النص المفهرس
صفحات 101-120
٤١ بالحديث يقتضي أن لا يتركوا مع الإِمكانِ شيئاً منه(١)؟ ولْنذكُرْ لك شيئاً مما رُوِيَ في قَدْرِ حِفْظِ الحُفَّاظ، نُقِلَ عنِ الإِمام أحمد أنه قال: صَحَّ من الحديث سَبْعُ مئةٍ ألفٍ وكَسْرٌ، وهذا الفتى يعني أبا زُرْعَة(٢)، قد حَفِظَ سَبْعَ مئةِ أَلْف. قال البيهقيُّ : أراد ما صَحَّ من الأحاديثِ وأقوالِ الصحابة والتابعين. وقال أبو بكر محمد بن عُمَر الرازي الحافظ: كان أبو زُرْعة يَحِفَظُ سَبْعَ مئة ألفٍ حديث، وكان يحفظ مئةً وأربعين ألفاً في التفسير. ونُقِلَ عن البخاري أنه قال: أحفَظُ مئةَ ألفِ حديثٍ صحيح، ومئتي ألفٍ حدیثٍ غیر صحیح . ونُقِلَ عن مسلم أنه قال: صَنَّفْتُ هذا ((المسندَ الصحيحَ)) من ثلاثِ مئةٍ ألفٍ حديثٍ مسموعة(٣). ومما يَرفَعُ استغرابَك ◌ِمَا نُقِلَ عن أبي زُرْعَة، من أنه كان يحفظُ مثّةً وأربعين ألفَ حديث في التفسير، أنَّ ﴿النَّعِيمِ﴾ في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عن النَّعِيمِ﴾(٤)، قد ذكر المفسرون فيه عشرةً أقوال، كلُّ قولٍ منها يُسمَّى حديثاً في عُرفٍ من جعَلَه بالمعنى الأعمّ، وأنَّ ﴿الماعون﴾ في قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ للمُصَلِّينَ. الذينَ هُمْ عن صَلاَتِهِمْ سَاهُوْنَ. الذين هُمْ يُرَاءونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾(٥)، قد ذكروا فيه ستةً أقوال ، كلٌّ قولٍ منها ما عدا السادسَ يُعَدُّ حديثاً كذلك. (١) وانظر ما يتصل بهذا في ص ٢٣٠. (٢) هو أبو زُرْعَة الرازي: عُبَيدُ الله بنُ عبد الكريم الرازي. ولد سنة ٢٠٠، ومات سنة ٢٦٤ . (٣) يعني بقوله: (المسنَدَ الصحيح) كتابَه: المشهورَ باسم ((الجامع الصحيح)) و((صحيح مسلم)). وقد حققتُ اسمَهُ واسم صحيح البخاري وجامع الترمذي في رسالة مستقلة طُبعت في بيروت سنة ١٤١٤. (٤) من سورة التكاثر، الآية ٨. ووقع في الأصل: (ولَتُسْأَلُنَّ ... ) بالواو، وهو خطأ. (٥) من سورة الماعون، الآيات ٤ و٥ و٦ و٧. ٤٢ قال العلامة أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي في تفسيره المسمى بـ ((زاد المسير))(١)، في تفسير سورة التكاثر: وللمفسرين في المراد بالنعيم عَشَرَةُ أقوال: . أحدُها: أنه الأمْنُ والصِّحَّةُ، رواه ابن مسعود عن النبي صلى الله عليه وسلم، وتارةً يأتي موقوفاً عليه، وبه قال مجاهد والشعبي. والثاني: أنه الماء البارد، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم. والثالث: أنه خُبزُ البُرِّ والماءُ العَذْبُ، قاله أبو أمامة. والرابعُ: أنه مَلاذُّ المأكولِ والمشروب، قاله جابر بن عبد الله. والخامس: أنه صِحَّةُ الأبدانِ والأسماع والأبصارِ، قاله ابن عباس، وقال قتادة: هو العافية . والسادسُ: أنه الغَداءُ والعَشَاء، قاله الحسن. والسابعُ: الصِّحَّةُ والفراغُ، قاله عكرمة . والثامنُ : كلُّ شيءٍ من لَذَّةِ الدنيا. قاله مجاهد. والتاسعُ: أنه إنعامُ الله على الخَلْقِ بإرسالِ محمدٍ صلى الله عليه وسلم، قاله القُرِي . والعاشرُ: أنه صُنُوفُ النِّعَم، قاله مُقاتِل. والصحيحُ أنه عامٌّ في كلِّ نعيم، وعامّ في جميع الخَلْق، فالكافِرُ يُسألُ توبيخاً إذْ لم يَشكُر المنعِمَ ولم يُوخِّدْه(٢)، والمؤمنُ يُسألُ عن شُكر النِّعَم. (١) ٢٢١:٩. (٢) وقع في ((زاد المسير)) المطبوع ٢٢٣:٩ بلفظ (فالكافرُ يُسألُ توبيخاً إذا لم. والصواب (إذْ) كما جاء هنا: ٤٣ وقال في تفسير سورة الدِّين(١): وفي ﴿الماعون﴾(٢) ستة أقوال: أحدُها: أنه الإِبْرَةُ والماءُ والنارُ والفأسُ وما يكون في البيت من هذا النحو، رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإلى نحوِ هذا ذهَبَ ابنُ مسعود وابنُ عباس في رواية. ورَوَى عنه أبو صالح(٣) أنه قال: الماعونُ المعروفُ كلُّه، حتى ذَكَرَ القِدْرَ والقَصْعَةَ والفأسَ. وقال عكرمة: ليس الويلُ لمن مَنَع هذا، وإنما الويلُ لمن جَمَعَهِنَّ: فراءَى في صلاته، وسَهَا عنها، ومَنَع هذا. قال الزجَّاجُ: والماعونُ في الجاهلية: كلُّ ما كان فيه منفعة، كالفَأْسِ والقِدْرِ والدَّلْوِ والقَدَّاحةِ ونحو ذلك، وفي الإِسلامِ أيضاً. /٥ / والثاني: أنه الزكاة، قاله عليٌّ وابنُ عمر والحسَنُ وعكرمةُ وقتادة. والثالثُ: أنه الطاعة، قاله ابنُ عباس في رواية. والرابعُ: المالُ، قاله سعيد بن المسيِّب والزهريّ . والخامسُ: المَعْرُوفُ، قاله محمد بن کَعْب. والسادسُ: الماءُ، ذكَرَه الفرَّاء عن بعض العرب. اهـ. هذا وقد اعترض بعضُ الناس على المؤلِّفين الذين يَنْقُلُون في المسألة جميعَ الأقوال التي وَقَفُوا عليها، كما فعَلَه بعضُ علماءِ التفسير وعلماءِ الأصول ومن نحا نحوَهم، وذلك لجهلِهم باختلافِ أغراضِ المصنفين ومَقاصِدِهم، ولتوهُمِهم أنَّ طريقَ التأليفِ يجبُ أن لا يُخالِفَ ما تخيَّلوه في أذهانهم. وقد أحببنا أن نختِمَ هذا الفصلَ بالجوابِ عن اعتراضهم، فنقول: إِنَّ تلك الأقوالَ إِن كانت مختلفةً في المآلِ ، عَرَف الناظرُ الخلافَ في المسألة، (١) ٩: ٢٤٥. (٢) أي في قوله تعالى: (وَمْنَعُون الماعونَ)، في سورة الماعون، الآية ٧ . (٣) أي عن ابن عباس. وأبو صالح هو أبو صالح السمَّانُ الزيَّاتُ المدنيُّ واسمُهُ: ذكوان. 1 ٤٤ وفي معرفةِ الخلاف فائدة لا تُنكَر، وكثيراً ما يَستنبِطُ من أمعَنَ النظرَ فيها قولاً آخَرَ يُوافِقُ كلَّ واحدٍ من الأقوالِ المذكورة من بعضِ الوجوه، وكثيراً ما يكونُ أَقْوَى مِن كل واحدٍ منها وأقْوَمَ. وقد وقع ذلك في مسائل لا تُحصى في علومٍ شتى. وإن كانت تلك الأقوالُ غيرَ مختلفةٍ في المآلِ، كان من توارُدِ العباراتِ المختلفةِ على الشيء الواحد، وفي ذلك من رُسُوخ المسألةِ في النَّفْسِ ووضوحِ أمْرِها ما لا يكونُ في العِبارةِ الواحدة، على أَنَّ بعضَ العباراتِ ربما كان فيها شيءٌ من الإِبهامِ أو الإِيهامِ، فَيَزُولُ ذلك بغيرها، وقد يكون بعضُها أقرَبَ إلى فهمِ بعضِ الناظرين، فكثيراً ما تُعرَضُ عبارتانِ متَّحِدَتا المعنى لاثنين، تكونُ إحداهما أقربَ إلى فهم أحدِهما، والأخرَى أقرب إلى فَهْم الآخَر. وهذا مُشاهَدٌ بالعِيان، لا يَحتاجُ إلى برهان، ومن ثَمَّ تَرى بعضَ المؤلفين قد يأتون بعبارة، ثم إذا بدأ لهم أنّ بعضَ المطالعين ربما لم يفهمها أَتَوْا بعبارةٍ أخرى وأشاروا إلى ذلك. وإذا عَرفتَ هذا تبيَّنَ لك أنَّ مَثَلَ هؤلاء الْمُعتَرِضِينِ مَثَلُ غِرِّ جالَ في الأسواق، فصار كلَّما رأى شيئاً لم يَشعُر بفائدتِهِ، أو لم تَدْعُ حاجتُهُ إليه، عَدَّ وُجودَه عَبَثاً، وسَقَّهَ رأيَ عُمَّالِهِ والراغبين فيه، وكان الأجدَرُ به أن يُقبِلَ على ما يَعْنِيه، ويُعرِضَ عِما لا يَعْنِیه. وكأنَّ كثيراً منهم يَظُنُّ أنَّ الاعتراضَ على أيِّ وجهٍ كان، يَدُلُّ على العلمِ والنباهةِ، مع أنه كثيراً ما يَدُلُّ على الجهلِ والبَلَاهَة. ولا نُريدُ بما ذَكَرنا سَدَّ بابٍ الاعتراضِ على المؤلفين والمؤلّفات، بل صَدَّ الذين يَتعرَّضُون لذلك ببادىءٍ الرأي. لا غير، وإلا فالاعتراضُ إذا كان معقولاً لا يُنكَر، بل قد مُحمَدُ علیه صاحِبُهُ ويُشکر. ٤٥ - الفصل الثاني في سبب جمع الحديث في الصُّحُفِ وما يُناسِبُ ذلك كانت الصحابة رضي الله عنهم لا يكتبون عن النبي صلى الله عليه وسلم غير القرآن، أخرج مسلم في ((صحيحه)(١) عن أبي سعيد الخُدْريّ أنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تَكْتُبُوا عني، ومن كتَبَ عني غيرَ القرآن فَلْيَمْحُه، وحَدِّثُوا عَنَّ فلا حَرَجَ(٢)، ومن كذَبَ عليَّ متعمِّداً فَلْيتبوَّأْ مَفْعَدَهُ من النار)). قال كثير من العلماء: نهاهم عن كتابةِ الحديث، خشيةً اختلاطِهِ بالقرآن، وهذا لا يُنافي جوازَ كتابتِهِ إذا أُمِنَ اللَّبْسُ، / وبذلك يحصُلُ الجمعُ بين هذا وبين قولِهِ علیه الصلاة والسلام في مرضِهِ الذي تُوفِّ فيه ((ايتُوني بكتابٍ أكتُب لكم كتاباً لا تَضِلوا بعدَهُ)). وقولِهِ: ((اكتُبُوا لأبي شاه)». وغير ذلك مما هو معروف عند أهل الحديث. /٦ ولما تُونِيّ النبيُّ عليه الصلاة والسلام، بادَرَ الصحابةُ إلى جْع ما كُتِبَ في عهده في موضعٍ واحد، وسَمَّوْا ذلك المُصْحفَ، واقتَصْرُوا على ذلك، ولم يتجاوزوه إلى كتابةِ الحديث وَجْعِهِ في موضعٍ واحدٍ كما فعلوا بالقرآن، لكن صَرَفوا هِمَمَهم إلى نشرِهِ بطريقِ الرواية، إمَّا بنَفْسِ الألفاظ التي سَمِعُوها منه عليه الصلاة والسلام إن بَقِيَتْ في أذهانِهِم، أو بما يُؤدِّي معناها إن غابت عنهم، فإنَّ المقصودَ بالحديثِ هو المَعْنِى، ولا يَتَعلَّقُ في الغالبِ حُكمُ بالَّنَى، بخلافِ القرآن، فإنَّ لألفاظِهِ مَدْخلاً في الإِعجاز، فلا يجوزُ إبدالُ لفظٍ منه بلفظٍ آخَر ولو كان مرادفاً له، خشيةَ النسيان، مع طولٍ الزمان، فوجَبَ أن يُقَّدَ بالكتابةِ ولا يُكتَفَى فيه بالحفظ. (١) في كتاب الزهد في أواخر ((الصحيح)) في (باب التثبت في الحديث وحكم كتابة العلم) ١٨ :١٢٩. (٢) في المطبوع من صحيح مسلم: (وَلا حَرَج). جـ يسارسوى " 1.7 ٤٦ قال الإِمامُ الخَطَّبي في كتابه في ((إعجاز القرآن))(١): إنما يقومُ الكلامُ بهذه الأشياءِ الثلاثة: لفظٌ حامِلٌ(٢)، ومعنىَّ قائمٌ به، ورِباطٌ لهما ناظِمٌ: وإذا تأمَّلتَ القرآنَ وجدتَ هذه الأمورَ منه في غابةِ الشَّرَفِ والفضيلة، حتى لا تَرَى شيئاً من الألفاظِ. أَفْصَحَ ولا أجْزَلَ ولا أَعْذَبَ من ألفاظه، ولا تَرَى نَظْماً أحسَنَ تأليفاً وأشدَّ تلاؤماً وتشاكُلا من نَظْمِهِ . وأما مَعَانيه فكلُّ ذِي لُبِّ يَشْهَدُ لها بالتقدُّمِ في أبوابه، والترقِّي إلى أعلى دَرَجاِهِ(٣). وقد تُوجَدُ هذه الفضائلُ الثلاثُ على التفرُّقِ في أنواع الكلام، فأمَّا أَن تُوجَدَ مجموعةً في نوعٍ واحدٍ منه، فلم تُوجَد إلا في كلام العليم القدير. فخَرَج من هذا أنَّ القرآن إنما صار مُعْجِزاً لأنه جاء بأفصَحِ الألفاظِ (٤)، في أحسنِ نَظْمٍ في التأليف، مُضَمَّناً أصحَّ المعاني: من توحيدِ الله تعالى، وتنزيهٍ له في ذاتِه وصِفاتِه، ودُعاءٍ إلى طاعته، وبيانٍ لطريقِ عِبادِه، ومن تحليلٍ وتحريمٍ وحَظْرٍ وإباحةٍ، ومن وعظٍ وتقويمٍ وأمْرٍ بمعروف ونَهْيٍ عن منكر، وإرشادٍ إلى محاسِنِ الأخلاق، وزَجْرٍ عن مَساوِبها، واضِعاً كلَّ شيء منها مَوْضِعَه الذي لا يُرَى شيءٌ أُولَى منه. ولا يُتَوَهَّمُ فِي صُورةِ العقل أمْرٌ أَلْيَقُ به منه، مُؤْدَعاً أخبارَ القرون الماضية وما نَزَلَ من مَثُلاتِ الله بمن مَضى وعانَدَ منهم، مُنِئاً عن الكوائنِ المستقبلَةِ في الأعصار الآتيةِ من الزمان، جامعاً بين الحُجَّةِ والمُحتَجِّ له والدليلِ والمدلولِ عليه، ليكونَ ذلك أَكَدَ للزومِ ما دَعًا إليه، وأنباً عن وجوبٍ ما أُمَرَ به ونَھی عنه. ومعلومٌ أنَّ الإِتيان بمِثْلِ هذه الأمورِ، والجَمْعَ بين أشتاتِها حتى تنتظِمُ وتتسقَ أمْرٌ تَعِزُ عنه قُوَى البَشَرِ، ولا تَبلُغُه قُدْرَتُهم، فانِقَطَع الخَلْقُ دونه، وعَجَزوا عن مُعارَضِتِهِ ممثلِه، أو مُناقضَتِهِ في شَكْلِه. اهـ. (١) ص ٢٤. (٢) وقع في الأصل: (لفظ حاصل). وهو تحريف، والمثبَتُ هنا من كتاب الخطابي. (٣) في العبارة هذه وما يتلوها بعضُ المغايرة الخفيفة مَعَ كتابٍ الخطابي، ولعل ذلك من (٤). وقع في الأصل: (فأفصَحَ ... ). وهو تحريف عن (بأفصح). اختلاف النُّسَخِ؟ : مدا ٤٧ وقال إمامُ المتكلمين على طريقة السلف تقيُّ الدين أحمدُ بن تيمية في الرسالة الملقَّبة ((بالتِسْعِينَيَّة))، وهي رسالةٌ تَبلُغُ مجدداً كبيراً(١)، ألَّفها في الردِّ على المتكلمين على طريقةِ الخَلَف، في مسألةِ الكلام، في الوجه الثالث والستين: ويجبُ أن يُعلَمَ أصلانٍ عظیمان : أحدُهما أنَّ القرآنَ له بهذا اللفظِ والنظمِ العربيِّ اختصاصٌ، لا يُمكنُ أن يمائِلَهُ في ذلك شيء أصلاً، أعني خاصَّةً في اللَّفْظ، وخاصَّةً فيما دَلَّ عليه من المعنى، ولهذا لو فُسِّرَ القرآنُ أو تُرجِمَ، فالتفسيرُ والترجمةُ قد يأتي بأصلِ المعنى أو بما يَقْرُبُ منه(٢)، وأمَّا الإِتيانُ بلفظٍ يُبينُ المعنى كبيانِ لفظِ القرآنِ فهذا غيرُ ممكن أصلاً، ولهذا كانَ أئمةُ الدين على أنه لا يجوزُ أن يُقرَأَ بغيرِ العربية، لا معَ القدرةِ / عليها ولا مَعَ العجز عنها، لأنَّ ذلك يُخْرِجُه عن أن يكون هو القرآنَ الُنزَلَ، ولكن يجوزُ ترجمتُهُ كما يَجوزُ تفسيرُه، وإن لم تَجُزْ قراءتُهُ بألفاظِ التفسير، وهي إليه أقرَبُ من ألفاظِ الترجمة بألفاظٍ أخرى. /٧ الأصلُ الثاني أنه إذا تُرجِمَ أو قُرِىءَ بالترجمة، فله معنىِّ يَخْتَصُ به لا يماثلُه فيه كلامٌ أصلاً، ومعناه أشَدُّ مُبَايَنَةً لسائِرٍ مَعَاني الكلام، من مُبَايَنَةِ لفظِهِ ونظمِهِ لسائرِ اللفظِ والنَّظْم. والإِعجازُ في معناه أعظَمُ بكثيرٍ كثير من الإِعجاز في لفظِه، وقولُه تعالى: ﴿قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتْ الإِنسُ والجِنُّ على أَن يَأْتُوا بمثلِ هذا القرآنِ لا يأتون بمثلِهِ ولو كان بعضُهم لبعضٍ ظهيرا﴾ (٣) يَتناولُ ذلك كلَّه. انتهى. هذا، ولم يَزَلْ أَمْرُ الحديثِ في عصرِ الصحابة وأولِ عصر التابعين على ما ذكرنا. ولَّا أفضَتْ الخلافةُ إلى من قام بحقها عمر بن عبد العزيز أمَرَ بكتابة (١) وهي مطبوعة ضمن (الفتاوى الكبرى) المطبوعة بالقاهرة سنة ١٣٢٩ في خمسة مجلدات كبار، وهي في أول الجزء الخامس منها. ثم طبعت طبعة ثانية بالقاهرة بين سنة ١٣٨٤ - ١٣٨٦، وصُوِّرت عنها في بيروت سنة ١٤٠٣ وهذا الكلام الآتي في الطبعة الأولى ٢١٥:٥، وفي الطبعة الثانية ٢٥٧:٥ . (٢) الذي في ((التسعينية)) المطبوعة في ((الفتاوى الكبرى)): (قد يأتي بأصل المعنى أو يُقرِّبُه). (٣) من سورة الإسراء، الآية ٨٨. ٤٨ الحديث، وكانت مُبايعتُهُ بالخلافة في صَفَرٍ سنة تسع وتسعين، ووفاتُهُ لخمسٍ بقين من رجب سنة إحدى ومئة، وعاش أربعين سنة وأشْهُراً، وكان موتُهُ بالسُّمِّ، فإنَّ بني أمية ظَهَر لهم أنه إن امتدَّتْ أيامُه أَخَرَجَ الأمْرَ من أيديهم، ولم يَعهد به إلا لمن يَصلُح له، فعاجلوه! قال البخاري في (صحيحه)) في كتاب العلم (١): وكتَبَ عُمرُ بنُ عبد العزيز إلى أبي بكر بن حَزْم: انظُرْ ما كان من حديثٍ رسول الله صلى الله عليه وسلم فَاكتُبْهُ، فإني خِفتُ دُروسَ العلم وذهابَ العلماء. i وأبو بكرٍ هذا كان نائبَ عمر بنِ عبد العزيز في الإِمرةِ والقضاءِ على المدينة،. رَوَى عن السائب بن يزيد، وعَبَّادِ بن تَمِيم، وعَمْرو بن سَلِيم الزُّرَقِي، وَرَوَى عِن خالتِهِ عَمْرة، وعن خالدة ابنةٍ أَنَسٍ ولها صحبة. قال مالك: لم يكن أحدٌ بالمدينة عنده من علم القضاء ما كان عند أبي بكر بن خَزْم. وكَتَبَ إليه عمرُ بنُ عبد العزيز أن يكتبَ له من العلم ما عند عَمْرة والقاسمِ فكتبَهُ له. وأخَذَ عنه مَعْمَرٌ، والأوزاعي، والليثُ، ومالك، وابنُ أبي ذئب، وابنُ إسحق، وغيرُهم. وكانت وفاتُهُ فيما قاله الواقدي وابنُ سعد وجماعةٌ سِنَةً عشرين ومِئة . وأوَّلُ من دَوَّنَ : الحديثَ بأمْرِ عُمَرَ بن عبد العزيز محمدُ بن مُسْلِم بن عُبَيد الله بن عبدِ الله بن شهاب الزُّهرِيُّ المَدَني، أَحَدُ الأئمة الأعلام، وعالمُ أهلِ الحجاز والشام . أَخَذَ عن ابنِ عُمَرٍ، وسَهْلِ بن سَعْد، وأنسِ بن مالك، ومحمودِ بن الرَّبِيع، وسعيد بن المسيب، وأَبِي أَمَّامة بن سهل، وطبقتّهم من صِغار الصحابة وكبارٍ التابعين. (١) ١٩٤:١ (باب كيف يُقبَضُ العلم). i 1 ٤٩ وأخَذَ عنه مَعْمَرٌ، والأوزاعي، والليث، ومالك، وابنُ أبي ذئب، وغيرُهم. وُلِدَ سنة خمسين، وتُوفّ سنة أربع وعشرين ومِئة. قال عبدُ الرزاق: سمعتُ مَعْمَراً يقول: كنا نرى أنَّا قد أكثرنا عن الزهري، حتى قُتِلَ الوليدُ بنُ يزيد، فإذا الدفاترُ قد حُلَتْ على الدوابِّ من خزائِنِه، يقول: من عِلْم الزهري(١) . ثم شاع التدوين في الطبقة التي تلي طبقةَ الزهري. ولوقوع ذلك في كثيرٍ من البلادِ وشيوعِه بين الناسِ اعتبروه الأوَّلَ، فقالوا: كانت الأحاديثُ في عصر الصحابةِ وكبارِ التابعين غيرَ مدونة، فلما انتشرت العلماءُ في الأمصار وشاع الابتداعُ، دُوِّنَتْ ممزوجةٌ بأقوالِ الصحابة وفتاوى التابعين. وأوَّلُ من جَمع ذلك ابنُ جريج بمكة، وابنُ إسحق أو مالكٌ بالمدينة، والربيعُ بن صَبِيح أو سعيدُ بن أبي عَرُوبة أو حمادُ بن سَلَمة بالبصرة، وسفيانٌ الثوري بالكوفة، والأوزاعيُّ بالشام، وهُشَيم بواسِط، ومَعْمَرٌ باليمن، وجريرُ بن عبد الحميد بالرَّيّ، وابنُ المبارك بخُرَاسان. وكان هؤلاء في عصرٍ واحد، ولا / يُدْرَى أَيُّهم سَبَق. قال الحافظُ ابنُ حجر: إنَّ ما ذُكِرَ إنما هو بالنسبة إلى الجَمْع في الأبواب، وأما جمْعُ حديثٍ إلى مثلِهِ في بابٍ واحد، فقد سَبَق إليه الشعبيُّ، فإنه رُوِيَ عنه أنه قال: هذا بابٌ من الطلاق جسيمٌ، وساقَ فيه أحاديث. اهـ. /٨ وتلا المذكورين كثيرٌ من أهل عصرِهم، إلى أن رأى بعضُ الأئمة إفرادَ أحاديثٍ النبي صلى الله عليه وسلم خاصَّةٌ، وذلك على رأسِ المئتين، فصنَّفَ عُبَيدُ الله بنُ موسى العَبْسي الكوفي مُسْنَداً، وصنَّف مُسدَّدٌ البصريُّ مسنداً، وصنَّف أسَدُ بن موسى مسنَداً، وصنَّف نُعَيم بن حَمَّد الخُزَاعي مسنداً. (١) في ((تاريخ الإِسلام)) للذهبي ١٤١:٥، في ترجمة الزهري بلفظ (يعني: من عِلْم الزهري). ٥٠ ثم اقتَفَى الحفاظُ آثارَهم، فصنَّفَ الإِمامُ أحمد مسنداً، وكذلك إسحاق بن راهُوْيَه، وعثمان بن أبي شيبة، وغيرهم . ولم يَزَلْ التأليفُ في الحديث متابعاً إلى أن ظهر الإِمامُ البخاري، وبَرَع في علم الحديث، وصار له فيه المنزلةُ التي ليس فوقَها منزلة، فأراد أن يُجرِّدَ الصحيحَ ويجعلَهُ في كتابٍ على حدة، ليُخلِّصَ طالبَ الحديثِ من عناءِ البحث والسؤال، فَأَلَّف كتابه المشهور، وأورَدّ فیه ما تبين له صحتُه. وكانت الكتبُ قبلَه ممزوجاً فيها الصحيحُ بغيره، بحيث لا يَتبِينٌ للنَاظِرِ فيها درجَةُ الحديث من الصحةِ إلا بعدَ البحثِ عن أحوالِ رُواتِه وغير ذلك، مما هو معروفٌ عندَ أهل الحديث، فإن لم يكن له وقوفٌ على ذلك اضطُرَّ إلَىَ أَن يَسأل أئمةَ الحديث عنه، فإن لم يتيسر له ذلك بقي ذلك الحديثُ مجهولَ الحالِ عنده. واقتّفَى أثرَ الإِمام البخاري في ذلك الإِمامُ مسلمُ بنُ الحَجَّاجِ، وكان من الآخِذين عنه والمستفيدين منه، فألَّف كتابه المشهور. ولُقِّبَ هذان الكتابان بالصحيحين، فعَظُمَ انتفاعُ الناس بهما، ورجعوا عند الاضطرابِ إليهما، وأُلِّفَتْ بعدَهما كتبٌ لا تُحصى، فمن أراد البحثَ عنها فليَرْجِع إلى مظانٌّ ذِکرِها. هذا وقد توهَّمَ أناسٌ مما ذُكِرَ آنفاً أنه لم يُقيّد في عصر الصحابة وأوائلِ عصر التابعين، بالكتابةِ شيءٌ غيرُ الكتابِ العزيز، وليس الأمرُ كذلك، فقد ذَكَرَ بعضُ الحُفَّاظ أنَّ زيد بن ثابت ألَّفَ كتاباً في علم الفرائض. وذَكَر البخاري في ((صحيحه)(١) أنَّ عبدَ الله بن عَمْرٍو كان يكتُبُ الحديث، فإِنه رَوَى(٢) عن أبي هريرة أنه قال: ما مِن أحدٍ من أصحاب النبي صلى الله عليه (١) ١: ٢٠٦، في (باب كتابة العلم). (٢) أي البخاري . ٥١ وسلم أكثرَ حديثاً عنه مني، إلَّ ما كان من عبدِ الله بن عَمْرو، فإنه كان يكتُبُ ولا أكتب . وذَكَّر مسلمٌ في ((صحيحه))(١) كتاباً أُلَّفَ في عهدِ ابن عباس، في قَضَاءِ عليّ، فقال: حدَّثنا داودُ بن عَمْرو الضَّبِّي، حدثنا نافعُ بن عمر، عن ابن أبي مُلَيْكَة، قال: كتبتُ إلى ابنِ عباس أسأله أن يكتُبَ لي كتاباً ويُخْفِيَ عني، فقال: وَلَدٌ ناصِحٌ، أنا أختارُ له الأمورَ اختياراً، وأُخفِي عنه، قال: فدعا بقَضَاءِ عليّ، فجعَلَ يكتُبُ منه أشياءَ، ويُرُّ به الشيءُ فيقول: والله ما قَضَى بهذا عليّ إلّ أن يكون ضَلَّ. وحدثنا عَمْرو الناقدُ، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حُجَّيْر(٢)، عن طاوس، قال: أُتي ابنُ عباس بكتابٍ فيه قضاءُ عليّ، فمحاه إلا قَدْرَ وأشار سفيانُ بنُ عيينة بذراعِهِ . حدثنا حسَنُ بن علي الحُلْواني، حدثنا يحيى بن آدَم، حدثنا ابنُ إِدريس، عن الأعمش، عن أبي إسحق، قال: لَّا أحدثوا تلك الأشياءَ بعدَ عليّ عليه السلام، قال رجلٌ من أصحاب علي: قاتَلَهم الله، أيَّ عِلمٍ أفسدوا؟! / وحدثنا علي بن خَشْرم، أخبرنا أبو بكر يعني ابنَ عياش، قال سمعتُ المُغِيرة /٩ يقول: لم يكن يَصْدُقُ على عليٍّ عليه السلامُ في الحديثِ عنه، إلا مِنْ أصحابٍ عبدِ الله بن مسعود. اهـ(٣). (١) ٨٢:١، في مقدمة صحيحه. (٢) وقع في الأصل: (هشام بن حجر). وهو تحريف، صوابه: حُجَير، بالتصغير. (٣) قال النووي في ((شرح صحيح مسلم)) ٨٣:١ «قوله: يَصْدُقُ، ضُبِطَ على وجهين، أحدُهما: بفتح الياء وإسكان الصاد وضم الدال، والثاني: بضم الياء وفتح الصاد والدال المشدَّدة. ويجوز في (مِنْ) وجهان، أحدهما أنها لبيان الجنس، والثاني أنها زائدة)». ٣ ٥٢ قولُهُ: ويُخْفِي عنى، وأُخْفِي عنه، هما بالخاء المعجمة. وقد ظَنَّ بعضُهم أنهما بالحاء، من الإِحفاء بمعنى الإلحاح، أو الاستقصاءِ، وجَعَل عن بمعنى على. ولا يَخْفَى ما في ذلك من التعسُّف، يريد أنه يَكتُمُ عنه أشياءَ مما يَخْشَى إذا ظَهَرَتْ أن يَحْصُلَ منها قِيْلَ وقال، من النَّوَاصِبِ والخَوَارِجِ! وناهيك بشَوْكَتِهِما في ذلك العصر، وبفَرْطِ ميلِهما لُشاقَّةِ الإِمام المرتَضَى، فاختار عدَمَ كتابةِ ذلك دفعاً للمحذور، مع أنَّ هذا النوع ربما كان مما لا يَلْزَمُ السائلَ معرفتُه، وإن كان مما يُضْطَرُّ إليه فإنه يمكنه أن يَحصُلَ عليه بطريق المشافهة . وأراد بقوله: واللهِ ما قَضَى عليٌّ بهذا إلا أن يكون ضَلَّ، أَنَّه لم يَقْضِ به لأنه لم يَضِلِ. والظاهرُ أنَّ الكتابَ الذي محاه إلا قَدْرَ ذراعِ منه كان على هيئةٍ دَرْجٍ مستطيل . وابنُ أبي مُلَيكة المذكورُ هو عبدُ الله بن عُبيد الله بن أبي مُلَيْكة القرشيُّ التيميُّ المكي، قاضي مكة في زمن ابن الزبير، وكان إماماً فقيهاً فصيحاً مُفَوَّهاً، اتفقوا على توثيقه. رَوَى عنه ابنُ جريج، ونافع بن عُمَر الجُمَحِي، والليثُ بن سعد، وغيرُهم. رَوَى عنه أيوبُ، قال: بَعَثني ابنُ الزبير على قضاءِ الطائف، فكنتُ أسألُ ابنَ عباس. وكانت وفاتُه سنةَ سَبْعَ عشرة ومِئة، ووفاةُ ابن عباس سنة ثمانٍ وسِتين. والمغيرةُ المذكورُ هو الفقيهُ الحافظُ أبو هشام بن مِقْسَمِ الضَّبِيُّ الكوميُّ، وُلِدَ أعمى، وكان عجيباً في الذكاء، قال الذهبي في ((طبقات الحفاظ))(١): ضَعَّف أحمدُ روايته عن إبراهيم فقط، وكان عُثمانياً، ويَحمِلُ على عليّ بعضَ الْحَمْل. وقال في ((الميزان))(٢): إمامٌ ثقة، لكن لينَّ أحمدُ بن حنبل روايتَهُ عن إبراهيم النخعيِّ فقط، مع أنها في ((الصحيحين))، ورَوَى عن أبي وائل، والشعبي، ومجاهد. (١) ١٤٣:١. (٢) ٤ : ١٦٥. ٥٣ وقال محمد بن إسحق النديم في كتاب ((الفهرست))(١) في أثناءِ وصف خِزانةٍ للكتبِ رآها في مدينة الحَدِيثة (٢): لم يُرَ لأحَدٍ مثلُها كثرةً، ورأيتُ فيها بخطوطٍ الإِمامينِ الحَسَنِ والْحُسَينِ، ورأيتُ عندَهُ(٣) أماناتٍ وعُهوداً بخط أمير المؤمنين علي عليه السلام وبخطّ غيرِهِ من كُتَّاب النبي صلى الله عليه وسلم. ومن خطوطِ العلماء في النحوِ واللغة مثلٍ أبي عَمْرِو بن العلاء، وأبي عَمْرٍو الشيباني، والأصمعي، وابنِ الأعرابي، وسيبويه، والفرَّاءِ، والكسائي. ومن خطوطِ أصحابِ الحديث مثلٍ سفيان بن عيينة، وسفيان الثوري، والأوزاعيِّ، وغيرهم. ورأيتُ مما يَدُّ على أنَّ النحوَ عن أبي الأسود ما هذه حكايته: وهي أربع أوراقٍ أحسَبُها من وَرَقِ الصِّين، تَرْجَتُها: هذِهِ فيها كلامٌ في الفاعلِ والمفعولِ من أبي الأسود رحمة الله عليه بخط يحيى بن يَعْمَر، وتحتَ هذا الخطّ بخطٍّ عتيق: هذا خَطُّ عَلَّنِ النَّحْوِي، وتحتَهُ: هذا خَطُّ النَّضْرِ بن شُمَيل. اهـ(٤). تنبيه: قد نقلنا آنفاً ما ذكره العلماءُ الأعلام في طريق الجَمْع بين الحديثِ الذي وَرَدِ في مَنْع كتابة ما سوى القرآن والأحاديثِ التي وردَتْ في إجازةِ ذلك. وقد سَلَك ابنُ قتيبة فيه طريقاً آخر، فقال في ((تأويل مختلِفِ الحديث))(٥)، وهو كتاب ألَّفه في (١) ص ٤٦ من طبعة طهران سنة ١٣٩١ بتحقيق رضا تجدُّد. (٢) الحَدِيثَةُ اسمُ لعدة مواضع، منها: حديثةُ الموصل، وحديثةُ الفُرَات، وحديثةُ جَرَش من قُرَى غُوطة دمشق. والظاهر أن المراد بها هنا حديثةُ الموصل. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت الحموي ٢ : ٢٣٠ - ٢٣٢. (٣) أي عند صاحب الخزانة السابق ذكره في الكلام هناك، وهو (محمد بن الحسين، ويعرف بابن أبي بَعْرَة، وكان جَمَّاعةً. للكتب ... ). ولم أقف على ترجمة له. (٤) جاء في الأصل: (وتحتَ هذا خطُّ النضر ... ). وفي ((الفهرست)): (وتحتّهُ ... )، فأثبتُه. (٥) ص ١٩٣. ٥٤ /١٠ الرد على المتكلِّمين الذين أُولِعُوا بثَلْبِ أهل الحديث، ورَمْيِهِم بحَمْلِ / الكَذِبِ وروايةِ المتناقِضِ ، حتى وَقَع الاختلافُ، وكَثُرَتْ النَّحَلِ، وتَقَطَّعَتْ العِصَم، وتعادَى المسلمون، وأكفَرَ بعضُهم بعضاً، وتعلَّق كلُّ فريق منهم لمذهبِهِ بجنسٍ من الحديث. قالوا: أحاديثُ متناقضة، قالوا: رَوَيتُم عن هَمَّام، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((لا تكتُبُوا عني شيئاً سِوى القرآن، فمن كتَبَ عني شيئاً فَلْيَمْحُه)). ثم رَويتُم عن ابن جُرَيج، عن عطاءٍ، عن عبدِ الله بن عَمْرُو قال: ((قلتُ: يا رسول الله، أُقَيِّدُ العلم؟ قال: نعم، قِيلَ: وما تقييدُهُ؟ قال: كتابتُه)). ورويتم عن حماد بن سَلَمة، عن محمد بن إسحق، عن عَمْرو بن شعيب، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: ((قلتُ: يا رسول الله، أكتُبُ كلَّ ما أسمَعُ منك؟ قال: نعم، قلتُ: في الرِّضَا والغَضَب؟ قال: نعم، فإني لا أقولُ في ذلك كلّه إلا الحق)). قالوا: وهذا تناقُضُ واختلاف. قال أبو محمد: ونحنُ نقول: إنَّ في هذا معنيين: أحدُهما: أن يكون من منسوخ السُّنَّة بالسنَّة، كأنه نَهَى في أول الأمر أن يُكتَبَ قولُه، ثم رأى بعدُ لَّا علم أنَّ السُّنَّنَ تكثُرُ وتفوتُ الحِفظَ أن تُكتَبَ وتُقِيَّد. والمعنى الآخر: أن يكونَ خَصَّ بهذا عبدَ الله بن عَمْرو، لأنه كان قارِئاً للكُنُبِ المتقدِّمة، ويكتُبُ بالسِّرْيانية والعَرَبِيّة، وكان غيرُهُ من الصحابةِ أُمِِّن لا يَكْتُبُ منهم إلا الواحدُ والاثنان، وإذا كَتَب لم يُتَقِن، ولم يُصِب التهجِّي، فلمَّا خَشِيَ عليهم الغلَطَ فيما يَكتُبُون نهاهم، ولَمَّا أمِنَ على عبد الله بن عَمْرِو ذلك أَذِنَ له. قال أبو محمد: حدثنا إسحق بن راهويه، قال: حدثنا وهب بن جرير، عن أبيه، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن عَمْرو بن تَغْلِب، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من أشراطِ الساعة أن يَفِيضَ المالُ، ويَظهَرَ القَلَمُ، وَيَفْشُوَ الثُّجَّارُ. ٥٥ قال عَمْرٌو: إِنْ كُنَّا لَنلتمِسُ في الجِواءِ العظيمِ الكاتبَ فما يُوجَدُ (١)، ويَبِيعَ الرجلُ البيعَ فيقولَ: حتى أستأمِرَ تاجِرَ بني فلان))(٢). (١) قال ابن الأثير في ((النهاية في غريب الحديث والأثر)) ٤٦٥:١ ((الحِوَاءُ بيوت مجتمعة من الناس على ماءٍ، والجمعُ أَحْوِيَة، ومنه الحديث: ويُطلَبُ في الجِواءِ العظيمِ الكاتبُ فما يُوجَد)). ولفظة (فما يوجد) ساقطة هنا في الأصل تبعاً لسقوطها في ((تأويل مختلف الحديث))، وأثبتُها هنا تبعاً لورودها في ((النهاية)). (٢) هذا الحديثُ صحيح، وهو بهذا الإِسناد رواه النسائي في «سننه»، في أول كتاب البيوع: (باب التجارة) ٢٤٤:٧، لكن لفظه يختلِفُ عما هنا، وهو: ((إنَّ من أشراط الساعة أن يفشُوَ المالُ ويَكْثُرَ، وَتَفشُوَ التجارة، ويَظهرَ العِلْمُ، ويَبيعَ الرجلُ فيقول: لا، حتى أستأمِرَ تاجرَ بني فلان، ويُلتَمَس في الحي العظیم الکاتبُ فلا یوجد». انتهى . ومثلُه في ((كنز العُمَّال)) للمتقي الهندي ١٤: ٢٣١، وعزاه إلى مسند الإمام أحمد وسنن النسائي. ولم أجده في ((المسند)) في (مسند عَمْرو بن تغلِب). والذي في ((المسند)) ٤٠٧:١، في (مسند عبد الله بن مسعود رضي الله عنه): (( ... ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم: ((إنَّ بين يدي الساعة تسليمَ الخاصَّة - أي أن يُسلِّم الرجل على من يُخُصُّهُ ويَعرِفُهُ فقط - ، وفُشُوَّ التجارة، حتى تعين المرأة زوجها على التجارة، وقَطْعَ الأرحام، وشهادة الزور، وكتمانَ شهادة الحق، وظهورَ القَلَم)». قال شيخنا أحمد شاكر رحمه الله تعالى في شرحه على ((المسند)) ٣٣٣:٥ ((إسنادُهُ صحيح، وهو في «مجمع الزوائد» ٣٢٨:٧ - ٣٢٩، ونَسَبَهُ كلُّه لأحمد، والبزارِ ببعضِه، وقال: ((ورجال أحمد والبزار رجالُ الصحيح)). انتهى. ورواه الحاكم بنحوه في ((المستدرك)) ٤: ٤٤٥. و ((ظهورُ القَلَم)) يريدُ الكتابةَ، وهي واضحة في الأصلين بالقاف، وفي «مجمع الزوائد»: ((العلم)» بالعين)). انتهى كلامُ شيخنا أحمد شاكر. قلتُ: ورواه الحاكم في ((المستدرك)) ٧:٢، من طريق القَطِيعي في أوائل كتاب البيوع، من طريق الإِمام أحمد بن حنبل، وعَمْرو بن تَغْلِب، ولفظه: ((إنَّ من أشراط الساعة أن يَفِيض المالُ، ويكثُرَ الجهل، وتَظهَرَ الفِتَنُ، وتفشُوَ التجارَةُ)). وقال: حديث صحيحٌ على شرطهما، وأقره الذهبي. وقوله في رواية النسائي: (وتفشُّوَ التجارةُ)، هكذا بالتاء المربوطة بعد الراء في ((السنن)) = ٥٦ انتهى كلامُهُ(١)، وبمثلِهِ يُعلَمُ في مِثلِ هذا المقام مَقامُه . = و («كنز العمال)»، ووقع هنا في الأصل وفي ((تأويل مختلف الحديث)): (ويفشو التجار). وهو تصحيف عن (التجارة) بسقوط التاء من آخره. و (يفشو) تصحيف عن (تفشو) بالتاء المثناة وقوله في رواية النسائي : (ويظهر العلم) كذا في أكثر النسخ، وفي بعضها: (ويظْهَرَ الجهلُ). وفي رواية الحاكم: (ويكثر الجهلُ). وجاء هنا وفي ((تأويل مختلف الحديث)) وفي كنز العمال: (ويظهَرَ القَلَمُ)، بالقاف قبل اللام. وقوله في رواية النسائي: (حتى أستأمِرَ تاجرَ بني فلان) أي حتى أشاوره، وفيه بيانُ كثرةٍ اهتمام الناس بالمال، وشدةُ حرصِهم على زيادة الربح فيه، طمعاً في الدنيا. وقوله في رواية النسائي: (ويُلتَمَسَ في الحي العظيم الكاتبُ فلا يوجد)، يعني به: الكاتبَ العدلَ الأمين الذي لا يَطْمَعُ في المال بغير حق، لشيوع الفساد في أخلاق العباد. (١) أي كلامُ الإِمام أبي محمد ابن قتيبة. i ٥٧ الفصل الثالث في تثُّتِ السلف في أمرٍ الحديث، خشیةً أن یدْخُلَ فیه ما ليس منه قد كان الصحابة رضي الله عنهم عنايةٌ شديدة في معرفةِ الحديثِ وفي نقلِهِ لمن لم يبلغه، فقد ذكر البخاري في ((صحيحه)) في كتاب العلم(١)، أن جابر بن عبد الله رَحَل مسيرةَ شَهْر إلى عبد الله بن أُنْس في حديثٍ واحد. ورَوَى(٢) عن عُمَرَ بن الخطاب أنه قال: كنتُ أنا وجارٌ لي من الأنصار في بني أمية بنِ زَيْد(٣)، وهي من عَوَالِي المدينة، وكنا نتناوبُ النزولَ على رسولِ الله صلى الله عليه وسلم، يَنْزِلُ يوماً، وأنزِلُ يوماً، فإذا نَزَلتُ جئتُه بخبرِ ذلك اليوم من الوَحْي وغيره، وإذا نَزَل فَعَل مثلَ ذلك. ولشدةٍ عنايتِهم به أقلُّوا من الرواية، وأنكروا على من أكثرَ منها، إذ الإِكثارُ مَظِنَّةٌ للخطأ، والخطأُ في الحديث عظيمُ الخطر، رَوَى البخاريّ (٤) عن عبد الله / بن الزبير أنه قال: قلتُ للزبير: إني لا أسمَعُك ◌ُحدِّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كما يُحدِّثُ فلانٌ وفلان، فقال: أمَا إِني لم أُفارقه، ولكن سَمِعتُه يقول: ((من كَذَبَ عليَّ فليتبوّأْ مقعدَهُ من النار)). ورَوَى(٥) عن أنسٍ أنه قال ((إنه لَيمنَعُنِي أَنْ أحدِّثَكم حديثاً كثيراً أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: ((من تعمَّدَ عليَّ كذِباً فليتبوّأُ مقعده من النار)). /١١ (١) ١٧٣:١ في (باب الخروج في طلب العلم). (٢) في كتاب العلم في (باب التناوب في العلم) ١: ١٨٥. (٣) وقع في الأصل: (كنت وجاراً لي). والمثبت من صحيح البخاري المنقول منه . (٤) في كتاب العلم في (باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم) ١: ٢٠٠. (٥) في الباب السابق ٢٠١:١ . ! ٥٨ ورَوَى(١) عن أبي هريرة أنه قال: إِنَّ الناس يقولون: أكثرّ أبو هريرة، ولولا آيتانِ في كتاب الله ما حَدَّثتُ حديثاً، ثم يتلو (إنَّ الذين يَكْتُمُون ما أَنزَلْنا من البَيِّنَاتِ والهْدَى - إلى قوله - الرَّحِيم)(٢)، إنَّ إخواننا من المهاجرين كان يَشغَلُهم الصَّفْقُ في الأسواق، وإنَّ إخواننا من الأنصار كان يَشْغَلُهم العَمَلُ في أموالهم، وإنَّ أبا هريرة كان يَلْزَمُ رسولَ اللّه صلى الله عليه وسلم لِشِبَعِ بَطْنِهِ(٣)، ويَحْضُرُ ما لا يَحِضُرُونِ، ويَحَفَظُ ما لا يتحفظون. اهـ. وإنما اشتدَّ إنكارُهم على أبي هريرة، لأنه صَحِبَ النبيَّ صلى الله عليه وسلم نحواً من ثلاث سنين، فإنه أسلَمَ عامَ خيبر، وأتَ من الروايةِ عنه ما لم يأتِ بمثلِهِ مَن صَحِبَه من السابقين الأولين، ذكَّرَ بَقِيُّ بن ◌َخْلَد أنه رَوَى خمسةَ آلافِ حديثٍ وثلاثَ مئةٍ وأربعةُ وسَبْعين حديثاً. وله في ((البخاريّ)) أربع مئة وستةٌ وأربعون حديثاً، وعُمِّر بعدَهُ عليه السلام نحواً من خمسين سَنَة، وكانت وفاتُّهُ سنةً تسع وخمسين. قال ابن قتيبة(٤) في جوابه عن طَعْنَ النَّظّم في أبي هريرة بإنكارٍ بعضٍ الصحابة عليه: كان عُمَرُ شديدَ الإِنكار على من أكثرَ الروايةَ أو أتى بخبرٍ في الحُكم لا شاهِدَ له عليه، وكأن يأمُرُهم بأن يُقِلُّوا الرواية، يُريدُ بذلك أن لا يَتَّسِعَ الناسُ فيها، فَيَدْخُلُها الشَّوْب، ويقَعُ التدليسُ والكذِبُ من المنافِق والفاجِر والأعرابيّ. وكان كثيرٌ من جِلَّةِ الصحابة وأهلِ الخاصَّةِ برسول الله صلى الله عليه وسلم، كأبي بكر والزبير وأبي عُبَيدة والعباس بن عبد المُطَّلِب يُقِلُّون الرواية عنه، بل كان بعضُهم لا يكادُ يَروِي شيئاً، كسعيدِ بن زيد بن عَمْرو بن نُفَيَل وهو أحَدُ العَشْرَة المشهودِ لهم بالجنة . (١) أي البخاري في صحيحه في كتاب العلم في (باب حفظ العلم) ٢١٣:١. (٢) من سورة البقرة، الآية ١٥٩ - ١٦٠. (٣) وقع في الأصل هنا: (يشبع بطنه). بصيغة المضارع. والرواية للأكثر في صحيح البخاري وغيره (لِشِبَعِ بطنِهِ) بلام التعليل، وفي بعض الروايات (بشِبَع) بالباء الموحدة، فأثبتٌ (٤) في كتابه ((تأويل مختلف الحديث)) ص ٣٠. رواية الأكثر. ۔۔۔ ٥٩ وقال عليّ: كنتُ إذا سَمِعتُ من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم حديثاً نَفَعني اللّه بما شاء منه، وإذا حدَّثْني عنه مُحدِّثٌ استَحلَقْتُه، فإن حَلَف لي صدَّقْتُه، وإنّ أبا بكر حدَّثْنِي وصَدَق أبو بكر، وذَكَر الحديث. أفما تَرَى تشديدَ القوم في الحديث، وتَوَقِّيَ من أَمَسَكَ، كراهِيَةَ التحريفِ أو الزيادةِ في الروايةِ أو النقصان، لأنهم سَمِعوه عليه السلام يقول: ((من كَذَبَ عليَّ فليتبوَّأ مقعَدَهُ من النار)). وهكذا رُوِيَ عن الزبير أنه رَوَاهُ وقالَ: أَراهم يزيدون فيه (مُتَعَمِّداً)، واللهِ ما سَمِعتُه قال: (مُتَعِّداً). ورَوَى مُطَرِّفُ بن عبد الله أنَّ عِمران بن حُصين قال: واللَّهِ إن كنتُ لأَرى أني لو شئتُ لحَدَّثتُ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يومينٍ متتابعين، ولكنْ بطّأني عن ذلك أنَّ رجالاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم سَمِعوا كما سَمِعتُ، وشَهِدُوا كما شَهِدتُ، ويُحدِّثُون أحاديثَ ما هِيَ كما يقولون، وأخافُ أن يُشبَّهَ لي كما شُبِّهَ لهم (١). فأعلَمَك أنهم كانوا يَغْلَطُون لا أنهم كانوا يَتَعمَّدون. فلمَّا أخبَرَهم أبو هريرة بأنه كان ألزمَهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم، لخدمتِهِ وشِبَع بطنِهِ، وكان فقيراً مُعْدِماً، وأنه لم يكن لِيشغَلَه عنه غَرْسُ الوَدِيّ(٢)، ولا الصَّفْقُ بالأسواق، يُعرِّضُ بأنهم كانوا يَتصرَّفون في التجارات، ويَلْزَمُون الضِّياعَ في أكثر الأوقات، وهو مُلازمٌ لهُ لا يفارقه، فعَرَف ما لم يَعرفوا، / وحَفِظَ ما لم /١٢ یحفظوا : أَمْسکوا عنه. وكان مع هذا يقول: قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كذا، وإنما سَمِعَهُ من (١) يقال: شُبَّهَ له، وشُبَّهَ عليه، أي لَبِّسَ. أي أخافُ أن يُلَبَّس عليَّ الخطأُ بالصواب، فأغلَطَ كما غَلِطُوا. ونحوُ قولِ عمران بن حُصَين هذا قولُ زيد بن أرقم الآتي في ص ٦٧، ( ... قلنا لزيد بن أرقم: حدِّثنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: كبرنا ونسينا، والحديث عن رسول الله شديد). وانظر نحو هذا النص في ((الجامع)) للخطيب البغدادي ٢ : ٤٤ . (٢) الوَدِيّ صِغارُ النَّخْل، الواحدة: وَدِيَّة. ٦٠ الثقةِ عنده فحكاه. وكذلك كان ابنُ عباس يفعلُ وغيرُهُ من الصحابة، وليس في هذا كَذِبٌ بحَمْدِ الله، ولا على قائله إن لم يَفْهمه السامع جُنَاحٌ إن شاء الله. اهـ. وقال الحافظ الذهبي في ((طبقات الحفاظ))(١) في ترجمة أبي بكر الصديق(٢): كان أوَّلَ من احتاط في قبول الأخبار، فرَوَى ابْنُ شهاب عن قَبِيصَةِ بن ذُوَّيب أنَّ الجَدَّةَ جاءت إلى أبي بكر تلتمِسُ أن تُورَّثَ، فقال: ما أجِدُ لكِ في كتاب الله شيئاً، وما علِمتُ أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكَرَ لكِ شيئاً. ثم سأل النَّاسَ فِقّام المُغِيرةُ فقال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يُعطِيها السُّدُسَ، فقال له: هل مَعَكَ أحدٌ؟ فَشَهِدَ محمد بن مُسْلَمة بمثلِ ذلك، فأنفَذَه لها أبو بكر رضي الله عنه. ومن مَراسيل ابنِ أبي مُلَيكة أنَّ الصِّدِّيقِ جَمَع الناسَ بعدَ وفاة نبيهم، فقال: إنكم تُحدِّثُون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أحاديثُ تختلفون فيها، والناسُ بعدَكم أَشَدُّ اختلافاً، فلا تُحدِّثوا عن رسول الله شيئاً، فمن سألكم فقولوا بيننا وبينكم كتاب الله، فاستَحِلُوا حلالَه، وحَرِّموا حرامه. فهذا المرسَلُ يَدُلُّك على أنَّ مرادَ الصِّدِّيقِ التثبُتُ في الأخبارِ والتحري، لا شَدُّ باب الرواية، ألا تراه لما نَزَل به أمْرُ الجَدَّةِ ولم يَجِده في الكتاب، كيف سأل عنه في السُّنَن، فلما أخبَرَه الثقةُ لم يكتفِ حتى استَظهَرَ بثقةٍ آخرَ، ولم يقل: حَسْبُنا كتابُ الله كما تقوله الخوارج. ثم قال(٣): فَحَقٌّ على المحدِّثِ أن يَتورَّع فيما يُؤدِّيه، وأن يَسأل أهلَ المعرفة والوَرَعِ لْيُعِينوهُ على إيضاحِ مَرْوِيَّاتِهِ، ولا سبيلَ إلى أن يَصِيرَ العارفُ الذي يُزَّي نقَلَةَ الأخبار ويَجَرَحُهم جِهْنِذاً، إلَّ بإدمانِ الطلبِ والفحص عن الشأن، وكثرةِ المذاكرةِ والسهرِ والتيقظِ والفهم، مع التقوى والدينِ المتينِ، والإِنصافِ والتردُّدِ إلى العلماء، والتحرِّي والإِتقان، وإلا تَفْعَلْ: (١) هي المسماة: (تذكرة الحفاظ)). (٢) ١ : ٢ - ٤. (٣) أي الحافظ الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) ١: ٤. i