النص المفهرس
صفحات 181-200
١٢٢ وفي هذا التعريفِ إشكالٌ، فإنه يُوهِمُ أنَّ المُوجِبَ للعلم في المُتَواتِرِ إنما هو مجرّدُ كثرةِ المخبِرِين، وستَعرِفُ مَا يَرِدُ على ذلك. قال الإِمام فخرُ الدين الرازيّ في ((المحصول))(١): إنَّا لو قَدَّرْنا أنَّ أهلَ بلدةٍ /٤١ عَلِمُوا أَنَّ أهلَ سائرِ البلادٍ، لو عَرَفوا / ما في بلدِهم من الوباءِ العامِّ لَتركوا الذهابَ إلى بلدِهم، ولو تركوا ذلك لاختَلَّتْ المعيشةُ في تلك البلدة، وقَدَّرْنا أنَّ أهلَ تلك البلدة كانوا علماءَ حُكَمَاءَ، جازَ في مثلِ هذه الصورة أنْ يَتطابَقُوا على الكذِبِ وإِن كانوا كثيرين جداً، فَثَبَتَ بهذا إمكانُ اتفاقِ الخَلْقِ العظيمِ على الكذِبِ لأجل الرغبةِ . اهـ. وقال حجة الإِسلام الغزاليّ (٢): إنَّ العَدَدَ الكثيرَ ربما يُخبِرِون عن أمرٍ تقتضّي إيالَةُ المُلْكِ وسياستُهُ إظهارَهُ(٣)، والمخبِرِون من رؤساءِ جنودِ المَلِكِ، فَيُتْصَوَّرُ اجتماعُهم تَحْتَ ضبطِ الإِيالةِ على الاتفاقِ على الكذب، ولو كانوا متفرِّقين خارجين عن ضبطِ المَلِك لم يَتطرّق إليهم هذا الوَهْم. وقد صَرَّح كثيرٌ من علماءِ الأصول بأنَّ الُتَواتِرَ لا بُدّ فيه من القرائن، فلا يُبْقَى حينئذ فَرْقٌ بينه وبين خَبَرِ الآحادِ الذي احتَقَّتْ به قرائنُ أوجبَتْ العلمَ بصِدْقِهِ، ويكونُ إيجابُ كُلِّ منهما للعِلْم إنما هو بمَعُونِةِ القرائن. ولا يُفِيدُ في الجواب أن يقال: القرائنُ في المتواتِر متصلةً، فهي غيرُ خارجةٍ عنه، فصَحَّ أن يقال: إنه يُوجِبُ العلمَ بنفسِه، لأنَّ خَرَ الآحادِ المذكورَ كثيراً ما تكونُ القرائنُ فيه متصلةً. والمرادُ بالقرائنِ المتصلةِ ما يكون مُتعلِّقاً بحالِ المخبرِ، والمخبَر به، والخبر. أمَّا (١) في الجزء الثاني القسم الأول ص ٣٤٧. (٢) في ((المستصفى)) ١٣٦:١. (٣) في ((المصباح المنير)) و((القاموس المحيط)): (آلَ الَلِكُ رَعِيَّتَهُ: سَاسَهُم، والاسْمُ: الإِيَالَةُ). 1 ! ١٢٣ المُخبِرُ فكأنْ يكونَ غيرَ معروف بالكذب، ولا داعِيَ له في ذلك الخبر من رغبةٍ أو رهبةٍ تُلجِثُه إلى الكذِب فيه، وأمَّا الْمُخبرُ به فكأنْ يكونَ أمراً ممكِنَ الوقوع، لا سيما إنْ ظَهَرَتْ من قَبْلُ مُقَدِّماتٌ تُقَرِّبُ أمرَه، وأمَّا الخبّرُ فكأنْ يكونَ مَسُوقاً على هيئةٍ واضحٍ ليس فيها جَمْجَمَة ولا تَلَعْثُم ولا اضطراب. والمرادُ بالقرائنِ المنفصلةِ ما لا يَتعلَّقُ بما ذُكِر. ومثالُ ذلك ما إذا أخبَرَ جماعةٌ بموتِ ابنٍ لأَحَدِ الرؤساءِ كان مريضاً، ثم تلا ذلك أنْ خَرَج الرئيسُ من الدار حاسِرَ الرأس، حافيَ القَدَم، ممزَّقَ الثياب، مضطرِبَ الحال، وهو رجلٌ ذو مَنصِبٍ كبيرٍ ومُرُوءِةٍ تامة، لا يُخالِفُ عادَتَهُ إلَّ لمثلِ هذه النائبةِ، فإنَّ هذه القرينةَ منفَصِلةٌ عن الخَبَرِ، ولها أعظَمُ مَدْخَلٍ في العلم بصحتِهِ . واعتَرَض بعضُهم بأنَّ العلم هُنّا إنما حَصَل بالقرينة، فكيف نسبتُموه إلى الخبر؟ وأُجِيبَ بأنَّ العلم حَصَل بالخبرِ بَمَعُونِةِ القَرينةِ، ولولا الخَبرُ لجوَّزْنا موتَ شخصٍ آخَرَ، أو وقوعَ كارثةٍ تَقُومُ مقامَ موتِ الابنِ . وقد أسقَطَ بعضُهم من تعريفِ المتواتر قوله: بنفسِهِ. فقال في تعريفه: هو الخبرُ الذي يُوجِبُ العلم. وفيه أيضاً إشكالٌ، لأنه يَدخُلُ فيه خبرُ الآحاد إذا احتَفَّتْ به قرائنُ تُوجِبُ العلم، وكأنَّ بعضَهم شَعَر بذلك فقال في تعريفه: هُوَ الخَبرُ المُفيدُ لِلْعِلْمِ اليَقِيْنِي. واعلم أنَّ سَبَبَ اختلافِ العباراتِ واضطرابِها، إنما هو نغُموضُ هذا المبحثِ ودِقَّتُهُ، بحَيْثُ صارَتْ العباراتُ فيه قاصرةً عن أداءِ جَميعِ ما يَجُول في النفس منه، فكُنْ مُنْتَبِهاً لذلك، وقِسْ عليه ما أشبَهَهُ من المباحثِ، واحرِصْ على أخذِ زُبْدةِ ما يقولون، ولا يَصُدَّنَّك عن ذلك اختلافُ العباراتِ أو الاعتبارات. المسألة السادسة(١) قد سَلَكَ ابْنُ حَزْم في تقسيم الخبر وتعريفِ أقسامِهِ مسلكاً آخَرَ، فأحببنا أن (١) وقع في الأصل (الفائدة السادسة). وهو سبقُ قلم أو خطأ من المطبعة. ١٢٤ نُورد ما ذكرَهُ إِتماماً للفائدة، قال في كتاب ((الإِحكام))(١): فَصْلٌ فيه أقسامُ الأخبارِ عن الله تعالى. /٤٢ . / قال أبو محمد: جاء النصُّ - ثم لم يختلف فيه مسلمان - في أنَّ ما صَحَّ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قالَه، ففَرْضُ اتَّبَاعُه، وأنه تفسيرٌ لمرادِ الله تعالى في القرآنِ، وبَيَانٌ لُجْمَلِهِ. ثم اختَلَف المسلمون في الطريق المؤدية إلى صِحةِ الخبرِ عنه عليه السلام، بعدَ الإِجماع المتيقّنِ المقطوع به على ما ذكرنا، وعلى الطاعة من كل مسلم، لقول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا الله وَأَطِيعُوا الرسولَ﴾(٢). فنظرنا في ذلك فوجَدْنا الأخبارَ تَنْقَسِمُ قسمين: خبرَ تَوَاتُرِ (٣)، وهو ما نقَلَتْهُ كافَّةٌ بعدَ كافة (٤)، حتى تَبلُغَ به النبيَّ صلَّى الله عليه وسلّم. وهذا خَبَرٌ لم يَخْتَلِفِ مسلمانِ في وجوبِ الأخذِ به، وفي أنه حقُّ مقطوعُ على غَيْبِهِ، لأنَّ بمثلِهِ عَرَفْنا أنَّ القرآنَ هو الذي أَتَ بِهِ سيدنا محمد صلَّى الله عليه وسلَّم، وبه عَلِمنا صِحَّةً مَبْعَثٍ النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، وبه عَلِمنا عدّدَ ركوعِ كلِّ صلاة، وعَدَدَ الصلواتِ، وأشياءَ كثيرةً من أحكام الزكاة، وغير ذلك بِمَّا لم يُبيَّن في القرآنِ تفسيرُه(٥). وقد تكلَّمنا في كتاب ((الفِصَل))، على ذلك(٦)، وبينًّا أنَّ البرهان قائمٌ على صحتِه، وبيّنا كيفيتَه، وأنَّ الضرورةَ والطبيعةَ تُوجِبانٍ قبولَه، وأنَّ به عَرَفنا ما لم نُشاهِد من البلاد، ومَنْ كان قبلَنا من الأنبياءِ والعلماءِ والفلاسفةِ والملوكِ والوقائع والتأليف. (١) ١: ١٠٤ - ١٠٩ و٩٣:١ - ٩٨. (٢) من سورة النساء، الآية ٥٩. (٣) سيأتي القسم الثاني بعد صفحات، في ص ١٢٩. (٤) وقع في الأصل (ما نقلته عن كافة بعد كافة). والصوابُ المثبتُ من ((الإِحكام)). (٥) وقع في الأصل: (ما لم يبينه). وهو تحريف. (٦) في الجزء ٢: ٨١ من قوله: (ونحن نذكر صفة وجوه النقل الذي عند المسلمين). ١٢٥ ومن أَنْكَرَ ذلك كان بمنزلةٍ من أَنكَر ما يُدرَكُ بالْحَوَاسِّ الأَوَلِ ولا فَرْقَ، ولَزِمَه أن لا يُصَدِّقَ بأَنه كان قبلَه زمانٌ، ولا أنَّ أباه وأُمَّه كانا قبلَه، ولا أنه مولودٌ من امرأة. قال عليّ: وقد اختلف الناسُ في مِقدارِ عَدَدِ النَّقَلّةِ للخبرِ الذي ذكرنا، فطائفةٌ قالت: لا يُقبَلُ الخبرُ إلَّ من جميعِ أهلِ المشرِقِ والمغرِبِ، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ إلَّ من عَدَدٍ لا نُحصِيه نحن، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ مِن أقلَّ مِن ثلاثٍ مِئَةٍ وبضعَةً عَشَرَ رجلاً، عدَدَ أهلٍ بَدْر (١)، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ إلَّ من سَبْعين، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ إلَّ من خمسين، عَدَدَ القَسَامَةِ، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ إلَّ من أربعين، لأنه العَدَدُ الذي لَّا بَلَغَه المسلمون أَظهَرُوا الدِّينَ، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ إلَّ من عِشْرين، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ إلَّ من اثْنِي عَشَر، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ إلَّ من خمسَةٌ عَشَرَ، وقالت طائفة: لا يُقْبَلُ إلَّ من أربعةٍ، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ إلَّ من ثلاثةٍ، لقولِ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: ((حتى يَقُولَ ثلاثةٌ مِن ذَوِي الحِجَى من قَوْمِه: إنه قد نَزَل به جَائحة)»، وقالت طائفة: لا يُقبَلُ إلَّ من اثنين. قال عليّ: وهذه كلُّها أقوالٌ بلا برهان، وما كان هكذا فقد سَقَط، ويكفي في إيطالِ ذلك أن نُنَبِّهَ كلَّ من يَقُول بشيءٍ من هذه الحدود، على أن يَقِيسَ كلَّ ما يَعتقِدُ صِحَّتَهُ من أخبارِ دِينِه ودُنياه، فإنه لا سبيلَ له آلبَّةَ إلى أن يكون شيءٌ منها صَحَّ عنده بالعَدّد الذي شَرَطه كلُّ واحدٍ من ذلك العَدَدِ، عن مِثلِ ذلك العَدَدِ كلِّه، وهكذا متزايداً حتى يَبلُغَ إلى تحقيقِ ذلك الخَبَرِ من دِینِهِ أو دُنياه. فَحَصَلَ من كلِّ قولٍ منها بُطلانُ كلِّ خَبَرِ جُلٌ، لا نُحاشي شيئاً، لأنه وإن سَمِعَ هو بعضَ الأخبار من العَدَدِ الذي شَرَط، فلا بُدَّ أن يُبطِلَ تلك المرتبةَ فيما فَوْقَ ذلك، وكلُّ قولٍ أدَّى إلى الباطلِ فهو باطلٌ بلا شَكُّ، وبالله تعالى التوفيق. فلم يَبْقَ إلَّ قولُ من قال بالتواتر ولم يَحُدَّ عَدَداً. قال علي: ونقولُ ها هنا إن (١) وقع في الأصل: (لا يقبل إلا من أقل ... )، وهو خطأ. ١٢٦ شاء الله تعالى قولاً باختصار (١)، فنقولُ وبالله تعالى التوفيق: لكلِّ مَنْ حَدَّ فِي عَدَدِ نَقْلَةِ خَبَرِ التَّوَاْتُرِ(٢) حَدّاً لا يكونُ أقلُّ منه يُوجِبُ، تيقُنَ صِدْقِهِ ضَرُورةً، مِنْ سَبْعِين، أو عِشرين، أو عَدَدٍ لا تُحصِيهم، وإن كان في ذاتِهِ مُحصىٍّ ذا عَدَدٍ مَحْدُودِ، أو أهل المشرق والمغرب، ولا سبيل إلى لقائِه ولا لقاءٍ أحدٍ لهم كلُّهم، ولا بُدَّ له من الاقتصارِ /٤٣ على بعضِهم دون بعضٍ بالضرورة، / ولا بُدَّ من أن يكونَ لذلك التَّاتُرِ الذي يَدَّعُونَه في ذاتِهِ عَدَدٌ إِن نَقَضَ منه واحدٌ لم يكن مُتواتِراً، وإلّ فقد ادَّعَوْا مَا لا يُعرَفُ أبداً ولا يُعْقَل. فإِذْ لا بُدَّ من تحديدٍ عَدَدٍ ضرورةً، فنقول لهم: ما تقولون إن سَقَطَ من هذا الحَدِّ الذي حَدَدْتُمْ واحدٌ، أيُبطِلُ سُقوطُ ذلك الواحِدِ قبولَ ذلك الخبر أم لا يُبطِلُه؟ فإن قال: يُبطِلُه تحكّم بلا برهان، وكلُّ قولٍ بمجرَّد الدَّْوَى بلا برهانٍ فهو مطروحٌ ساقط. فإن قال بقبولِهِ أسْقَطْنا له آخَرَ ثم آخَرَ حتى يَبْلُغَ إلى واحدٍ فقط، وإن حَدَّ عَدَداً سُئِلَ عن الدليل على ذلك، فلا سبيلَ له إليه البِتَّةَ. وأيضاً فإنه ما في العقولِ فَرْقُ بين ما نقَلَه عِشرون وبين ما نَقَله تِسِعَّةَ عَشْرِ، وبين ما نَقَلِهِ سَبْعون ولا ما نقله تِسعةٌ وستون، وليس ذِكرُ هذه الأعدادِ في القرآنِ وفي القَسَامةِ وفي بعض الأحوال وفي بعض الأخبار بُوجِبٍ أن لا يُقْبَلَ أقلُّ منها في الأخبار، وقد ذكر تعالى في القرآن أعداداً غيرَ هذه، فذَكَر تعالى الواحِدَ والاثنين والثلاثةَ والأربعة والِئَةَّ أَلْفٍ وغيرَ ذلك. ولا فَرْقَ بين ما تعلَّقَ بِعَدَدٍ منها وبين ما تعلَّقَ بِعَدَدٍ آخَرَ منها. ولم يأتِ من هذه الأعدادِ في القرآن شيءٌ في بابٍ قبولِ الأخبار، ولا في قِيَامِ حُجَّةٍ بهم، فصارِفُ (١) وضع المؤلف: حرف (هـ) بعد لفظةٍ (وبالله تعالى التوفيق) وبعد لفظةٍ (باختصار). ولم أفهم مرادَه من ذلك، والكلامُ عند ابن حزم كلُّه موصولٌ بتمامه . (٢) وقع في ((الإِحكام)) ١: ١٠٥ ( ... في عَدَدٍ نقلته خبر ... ) و٩٥:١: ( ... في عدد نقله خبر ... ). وكلاهما تحريف، والصوابُ ما هنا. ١ ! ٠ ١٢٧ ذِكرِها إلى ما لم يُقْصَد بها مُجْرِمٌ وَقَاحٌ، مُحرِّفٌ للكَلِم عن مَوَاضِعِه(١). وإن قال: لا يَبْطُلُ قَبُولُ الخبرِ بسُقوطٍ واحدٍ من العَدَدِ الذي حَدَّ، كان قد تَرَك مذهَبَه الفاسِدَ، ثم سألناه عن إسقاطٍ آخَرَ أيضاً مما بَقِيَ من ذلك العَدَد، وهكذا حتى يَبْعُدَ عما حَدَّ بُعداً شديداً. فإن نَظَّرُوا هذا بما لا يُكِنُ حَدُّهُ من الأشياءِ كانوا مُدَّعِين بلا دلیل، ومُشبِّھین بلا برهان. وحُكمُ كلِّ شيءٍ يَجِعُهُ المرءُ دِيناً له: أن يَنظُرَ في حُدودِهِ ويَطْلُبَها إِلَّ مَا صَحَّ بإجماع، أو نَصٍّ ، أو أوجبَتْ طبيعتُهُ تَرْكَ طَلَبِ حَدِّه. وقد قال بعضُهم: لا يُقبَلُ من الأخبارِ إلَّ ما نقَلَتْهُ جماعةٌ لا يَحَصُرُها العَدَد. قال أبو محمد: وهذا قولُ من غَمَره الجهلُ، لأنه ليس هذا موجوداً في العالم أصلاً، وكلُّ ما فيه فقد حَصَرَهُ العَدَدُ وإن لم نَعْلَمْه نحن، وإحصاؤه ممكِنٌ لمن تكلّفَ ذلك. فعلى هذا القول الفاسِدِ قد سَقَطَ قبولُ جميعِ الأخبار جُملةً، وسَقَط كونُ النبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في العالَم، وهذا كُفْرٌ(٢). وأيضاً فيَلزَمُ هؤلاء وكلَّ من حَدَّ في عَدَدِ من لا تَصِحُّ الأخبارُ بأقلَّ مِن نَقْلِ ذلك العَدَد: أمرٌ فظيعٌ، يَدِفَعُه العقلُ ببديهته، وهو أن لا يَصِحَّ عندهم كلُّ أمرٍ يَشْهَدُهُ أقلُّ من العَدَدِ الذي حَدُّوا، وأن لا يَصِحَّ عندهم كلُّ أمرٍ حَصَرَهُ عَدَدٌ من الناس، وكلُّ أمرٍ لم يَحصُرُه أهلُ المشرِق والمغرِب، فَتَبْطُلُ الأخبارُ كلُّها ضرورةً على حُكمِ هذه الأقوالِ الفاسِدة. وهم يَعرِفون بضرورةِ حِسِّهم صِدْقَ أخبارٍ كثيرةٍ، من موتٍ وولادةٍ ونكاحٍ ، (١) هذه اللغة في كلام ابن حزم بعيدة عن لغة العلم والعلماء، ولكن ألِفَها في كتبه واستمرأها! فالله يغفر له. (٢) تقدم للمؤلف في ص ١١٨ نقدُ ابن حزم على مثل هذه المبالغات والتشنيعات فتذكّر. ١٢٨ وعَزْلٍ وولايةٍ (١)، واغْتِفَالِ مَنْزِلٍ، وخروجٍ عَدُوّ(٢)، وشَرٍ واقعٍ، وسائرٍ عَوَارضٍُ العالَم مما لا يَشهدُهُ إلا النَّفَرُ اليسيرُ، ومن خالَفَ هذا فقد كابَرَ عقله، ولم يَصِحَّ عنده شيءٌ مما ذكرنا أبداً، لا سيما إن كان ساكناً في قريةٍ ليس فيها إلا عَدَدٌ يسير مع أنه لا سبيلَ له إلى لقاءِ أهلِ المشرقِ والمغرِب. قال عليّ: فإن سألَنا سائلٌ فقال: ما حَدُّ الخبر الذي يُوجِبُ الضرورةَ؟ فالجوابُ وبالله تعالى التوفيق: أننا نقول: إنَّ الواحِدَ من غير الأنبياءِ المعصومين بالبراهينِ عليهم السلام، قد يَجُوزُ عليه تعمُّدُ الكذِب، يُعلَمُ ذلك بضرورةِ الحِسّ، وقد يَجُوزُ على جماعةٍ كثيرةٍ أَن يَتواطَُّوا على كَذِبةٍ إذا اجتمعوا وَرَغِبُوا أو رَهِبُوا، ولكن ٤٤/١ ذلك لا يَخْفَى مِن قِبَلِهم، بل يُعلَمُ اتفاقُهم على / ذلك الكذِبِ بخبرهم إذا تفرقوا لا بُدَّ من ذلك. ولكنا نقول: إذا جاء اثنانٍ فأكثرُ من ذلك، وقد تيقّنا أنهما لم يلتقِيا، ولا دُسِّسًا، ولا كانَتْ لهما رَغْبَةٌ فيما أخبَرَا به، ولا رَهْبةٌ منه، ولا يَعلَمُ أحدُهما بالآخَرِ، فحدَّث كلُّ واحدٍ مِنْهما مُفترِقاً عن صاحبه بحديثٍ طويل، لا يُمكِنُ أَن يَتَفِقَ خاطِرُ اثنينٍ على توليدِ مثلِهِ، وذَكَر كلُّ واحدٍ منهما مُشاهدةً أو لقاءً لجماعةٍ شاهَدَتْ أو أخبَرَتْ عن مثلِها بأنها شاهَدَتْ، فهو خبرُ صِدْقٍ يُضْطَرُّ بلا شَكٍ فِي سَمْعِهِ إلى تصديقِهِ ويُقْطَعُ على غَيْبِهِ . وهذا الذي قلنا يَعلَمُه حِسّاً من تدبَّرَهُ ووَعَاه فيما يَرِدُهُ كلَّ يومٍ مِن أَخبارِ زمانِهِ، من موتٍ أو ولادةٍ أو نكاحٍ أو عَزْلٍ أو ولايةٍ أو واقعةٍ أو غير ذلك، وإِنما خَفِيَ ما ذكرنا على من خَفِيَ عليه، لقلةٍ مُرَاعاتِهِ ما يَجُّ به. ولو أنك تُكلِّفُ إنساناً واحِداً اختراعَ حديثٍ طويلٍ كاذبٍ، لَقَدَرَ عليه، يُعلّمُ ذلك بضرورةِ المشاهدةِ، فلو أَدخلتَ (١) وقع في الأصل: (وعزلة). والصواب ما أثبته من ((الإِحكام)). (٢) وقع في الأصل: (وعزلة وولاية، واعتقاد منزل، وخروج عَدَدٍ)، وهو تحريف عما أثبته، كما جاء في «الإحكام)). ١٢٩ اثنين في بيتينِ لا يلتقيانِ، وكلَّفْتَ كلَّ واحدٍ منهما توليدَ حديثٍ كاذبٍ، لَما جازّ بوجهٍ من الوجوهِ أن يَتَّفِقَا فيه من أولِهِ إلى آخرِه. هذا ما لا سبيلَ إليه بوجهٍ من الوجوهِ أصلاً، وقد يقَعُ في النّدْرةِ التي لم نَكَدْ نُشاهِدُها: اتفاقُ الخواطرِ على الكلماتِ اليسيرة والكلمتينِ ونحوِ ذلك. والذي شاهدنا: اتفاقُ شاعرينٍ في نصفِ بيتٍ، شاهَدْنا ذلك مرَّتينِ من عُمُرِنا فقط، وأخبرني من لا أثِقُ به أنَّ خاطِرَهُ وافَقَ خاطِرَ شاعرٍ آخَرَ في بيتٍ كاملٍ واحِدٍ، ولَستُ أعلَمُ ذلك صحيحاً. وأمَّا الذي لا أشُكُّ فيه وهو ممتنِعٌ في العقل، فاتفاقُهما في قصيدةٍ بل في بیتینِ فصاعداً وَالشعرُ نوعٌ من أنواع الكلام، ولكلِّ كَلَامٍ تأليفُ مَّا. والذي ذَكَرَهُ المتكلِّمون في الأشعار من الفَصْلِ الذي سَمَّوْهُ الْمُوَارَدَةَ، وَذَكَرُوا أَنَّ خواطِرَ شُعَرَاءَ، اتَّفَقَتْ في عِدَّةِ أبيات، فأحاديثُ مفتَعَلةُ لا تَصِحُّ أصلاً ولا تتصِلُ، وما هي إلا سَرِقاتٌ وغاراتٌ من بعضِ الشعراء على بعض. قال عليّ: وقد يُضْطَرُّ خَبَرُ الواحِدِ إلى العلم بصحتِه، إلا أنَّ اضطرارَه ليس بُطَّرِدٍ ولا في كل وقت، ولكن على قَدْرِ ما يَتهيّا، وقد بيَّنا ذلك في كتاب ((الفِصَل))(١). قال عليّ: فهذا قِسمُ. قال: والقِسمُ الثاني من الأخبار ما نقَلَه الواحدُ عن الواحِدِ، فهذا إذا اتَّصَل بروايةِ العُدُولِ إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم وَجَبَ العَمَلُ به، ووَجَبَ العِلْمُ بصحتِهِ أيضاً. وبَيْنَ هذا وبَيْنَ شهادةِ العُدُولِ فَرْقٌ نذكُرُه إن شاء الله تعالى. وهو قولُ الحارثِ بن أَسَدٍ الْمُحاسِبِي والْحُسَينِ بن عليّ الكَرَائِيْسِي، وقد قال به أبو سُلَيمان(٢)، وذكَرَه ابنُ خُوَيْزِ مَنْدَاد، عن مالكِ بن أنس. (١) لم أهتد إلى موضع هذه الإِحالة في كتاب ((الفِصَل)). (٢) هو الإِمام الخَطّابي: حَمْدُ بن محمد أبو سُلَيمان الخطابي البُسْتِي، المحدث الفقيه، المولود سنة ٣١٩، والمتوفى سنة ٣٨٨ رحمه الله تعالى. ١٣٠ والبُرهانُ على صِحَّةٍ وجوبٍ قبولِهِ قولُ الله عز وجل: ﴿فَلَوْلاَ نَفْرَ مِن كُلِّ فِرْقٍ منهم طائِفةٌ لِيَتَفَقَّهُوا في الدينِ ولِيُنْذِرُوا قومَهم إذا رجعوا إليهم لعلَّهم يَحْذَرُون﴾(١). فأوجَبَ الله تعالى على كل فِرقةٍ قبولَ نِذارةِ النافِرِ منها، بأمْرِهِ النافرَ بالتفقهِ وبِالنَّارَةِ، ومن أمَّه الله تعالى بالتفقهِ في الدين وإنذارِ قومِهِ، فقد انطَوَى في هذا الأمْرِ إيجابُ قبولِ نِذارتِه على من أَمَرَه بإِنذارِهم. والطائفةُ في لغةِ العربِ التي بها خُوطِبنا يقَعُ على الواحدِ فصاعداً، وطائفةٌ من الشيءِ بمعنى بعضِهِ، هذا ما لا خِلافَ بين أهل اللغة فیہ . اهـ. وقال في مقدمة كتاب ((الِلَل والنِّحَل))(٢) بَعْدَ أن أبانَ أنَّ من البديهيَّاتِ التي يَشْعُرُ بِهَا الطفلُ في أولِ تمييزِهِ أنه لا يكون جسمٌ واحدٌ في مكانين وأنه لا يكونُ جِسْمَانِ في مَكانٍ وَأَحَدَ، وأنه لا يَعلمُ الغيبَ أَحِدٌ .. ، وَمِنْ عِلْمِ النّفْسِ بأنَّ عِلم الغَيْبِ لا يُعارَضُ(٣)، فصَحَّ ضَرُورَةً(٤) أنه لا يُمكِنُ أن يَحِكِيَ أحدٌ خبراً كاذباً طويلاً، /٤٥ فيأتي من لم يَسمَعْه / فَيَحِكِي ذلك الخبرَ بعينِه كما هو، لا يزيدُ فيه ولا يَنْقُص، إذ لو أمكّنّ ذلك لكان الجاكي لمِثْلِ ذلك الخبرِ عالماً بالغيب، لأنَّ هذا هو عِلمُ الغيبِ نفسُه، وهو الإِخبارُ عما لا يَعلمُ المخبرُ عنه بما هو عليه، وذلك كذلك بلا شك .. فكلُّ ما نقَلَه من الأخبارِ اثنانِ فصاعداً مفترقانٍ، قد أيقنًّا أنهما لم يجتمعا، ولا تَشَاعَرَا فلم يَخْتَلِفا فيه، فبالضرورةِ يُعلَمُ أنه حَقُّ منّيَّقَّنَ مقطوع به على غَيْبِهِ . وبهذا عَلِمنا صِحةً موتٍ من مات، وولادةٍ من وُلِدَ، وعَزْلٍ من عُزِلَ، وولايةٍ مِن وُلَّيَّ، ومَرَضِ من مَرِضَ، وإفاقةٍ من أفاقَ، ونكبةٍ من نُكِبَ، والبلادِ الغائبةِ عنا، (١) من سورة البقرة، الآية ١٢٢ . (٢) وهو ((الفِصَل في الِلَل والأهواء والنحل)) ٥:١ - ٧. (٣) وهكذا العبارة في ((مقدمة كتاب المِلل)) لابن حزم ٧:١، ويعني بقوله: (لا يُعارَضُّ). أي: لا یتماثَلُ ولا يتوافق تماماً، كما يُفيده باقي الكلام. (٤) العبارة في ((الفِصَل)): (بأنَّ عِلْمَ الغيبِ لا يُعارَضُ صح ضَرُورَةً). فأثبتُها كما تَزَى تصويباً مني، والله أعلم. ---- ١٣١ والوقائعِ ، والملوكِ، والأنبياء عليهم السلام، ودياناتهم، والعلماءِ وأقوالِهم، والفلاسفةِ وحِكَمِهم، لا شَكَّ عندَ أحدٍ يُوفِي عَقْلَهُ حَقَّهُ في شيء مما نُقِلَ من ذلك، كما ذكرنا، وبالله تعالى التوفيق . وله في هذا الكتاب مقالةٌ تُناسِبُ ما نحن فيه، وقد أحببنا إيرادَها هنا بطريق الاختصار، قالَ(١): ونحن نذكُرُ صِفَة وجوهِ النَّقْلِ عندَ المسلمين لكتابهم ودِینهم، وما رُوِيَ عن أئمتهم، حتى يقِفَ عليه المؤمنُ والكافر، والعالم والجاهل، عِياناً، فنقولُ وبالله التوفيق: إنَّ نَقْلَ المسلمين لكلِّ ما ذكرنا ينقسمُ أقساماً ستة: أولها: شيءٌ يَنقلُهُ أهلُ المشرق والمغرب عن أمثالهم، جيلاً جيلاً، لا يَخْتَلِفُ فيه مؤمنٌ ولا كافرٌ منصِفٌ غيرُ معانِدٍ للمشاهدة، وهو القرآنُ المكتوبُ في المصاحفِ في شَرْقِ الأرض وغَرْبِها، لا يَشْكُّون ولا يَخْتِلِفون في أنَّ محمدَ بنَ عبدِ الله بنِ عبدِ الطَّلِب أَقَ به، وأخبَرَ أنَّ الله عزَّ وجلَّ أَوْحَى به إليه، وأنَّ من اتَّبَعَهُ أَخَذَهُ عنه كذلك، ثم أُخِذَ عن أولئك حتى بَلَغ إلينا. ومن ذلك: الصلواتُ الخمسُ، فإنه لا يَخْتلِفُ مؤمنٌ ولا كافرٌ، ولا يَشُكُّ أحَدٌ أنه صَلَّها بأصحابه كلَّ يومٍ وليلة، في أوقاتِها المعهودة، وصلَّها كذلك كلُّ من اتَّبَعَه على دِينِهِ حيثُ كانوا كلَّ يوم، وهكذا إلى اليومِ ، لا يَشُكُّ أحدٌ أنَّ أهلَ السِّنْدِ يُصَلُّونَها كما يُصَلِّيها أهلُ الأندَلُس، وأنَّ أَهلَ أَرْمِيْنِيَة يُصلُّونَها كما يُصَلِّيها أهلُ الْيَمَن. وكصيامِ شهر رمضان، فإنه لا يَخْتلِفُ مؤمنٌ ولا كافر، ولا يَشُكُّ أحدٌ في أنه صامَهُ رسولُ الله صلَّى الله عليه وسلَّم وصامَهُ معَهُ كلُّ من اتَّبَعَهُ في كلِّ بلدٍ كلَّ عام، ثم كذلك جِيلاً جِيلاً إلى يومنا هذا. وكالحجِّ، فإنه لا يختلِفُ مؤمنٌ ولا كافرٌ، ولا يَشُكُّ أحدٌ في أنه عليه الصلاة والسلام حَجَّ مَعَ أصحابِهِ، وأقام المناسكَ، ثم حَجِّ المسلمون من كل أُفُقٍ من الآفاق (١) في ((الفِصَل في المِلَل والنَّحل)) ٨١:٢ - ٨٤. ١٣٢ كلِّ عام في شهرٍ واحدٍ معروفٍ إلى اليوم. وكجُمْلَةِ الزكاةِ، وكسائرِ الشرائع التي في القرآن، من تحريمِ القرائبِ، والميتةِ، والخِنزير، وسائرٍ ما وَرّد في نص القرآن. الثاني: شيءٌ نقَتْهُ الكافّةُ عن مثلِها حتى يَبْلُغَ الأمرُ كذلك إلى النبي عليه الصلاة والسلام، ككثير من آياتِه ومعجزاتِه التي ظَهَرَتْ يومَ الخَنْدَقِ وفي تَبُوْكَ بحضرةِ الجيش، وككثيرٍ من مناسكِ الحجّ، وكزكاةِ التَّمْرِ والبُرِّ والشعير والوَرِقِ وَالذَّهَبِ والإِبِلِ والبَقَرِ والغَنَمِ ، ومُعاملتِهِ أهلَ خيبر، وغير ذلك مما يَخْفَى على العامَّة، وإنما يَعرِفُه كَوَافُ أهلِ العلم فقط. الثالثُ: ما نَقْلَهُ الثقةُ عن الثقةِ كذلك حتى يَبلُغَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يُخْرُ كلُّ واحدٍ منهم باسْمِ الذي أخبَرَهَ ونَسَبِهِ، وكلُّهم معروفُ الحالِ /٤٦ والعين والعدالةِ والزمانِ والمكانِ، على أنَّ أكثرَ ما جاء هذا / المجيءَ فإنَّهُ منقولٌ نَقْلَ الكَوَافِّ إِمَّا إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من طُرُقِ جماعةٍ من الصحابة، وإمَّا إلى الصَّاحِب، وإمَّا إلى التَّابع، وإمَّا إلى إمامٍ أخَذَ عن التَّابع، يَعرِفُ ذلك من كان من أهلِ المعرفة بهذا الشأن. وهذا نَقْلٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ المسلمين دُونَ سائرِ أهلِ الِلَل، وأبقاه عندَهُم غَضَّاً جديداً مذ أربعَ مِئَةٍ وخمسين عاماً في المشرقِ والمغرِبِ والجنوبِ والشِّمَالِ، يَزْحَلُ في طلبِهِ من لا يُحصي عدَدَهُم إلَّا خالِقُهم من الآفاق البعيدة، ويُحافِظُ على تقييدِهِ النُّقَّادُ منهم فلا تَقُوتُهم زَلَّةٌ في شيء من النقلِ إن وقعَتْ لأحدِهم، ولا يُمكِنُ فاسِقاً أن يُقْحِمَ فيه كلمةً موضوعةً ولله تعالى الشكرُ. وهذه الأقسامُ الثلاثة التي نأخُذُ دِينَنا منها، ولا نتعدَّاها إلى غيرها. والرابعُ: شيءٌ نَقَلَهُ أهلُ المشرقِ والمغربِ، أو الكافَّةُ، أو الواحِدُ الثقةُ، عن أمثالهم إلى أن يَبلُغَ من ليس بينه وبين النبي عليه الصلاة والسلام إلَّ واحِدٌ فأكثرُ، فَسَكَتَ ذلك المبلوغُ إليه عمن أخبَرَهُ بتلك الشريعةِ عن النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يُعرَفْ من هو، فهذا نوعٌ يأخُذُ به كثيرٌ من المسلمين، ولسنا نأخُذُ به ١٣٣ البنَّةَ، ولا نُضِيفُه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، إذ لم نَعرِف من حَدَّثَ به عنه، وقد يكونُ غيرَ ثقة، ويَعلَمُ منه غيرُ الذي رَوَى عنه: ما لم يَعرِفْ منه الذي رَوَى عنه. والخامسُ: شيءٌ نُقِلَ كما ذكرنا: إمَّ بنقلِ أهلِ المشرق والمغرب، أو كافَّةٍ عن كافة، أو ثقةٍ عن ثقة، حتى يَبلُغَ إلى النبي صلَّى الله عليه وسلَّم، إلاَّ أنَّ في الطريق رجلاً مجروحاً بكذب، أو غفلةٍ، أو مجهولِ الحال، فهذا أيضاً يقولُ به بعضُ المسلمين، ولا يَحِلُّ عندنا القولُ به، ولا تصديقُهُ، ولا الأخْذُ بشيءٍ منه. والسادسُ: نَقْلٌ نُقِلَ بأحَدِ الوجوه التي قدَّمنا، إمَّا بنَقْلِ من بينَ المشرِقِ والمغرِب، أو بالكافَّةِ عن الكافَّة، أو بالثقةِ عن الثقة، حتى يَبلِّغَ ذلك إلى صاحبٍ، أو تابعٍ ، أو إمامٍ دُونَهُما، أنه قالَ كذا، أوحَكمَ بكذا، غيرَ مُضافٍ ذلك إلى النبيِّ عليه الصلاةُ والسلام، فمِن المسلمين من يأخُذُ بهذا، ومنهم من لا يأخُذُ به، ونحن لا نأخُذُ به أصلاً، لأنه لا حُجَّةَ فِي فِعْلِ أحدٍ دُونَ من أمَرَنا الله باتِباعِه، وأرسَلَه إلينا ببيانِ دِينِه، ولا يخلو فاضلٌ من وَهَمٍ ، لا حُجَّةَ فيمن يَهِمُ ولا يأتي الوَحْيُ ببيانٍ وَهَمِهِ . المسألة السابعة ينقسِمُ التواتُّرُ إلى قِسمينِ: لفظيٍّ ومعنويٍّ. فاللفظيُّ هو ما اتفَقَتْ ألفاظُ الرُّواةِ فيه، مثلُ أن يقولوا: فَتَح فلانٌ مدينةَ كذا، سواء كان بهذا اللفظِ أو بلفظٍ آخرَ يَقُومُ مقامَه، مما يَدُلُّ على المعنى المقصودِ صريحاً. والمعنويُّ هو ما تَخْتلِفُ فيه ألفاظُ الرُّواةِ، بأن يَروِيَ قِسمٌ منهم واقعةً، وغيرُهُ واقعةً أُخْرَى، وهَلُمَّ جَرّاً، غيرَ أنَّ هذه الوقائعَ تكون مشتمِلةً على قَدْرٍ مِشتَرَكٍ، فهذا القَدْرُ المشتَرَكُ يُسمَّى التَّوَاتُرَ المعنويَّ، أو التَّوَاتُرَ من جهةِ المَعْنِى (١). وذلك مِثلُ أن يَروِيَ واحدٌ أنَّ حاتماً وَهَبَ مِئَةَ دينارٍ، وآخَرُ أَنْه وَهَبَ مئةً من الإِبل، وآخَرُ أنه وَهَبَ عِشرين فَرَساً، وهَلُمَّ جَرّاً حتى يَبلُغَ الرُّواةُ حَدَّ التَّواتُر، فهذه (١) وقع في الأصل: (يُسمَّى المتواترَ المعنويَّ أو المتواترَ من جهة المعنى)، وهو تصحيف من المطبعة، لأنَّ المَقْسِمِ التَّوَاتُر لا المتَواتِر. ١٣٤ الأخبارُ تَشتِرِكُ في شيءٍ واحدٍ وهو هِبَةُ حاتمٍ شيئاً من مالِهِ، وهو دليلٌ على سَخَائِهِ، وهو ثابتٌ بطريقِ التَّواتُرِ المعنوي . ووَجْهُ ذلك أن يقال: إن هذه الأخبارَ مُشْتَركةٌ / في أمرٍ واحِدٍ، وهو كونُهُ سَخِيّاً، فإنَّ الراوِيَ لخبرٍ منها صريحاً راوٍ لهذا المشتَرَكِ بطريقِ الإِيماء، فإذا بَلَغُوا حَدَّ التواتُرِ، كان هذا المشتَرَكُ وهو سَخَاؤُه مَرْوِياً بطريقِ التواتُّر، إلَّ أنه من قَبِيلِ التواتُرِ المعنوي . وقال بعضُهم: الوَجْهُ في ذلك أن يقال: إنَّ هؤلاء الرواةَ بأَسْرِهم لم يَكْذِبوا، بل لا بُدَّ أن يكونَ واحدٌ منهم صادقاً، وإذا كان كذلك فقد صَدَقَ خَبَرٌ من هذِه الأخبارِ، ومتى صَدَقَ واحدٌ منها ثَبَتَ كونُهُ سَخِيّاً. والوجْهُ الأوّلُ أَقْوَى، لأنَّ السخاء لا يُثْبُتُ بالمرّةِ الواحدة. ١ قال بعضُ علماء الأصول: إنَّ الأخبار التي لا تُفيدُ العلمَ قد تَشترِكُ في معنىَّ كُلِّي، فإذا بَلَغ مجموعُ الرواةِ حَدَّ التواتُر، صار ذلك الكُلُِّّ مَرْوِيّاً بالتواتر، وذلك مِثْلُ أن يَنقُلَ جماعةٌ أنَّ عليّاً رضي الله عنه قَتَلَ من الأعداءِ كذا في واقعةٍ، ويَنْقُلَ جماعةٌ أخرى أنه قَتَل من الأعداءِ كذا في واقعةٍ أخرى، وهَلُمَّ جراً، فإذا بَلَغ الرُّواةٌ بِأَسْرِهِم مبلغَ التواتُر، صار المعنى المشتَرَكُ بين هذه الأخبار - وهو شجاعة عليّ - مَرْوِيّاً بالتواتُر من جهة المعنى، وإن كان كلُّ واحدٍ من تلك الأخبار مَرْوِيّاً بطريقِ الأحاد. وقِسْ على ذلك ما يُشبِهُهُ، مِثْلَ حِلْمِ أَحْنَفَ(١)، وذَكاءٍ إياس (٢). (١) هو الأحنف بن قيس المِنْقَري التميمي أبوبَحْر، المُخَضْرَم التابعي الجليل، أدرك النبيَّ صلَّى اللّه عليه وسلَّم ولم يرَه، وهو سَيِّدُ بني تميم، وأحَدُ العظماءِ الفصحاءِ الدُّهاةِ الشجعانِ الفاتحين، يُضرَبُ به المَثَلُ في شدة الحلم. ولد سنة ٣ قبل الهجرة، وتوفي سنة ٧٢ رحمه الله تعالى. (٢) هو القاضي إياس بن معاوية بن قُرَّة الْمُزني، أبو وائِلَة، التابعي الجليل، قاضي البصرة، وأحَدُ أعاجيب الدهر في الفطنة والذكاء، يُضرَبُ المثَلُ بذكائه وفِراستِه، ولد سنة ٤٦، وتوفي سنة ١٢٢ رحمه الله تعالى. ١٣٥ وقال الشيخ جمال الدين أبو عَمْرو عثمانُ المعروفُ بابنِ الحاجب في كتاب ((منتَهَى الوصولِ والأمَل في عِلْمَيْ الأصولِ والجَدَل)»: إذا اختَلَفَتْ أخبارُ المخبرين في التَّواتُر في الوقائع، واشتَمَلَتْ على معنى كُلِّ مُشتَرَكٍ بجهة التضمُّنِ أو الالتزامِ، حَصَل العلمُ به، كوقائع عَنْتَرَةً في حُرُوبِهِ، وحاتِم في سَخائِهِ، وعليٍّ في شجاعتِه. ولا يَبْعُدُ أن يكونَ العلمُ بغيرِهِ أسرَع. وقال في ((مختصره))(١) المشهور: إذا اختلَفَ التَّوَاتُ(٢) في الوقائع فالمعلومُ ما اتَّفَقوا عليه بتضمُّنٍ أو التزام، كوقائعِ حاتِمٍ وعليّ. وقال الإِمامُ أبو إسحاق إبراهيم الشِّيرَازِي في ((اللُّمَع)(٣): اعلَمْ أَنَّ الخَبَرَ ضَرْبانٍ: مُتواتِرٌ، وآحادٌ، فأما المُتَواتِرُ فهو كلُّ خبرِ عُلِم ◌َخْرُهُ ضَرُورةً، وذلك ضَرْبانٍ: تَواتُرٌ من جهةِ اللفظِ، كالأخبارِ المتفقةِ عن القرونِ الماضيةِ والبلادِ النائية، وتواتُرٌ من طريقِ المعنى، كالأخبارِ المختلفةِ عن سَخاءٍ حاتمٍ، وشجاعةٍ عليّ رضي الله عنه، وما أشبَهَ ذلك، ويقعُ العلمُ بكلا الضربين. اهـ. وإذا ذُكِرَ المتواترُ مطلقاً تَبادَرَ إلى الذهن القسمُ الأولُ منه. وقد اختَلَفَ العلماءُ في أحاديثَ، فقال بعضهم: هي مُتواتِرة، وقال بعضهم: هي غيرُ متواترة. وقال بعضُ المحققين: إِنَّ الخلافَ بين الفريقين لفظي، فالذي قال إنها غيرُ متواترة، أراد أنها غيرُ متواترةٍ من جهة اللفظِ، والذي قال: إنها متواترةٌ، أراد أنها متواترةٌ من جهةِ المعنى. قال بعضُ علماء الأصول: إنَّ الكتابَ لا يَثْبُتُ إلَّ بالتواتُر، وأما السُّنَّةُ والإِجماعُ فَيَتْبُتَانِ بالتواترِ وبالآحاد، لكن المتواتِرَ فيهما قليل، بل المرجّحُ أنه ليس في (١) ٢ : ٥٥ . (٢) وقع في الأصل: (المتواتر). والصواب (التواتر) كما في ((مختصر المنتهى)) ٢: ٥٥. (٣) ص ٤٠٧ من ((نزهة المشتاق شرح اللمع لأبي إسحاق)» لشيخنا العلامة الأصولي الفقيه الحنفي المتفنن الإِمام القاضي البارع الشيخ محمد يحيى أمان، المكي، المولود سنة ١٣١٢ والمتوفى ١٣٨٧ رحمه الله تعالى. ١٣٦ السُّنَّةِ متواتِرٌ إلَّ المتواتِرَ في المعنى دون اللفظ. ومن أطلَق فكلامُهُ محمولٌ على إرادةِ ذلك، ولا في الإجماع أيضاً متواتر. وقال بعضُهم: متحقُّقُ في أصولِ الشرائع كالصلواتِ الخمس، وعددٍ ركعاتها، والزكاةِ، والحجِّ، تحقَّقاً كثيراً. ومرجِعُ تواتُرِها في الحقيقةِ إلى المعنى دُونَ اللفظ، ويقِلُّ تحقَّقُه في الأحاديثِ الخاصَّةِ المنقولةِ بألفاظِ مخصوصة، لعدم اتفاقٍ الطرفينِ والوَسَطِ فيها، وإن كان مدلولُ كثير منها متواتراً في بعضِ الموارد، فهي كالأخبار الدَّالةِ على شجاعةِ عليّ، وكرمٍ حاتم، ونظائرٍ هما، حتى قال ابنُ الصلاح: / من سُئِلَ عن إبرازٍ مِثْلٍ لذلك أعيَاه طلبه، وحديثُ ((إنما الأعمالُ بالنَّات))، ليسُ متواتراً وإن كانت رُوَاتُهُ منذ أعصُرٍ إلى الآنَ يزيدُ عددُهم على عدَدِ التواتر أضعافاً مضاعفة . /٤٨ وذلك لأنَّ التواتُرَ فيه قد طَرَأ بعدُ، وكثيراً ما يُدَّعَى تواتُرُ ما هو مِن هذا القَبِيل، مع أنَّ التَواتُرَ يُشترَطُ فيه أن يكون حاصلاً في جميع الأزمنة، لا سيما أوَّلها، فَشَرْطُ التواتر فيها مفقودٌ من جهة الابتداء، وقد نازّعَ بعضُ العلماء في ذلك فادَّعى وجود التواتر بكثرةٍ. انتهى باختصار. وقد وقع هنا من الإِبهام والإِيهام في العبارات ما قد يَضُرُّ المبتدِي، فإنه ربما تَوَهَّمَ منها أنه ليس في السُّنَّةِ متواترٌ، مع أنَّ ما تواتَرَ منها سواءٌ كان من جهةِ اللفظ، أو من جهةِ المعنى كثيرٌ، يَعْسُرُ إحصاؤه، غيرَ أن الأئمةَ المتعرِّضين لضبطٍ السنة، لم يتعرَّضوا له، لأنه ليس من مباحثهم. والخلافُ المذكورُ إنما وقَعَ في أحاديثَ ذُكِرَتْ في كتب السنة، ولها أسانيدُ شَتَّى اتَّفَقَتْ لها، لفَرْطِ العنايةِ بها، وإلَّ فالمتواترُ يَعْسُرُ إيرادُ إسنادٍ له على قواعدِ المجدِّثین، فضلاً عن أسانيد، وذلك أنَّ الإِسنادَ إنما يُحرَصُ عليه في أخبار الآحاد لَا يَعرِضُ فيها من الشك . وإذا تردَّدتَ فيما قلنا، فارجِعْ إلى نفسِك وانظُرْ هل يُمكِّنُك أن تُورِدَ إسناداً لما ١٣٧ عَلِمَتَهُ وتيقَّنْتَهُ من الأمورِ المتواترةِ، التي لا تُحصىَ ولو كانت قريبةَ العهدِ بك، وإنما ذكرنا ذلك مع ظهورِهِ، لأنه قد يكونُ من شِدَّةِ الظهور الخفاءُ. قال الإِمام الحافظ عثمان بن الصلاح في ((مقدمته))(١) المتعلقة بعلوم الحديث: ومن المشهورِ: المتواتِرُ، الذي يَذْكُرُه أهلُ الفقهِ وأصولِه، وأهلُ الحديث لا يذكرونه إِلَّ باسمِهِ الخاصِّ المشعِرِ بمعناه الخاصِّ، وإن كان الخطيبُ الحافظُ قد ذكره، ففي كلامِهِ ما يُشعِرُ بأنه اتَّبَعَ فيه غيرَ أهل الحديث، ولعل ذلك لكونه لا تَشْمَلُه صِناعتُهم، ولا يكادُ يُوجَدُ في رواياتهم، فإنه عبارةٌ عن الخَبَرِ الذي يَنقُلُه من يَحْصُلُ العلمُ بصدقِه ضرورةً، ولا بُدَّ في إسنادِهِ من استمرارِ هذا الشرط في روايته، من أوَّلِه إلى منتهاه . ومن سُئِلَ عن إبرازٍ مثالٍ لذلك فيما يُروَى من الحديثِ أعياه تطلُّبُهُ(٢)، وحديثُ ((إنما الأعمالُ بالنَّات))، ليس من ذلك بسبيلٍ (٣) وإن نَقَلَه عدَدُ التواتُر وزيادةٌ، لأنَّ ذلك طَرَأ عليه في وَسَطِ إسنادِهِ، ولم يُوجَد في أوائلِه على ما سَبَق ذكرُه، نعم حديثُ ((من كَذَبَ عليَّ متعمِّداً فليتبوّأْ مقعَدَهُ من النار))، نَرَاه مثالاً لذلك، فإنه نقَلَه من الصحابةِ رضي الله عنهم العَدَدُ الجُمُّ، وهو في ((الصحيحين)) مَرْوِيٌّ عن جماعةٍ منهم. وذكر أبو بكر البزَّار الحافِظُ الجليلُ في ((مسنده)»، أنه رواه عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم نحوّ من أربعين رجلاً من الصحابة، وذَكَر بعضُ الحفاظ أنه رواه عنه صلَّى الله عليه وسلَّم اثنان وستون نفساً من الصحابة، وفيهم العَشَرَةُ (١) في النوع ٣٠ (معرفة المشهور) ص ٢٢٥ - ٢٢٨، من طبعة حلب بتعليق شيخنا العلامة محمد راغب الطباخ رحمه الله تعالى. (٢) وقع في الأصل: (فيما يُروَى من أهل الحديث). والمثبتُ من مقدمة ابن الصلاح وهو الصواب . (٣) وقع في الأصل: (ليس من ذلك السبيل). والذي في نسخ مقدمة ابن الصلاح: (ليس من ذلك بِسَبِيل) وهو الصحيح. ١٣٨ المشهودُ لهم بالجنة، قال: وليس في الدنيا حديثٌ اجتَمَع على روايتِهِ العَشْرَةُ غيرَه، ولا يُعرَفُ حديثٌ يُروَى عن أكثرَ من ستين نَفْساً من الصحابة عن رسول الله إلاّ هذا الحديثَ الواحدَ. قلتُ: ويَلَغ بهم بعضُ أهلِ الحديث أكثرَ من هذا العَدَد، وفي بعضِ ذلك عَدَدُ التواتر، ثم لم يَزَلَ عَدَدُ رُواتِهِ في ازديادٍ، وهَلُمَّ جَرّاً على التوالي والاستمرارِ، والله أعلم. اهـ. قال الحافظ جلال الدين السيوطي في ((تدريب الراوي شرح تقريب النواوي))(١) قال ابنُ الصلاح: رواه اثنان وستون من الصحابة، وقال غيره: رواه أكثرُ من مئةِ نفسٍ. وفي ((شرح مسلم)) للمصنَّف(٢): رَوَاه نحوُ مئتين. / قال العراقي (٣): وليس في هذا المتن بعينه، ولكنه في مُطلَقِ الكذِب، والخاصُّ بهذا المتن روايةُ بِضْعَةٍ وسَبْعين صحابياً، ثم ذَكَر أسماءهم واحداً بعدَ واحد، مع الإِشارةِ لمن أخرَجَ حديثَهُ من الأئمة . /٤٩ وقد أورَدَ أمثلةً للمتواترِ اللفظيِّ، منها: حديثُ الحَوْض، فإنه مَرْوِيٌّ عن نيِّفٍ وخمسين من الصحابة، ومنها: حديثُ ((نَضَّرَ اللَّهُ امرأَ سَمِعَ مقالتِي فَوَعَاهَا)) فإنه مَرْوِي عن نحوِ ثلاثين منهم، ومنها: حديثُ ((نَزَل القرآنُ على سبعةٍ أُخْرُف))، فإِنْهِ مَرْوِي عن سَبْعٍ وعشرين. وأورَدَّ مثالاً للمتواتِر المعنويّ، وهو رَفْعُ اليدين في الدعاء، فإنه قد رُوِيَ فيه نحوُ مئة حديث، قال وقد جمعتُها في جزء، لكنها في قضايا مختلفة، فكلُّ قضيةٍ منها لم تتواتر، لكنَّ القَدْرَ المشتَركَ فيها - وهو الرفعُ عندَ الدعاء - تواتَرَ باعتبارٍ المجموع. اهـ. (١) ص ٣٧١ - ٣٧٥ و١٧٧:٢ - ١٨٠. (٢) يعني: الإِمامَ النووي رحمه الله تعالى. (٣) في حاشيته على مقدمة ابن الصلاح: ((التقييد والإيضاح)) ص ٣٤١ في (النوع الثلاثين: المشهور). ١٣٩ هذا، وما قاله ابنُ الصلاح من أنَّ المتواتر لا يُبحَثُ عنه في علم الأثر، مما لا يُمْتَرَى فيه. قال بعضُ العلماء الأعلام: ليس المتواترُ من مباحثِ عِلْم الإِسناد، إذْ هو عِلمٌ يُبحَثُ فيه عن صحةِ الحديثِ، أو ضعفِهِ، من حيث صفاتُ رُواتِهِ وصِيَغُ أدائِهم، ليُعْمَلَ به أو يُتْرَكَ، والمتواتِرُ لا يُبحَثُ فيه عن رُواتِهِ، بل يجبُ العملُ به من غير بحث، لإِفادتِهِ عِلْمَ اليقين، وإنْ وَرَدَ عن غيرِ الأبرارِ بل عن الكفار. وأراد بما ذَكَر أنَّ المتواترَ لا يُبحَثُ فيه عن رُواتِهِ وصِفاتِهِم على الوجهِ الذي يَجرِي في أخبارِ الآحاد، وهذا لا يُنافي البحثَ عن رُواتِهِ إجمالاً، من جهةِ بُلوغِهم في الكثرةِ إلى حَدٍّ يَمنَعُ تواطؤهم على الكذِبِ فيه، أو حصولَهُ منهم بطريقِ الاتّفاق، والمرادُ بالاتِّفاقِ وقوعُ الكذِبِ منهم من غير تشاوُرٍ، سواء كان عَمْداً أو خَطَأَ. وكذلك البحثُ عن القرائنِ المحتفَّةِ به، لا سيما إنَ كان العَدَدُ غيرَ كثير جداً، ويُلْحَقُ بالمتواتِرِ في عدمِ البحثِ عنه في علم الأثَرِ: المستفيضُ إذا كان أخصَّ من المشهور. ومما يدلُّ على أنَّ المتواترَ ليس من مباحثٍ عِلم الإِسناد، أنه لا يكونُ له إلَّ في النادرِ جداً إسنادٌ على الوجهِ المألوفِ في روايةِ أخبارِ الآحاد، ولذلك تُرَى علماءَ الأصول يَقْسِمُون خبرَ الواحِدِ إلى قسمين: مُسنَدٍ، ومُرْسَل، ولا يَتعرَّضون إلى تقسيم المتواتر إلى ذلك، فإنْ اتَّفَقَ للمتواتر إسنادٌ لم يُبحَثْ في أحوالِ رجالِهِ البحثُ الذي يَجرِي في أحوالِ الأسانيدِ التي تُرَوَى بها الآحادُ، هذا إذا ثَبَتَ تواتُرُه، لأنَّ الإِسنادَ الخاصَّ يكونُ مستغنىًّ عنه وإن كان لا يخلو عن الفائدة. وأمَّا ما وَرَدَ بأسانيدَ كثيرةٍ، فإن كانَتْ كثرتُها كافيةً في إثباتِ التواتُر، فالأمرُ ظاهر، وإن كانت غيرَ كافيةٍ فيه لَزِمَهُ البحثُ عن أحوالِ الرجالِ ونحوِها من سائرٍ قرائنِ الأحوال، ليرفَعَه إلى درجةِ المتواتر إن وُجِدَ ما يقتضي رفعَه إليها، أو يُنزِلَه إلى درجةِ المستفِيض أو المشهورِ إن وُجِدَ ما يُوجِبُ ذلك(١). والمستبصر لا يخفى عليه ما تقتضيه الحال. (١) وقع في الأصل: (ما يقتضي رفعه إليها أن يُنزله ... ). والصواب كما أثبته. ١٤٠ وقد أشار الحافظ السيوطي في ((اللآلىء المصنوعة في الأحاديث الموضوعة))(١)، إلى شيءٍ مما ذكرنا، ولنُورِدْ لك عِبَارتَهُ مُختَصَرَةً(٢): قال: حديثُ جابر مرفوعاً ((من آذَى ذِمِّياً فأنا خَصِيمُه، ومن كنتُ خَصِيمَه خَصَمْتُه)) (٣)، قال الخطيبُ: منكرُ ورُوِيَ عن أحمد بن حنبل أنه قال: أربعَةُ أحاديثَ تَدُورُ عن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم في الأسواق وليس لها أصل: من بَشَّرَني بخروج آذار بشَّرته بالجنة، ومن آذَى ذِمِّياً فأنا خَصْمُه يوم القيامة، ونَحْرُكمِ يَوْمَ صومِكم، وللسائلِ حَقُّ وإن جاء على فَرَّس. /٥٠ قال الحافظ أبو الفضل العراقيّ في ((نُكَّتِه على / ابن الصلاح))(٤)، لا يَصِحُ هذا الكلامُ عن أحمد، فإنه أخرج منها حديثاً في ((المسند))، وهو حديثُ (للسائلِ حَقٌّ وإن جاء على فَرَسٍ ))، وقد وَرَد من حديثِ عليّ، وابنِه الحسين، وابنِ عباس، والهرماس بنِ زياد. أمَّا حديثُ علي فأخرجه أبو داود(٥). وأما حديث الحُسين فأخرجه أبو داود وأحمدُ مِن رواية يَعْلَى(٦). وأما حديثُ ابن عباس فأخرجه ابنُ عَدِي. وأمَّا حديثُ الهِرْماس فأخرجه الطبراني. وكذلك حديثُ من آذَى ذمياً فهو معروف أيضاً، فَرَوَى أبو داود(٧) من روايةٍ (١) ٢ :١٤٠. (٢) وقع في الأصل: (ولنورد لك عبارة مختصرها). وفيها سَبْقُ قلم، والله أعلم. (٣) كذا في الأصل: (خَصِيمه) في الموضعين، بالياء. وهو في ((مقدمة ابن الصلاح)) و((نُكَت الحافظ العراقي عليه)) ص ٢٢٣، و((اللآلىء المصنوعة)) ٢: ١٤٠ (خَصْمِهِ) في الموضعين بدون یاء. (٤) ص ٢٢٣. (٥) في كتاب الزكاة في (باب حق السائل) ١٧٠:٢. (٦) جملة (وأما حديث الحُسّين فأخرجه أبو داود)، هذه سَقَطَتْ من الأصل، فأثبتُّها من (اللآلىء)) و((نُكَث الحافظ العراقي)). (٧) في ((سنته)) في كتاب الخراج والإِمارة والفيء، في (بابٌ في تعشير أهل الذمة إذا اختلفوا بالتجارات) ٢٣١:٣. ١٤١ صفوان بن سُلَيم، عن عِدَّةٍ من أبناءِ الصحابة، عن آبائِهِم دِنْيَّةً، عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم أنه قال: ((أَلَ مَنْ ظَلَمَ مُعَاهَداً، أو انْتَقْصَهُ، أو كلَّفه فوقَ طاقته، أو أخَذَ منه شيئاً بغير طِيْبٍ نَفْس، فأنا حَجِيجُه يوم القيامة))، وإسنادُهُ جَيِّد، وإن كان فيه من لم يُسمَّ فإنهم عِدَّةٌ من أبناءِ الصحابة، يَبلُغون حَدَّ التواتر، الذي لا تُشتَرَطُ فيه العدالة، فقد رَوَيناه في ((سنن البيهقي الكبرى))(١)، قال في روايتهِ: عن ثلاثين من أبناءِ الصحابة . وأما الحديثانِ الآخَرَانِ فلا أصلَ لهما. اهـ. وبعدَ أن وَصَلْتُ إلى هنا رأيتُ لابن حزم عبارةً تؤيِّدُ ما ذكرناه، قال في کتاب ((الإِحكام)) (٢): فَصْلٌ: وقد يَرِدُ خبرٌ مرسَلٌ، إلَّ أنَّ الإِجماع قد صَحَّ بما فيه، متيقَّناً منقولاً جيلاً فجيلاً، فإن كان هذا، عَلِمنا أنه منقولٌ نَقْلَ كافَّةٍ، كنقلِ القرآن، فاستُغنِيَ عن ذِكرِ السَّنَدِ فيه، وكان وُرودُ ذلك المرسَلِ وعدَمُ ورودِهِ سواءً ولا فَرْقَ، وذلك نحوُ ((لا وَصِيَّةً لِوارث))، وكثير من أعلامِ نبوَّتِه صلَّى الله عليه وسلّم، وإن كان قومٌ قد رَوَوْهَا بأسانيدَ صحاح، فهي منقولةُ نَقْلَ الكافَّة(٣). ثم قال: وأما المرسَلُ الذي لا إجماعَ عليه، فهو مُطَّرَحٌ على ما ذكرنا، لأنه لا دليلَ على قبولِهِ آلبَتَّةَ، فهو داخِلٌ في جملةِ الأقوالِ التي إذا أُجْمَعَ عليها قُبِلَتْ، وإذا اختُلِفَ فيها سَقَطَتْ، وهي كلُّ قولةٍ لم يأتِ بتفصيلها باسمِها نَصِّ. وقال في موضعٍ آخر: وإذا وَرَدَ حديثٌ مرسَل، أو في أحَدِ ناقِيْه ضعيفٌ، فوجدنا ذلك الحدیثَ مُجمعاً على أخذِهِ والقول به، علِمنا یقیناً أنه حديثٌ صحيحٌ (١) في كتاب الجزية (باب لا يأخذ المسلمون من ثمار أهل الذمة ... ) ٩: ٢٠٥. (٢) ٧٠:٢، و١٩٢:٢. (٣) وسينقل المؤلفُ هذا الفصلَ عن ابن حزم في ص ٦٥٩، وانظر نحو هذا في ص ٣١٣ عن ابن حزم أيضاً. وانظر الكلام على حديث ((لا وصية لوارث)) فيما نقلته في آخِرٍ كتاب (الأجوبة الفاضلة)) للعلامة عبد الحي اللكنوي ص ٢٢٩، و٢٣٢ و٢٣٤.