الكتابين
يُشْتَرَطُ أن يكونَ له راويان، لا أنه يُشترَطُ أن يتفِقا في روايةِ ذلك الحديثِ بعينه.
وقال أبو علي الغسانيُّ ونقَلَه عنه القاضي عياض: ليس المرادُ أن يكونَ / كلُّ /٧١
خبرٍ رَوَياه يَجْتمِعُ فيه راويانٍ عن صحابِّه، ثم عن تابعيِّه فمن بعدَهُ، فإنَّ ذلك يَعِزُّ
وجودُه، وإنما المرادُ أن هذا الصحابيَّ وهذا التابعيَّ قد رَوَی عنه رجلانٍ خَرَج بهما
عن حَدِّ الجهالة.
قال أبو عبد الله بن المَوَّاق: ما حَمَل الغسانيُّ عليه كلامَ الحاكم وتَبِعَه عليه
عِياضٌ وغيرُه: ليس بالبينِّ، ولا أعلَمُ أحداً رَوَى عنهما أنهما صَرَّحا بذلك، ولا وجودَ
له في کتابیھما، ولا خارجاً عنهما.
(١) في ((شروط الأئمة الخمسة)) ص ٣١.
(٢) وسيأتي مرة ثانية في ص ٢١٩ نقلُ المؤلف لكلام الحاكم والردُّ عليه.

١٨٤
فإن كان قائلُ ذلك عَرَفه من مذهبهما، بالتصفّح لتصرُّفِهما في كتابيهما،
فلم يُصِب، لأنَّ الأمرينِ معاً في كتابيهما. وإن كان أَخَذَهُ من كونٍ ذلك أكثريَّاً في
كتابيهما، فلا دليلَ فيه على كونهما اشتَرَطاه. ولعلَّ وجود ذلك أكثرياً إنما هو لأنَّ من
رَوَى عنه أكثرُ من واحدٍ أكثرُ ممن لم يَروِ عنه إلَّ واحدٌ في الرواة مطلقاً، لا بالنسبةِ إلى
من خُرِّج لهم في ((الصحيحين)).
وليس من الإِنصافِ إلزامُهما هذا الشرطَ من غير أنْ يَثْبُتَ عنهما ذلك، مع
وجودٍ إخلالهِما به، لأنهما إذا صَحَّ عنهما اشتراطُ ذلك، كان في إخلالهما به دَرَكٌ عليهما.
· وقال القاضي أبو بكر ابنُ العربي في ((شرح الموطأ): كان مذهَبُ الشيخين أنَّ
الحديث لا يَثْبُتُ حتى يَرَوِيَه اثنانِ. وهو مذهبٌ باطل، بل روايةُ الواحِدِ عن الواحدِ
صحيحةٌ إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم. وقال في ((شرح البخاري)) عند حدیث ((إنما
الأعمالُ بالنيات)»: انفَرَدَ به عُمَرُ، وقد جاء من طريق أبي سَعِيد رواه البَزَّارِ بإسنادٍ
ضعيف(١).
قال: وحديثُ عُمَرَ وإن كانت طريقُهُ واحدةً، فإنما بَنِى البخاري كتابَه على
حديثٍ يَروِيه أكثرُ من واحد، فهذا الحديثُ ليس من ذلك الفنِّ، لأنَّ عُمَرَ قاله على
المنبر بمَحْضَرِ الأعيانِ من الصحابة، فصار كالمُجْمَع عليه، فكأنَّ عُمَرَ ذَكَّرهم
لا أخبرهم .
قال ابن رُشَيْد: العَجَبُ منه(٢) كيف يَدَّعي عليهما ذلك، ثم يَزْعُمُ أنه مذهبٌ
باطل، فليتَ شِعري من أعلَمَهُ بأنَّهما اشتَرَطا ذلك؟ إن كان منقولاً فليبينٌ طريقَهُ لننْظُرَ
فيها، وإن كان عَرَفه بالاستقراءِ فقد وَهِمَ في ذلك. ولقد كان يكفيه في ذلك أوَّلُ
حديثٍ في ((البخاري)).
(١) وقع في الأصل: (وقد جاء من طريق ابن سعيد). وهو تحريف عن (من طريق
أبي سعيد). وهو أبو سعيد الخدري كما في كتاب ((العِلَل)) للدارقطني ٢: ١٩٣، وكما في أول ((جامع
العلوم والحكم)) للحافظ ابن رجب ص ٥، و((تدريب الراوي)) للسيوطي ص ٢٧ و ١: ٧١ . :
(٢) أي من أبي بكر بن العربي، السابقِ كلامُه قريباً.

١٨٥
وما اعتَذَر به عنه(١) فيه تقصيرٌ، لأنَّ عُمَر لم ينفرد به وَحْدَهُ، بل انفَرَدَ به علقمةُ
عنه، وانفَرَدَ به محمدُ بن إبراهيم عن علقمة، وانفَرَدَ به يحيى بنُ سعيد عن محمد،
وعن يحيى تعذَّدَتْ رُوَاتُه. وأيضاً فكونُ عمر قاله على المنبر، لا يَستلزمُ أن يكون ذكَّرَ
السامعين بما عندَهم، بل هو محتمِلٌ للأمرينِ، وإنما لم يُنكروه لأنه عندَهم ثقةٌ، فلو
حدَّثهم بما لم يَسمعوه قط لم يُنكروا عليه.
وقد ادَّعى الحافظُ ابنُ حبان أنَّ روايةَ اثنين عن اثنينِ إلى أن ينتهيَ السندُ
لا تُوجَدُ أصلاً. قال بعضُ المحققين: إن أراد أنَّ رواية اثنين فقط عن اثنين فقط
لا توجدُ أصلاً، فيُمكِنُ أن يُسلَّم. وأمَّا صُورةُ العزيز فموجودةٌ، والعزيزُ عندهم هو
الذي يكون في طبقةٍ من طبقاتِهِ اثنانٍ من الرواةِ فقط، وتكونُ الرُّواةُ في سائر طبقاتِه
ليست أقلّ من اثنين، فيَشمَلُ ما كان في سائر طبقاتِهِ اثنانٍ أو أكثر.
والذي أنكره ابنُ حبان هو روايةُ اثنينِ عن اثنينٍ إلى أن ينتهيَ السند، فإنکارُه
ذلك لا يَستلزمُ إنكارَ الحديثِ العزيز الذي قرَّره المحدثون، وإنما أَنكَر نوعاً منه،
وعبارَتُهُ لا تَحَتَمِلُ غيرَ ذلك(٢).
وهاهنا أمْرٌ ينبغي الانتباهُ له، وهو أنَّ ظاهِرَ عبارة ابن العربي تُشعِرُ بأنَّ
الشيخين يشترطانِ التعدُّدَ حتى في الصحابة، وظاهَرَ عبارةِ الحاكم تُشعِرُ بخلافٍ ذلك.
والمشهورُ عند المحدِّثين أنهم لم يشترطوا في المشهور فضلاً عن العزيز التعدُّدَ في
الصحابة. نعم قد اشترَطَ ذلك أبو علي الجُبَّائِيُّ ومن نحا نحوَه. وقد توهّم بعضُهم
أنَّ الحاكم قد نحا في كتابه ((علوم الحديث)) / مَنْحَى أبي علي.
على أنَّ كثيراً من العلماء قال: إنَّ عبارَتَهُ المذكورةَ، لا تَدُّ على أنَّ الحديثَ /٧٢
المرويُّ يجبُ أن يجتمعَ فيه راويانٍ عن الصحابيِّ الذي رواه، ثم عن تابعيِّهِ فمن
بَعْدَه، وإنما تَدُلُّ على أنَّ كلّ من الصحابيِّ والتابعيِّ ومن بعده، قد روى عنه رجلاٍ
(١) أي عن إيراد هذا الحديث.
(٢) بل تحتمل عبارتُه نفي العزيز، انظر صحيحه ١: ١٥٦.

-
١٨٦
خَرَج بهما عن حَدِّ الجهالة، ليُعلَمَ أنَّ الحديثَ قد رواه المشهورون بالرواية .
، وأغرَبُ مما قاله ابنُ العربي وإن كان لا يُستغرَبُ منه ذلك، لجَرْبِهِ على عادتِهِ
في عدَمِ الثتبّتِ، وإقدامِهِ على ما لا قَدَمَ له فيه، وتهويلِهِ على مُخالِفِيه: قولُ أبي حَقْص
عُمَرِ الَّانِجِي في كتاب «ما لا يَسَعُ المحدِّثَ جَهْلُهُ»: شَرْطُ الشيخين في ((صحیحیهما))
أنْ لا يُدخِلاَ فيه إلَّ مَا صَحَّ عندهما، وذلك ما رواه عن النبي صلَّى الله عليه وسلَّم
اثنانِ فصاعداً، وما نَقَلَه عن كلِّ واحدٍ من الصحابةِ أربعةٌ من التابعين فأكثرُ، وأن
يكونَ عن كلِّ واحدٍ من التابعين أكثرُ من أربعة (١).
هذا، وقد اعتّرَض بعضُ المحققين من أهل الأثر على ما ذكره الحاكم في
((المدخل))، من أنَّ الشيخين إنما خَرَّجا من الأقسامِ الخمسةِ المتفقِ عليها عند أئمة
الحديث: القسمَ الأولَ الذي هو الدرجةُ الأولى من الصحيح، وأما الأقسامُ الأربعةُ
الباقيةُ فإنهما لم يُخْرِّجا منها في (الصحيحين)) حديثاً، فإنَّ البحثَ والتبُّعَ أَدَّيَاه إلى أنَّ
فيهما شيئاً من كل واحدٍ منها .
أما القسمُ الثاني وهو ما ليس لراويه من الصحابةِ غيرُ راوٍ واحدٍ ، مثلُ حديث
عُروة بن مُضَرِّس الذي - ليس - له غير الشعبي، ففيهما منه جملةٌ من الأحاديثُ.
وأما القسمُ الثالثُ وهو ما ئيس لراوِيه من التابعين إلَّ راٍ واحدٍ، مثلُ
محمدِ بن جُبير، وعبد الرحمن بن فُرُّوخ، ففيهما قليلٌ من ذلك، كعبدِ الله بن ودِيعة،
وعُمَر بن محمد بن جُبير بنِ مُطْعِم .
وأما القسمُ الرابعُ وهو الأحاديثُ الأفرادُ الغرائبُ التي ينفرد بها ثقةٌ من
الثقات، ففيهما كثيرٌ منه، لعله يزيدُ على مئتي حديث. وقد أفرَدَها الحافظُ
ضياء الدين المقْدِسي، وهي المعروفة بغرائب الصحيح.
وأما القسمُ الخامسُ وهو أحاديثُ جماعةٍ من الأئمةِ عن آبائهم، عن
أجدادهم، ولم تتواتر الروايةُ عن آبائهم عن أجدادِهم بها إلَّ عنهم، كِعَمْروبن
(١) انظر نَقْدَ هذا الذي قاله المَّانِجِي ونَقْدَ كتابه ((ما لا يَسَعُ المُحَدِّثَ جهلُهُ))، فيما علَّقَتُه
على ((قَفْو الأثَر في صفوةٍ علومِ الأَثَر)) لابن الحنبلي الحلبي ص ٣٧ - ٣٩.

١٨٧
شُعَيب، عن أبيه، عن جَدِّه، وبَهْز بن حكيم، عن أبيه، عن جَدِّه، وإياسٍ بن
معاوية بن مُرَّة، عن أبيه، عن جَدِّه، وأجدادهم صحابة، وأحفادهم ثقات: فليس
المانعُ من إخراجِهما هذا القسمَ في (صحيحيهما)) كونَ الروايةِ وَقَعَتْ عن الأبِ، عن
الجد، بل لكونٍ الراوي أو أبيه ليس على شرطِهما، وإلاّ ففيهما أو في أحدِهما من
ذلك: روايةُ عليٍّ بن الحسين بن علي، عن أبيه، عن جَدِّه، وروايةُ محمد بن زيد بن
عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن جده، وروايةُ أُبَيِّ بن عَبَّاس بن سهل، عن أبيه،
عن جده، وروايةُ الحسنِ وعبدِ الله ابنٌّ محمدٍ بن علي بن أبي طالب، عن أبيهما، عن
جدِّهما. وغير ذلك.
وأما الخمسةُ المختَلَفُ فيها فيُظَنُّ في بادىءٍ الرأيِ أنه ليس في «الصحيحين»
منها شيء، وليس الأمرُ كذلك.
أمَّ القسمُ الأولُ منها وهو المرسَل، والقسمُ الثاني وهو أحاديثُ المدلِّسين إذا
لم یذْكُروا سماعهم، فليس فيهما من ذلك شيء.
وأما القسمُ الثالث وهو ما أُسنَدَه ثقةً وأرسّلَه جماعةٌ من الثقات، ففي
((الصحيحين)) عِدَّةُ أحاديث اختُلِفَ في وصلِها وإرسالها.
وأما القسمُ الرابعُ وهو روايات الثقاتِ غيرِ الْحُفَّاظِ العارفين، فهو متفَقٌّ على
قبولِهِ والاحتجاجِ به إذا وُجِدَتْ شَرائطُ القبولِ ، وليس هو من قَبِيل المختلَفِ فيه.
ولا يَبْلُغُ الحُفَّاظُ العارفون / نصفَ رُواةِ ((الصحيحين))، وليس يُشتَرَطَ في الراوي أن /٧٣
يكون حافظاً.
وأما القسمُ الخامسُ وهو رواياتُ المبتدِعة إذا كانوا صادقين، فهو كما ذُكِرَ من
الاختلافِ فيه. وقد وقعَتْ - فيهما - أحاديثُ عن جماعةٍ من المبتدِعة عُرِفَ
صِدقُهم، واشتَهَرتْ معرفتُهم بالحديثِ، فلم يُطْرَحوا للبدعة .
ومن الأقسامِ المختلَفِ فيها روايةُ المجهول، فقد قَبِلَها قومٌ وردّها آخرون.
وقد بَقِيَ للصحيح شروطٌ قد اختُلِفَ فيها.
فمنها: ما ذَكَرِه الحاكمُ في ((علوم الحديث)) من كونِ الراوي مشهوراً بالطلب.

١٨٨
وليس مُرادُهُ الشُّهرةَ المُخْرِجَةَ عن الجهالة، بل قدرٌ زائد على ذلك. قال
عبدُ الرحمن بن عَوْن: لا يُؤخَذُ العلمُ إلَّ عمن شُهِدَ له بالطلب، وعن مالكِ نحُه.
وفي مقدمة ((صحيح مسلم))(١) عن أبي الزِّنَادِ قال: أدركتُ بالمدينةِ مئةً كلُّهم مأمون،
ما يُؤخَذُ عنهم الحدیثُ، یقال: ليس من أهله.
قال الحافظ ابنُ حجر: والظاهرُ من تصرُّفِ صاحِبَيْ ((الصحيح)» اعتبارُ
ذلك، إلَّ إذا كَثُرَتْ مَخَارِجُ الحديث، فَيَستغنيانِ عن اعتبارِ ذلك، كما يُستَغْنَى بكثرةٍ
الطَّرُقِ عن اعتبارِ الضبطِ التام. قال: ويُمكِنُ أن يقال: إنَّ اشتراطَ الضبطِ يُغني عن
ذلك إذْ المقصودُ بالشهرةِ بِالطََّبِ أن يكونَ له مَزِيدُ اعتناءٍ بالرواية، لِتَرْكَنَ النفسُ إلى
كونهِ ضَبَطَ ما رَوَى.
ومنها: ثبوتُ التلاقي بين كلِّ راوٍ ومن رَوَى عنه، وعدَمُ الاكتفاءِ بِالْمُعاصَرَةِ
وإمكانِ التلاقي بينهما. وقد اشتَرَط ذلك البخاريُّ، قيل: إنه لم يَذهب أحدٌ إلى أنَّ
هذا شَرْطٌ لكونِ الحديثِ صحيحاً، بل لكونِهِ أصحَّ، وقد أَنكَرَ هذا الشرطَ مسلمٌ في
«صحیحه)) وشنَّع على قائله.
قال العلامة محيي الدين يحيى النووي في ((شرحه))(٢): إنَّ مسلماً اذَّعَى
إجماع العلماء قديماً وحديثاً على أنَّ المُعَنْعَنَ - وهو الذي فيه فلانٌ عن فلان - محمولٌ
على الاتصالِ والسماع إذا أمكّنَ لِقاءُ من أُضِيفَتْ العنعنةُ إليهم بعضهم بعضاً يعني
مع براءتهم من التدليس.
ونَقَلَ مسلم عن بعض أهل عصره أنه قال: لا تقومُ الحُجَّةُ بها، ولا تُحِمَّلُ على
الاتصالِ حتى يَثبُتَ أنهما التَقَيا في عُمرِ هما مرةً فأكثر، ولا يكفي إمكانُ تلاقيهما. قال
مسلم: وهذا قولٌ ساقطٌ مِتَرَعُ مستحدَثٌ لم يُسبَق قائلُهُ إليه، ولا مُساعِدَ له من أهلِ
العلم عليه، وإنَّ القولَ به بدعةٌ باطلة. وأطنَبَ في التشنيع على قائلِه(٣).
(١ ) ١ : ٨٦ .
(٢) ١ :١٢٧.
(٣) هذا طرفٍّ من كلام الإِمام مسلم في الحديث المعنعن، وانظره تاماً في مقدمة صحيحه، =

١٨٩
واحتَجَّ مسلم رحمه الله بكلامٍ مختَصَرُهُ أنَّ المُعَنْعَنَ عند أهل العلم محمولٌ على
الاتصال إذا ثَبَتَ التلاقي مع احتمالِ الإِرسال، وكذا إذا أمكنَ التلاقي .
وهذا الذي صار إليه مسلمٌ قد أنكَرَه المحقِّقون وقالوا: هذا الذي صار إليه
ضعيفٌ، والذي رَدَّه هو المختارُ الصحيحُ الذي عليه أئمةُ هذا الفنِّ: عليُّ بِنُ الَدِينِي
والبخاريُّ وغيرُهما .
وقد زاد جماعةٌ من المتأخرين على هذا، فاشترَطَ القابِيُّ أن يكون قد أدركه
إدراكاً بيِّناً. وزاد أبو المظفَّر السَّمْعاني الفقيهُ الشافعيُّ فاشتَرَطَ طُولَ الصُّحبة بينهما.
وزاد أبو عَمْرٍو الدَّانِي المقرىءُ فاشتَرَط معرفتهُ بالروايةِ عنه.
ودليلُ هذا المذهب المختارِ الذي ذَهَبَ إليه ابنُ المديني والبخاريُّ وموافقوهما
أَنَّ الْعَنْعَنَ عند ثبوتِ التلاقي، إنما ◌ُلَ على الاتصال لأنَّ الظاهرَ ممن ليس بمدلِّس أنه
لا يُطلِقُ ذلك إلّ على السَّمَاعِ. ثم الاستقراءُ يَدلُّ عليه، فإنَّ عادتَهم أنهم لا يُطلِقون
ذلك إلَّ فيما سَمِعُوه إلَّ المدِّس، ولهذا رددنا روايةَ المدَلِّس، فإذا ثَبَتَ التلاقِي غَلَبَ
على الظنِّ الاتصالُ. والبابُ مبنيٌّ على غَبَةِ الظن، فاكتفينا به.
وليس هذا المعنى موجوداً فيما إذا أَمكّن التلاقي ولم يَثْبُت، فإنه لا يَغْلِبُ على
الظن الاتصالُ، فلا يجوزُ الحملُ على الاتصالِ، / ويصيرُ كالمجهول، فإنَّ روايتَهُ / ٧٤
مردودٌ لا للقطعِ بِكَذِبِهِ أو ضَعْفِه، بل للشكٌّ في حالِه. والله أعلم.
هذا حكمُ المعنعَنِ من غير المدلِّس، وأما المدلِّسُ فتقدَّمَ بيانُ حكمه في الفصول
السابقة. وهذا كلَّه تفريعٌ على المذهَبِ الصحيحِ المختارِ الذي ذَهَب إليه السَّلَفُ
والخَلَفُ من أصحاب الحديثِ والفقهِ والأصولِ أنَّ المعَنْعَنَ محمولٌ على الاتصالِ
بشرطِهِ الذي قدَّمناه على الاختلاف فيه.
= وانظر لزاماً ما ألحقتُه بآخر كتاب ((الموقظة)) للحافظ الذهبي ص ١١٥ - ١٤٠ بعنوان (التتمةُ
الثالثة في بيان مذهب الإمام مسلم في الحديث المعنعن بشرطه، وبيانِ المَعْنِيِّ بالنقدِ والردِّ في
كلامه)، ففيه ما يتصل بهذا المقام ويُجُلِّ ما فيه تجلية تامَّة.

١٩٠
وذهَبَ بعضُ أهل العلم إلى أنه لا يُحْتَجُّ بالْمُعَنْعَنِ مطلقاً، لاحتمالِ الانقطاع.
وهذا المذهبُ مردودٌ بإجماع السلف. ودليلُهم ما أشرنا إليه من حصولِ غلبة الظن
مع الاستقراءِ. والله أعلم .
هذا حُكمْ المعنَعَنِ. أمَّا إذا قال: حدَّثْني فلانٌ أنَّ فلاناً قال، كقوله: حدَّثْنِي
الزهريّ أنَّ سعيد بن المسيَّبِ قالَ كذا، أو حَدَّث بكذا، أو نحوَه. فالجمهورُ على أنَّ
لفظة (أنَّ) كعَنْ، فَيُحمَلُ على الاتصالِ بالشرط المتقدِّم. وقال أحمد بن حنبل
ويعقوبُ بن شيبة وأبو بكرِ البَرْدِيجي: لا تُحْمَلُ أنَّ على الاتصالِ وإن كانت عَنْ
للاتصال. والصحيحُ الأول. وكذا قالَ، وحَدَّثَ، وذَكَرَ، وشِبْهُها. فكلُّه محمولٌ على
الاتصال والسماع. اهـ.
ومنها: ما ذكره السمعانيُّ في ((القواطع)»، وهو أنَّ الصحيحَ لا يُعرَفُ بروايةِ
الثقاتِ فقط، وإنما يُعرَفُ بالفَهْمِ والمعرفةِ وكثرةِ السماع والمذاكرةِ. قال بعضُهم: إنَّ
هذا داخلٌ في اشتراطِ كونِهِ غيرَ معلول، لأنَّ الاطلاعَ على ذلك إِنما يَحصُل بِمَا ذُكِرَ من
الفهمِ والمعرفةِ وغيرهما.
واعلمْ أنَّ هذه المسألةَ هي من أهمِّ مسائل هذا الفنِّ الجليلِ الشأن،
والناظرون في هذا الموضع قد انقسموا إلى ثلاثٍ فِرَق:
الفِرِقَةُ الأولى: فِرِقَةٌ جَعَلَتْ جُلَّ هَمِّها النظَرَ في الإِسناد، فإذا وجَدَتْهِ متصلاً
ليس في اتصالِه شُبْهة، ووَجَدَتْ رجالَهُ ممن يُوثَّقُ بهم، حَكَمَتْ بصحةِ الحديثِ قبلَ
إمعانٍ النظر فيه، حتى إنَّ بعضَهم يَحِكُمُ بصحتِهِ ولو خالَفَ حديثاً آخَرَ رُواتُهُ أرجَحُ،
ويقولُ: كلُّ ذلك صحيح، وربما قال: هذا صحيحٌ وهذا أصحُّ! وكثيراً ما يكونُ
الجمعُ بينهما غيرَ ممكِن!
وإذا توقَّفَ متوقُّفٌ في ذلك نَسَبه إلى مُخالفةِ السُّنْن، وربما سَعَى في إيقاعِهِ في
مِنّةٍ من المِحَن. مع أنَّ جهابذةَ هذا الفنِّ قد حكموا بأنَّ صِحَّةِ الإِسنادِ لا تقتضي
صِحَة المتن، ولذلك قالوا: لا يَسُوغُ لمن رأى حديثاً له إسنادٌ صحيح أنْ يَحِكُمَ

١٩١
بصحتِهِ إلاّ أن يكونَ من أهلِ هذا الشأن، لاحتمالِ أن تكونَ له عِلَّةٌ قادحةٌ قد
خَفِيَتْ عليه، وقد وَصَل الغُلُوُّ بفريقٍ منهم إلى أنْ أَلزموا الناسَ بالأخذِ بالأحاديث
الضعيفةِ الواهيةِ، فأوقعوا الناسَ في داهِيَة! وما أدراك ماهِيَه؟! وهذه الفِرقةُ هم الغُلاةُ
في الإثبات .
وأكثرُهُم من أهل الأثَرِ، الذين ليس لهم فيه - فضلاً عن غيرِهِ - دِقَّةُ نَظَر.
وقد أشار مسلمٌ إلى ناسٍ منهم يَعْتَدُّون بروايةِ الأحاديثِ الضعافِ، مع معرفتهم
بحالها، ووَصَفَهم بما هم جديرون به، قال في مقدمة ((كتابه)) المشهورِ(١): وأشباهُ
ما ذكرنا من كلامِ أهل العلم في مُتَّهَمِي رُواةِ الحديث وإخبارِهم عن مَعَايِهم: كثيرٌ
يَطُولُ الكتابُ بذكرِهِ على استقصائِهِ، وفيما ذكرنا كفايةٌ لمن تَفَهَّمَ وعَقَلَ مذهبَ القوم
فيما قالوا من ذلك وبيَّنوا.
وإنما ألزمَوا أنفسَهم الكشفَ عن مَعايِبِ رُواةِ الحديث وناقِلي الأخبار، وأَقْتَوْا
بذلك حين سُئلوا، لما فيه من عظيمِ الخَطَر، إذْ الأخبارُ في أمرٍ الدين إنَّما تأتي بتحليلِ
أو تحريمٍ أو أمرٍ أو نهيٍ أو ترغيبٍ أو ترهيبٍ، فإذا كانَ الراوي لها ليس بمَعْدِنٍ
للصدقِ والأمانةِ، ثم أقدَمَ على الروايةِ عنه من قد عَرَفَه، ولم يُبيِنْ ما فيه لغيرِهِ ممن
/ جَهِلَ معرفته، كان آثماً بفعلِهِ ذلك، غاشّاً لعَوَامِّ المسلمين، إذ لا يُؤمَنُ على من
سَمِعَ بعضَ تلك الأخبار أن يَستعمِلَها أو يَستعمِلَ بعضَها، ولعلَّها أو أكثرَها أكاذيبُ
لا أصلَ لها. مع أنَّ الأخبارَ الصَّحاحَ من روايةِ الثقاتِ وأهلِ القناعَةِ (٢) أكثرُ من أن
يُضطَّرَّ إلى نقلِ من ليس يثِقَةٍ ولا مَقْنَع.
/ ٧٥
ولا أحسَبُ كثيراً ممن يُعرِّجُ من الناس على ما وصفنا، من هذه الأحاديثِ
الضعافِ والأسانيدِ المجهولة، ويَعتَدُّ بروايتِها بَعْدَ معرفتِهِ بما فيها من التوهُنِ
(١) ١: ١٢٣، وبَدَأَ الإِمامُ مسلمٌ الكلامَ على هذا من ١: ٥٩ - ١٢٧.
(٢) قال الإِمام النووي في ((شرح صحيح مسلم)) ١: ١٢٤ ((وأهلِ القناعةٍ، أي الذين يُقْنَعُ
بحديثهم، لكمالِ حفظهم وإتقانهم وعدالتهم)).

١٩٢
والضعفٍ، إلَّ أنَّ الذي يَحمِلُهُ على رِوايتِها والاعتدادِ بها إرادةُ التكثُر بذلك عند
العوام، ولأن يقالَ: ما أكثر ما جَمَعَ فلانٌ من الحديث، وأَلَّفَ من العَدَد.
ومن ذهَبَ في العلم هذا المذهبَ، وسَلَك هذا الطريقَ، لا نصيب له فيه،
وكان بأن يُسمَّى جاهلاً أولى من أن يُنسَبَ إلى عِلم. اهـ.
الفِرقَةُ الثانية: فِرِقَةٌ جَعَلَتْ جُلَّ هَمِّها النظرَ في نفسِ الحديث، فإن راقَهَا أَمْرُه
حكمَتْ بصحتِهِ، وأسندَتْهُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام وإن كان في إسنادِهِ مقال.
مع أنَّ في كثيرٍ من الأحاديثِ الضعيفةِ بل الموضوعةِ ما هو صحيحُ المَعْنَى، فصيحُ
المَبْنَى، غيرَ أنه لم تَصِحَّ نسبتُهُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام.
وذَكَر مسلمٌ في مقدمة ((كتابه))(١): حدَّثَنا عثمانُ بن أبي شيبة، حدَّثَنَا جَرِيرِ،
عن رَقَبَة، أنَّ أبا جعفر الهاشِمِيَّ الَدِينِيَّ كان يَضَعُ أحاديثَ كلامَ حَقّ، وليست مِن
أحاديث النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان يَروِبها عن النبي صلَّى الله عليه
وسلَّم(٢).
قولُه: كلامَ حَقّ، بنصبِ كلامٍ على أنه بدَلٌ من أحاديثَ، يُرِيدُ بِهِ كلاماً
صحيحَ المعنى، وهو حكمةٌ من الحِكَم. وقد كَذَبَ فيه لنسيتِهِ إلى النبي عليه الصلاة
والسلام، وهو ليس من كلامِه. وأبو جعفرٍ هذا قد ذَكَرَه البخاريُّ في ((تاريخه)) (٣)
فقال: هو عبدُ الله بنُ مِسْوَرِ بنِ عَوْنِ بنِ جعفر بن أبي طالب أبو جعفرِ القرشيُّ
الهاشميُّ، وذَكَر كلامَ رَقَبَةَ وهو هذا الكلامُ الذي هنا.
وقال بعضُ الوضَّاعين: لا بأسَ إذا كان الكلامُ حَسَناً أن تَضعَ له إسناداً.
وحَكَى القرطبيُّ عن بعضِ أهلِ الرأيِ أنه قال: ما وافَقَ القياسَ الجليَّ يَجُوزُ أن
(١) ١ :١٠٧.
(٢) واسمُ هذا الوضاع: عبدُ الله بنُ مِسْوَر، ذكرتُ جملةً من حالِه وأقوالِهِ في وَضْع ما فيه
أَدَبٌ أو زهد، ابتغاء الأجر !! فيما علقتُه على كتابي ((لمحات من تاريخ السنة وعلوم الحديث))
ص ١٢٢ - ١٢٣، فانظره إذا شئت.
(٣) ١٩٥:١/٣ من ((التاريخ الكبير)) و٣٠٥:١ من ((التاريخ الصغير)).

١٩٣
يُعزَى إلى النبي عليه الصلاة والسلام(١).
وإن راعَهُم أمرُهُ لمخالفتِهِ لشيء مما يقولون به، وإن كان مبنياً على مجرَّدٍ الظن،
بادَرُوا لِرَدِّ الحديثِ والحكمِ بوضعِهِ، وعدَمِ صحةِ رَفْعِه، وإن كان إسنادُهُ خالياً عن
كل علة، وإنْ ساعَدَهم الحالُ على تأويلِه على وجهٍ لا يُخالِفُ أهواءَهم بادَرُوا إلى
ذلك .
وهذه الفِرقَةُ هم المعتزلةُ والمتكلمون الذين حَذَوْا حذوهم، وقد نحا أناسٌ
من غيرهم نحوَهم، وقد طعَنَتْ الفِرقةُ الأولى في هذه الفرقة طعنً شديداً، وقابلَتْهُم
هذه الفِرقةُ بمثلِ ذلك أو أشدَّ! ونسبوا رُواةَ ما أنكروه من الأحاديث إلى الاختلاقِ
والوضع، مع الجهل بمقاصِدِ الشرع. وقد ذكر ابنُ قتيبة شيئاً من ذلك في مقدمة كتابه
الذي وضعه في ((تأويل مختلف الحديث))(٢).
والمجامِلُون منهم اكتفَوْا بأنْ نَسَبُوا إلى الرواةِ الوَهَمَ والغَلَطَ والنسيانَ، وهو مما
لا يخلو عنه إنسان، وقالوا: إنَّ المحدِّثين أنفسَهم قد رَدُّوا كثيراً من أحاديث الثقاتِ
بناءً على ذلك.
قال الحافظ أبو عيسى الترمذي: قد تكلّم بعضُ أهلِ الحديث في قومٍ من
أجلَّةِ أهل العلم وضعَّفوهم من قِبَلِ حِفظهم، ووثَّقهم آخرون من الأئمة لجلالتهم
وصِدقِهم وإن كانوا قد وَهِمُوا في بعض ما رَوَوْا، وقد تكلّم يحيى بنُ سعيد القطان في
محمَّدٍ بن عَمْرٍو، ثم رَوَى عنه، وكان / ابنُ أبي ليلى يَروِي الشيءَ مرةً هكذا ومرةً /٧٦
(١) ذكره الحافظ السخاوي في ((فتح المغيث) في (مبحث الموضوع) ١: ٢٦٠ من الطبعة
الهندية التي صححها وعلَّق عليها شيخنا حبيبُ الرحمن الأعظمي رحمه الله تعالى، وقد علَّق على هذا
القول للقرطبي: ((ليت القرطبيَّ سَمَّى ذلك الفقيه لبراءة ذمته، وأما شحنُ الكتب الفقهية
بالموضوعات، فليس لتلك الاستجازة بل لعدم الاشتغال بعلوم الحديث، ولا يقتصرُ ذلك على
فقهاء أصحاب الرأي، بل للفقهاء الشافعية أيضاً - والمالكية - منها أوفرُ نصيب، وليست ساحةٌ
الحنابلة بريئة من ذلك، كما سيأتي بعد قليل في كلام الحافظ السخاوي ص ٢٦٤)).
(٢) ص ٥ - ١٢.

١٩٤
هكذا بغير الإِسناد، وإنما جاء هذا من قِبَلِ حفظِهِ، لأنَّ أكثرَ من مَضى من أهل العلم
كانوا لا يَكْتُبُون، ومن كَتَب منهم إنما كان يُكتَبُ لهم بعدَ السماع.
وكان كثيرٌ من الرواةِ يَروِي بالمعنى، فكثيراً ما يُعبِّرُ عنه بلفظٍ من عنده، فيأتي
قاصِراً عن أداءِ المعنى بتمامِه. وكثيراً ما يكونُ أدنى تغييرِ مُحِيلاً له ومُوجِباً لوقوع
الإِشكالِ فيه، وقد أجاز الجمهورُ الروايةَ بالمعنى. قال وكيع: إن لم يكن المعنى واسعاً
فقد هَلَّكَ الناس! وإنما تفاضَلَ أهلُ العلم بالحفظِ والإِتقانِ والتثُّتِ عندَ السماع، مع
أنه لم يَسلم من الخطأ والغلطِ أحد من الأئمة مع حفظهم. وقال مجاهد: أَنْقُصْ مِن
الحدیثِ إن شِئتَ ولا تَزِدْ فیه .
ولا يَدخُلُ في هذه الفِرقةِ أناسٌ رَدُّوا بعضَ الأحاديثِ الصحيحةِ الإِسنادِ،
لشبهةٍ قويةٍ عَرَضَتْ لهِم أَوجَبَتْ شكّهم في صحتها، إن كانت مما لا يَدْخُلُ فِيه
النسخُ، أو في بقاءِ حُكمِها إن كانت مما يَدخُل فيه، فقد وَقَعَ التوقُّفُ في الأخذِ
بأحاديثَ صحيحةِ الإِسناد، فقد وَقَع ذلك لأناسٍ من العلماءِ الأعلامِ المعروفين بنَشْرٍ.
السُّنَّن، بل وقع لأناسٍ مِن كِبَارٍ من الصَّحَابة .
فقد زَعَم محمودُ بن الرَّبيع الأنصاريُّ، وكان ممن عَقَل رسولَ الله وهو صغيرٌ:
أنه سَمِعَ عِتبانَ بن مالك الأنصاريَّ وكان ممن شَهِدَ بدراً: أَنَّ رسولَ الله صلَّى الله
عليه وسلَّم قال: ((إنَّ الله حَرَّمَ على النار من قال: لا إلّهَ إلَّ الله، يبتغِي بذلك
وَجْهَ الله))، وكان رسولُ الله في دار عِتبان.
ولهذا الحديثِ قِصَّة، قال محمودٌ: فحدَّثْتُها قوماً فيهم أبو أيوبَ صاحبُ
رسولِ الله، في غَزْوتِهِ التي تُوفَّ فيها بأرضِ الروم، فأنكَرَها عليَّ أبو أيوب، وقال:
واللَّهِ ما أَظُّ رسولَ اللهِ صلَّى الله عليه وسلّم قالَ ما قلتَ قطُّ. فَكَبُرَ ذلك عليَّ،
فَجعلتُ للَّهِ عليَّ إن سلَّمني حتى أقْفُلَ من غَزْوَتِي، أَنْ أسألَ عنها عِتبانَ بنَ مالك إِن
وجدتُهُ حياً في مسجدٍ قومه. فقَفَلْتُ ... ذَكَرَ ذلك البخاريُّ في (باب صلاة النوافل
جماعةٌ)(١)، فارجِعْ إليه إن أحببتَ معرفةَ القِصَّةِ وتمامَ الكلام في ذلك.
(١) ٦٠:٣ من ((فتح الباري)).

١٩٥
فانظُرْ إلى أبي أيوب الأنصاري، الذي كان من خَوَاصِّ النبي عليه الصلاة
والسلام، كيف غَلَب على ظنِّهِ عدَمُ صحةِ هذا الحديث، وأقسَمَ على ذلك، بناءً على
أنه لم يَسمع منه قطُّ عليه السلام ما يُشاكِلُ هذا الكلام، مما يُوهِمُ خِلافَ الَرَام. ومثلُ
هذا كثيرٌ فيما يُروَى. وما كان منه بأسانيدَ صحيحةٍ مما لم يَثبُتْ في نفسِ الأمر، فأكثَرُهُ
مما رُوِيَ بالمعنى، غير أنَّ الراويَ لم يُساعِده اللفظُ على أدائِهِ بتمامه.
قال الشُّرَّاحُ: قِيلَ: إِنَّ الباعثَ له على الإِنكارِ هو أنَّ ظاهرَ هذا الحديث يُوهِمُ
أنه لا يَدخُلُ أحدٌ من عُصَاةِ الموحِّدين النارَ، وهو مخالِفٌ لآياتٍ كثيرةٍ وأحاديثَ
مشهورة، وأُجِيبَ بحملِ التحريم على عَدَمِ الخلود.
وقد استدلَّتْ الْمُرْجِئَةُ بهذا الحديثِ ونحوِهِ على مذهبهم. والُرْجِئَةُ فِرقةٌ من كبار
الفِرَقِ الإِسلامية، تقولُ: لا يَضُرُّ مع الإِيمانِ معصيةٌ، كما لا يَنفَعُ مع الكفرِ طاعةٌ.
والإِرجاءُ من البِدَع التي يَعْظُمُ ضَرَرُها، لأنها تَنزِلُ بالْأَمَّةِ إلى الحضيضِ
الأسفل، وتجعَلُ عاقِبَتَها الدَّمارَ. وقد نُسِبَ ذلك إلى كثير من أعيان الأمَّة، إلاّ أنَّ
النسبةَ غيرُ صحيحة في كثيرٍ منهم، والذين صَحَّتْ نسبةُ ذلكَ إليهم يقولون: إنَّ كثيراً
ممن يَنْبِزُوننا بهذا اللقبِ، لَا فَرْقَ بيننا وبينهم في المآل، وإن فَرَّق بيننا وبينهم ظاهِرُ
المقال.
وأما المعتزلةُ فإنهم يُنكِرون هذا الحديثَ ونحوَه أشدَّ إِنكار، ويَنْسُبُون وَضْعَه
للمُرْجِئَةِ ومن نحا نحوَهم، لمخالفتِهِ / لمذهبهم، فإنهم هم والخوارجَ يقولون: إنَّ
صاحبَ الكبيرة إذا ماتَ من غير توبةٍ نصوحٍ عنها: مخلَّدٌ في النار، ولا يَخْرُجُ منها
أبداً. ولا يُحاولون تأويلَ هذا الحديثِ ونحوِهِ على وجهٍ لا يُزعزِعُ مذهبَهم، لأنهم
يقولون: إِنَّ في ظاهرِهِ إغراءً على المعاصي، وذلك منافٍ للحكمةِ لا سيّما من صاحبٍ
الشرع، الذي بُعِثَ لزجر الناسِ عنها، وتنفيرهم منها.
وكانت المرجئةُ كثيراً ما ترمي من يبالغُ في الأمرِ بالمعروفِ والنهيِ عن المنكَرِ
/٧٧

١٩٦
بالقَدَرِ، يريدون بذلك أذاهم. ولا يخفى شِدَّةُ نَفرةِ الناس لا سيَّما الأمراءَ والعامَّةَ من
القَدَرِيَّة وهم المعتزلة.
وقد شاعَ وذاعَ أنَّ مذهبَ المعتزلةِ نشأ عن التوغُّلِ في علم الفلسفة. وهو قول
أشاعَهُ إمَّا جاهلٌ أو متجاهل، فإنَّ مذهبَ الاعتزالِ نشأ واستقَرَّ في آخِرِ عصرٍ
الصحابة، ولم يكن قد تُرجِمَ شيءٌ من كتبِ الفلسفة التي يَزْعُمون أنَّها أغوَتْهُم،
فانحرَفُوا بها عن مذهب أهل السنة، ولذلك قال بعضُ العلماء: قد رُوِيَتْ أحاديثُ .
فِي ذَمِّ القَدَرية، رَوَى بعضَها أهلُ السنن، وبعضُ الناس يُثبتُها ويُقُوِّبها، ومن العلماءِ
من يَطْعَنُ فيها ويُضعِّفها. ولكن الذي ثبَتَ في ذم القَدَريَّة ونحوِهم هو عن الصحابة
كابن عمر وابن عباس.
وقد وقع في مذهبهم مسائلُ تّبعُدُ عن العقل جداً، وذلك مثلُ قولهم: من أتى
بكبيرةٍ واحدةٍ فقد حَبِطَتْ جميعُ طاعاته. ومن عُمِّرَ عُمُراً مديداً، وأتى بكل ما أمكنَهُ
من الطاعاتِ، واجتنَبَ جميعَ المنكرات، وكان من الموقَّقين للبر والإِحسان، ثم عَرَضْ
له أن تناوَلَ جَرْعَةً خمر فَغَصَّ بها فَقُضيَ عليه فهو مخلَّدٌ في النار لا يَخْرُجُ منها أبداً.
نعم هم أكثرُ الفِرَق اعتناءً بالقاعدةِ المشهورةِ، وهي: لا يأتي في النقلِ
الصحيحِ ، ما يُخالِفُ العقلَ الصريح، فإن أَتَ في النقلِ الصحيح ما يُوهِمُ المخالفةَ
وجَبَ الجمعُ بينهما، وذلك بحَمْلِ النَّقْلِ على معنىَّ لا يُخالِفُ العقل، وتُجعَلُ دلالةٌ
العقل قرينةً على ذلك.
وهي قاعدةٌ متفَقٌ عليها، ولم تُنقَل المخالفةُ فيها إلَّ عن أناسٍ من الحَشْوِية،
وهم فِرقة لا يُعبأُ بها، ولعل مخالفتهم مبنيةٌ على كونهم لم يَعرفوا ما أُريدَ بالعقلِ
الصريح. وقد ظنَّ أناسٌ أنَّ هذه المسألةَ من مسائلِ عِلم الكلام فقط، وليس
كذلك، بل هي من مسائل أصول الفقه أيضاً، فقد ذكروا ذلك في مبحثٍ
التَّخْصِيص وفي مبحثٍ مَا يُرَدُّ به الخَبرُ.

١٩٧
وهاك عبارات مما ذكروا في مبحثِ التخصيص
قال أبو إسحق الشيرازي في ((اللُّمَع)) (١): الأدلّةُ التي يجوزُ التخصيصُ بها
ضربانٍ: متصلٌ، ومنفصلٌ.
فالمتصلُ هو الاستثناءُ، والشرطُ، والتقييدُ بالصفة، ولها أبوابٌ تأتي إن شاء الله
تعالى وبه الثقة .
وأما المنفصلُ فضربانٍ: من جهةِ العقل، ومن جهةِ الشرع، فالذي من جهةٍ
العقل ضربان :
أحدُهما ما يَجوزُ وُرودُ الشرع بخلافِه، وذلك ما يقتضيه العقلُ من براءة الذمة،
فهذا لا يجوز التخصيصُ به، لأنَّ ذلك إنما يُستدَلُّ به لعدم الشرع، فإذا وَرَدَ الشرعُ
سَقَطَ الاستدلالُ به، وصار الحكمُ للشرع.
والثاني ما لا يجوزُ ورودُ الشرع بخلافِهِ، وذلك مثلُ ما دَلَّ عليه العقلُ من نفي
الخَلْقِ عن صِفاتِهِ، فيجوز التخصيصُ به، ولهذا خَصَّصنا قولَه تعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ
كلِّ شيءٍ﴾(٢)، بالصفاتِ، وقلنا: المرادُ به ما خلا الصفاتِ، لأنَّ العقل قد دَلَّ على
أنه لا يجوز أن يَخلُقَ صفاتِهِ، فخصَّصنا العمومَ به.
تنبيه: التخصيصُ قَصْرُ العامّ على بعضِ ما يَتناوَلُه، وهو قد يكون بغير
مستقلٍ كالاستثناءِ، والشرطِ، وقد يكونُ بمستقلٍ كالعقلِ، والعادة، وخَصَّتْ
الحنفيةُ اسمَ التخصيص بما يكون بمستقِلّ. وقال الغزالي في ((المستصفى))(٣):
/ وبدليلِ العقلِ خُصِّصَ قولُه تعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كلِّ شيءٍ﴾، إذْ خَرَج عنه ذاتُهُ / ٧٨
وصِفاتُه، إذ القديمُ يَستحِيلُ تعلُّقُ القدرةِ به. وكذلك قولُه تعالى: ﴿وللَّهِ على
الناسِ حِجُّ البيتِ﴾(٤)، خَرَجَ منه الصبيُّ والمجنونُ، لأنَّ العقلَ قد دلَّ على استحالةٍ
تكلیفٍ من لا یفهم.
(١) ص ١٧٣ من ((نُزهة المشتاق شرح اللُّمَع لأبي إسحاق)) الشيرازي.
(٢) من سورة الزُّمَر، الآية ٦٢ .
(٤) من سورة آل عمران، الآية ٩٧.
(٣) ٢ :٩٩.

١٩٨
فإن قيل: كيف يكونُ العقلُ مخصِّصاً، وهو سابقٌ على أدلةِ السَّمْعِ،
والمخصِّصُ ينبغي أن يكون متأخراً، ولأنَّ التخصيصَ إخراجُ ما يُمْكِنُ دخولُه تحت
اللفظ، وخِلافُ المعقولِ لا يُمكِنُ أن يتناوَلَه اللفظ.
قلنا: قال قائلون لا يُسمَّى دليلُ العقل مخصِّصاً لهذا الحالِ ، وهو نزاعٌ في
عِبارةٍ، فإنَّ تسميةَ الأدلّةِ مخصِّصةٌ تَجُّزٌ، فقد بَيَّنا أنَّ تخصيصَ العام مُحال، لكنَّ
الدليلَ يُعرِّفُ إرادةَ المتكلم، وأنَّه أرادَ باللفظِ الموضوعِ للعمومِ معنىًّ خاصّاً. ودليلُ
العقل يَجوزُ أن يُبيِّنَّ لنا أنَّ الله تعالى ما أراد بقولِهِ: ﴿خالِقُ كلِّ شيء نَفْسَهُ وذاتَهُ،
فإنه وإن تقدَّم دليلُ العقل فهو موجودٌ أيضاً عندَ نزولِ اللفظ، وإنما يُسمَّى مخصِّصاً
بعدَ نزول الآيةِ لا قبله .
وأما قولهم: لا يجوزُ دخولُه تحتَ اللفظِ، فليس كذلك، بل يَدخُلُ تحتِ اللفظِ
من حيث اللسانُ، ولكن يكون قائلُه كاذباً. ولَّا وجَبَ الصدقُ في كلام الله تعالى
تبيّن أنه يَمتنعُ دخولُه تحتَ الإِرادةِ مع شمول اللفظِ له من حيث الوضعُ.
وقال الفخر الرازي في فَصْلِ تخصيصِ العمومِ بالعقل(١): هذا قد يكونُ
بضرورةِ العقلِ ، كقولهِ تعالى: ﴿خالِقُ كلِّ شيءٍ﴾، فإِنَّا نعلَمُ بالضرورة أنَّهُ ليس
خالِقاً لنفسِه، وبنَظَرِ العقلِ، كقولِهِ تعالى: ﴿وللَّهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ من
استَطاعَ إليه سبيلاً﴾، فإنَّا نُخصِّصُ الصبيَّ والمجنونَ لعدمِ الفهم في حقهما.
ومنهم من نازَعَ في تخصيصِ العمومِ بدليلِ العقل، والأشبَهُ عندي أنَّه
لا خلافَ في المعنى، لأنَّ اللفظَ لَّا دلَّ على ثبوتِ الحكم في جميعِ الصُّوَرِ، والعقلُ مَنَع
من ثبوتِهِ في بَعْضِ الصور:
فإمَّا أن يُحكّمَ بصحةٍ مقتَضى العقلِ والنقلِ، فيَلزَمُ صِدقُ النقيضين وهو
◌ُحال.
(١) في كتابه ((المحصول في علم الأصول)) ١١١:٣/٣.

١٩٩
أو يُرجَّحَ النقلُ على العقلِ وهو مُحال، لأنَّ العقلَ أصلٌ للنقل، فالقدحُ في
العقل قَدْحٌ في أصلِ النقل، فالقدحُ في الأصلِ لتصحيحِ الفرع يُوجِبُ القدحَ فيهما
معاً.
وإمَّا أن يُرجَّحَ حُكمُ العقلِ على مقتَضَ العموم، وهذا هو مُرادُنا من
تخصيصٍ العموم بالعقل.
وأمَّا البحثُ اللفظيُّ فهو أنَّ العقلَ هل يُسمَّى مخصِّصاً أم لا؟ فنقولُ: إنْ
أردتَ بالمخصِّصِ الأمرَ الذي يُؤثِّرُ في اختصاصِ اللفظِ العامِّ في بعضٍ مُسمَّبَاتِهِ،
فالعقلُ غيرُ مخصِّص، لأنَّ المقتضِيَ لذلك الاختصاصِ هو الإِرادَةُ القائمةُ بالمتكلّم،
والعقلُ يكونُ دليلاً على تحقَّقِ تلك الإِرادة، فالعقلُ يكونُ دليلَ المخصِّص، ولكن
على هذا التفسير وَجَبَ أن لا يكونَ الكتابُ مخصِّصاً للكتابِ ولا السُّنَّةُ للسنةِ، لأنَّ
المؤثرَ في ذلك التخصيصِ هو الإِرادةُ، لا تلك الألفاظُ.
فإن قيل: لو جاز التخصيصُ بالعقل، فهل يجوزُ النسخُ به؟ قلنا: نعم، لأنَّ
من سَقَطَتْ رِجْلاهُ سَقَطَ عنه فَرْضُ غَسْلِ الرِّجلين، وذلك إِنما عُرِف بالعقل(١).
وقال القَرَافي في ((تنقيح الفصول))(٢): يَجوزُ عندَ مالكٍ وأصحابِهِ تخصيصُ العامِّ
بالعقل خلافاً لقوم، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كلِّ شيءٍ﴾، خَصَّصَ العقلُ ذات الله
وصِفاتِه. وقال في ((شرحه)): الخِلافُ مَحْكِيٌّ على هذه الصورة. وعندي أنه عائدٌ على
التسميةِ، فإنَّ خُروجَ هذه الأمور من هذا العموم لا يُنازِعُ فيه مسلم، غير أنه
لا يُسمَّى بالتخصيصِ إلا ما كان باللفظِ. هذا ما يُمكِنُ أن يقال، أمَّا بقاءُ العموم
على عمومِهِ فلا يَقولُه مسلِم.
(١) قال عبد الفتاح: ولكن هل يسمى سقوط غسل الرجلين عن مقطوعهما أو فاقِدهما
خِلقةً: نسخاً؟ المحلُّ للتكليف بغسلهما مفقود، فلم يتناوله الخطاب، فكيف يسمَّى نسخاً؟
(٢) ٢: ٣٩ - ٤٠ بحاشية الشيخ محمد جُعَيْط التونسي، المطبوعة بتونس سنة ١٣٤٠.

٢٠٠
/٧٩
/ وقال جمال الدين الأُسْنَوي في ((شرح المنهاج))(١): أقولُ: لََّ فَرَغ المصنِّفُ من
المخصِّصاتِ المتصلةِ شَرَعَ في المنفصِلة - والمنفصِلُ هو الذي يَستَقِلَّ بنفسه أي
لا يَحتاجُ في ثبوتِه إلى ذكرِ العام مَعَه، بخلافِ المتصل كالشرطِ وغيره. وقَسَمه
المصنفُ إلى ثلاثة أقسام، وهي العقلُ، والحِسُّ، والدليلُ السمعي.
ولقائل أن يقول: يَرِدُ عليه التخصيصُ بالقياسِ ، وبالعادةِ، وقرائنِ الأحوالِ،
إلّا أن يقالَ: إنَّ القياسَ من الأدلةِ السمعية، ولهذا أدرجه في مسائله، ودلالةُ القرينةِ
والعادةِ عقليةٌ.
وفيه نظر، لأنَّ العادةَ قد ذَكَرها في قسم الدليلِ السَّمْعِي، وحينئذ يَلزِمُ فسادُه
أو فسادُ الجواب ..
الأولُ(٢): العقلُ، والتخصيصُ به على قسمين: أحدهما: أن يكونَ
بالضرورة، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خالِقُ كلِّ شيءٍ﴾، فإنَّا نعلَمُ بالضرورةِ أنه ليس
خالِقاً لنفسِهِ. والتمثيلُ بهذه الآية ينبني على أنَّ المتكلم يَدخُلُ في عموم كلامِه، وهو
الصحيحُ كما تقدم، وعلى أنَّ الشيء يُطلَقُ على الله تعالى، وفيه مذهبانِ للمتكلمين،
والصحيحُ إطلاقُه عليه، لقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شيءٍ أكبرُ شهادةً قُلِ اللَّهُ
شهيدٌ ... ) الآية(٣).
الثاني أن يكونَ بالنظر، كقوله تعالى: ﴿وللَّهِ على الناسِ حِجُّ البيتِ﴾(٤)، فإنَّ
العقلَ قاضٍ بإخراجِ الصبيِّ والمجنونِ، للدليلِ الدال على امتناع تكليفِ الغافل.
وقال بعضُ العلماء: أجمعوا على صحةٍ دلالةِ العقل على خروج شيء عن حكم
العموم، واختلفوا في تسميتهِ تخصيصاً، ومن لم يُسمِّ ذلك تخصيصاً الإِمامُ الشافعيُّ
ومن حذا حَذْوَهُ في ذلكِ، نظراً إلى أنَّ ما خُصَّ بالعقلِ لا تصحُّ إرادتُه بالحكم. وقال
من سَمِّى ذلك تخصيصاً: إِنَّ عدَمَ صحةٍ إرادتِهِ بالحكم، إنما يقتضي عدَمَ التناولِ مِن
(١) ٢: ٤٤٩، من طبعة المطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٤٥، وصورت عنها طبعة بيروت
(٢) أي من المخصِّصات المنفصلة المستقلة.
سنة ١٩٨٢.
(٣) من سورة الأنعام، الآية ١٩.
(٤) من سورة آل عمران، الآية ٩٧.

٢٠١
حيث الحكمُ، لا من حيثُ اللفظُ. وهذا كافٍ في تحقُّق التخصيص، والخلافُ بين
الفريقين لفظيٌّ، لاتفاقِهم على الرجوع إلى العقل فيما نُفِيَ عنه حُكمُ العام .
وقال(١) في ((نزهة الخواطر في اختصار روضة الناظر)): لا نعلمُ اختلافاً في جوازٍ
تخصيصِ العموم، وكيف يُنكَرُ ذلك مع الاتفاقِ على تخصيص قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ
خالِقُ كلِّ شيءٍ﴾، و﴿تُحْبَى إليه ثَمَرَاتُ كلِّ شيءٍ﴾(٢)، و﴿تُدَمِّرُ كلَّ شيءٍ﴾(٣). وقد
ذُكِرَ أنّ أكثرَ العموماتِ مُخُصَّصَة.
وقال عُبَيْدُ الله المعروفُ بصدر الشريعة في ((التنقيح)) وشرحِهِ المسمى
((بالتوضيح))(٤)، بعدَ أن ذَكَرَ أَنَّ قَصْرَ العام على بعضِ ما يَتناولُه، قد يكونُ بغير
مستقل، وقد يكونُ بمستقل، وأنه في غير المستقل يكونُ حقيقةً في البواقي، وهو حُجَّةٌ
بلا شُبْهٍ فيه، وأمَّا في المستقلِّ فإنه يكون مجازاً في البواقي بطريق إطلاق اسم الكل
على البعض، من حيث القصرُ، وحقيقةً من حيث التناولُ، وهو حُجَّةٌ فيه شبهة .
ولم يُفرِّقوا بين الكلامِ وغيره، لكنْ يَجِبُ هناك فَرْقٌ، وهو أنَّ المخصِّصَ بالعقل
ينبغي أن يكونَ قطعياً، لأنه في حُكمِ الاستثناء، لكنَّهُ حُذِفَ الاستثناءُ مُعْتَمِداً على
العَقْل، على أنه مفروغٌ عنه حتى لا نقول: إنَّ قولَه تعالى: ﴿يا أيها الذين آمَنُوا إذا
قُمْتُم إلى الصلاةِ﴾(٥)، ونظائرَهُ دليلٌ فيه شبهة.
وهذا فَرْقُ قد تفرَّدتُ بذكرِه، وهو واجِبُ الذكر، حتى لا يُتَوَهَّمَ أنَّ خِطاباتٍ
الشرع التي خُصَّ منها الصَّبِيُّ والمجنونُ بالعقل دليلٌ فيه شبهة، كالخطاباتِ الواردةِ
(١) أي الطُّوفي في كتابه المذكور ٢: ٥٥١. وقد سبق ذكرُهُ والنقل عنه في ص ١٤٤.
(٢) من سورة القَصَص، الآية ٥٠٧. قرأ نافع (تُجْبى)، والباقون: (يُحْبَى).
(٣) من سورة الأحقاف، الآية ٢٥.
(٤) ١ : ٤٤ من طبعة صُبَيح.
(٥) من سورة المائدة، الآية ٦.

٢٠٢
بالفرائض، فإنه يُكفَرُ جاحِدُها إجماعاً، مع كونها مخصوصةً عقلاً، فإنَّ التخصيصَ
بالعقل لا يُورِثُ شُبهةً، فإنَّ كلَّ ما يُوجِبُ العقلُ تخصيصَه يُخَصُّ، وما لا فلا. اهـ.
/ ٨٠
/ وقد تعرَّضَ ابنُ حزم الظاهري في كتاب ((الإِحكام)) لهذه المسألة في باب
العموم، وقد نقلنا مَعَ العبارةِ المقصودة ما قبلَها من العباراتِ على طريقِ التلخيص،
إتماماً للفائدة.
قال(١): البابُ الثالِثَ عَشَرَ في حَمْلِ الأوامرِ وسائرِ الألفاظِ كلِّها على العموم،
وإبطالٍ قولٍ من قال في كل ذلك بالوقفِ أو الخصوصِ ، إلّ ما أخرَجَه عن العموم
دليلُ حق.
قال عليٍّ: اختَلَف الناسُ في هذا الباب، فقالت طائفة: لا تُحمَلُ الألفاظُ إلاّ
على الخصوص، ومعنى ذلك حَمْلُها على بعضِ ما يَقتضِيه الاسمُ في اللغة دون بعض ..
وقال بعضهم: بل نَقِفُ، فلا نَحمِلُها على عموم ولا خصوصٍ إلاّ بدليل،
وقالت طائفة: الواجبُ خَمْلُ كلِّ لفظٍ على عمومِه، وهو كل ما يقَعُ عليه لفظُهُ المرتَّبُ
في اللغة للتعبير عن المعاني الواقعة تحته. ثم اختلفوا على قولين:
فقالت طائفةٌ منهم: إنما يُفْعَلُ ذلك بعد أن يُنظَرَ هل خَصَّ ذلك اللفظَ شيءٌ
أم لا، فإن وجدنا دليلاً على ذلك، صرنا إليه، وإلَّ حَمَلْنا اللفظَ على عمومِهِ دون أن
نطلُبَ على العموم دليلاً.
وقالت طائفة: الواجبُ حملُ كلِّ لفظٍ على عمومِه وكلِّ ما يقتضِيهِ اسمُهُ دون
توقفٍ ولا نَظَر، ولكن إن جاءنا دليلٌ يُوجِبُ أن نُخرِجَ عن عمومِهِ بعضَ ما يقتضِيه
لفظُه صِرِنا إليه حينئذٍ، وهذا قولُ جميع أصحابِ الظاهر، وبعضِ المالكيين،
وبعضِ الشافعيين، وبعضِ الحنفيين، وبهذا نأخذُ، وهو الذي لا يجوزُ غيرِهِ.
وإنما اختلَفَ من ذكرنا على قَدْرٍ ما بحضرتهم من المسائل على ما قدَّمنا من
(١) ٩٧:٣ - ١٠٤ و ٣٣٨:٣ - ٣٤٤.
i