النص المفهرس

صفحات 81-100

٢٠
الناس من نفسه، والحكامُ يَخْشون سِراية أفكاره في العامة، وقد أخرجوه من
منصبه في تفتيش المدارس، وعَرَضوا عليه وظيفةً لا يكون له فيها اتصال بالناس،
فَأَبَى، وظلَّ إلى آخر أيامه يعيش من بيع كتبه))(١).
((ولما كادتْ تنفد كتبه سأل أحمدُ تيمور باشا الشيخ علي يوسف(٢) أن يكلِّم
الخديوي منحه مرتّباً دائماً، أُسْوةً بمن كان يمنحهم المرتَبات من العلماء والأدباء،
ونجحت الوساطة، ومُنح الراتب، فلما خُبِّر به غضب أشدَّ الغضب، وقال للشيخ
علي يوسف: كأني بك قلتَ للخديوي: إن الشيخ طاهراً أثنى عليك! نعم إني
أثنيتُ عليه لتأييده مشروع زكي باشا في خدمة الكتب العربية(٣)، ولكن ما الذي
يضمن لك أن لا يأتي الخديوي بضدِّ هذا العمل الطيِّب يوماً فأذقَه؟! فلماذا تُسَوِّد
وجهك بسببي؟ ومَن أَذِن لك أن تُدخل نفسَك في خصوصيات أمري؟ اذهبْ
فَأَبْطِلْ ما سعيتَ بإتمامه! ورَجَع يعيش عيش الكفاف والتقتير بأثمان ما بقي من
کتبه!
فكان الشيخ علي يوسف يقول بعد ذلك: كنت أظن أن هذه الطبقة قد
انقرضتْ، فلما رأيت الشيخ طاهراً علمت أنه لا يزال على وجه الأرض بقية
منها))(٤).
وقال الأستاذ كردعلي: كان ((يصلِّي الصلوات لأوقاتها، ويقيم شعائر
الإِسلام أَنَّى كان، فقد زار مرة أحد معارض باريز، فكان إذا أدركته الصلاة صلَّى
(١) ((المعاصرون)) ص ٢٧٠ - ٢٧١ .
(٢) صاحب جريدة المؤيّد، إحدى كُبْريات جرائد مصر. مترجم في ((الأعلام)) ٤: ٢٦٢.
(٣) يقصد الخبر المذكور في ((كنوز الأجداد)» ص ٢٢، وسيأتي نقل كلامه ص ٢٩.
(٤) ((رجال من التاريخ)) ص ٣٨٠. وانظر ((تنوير البصائر)) أيضاً ص ١٠٠، و((كنوز
الأجداد» ص ٧١.

٢١
في الحديقة العامة، لا يبالي بانتقاد الناس هناك، ولا استغرابهم حركاته
وسكناته))(١).
((وكان لا يقول بالموسيقى والتمثيل)» (٢).
سِماته العلمية: أقبل الشيخ على العلم إقبالاً كبيراً، وتفرَّغ له من كل
الشواغل عنه، حتى خرج عن مألوف الناس في حياتهم وعاداتهم، فكان ذلك عوناً
له على النبوغ فیه، وولوج مداخل كثيرة فیه.
فمن مظاهر ذلك: أنه «لم يتزوَّج حتى لا يَشْغَل ذهنه بزوج وأولاد، وليكون
أبداً مطلق العنان، يسيح في الأرض متى أراد، أو يَقْبَع في كِسْر داره وَسْط كتبه
ودفاتره)»(٣).
و «كان فراشه مُحَاطاً بسورٍ من الكتب والأوراق والمحابر والأقلام ...
وكان على قَدْر زهده باللذائذ المادية، راغباً باللذائذ الأدبية، وهي لذة العلم، ولذة
الحرية والإطلاق، فكما أنه لا يقدر أن يصبر عن العلم والدراسة، لا يقدر أن يتقيد
بقيد سوى ما فيَّده به الشرع والعرف، فكان أبعد الناس عن كل ما من شأنه تشويشُ
الذهن، وتقييدُ الفكر، ووخز الضمير، لهذا لم يتزوج، مع علمه أن لا رهبانية في
الإِسلام، لعلمه أن للزوجة حقوقاً شرعية يجب أداؤها. واستغراقُ أوقاته في
العلم، والسياحةِ لأجله، والدعاية إليه: يحول دون أداء حقوقها وحسن عشرتها.
((وكيف يتفرَّغ للزوجة والبنين والكسب الطيِّب لإِعاشتهم مَن كان يقضي ليله
(١) ((كنوز الأجداد)) ص ١٦.
(٢) ((المعاصرون)) ص ٢٧٠. وفي عبارة الأستاذ أنور الجندي ص ١٦٨ خلل كبير،
وانقلاب للموضوع، إذ يقول عن الشيخ: ((كان عصريَّ الفكر، يلمُّ بالموسيقى والتمثيل
والفنون)) !!.
(٣) (كنوز الأجداد)» ص ١٨، و ((المعاصرون)» ص ٢٧٢ .

٢٢
سهراً، ويواصلُه بالنهار، في الدرس والبحث والتنقيب والتأليف والدعاية؟!))(١)
وكان رحمه الله حريصاً على وقته. فمن مظاهر ذلك: أنه كان يحب شرب
القهوة. ((ويجهّز منها ما يكفيه أسبوعاً حتى لا يضيع وقته بطبخها كلما أراد تناولَ
فنجان منها، وهكذا يشربها باردة بائتة أياماً لئلا يشتغل بها كلَّ ساعة عن
مطالعته))(٢). فكان شربُه لها للاستعانة على السهر والنشاط، لا للتفُّه بها.
وكان يحمل بعض ما لَطُف من الكتب وخَفَّ حمله في كُمِّه أو جيبه، ليقرأ
فيه حيث تيسّرت له القراءة، لئلا يضيع شيء من وقته دون فائدة، كما يحمل أشياء
أخرى من ضروریاته(٣) .
قال تلميذه الأستاذ الباني: «كان لا يَذَرُ مزاولة العلم في كل وقت وحين، ما
بين تصنيف، وتنقيح، أو بحث وتنقيب، أو مذاكرة ومطالعة، وإذا استحسن كتاباً
يعاود مطالعته مراراً عديدة)) (٤).
ولهذا استولى عليه الجِدُّ في حياته وأموره كلها، فما عُرِف عنه الهزل ولا
التَّصَابي(٥) ..
ومن شدَّة انهماكه واستغراقه كان يشعر من نفسه بأثر سلبي على سَمْته
وهِنْدامه ومزاجه، لذلك كان ينصح غيره باجتناب ما يشعر به، فيقول: ((أنا شاطٌ،
ولا أحبّ أن يقتديَ بي أحد)»(٦).
ونقل الأستاذ أنور الجندي نصيحة الشيخ بـ ((الإقلال من القراءة أيام العطلة،
(١) (تنوير البصائر)) ص ١٣٧.
(٢) (کنوز الأجداد) ص ٢٤.
(٣) ((تنوير البصائر)) ص ١٣٦.
(٤) ("تنوير البصائر)) ص ٩٣، ((كنوز الأجداد)) ص ٢٤.
(٥) ((كنوز الأجداد» ص ٢٦ وفيه قصة.
(٦) ((كنوز الأجداد)) ص ٢٤.

٢٣
والإِكثار من الرياضة والتنقُّل في الحدائق؛ ذلك أن الانعكاف على الكتب يحبِّب
الوحشة والانعزال عن الناس، فتُصبحُ نَفُوراً من كل جليس ... ))(١).
تأليفه وتآليفه: كان الشيخ رحمه الله تعالى مجدّداً في تأليفه، بالنظر إلى
عصره وأهله، يحبُّ تقريب العلم إلى الناشئة المبتدئين، أكثر مما يحبُّ تضخيمَ
تأليفه وتفخيمَه، والحشدَ فيه من النقول والفروع، والمناقشات والردود.
وكأنَّ هذه النزعة فيه قديمة، وتَقَوَّتْ حين عُهِد إليه بالتفتيش العام على
المدارس الابدائية، فكان يَرَى حال المنتسبين إليها، والمتعلِّمين فيها، وصعوبة
المقرَّرات عليهم، والبَوْن االشاسع بينهم وبينها .
فحمله حبُّه لإيصال العلوم إلى عقولهم وأفهامهم على أن يُقَرِّبه إليهم ما
استطاع، ورأى أن قيامَه بنفسه بهذه المهمة خيرُ وسيلة وأقربُها لتحقيق المراد،
ففعل، رحمه الله .
وبعدما يستعرض القارىء الكريم أسماء مؤلفاته الآتية، سيرى فيها هذه
الظاهرة تماماً، وأن أكثرها إنما ألُّف لتحقيق هذا الغرض، وباقيها حتى المطوّلات
كَتَبَه لتحقيق غرض آخر، أو أن طبيعته لا تقبل الاختصار، أو أن الاختصار
لا يؤدي المطلوب .
وهل تحقَّق للشيخ غرضه في تذليل صعاب العلوم؟
يقول تلميذه الأستاذ محمد كردعلي - وهو معروف في نظراته الجديدة - :
((وهو أبداً يختصر المطوّلات من كتب الفنون ليسهِّلها على المبتدئين، وقد تمَّتْ له
هذه الأمنية))(٢).
ولا بدَّ من التنبيه إلى أن من يتمكَّن من تلخيص المطوَّلات، بأسلوب سهل
(١) ((تراجم الأعلام المعاصرين)) ص ١٦٧ .
(٢) ((المعاصرون)) ص ٢٧٦ .

٢٤
مبسّط للمبتدئين، وينجح في هذه المهمة: أن يكون على مستوى فائق من فهمه
للعلم، وأن يكون ذا قدرة قوية في حسن التعبير وأداء المطلوب. وقد بكَّر الشيخ
في الكتابة والتأليف ((منذ كان في سنِّ الطلب حتى وافاه أجلُه))(١).
وأسماء مؤلفاته التي وقفتُ عليها هي :
١ - (إتمام الأنس يعَرُوض الفُرْس))، في علم العروض. قال الباني: ((هي
موجزة ذاتُ فوائدَ بديعة)»(٢) وهي ذيل على رسالته الآتية برقم ١٢، طبعت معها.
٢ - ((إرشاد الأَلِيَّاء إلى تعليم ألف باء)) قال الأستاذ كردعلي: ((هو كتاب
في علم التربية))(٣). وقد طبع.
٣ - الإلمام بأصول سيرة النبي عليه الصلاة والسَّلام)). مخطوط.
٤ - (أمثال العرب)). هكذا سماه الباني، ولعله الآتي برقم ٢٨؟ ولعله
أيضاً الذي سُمِّ في مقدمة ((توجيه النظر)) باسم: أشهر الأمثال؟
٥ - ((بديع التلخيص وتلخيص البديع)) طبع على الحجر سنة ١٨٧٨ (٣).
وهو أقدم مؤلفاته حسب تاريخ طبعه، كان عُمُر الشيخ حين طَبعه ستاً وعشرين سنة
ميلادية، ويتفق مع عُمُره حين عُيِّن مفتشاً عاماً للمدارس الابتدائية.
٦ - ((التبيان لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن))، وهو المقدمة الصغرى
لتفسيره الآتي برقم ١٠، طُبع قديماً بمطبعة المنار بالقاهرة سنة ١٣٣٤. وهو كتاب
نفيس يفيد المفسِّرَ والمحدِّثَ والفقيهَ والمقرىءَ ... وكلَّ راغب في ثقافة قرآنية
ممتازة، ولهذا حققته وخدمته وصنعت له فهارس عامة، فزاد يُسراً ونفعاً لقارئيه،
وخرج بأبهى حُلَّة، وطُبع ببيروت سنة ١٤١١ .
٧ - ((تدريب اللسان على تجويد البيان)). طَبعَ، وهو في علم التجويد،
وذكره في كتابه «التبيان)» ص ٢١٥، ٣١٦.
(١) ((المعاصرون)) ص ٢٧٤.
(٢) ((تنوير البصائر)) ص ١٩.
(٣) ((أعلام دمشق)) ص ١٥٠. وکل ما أذكر له تاريخ طبع فهو منقول منه.
الدبور

٢٥
٨ - ((التذكرة الطاهرية)) ذكره الأستاذ الزركلي(١) وقال: ((هي من أجلِّ
آثاره، وهي مجموعة كبيرة في موضوعات مختلفة))، وفي ((أعلام دمشق)»: هي في
«عدة مجلدات، ضمَّنها ما اختاره من فرائد المخطوطات والكتب النادرة».
٩ - ((التسهيل المُجاز إلى فن المُعَمَّى والألغاز)). طُبع.
١٠- ((تفسير القرآن الحكيم)) في أربعة مجلدات مخطوطة محفوظة بخطه
في المكتبة الظاهرية بدمشق.
١١- ((التقريب إلى أصول التعريب)». طُبع.
١٢ - ((تمهيد العُرُوض إلى فن العَروض)) طَبع سنة ١٨٨٦، ووصف الأستاذ
الباني طريقته فيه بأكثر من صفحة، وهي طريقة عجيبة(٢).
١٣- ((توجيه النظر إلى أصول الأثر)) ألَّفه بمصر سنة ١٣٢٨، وطبعه هناك،
قال في ((تنوير البصائر)): ((هو سِفْر جليل القدر، جَمَع فيه زبدة ما جاء في كتب
أصول الفقه وأصول الحديث من القواعد والفوائد مع التحقيق والتدقيق، بأسلوب
بديع، مما يبرهن على سعة اطلاعه على علوم الشريعة الغراء))(٣). وهو الكتاب
الذي بین یدیك.
١٤- ((جلاء الطبع إلى معرفة مقاصد الشرع)). مخطوط (٤).
١٥- ((الجواهر الكلامية في العقيدة الإِسلامية»، طبعت مرات، وكان الشيخ
يضيف إليها إضافات كلما جدَّد طبعها، وطريقته فيها طريقة السؤال والجواب،
الطريقة المُثْلى لدى المعاصرين.
(١) وقع في ((الأعلام)) للزركلي بلفظ (التذكرة الظاهرية)، أي بالظاء المنقوطة. وهو
تحريف من المطبعة وقد ذكره على الصواب في فهرس مصادره ٢٩٤:٨، وأفاد أن الكتاب
محفوظ بدار الكتب المصرية .
(٢) ((تنوير البصائر)) ص ١٨.
(٣) ((تنوير البصائر)) ص ٣٦.
(٤) (أعلام دمشق)) وذكره غيره بمضمونه ((مقاصد الشرع)).

٢٦
١٦- ((الجوهرة الوسطى)) أضافها إلى ((الجواهر الكلامية)).
١٧- ((رسالة في البيان)).
١٨- ((رسالة في النحو)).
١٩- ((رسالة وجداول في الخطوط القديمة والحديثة)). ذَكَرَ ثَلاثَتها الأستاذ
کردعلي(١).
٢٠- ((شرح ديوان خطب ابن نُبَاتة)). طُبع ..
٢١- ((عقود اللآلي في الأسانيد العوالي)). طبع سنة ١٨٨٥.
٢٢- ((الفوائد الجسام في معرفة خواص الأجسام)). طبع سنة ١٨٨٣.
٢٣ - ((الكافي)) معجم لغوي ضاع أكثره، كما قال الأستاذ كردعلي(١).
٢٤- ((كتاب في التعليم الابتدائي)). وهو ((من مبتكراته، بناه على سبعة
اختباره غيرَ مقلِّدٍ أحداً من علماء البيداغوجيا))(٢).
٢٥- كَنَانِيْش، فيها خلاصة ما طالعه من الأسفار(٣).
٢٦ - ((مبتدأُ الخبر في مبادىء علم الأثر))(٤).
٢٧- ((مختصر أدب الكاتب)). طبع بالمطبعة السلفية بالقاهرة سنة ١٣٣٨.
٢٨- ((مختصر أمثال الميداني)). ولعله الذي تقدم برقم ٤؟.
٠ ٢٩٠- ((مختصر البيان والتبيين)). ذَكَر الثلاثةَ الأستاذ كردعلي(٥).
٣٠- ((مَدُّ الرَّاحَةِ إلى أخذ المِسَاحة)». ذكره الأستاذ الباني هو و ((الفوائد
(١) ((المعاصرون)) ص ٢٧٤.
(٢) ((تنوير البصائر)) ص ٧١.
(٣) هكذا قال الأستاذ كردعلي في ((المعاصرون)) ص ٢٧٥، و ((كنوز الأجداد)) ص ٣٠،
ولعله ((التذكرة الطاهرية))؟ ومفرد (الكنانيش): (كُنَّاشة) و(كُنَّاش)، وهو أوراق تُجعَل كالدفتر
تُقُيَّد فيها الفوائد والشوارد. ومن الأقوال السائرة لدى العلماء: لا بُدَّ للطالِب من كُنَّاشِي، يَكتُبُ
فيه قائماً أو ماشي.
(٤) ((أعلام دمشق)) ص ١٥٠.
(٥) ((المعاصرون)» ص ٢٧٥.

٢٧
الجسام)) وقال عنهما: ((جَمَع بهما شَتَات المسائل المبعثرة في الأسفار، والتقطها
التقاط اللّلىء من البحار، فَطَرَحَ الصَّدَف، وانتقى الدرر، ونظم عِقْدها بسلك
السؤال والجواب، ليسهل تناولها على أذهان الطلاب، وأنفذ ضمن هاتين
الفريدتين فوائد شتى ينتفع بها من هو أرقى طبقةً من المبتدئين، وجعلها ((حاشية))
على حِدَة))(١).
٣١- ((مدخل الطلاب إلى علم الحساب)). طبع ثلاث مرات.
٣٢- ((مقدمة الكافي)» وهو معجمه اللغوي الذي فُقِد أكثره، وتقدم برقم ٢٣ .
٣٣- ((المنتقى من الذخيرة لابن بَشَّام)). وهو ((الذخيرة في محاسن أهل
الجزيرة)) يريد جزيرة الأندلس، وهو من أرفع كتب التراجم والأدب الأندلسي.
٣٤- ((مُنْيَّةُ الأذكياء في قِصَص الأنبياء)). عرَّبه عن التركية، وطُبع بدمشق
بالمطبعة الخيرية سنة ١٢٩٩ .
٣٥- وقال الأستاذ كردعلي: «بلغني أنه دوَّن بعض الوقائع، ولم نعثر عليها
بين أوراقه التي سُرق بعضها عند عودته من مصر إلى الشام)) (٢).
وقال الأستاذ الزِّرِكْلي في ((الأعلام)): ((وفي الخزانة الظاهرية ٢٨ دفتراً
بخطه، منها ما هو تراجم ومذكرات، وفوائد تاريخية وأسماء مخطوطات، منها ما
رآه أو قرأ عنه، أتى على ذكرها خالد الريان في فهرس دار الكتب الظاهرية:
التاريخ وملحقاته ٢: ٢٤٨ _ ٢٧٥)»(٣).
وذكر الأستاذ الباني من مؤلفات الشيخ كتاب ((أمنية الألمعي))، ولم يذكره
غيره، مع أن الأستاذ كردعلي ذكر هذا الكتاب بين الكتب التي أشار الشيخ بطبعها،
كما سيأتي ص ٢٨، وفي مقدمة ناشر ((توجيه النظر)): ((مختصر شرح كتاب أمنية
الألمعي ومنية المدَّعي، في عشرين عِلماً، لابن الزبير الأسواني)). والله أعلم.
(١) ((تنوير البصائر)) ص ١٦.
(٢) ((المعاصرون)) ص ٢٧٦ .
(٣) (الأعلام)» ٢٢٢:٣.

٢٨
وكانت وفاة الأسواني سنة ٥٦٣، وله ترجمة جيدة في ((معجم الأدباء)»
لياقوت ٥١:٤ _ ٦٦.
ويقوِّم الأستاذ كردعلي كتب الشيخ فيقول: ((من أهم كتب الشيخ المطبوعة
((شرح خطب ابن نباتة، و((إرشاد الألباء)) و((التبيان)) و((التقريب) و ((توجيه
النظر))، ففيها لباب علمه، وأثر من آثار قريحته، تجلَّى فيها روح بحثه وغوضه
على مسائل دقيقة، قلَّ أن تسنَّى لغيره ممن عاصره الوصولُ إليها.
((وليس معنى هذا أن سائر ما طبعه الشيخ غير مفيد، بل المقصود أنه كُتب
لغرض خاص، أُريد به تثقيف الناشئة، وهذه الكتب هي التي ظهرت فيها شخصيةٌ
الشيخ وثقوبُ ذهنه وسعةُ مداركه، وتلطُّفُه في إبلاغ المعاني إلى العقول؛ وحرصُه
على أن يُحِيل في الأكثر على عالِمٍ تقدَّمه، لأن الناس في العادة يقدسون الأموات
أكثر من الأحياء)) (١) .
وأقول: إن الشيخ رحمه الله كان بارعاً في رسائله وكتبه التعليمية، من حيثُ
قدرتُهُ على تذليل صعاب العلم وتقريبه للمبتدئين، ولا يُحسن هذا كلُّ كاتب.
وكان محققاً في كتبه الكبيرة، جَمَع وحَقَّق، ولم يكن كغيره من المستكثرين
گَخَاطِبي ليلٍ .
وظاهرة أخرى في فهرس مؤلفاته: هي التفتُّن والدخول في علوم شتى، فهي
في العقائد، والتفسير، وعلوم القرآن والتجويد، وعلوم الحديث، والسيرة،
والأصول، وعلوم البلاغة، واللغة العربية، وآدابها، والتعريب، والحكمة
الطبيعية، والرياضيات، والتاريخ، والاطلاع على جمهرة كبيرة من مخطوطات
التراث الإِسلامي.
وبهذا صحَّ ما قيل فيه: ((إنه مَعْلَمَة سيَّارة، أو خزانةُ علم متنقِّلةٌ، وكيف
لا يكون كذلك من آتاه خالقُه حافظة قوية، وذهناً وقاداً، وعقلاً يستعمله، فقد قرأ
(١) ((كنوز الأجداد)) ص ٣١.

٢٩
i
جميع ما طالت يده إليه من الكتب العربية التي طبعت في الشرق والغرب، أما
المخطوطات التي طالعها ولخصها في كنانيشه وجُزازاته فتعدُّ بالمئات))(١).
ومن سِمَاته العلمية: حرصه على إحياء كتب التراث، النافعة عامة، والتي
تعالج فكرة معينة، أو تداوي نوعاً معيناً من أهل زمانه، علماء كانوا أو دونهم،
أو غير مسلمین.
يقول الأستاذ كردعلي في ((المعاصرون)) و ((كنوز الأجداد)»؛ وقد أحيا بالطبع
عشرات من الكتب، منها ((إرشاد القاصد)) لابن ساعد الأنصاري، و ((روضة
العقلاء)) لابن حبان البستي، و((الأدب والمروءة)) لصالح بن جناح، و((الأدب
الصغير)) لابن المقفع، و((أمنية الألمعي))، و((تفصيل النشأتين)) للراغب
الأصفهاني، و ((الفوز الأصغر)) لمسكويه))(٢).
وأفاد العلاَّمة الباني أن منها ((بلاغات النساء)) لأحمد بن طيفور (٣).
وأرشد من أغرق في التصوف إلى ((قواعد)» زَرُوق، و((الروضة الأنيقة))
للدَّميري(٣)، وكانت له يد بنَّاءة في نشر كتب الشيخ الإِمام ابن تيمية رحمه الله
تعالی بأسلوب حکیم.
قال الباني: ((كان له مهارة فائقة في حروبه الأدبية، فقد اتخذ لنزع هذه
القشور عن لُباب الشريعة الغراء أساليب عجيبة، ومن أعجبها أنه كان ينسخ
أو يستنتسخ كتب ابن تيمية أو ابن قيم الجوزية أو أبي شامة المقدسي وأمثالهم
ممن لهم اليد الطولى في مكافحة البدع، ويبيعها بواسطة السماسرة في سوق
الوراقين بثمن بخس، ثم يذيع أن الكتاب الفلاني الذي هو من النفائس،
والمضنون به على غير أهله، قد بِيع بثمن بخس منذ يومين، حتى يشتهر، مؤمّلاً
(١) «كنوز الأجداد) ص ١٥.
(٢) ((كنوز الأجداد)) ص ٣٠.
(٣) ((تنوير البصائر)) ص ١٣١، ١٣٤، ١٤١.

٣٠
أن يقع في أيدي مناوئيه بالرأي، فيطلعوا عليه، ويهتدوا بنبراسه، فيظفر رأيه
برأيهم، وينضووا تحت لوائه من حيث لا يشعرون))(١).
وقال أيضاً عن رسالة ((حي بن يقظان)): ((إن أسلوب هذه الرسالة بديع جداً
في إثبات واجب الوجود، جل شأنه، بالعقل والفطرة، وقد أرشدني أستاذنا الفقيد
أيام الدراسة إلى هذه الرسالة وحضَّني على الاطلاع عليها، وأخبرني أنه نصح
للمعلم جبر ضُوْمَط أستاذ الأدبيات العربية في المدرسة الكلية الأميركية السورية أن
يطلع عليها(٢).
وكان للشيخ اهتمام كبير بعلم التاريخ على اختلاف مناحيه: تاريخ أحداث
ووقائع، وتاريخ دول، وتاريخ رجال، والتاريخُ ((مرآة العصور الغابرة، ومرقاة
الأجيال الحاضرة))(٣) ((وأوصى به أبو حيان بنيه: عليكم بمطالعة التواريخ، فإنها
تلقح عقلاً جديداً)(٤) ((فمن أجل هذا عُني الشيخُ رحمه الله تعالى بإحياء التاريخ،
وإرشاد المسترشدين وغيرهم إلى مزاولته، ودراسته وإنعام النظر به وبفلسفته،
والدلالة على كتبه المفيدة، والسعي وراء نشرها وطبعها))(٥).
ومن مواقفه الدالة على حبّه نشر آثار الأسلاف: ما حكاه الأستاذ کردعلي
قال: «حدث أن صديقه الأستاذ أحمد زكي باشا نال بواسطة أحمد حشمت باشا
وزير معارف مصر، اعتماداً بعشرة آلاف جنيه لطبع مجموعة من الكتب العربية
القديمة النادرة، تبلغ فيما أذكر سبعة وعشرين كتاباً، ومنها ما يدخل في بضعة
مجلدات، فتباطأ زكي باشا في الطبع. ومضت السنة، فقُيِّد المبلغ في نظارة
المعارف على حساب السنة المقبلة، ولم يُخْرِج الباشا شيئاً، وهكذا حتى أُلْغي
الاعتماد باستقالة حشمت باشا .
(١) ((تنوير البصائر)) ص ٣٧ و((كنوز الأجداد)) ص ١٢.
(٢) ((تنوير البصائر)) ص ١٧.
(٣) ((تنوير البصائر)) ص ٣٠.
(٤) ((تنوير البصائر)) ص ٣١.
(٥) ((تنوير البصائر)) ص ٣٣.

٣١
فغضب الشيخ غضبةً مُضَرِيةً من عمل زكي باشا، وصارحه بقوله: لقد أسأت
إلى الأمة العربية بإبطائك في إخراج الكتب للناس، وإذا ادعيت أنك تقصد نشرها
سالمة من الخطأ، مشفوعة كلها باختلاف النسخ والتعاليق، فالتأنُّق لا حدَّ له،
ويكفي أن ينتفع الناس بالموجود (١)، وظلَّ الشيخ أشهراً لا يكلم صديقه الزكي إلاَّ
متكلِّفاً، كأنَّه عَبِثَ به، وحمل الضرر إلى مصلحته مباشرة! وأيُّ مصلحة أعلَقُ
بقلبه من نشر آثار السلف»(٢).
ومن سماته العلمية أيضاً: حبُّه الاستفادة من مدنيات الأمم الأخرى غير
المسلمة، فالثقافة والعلم أمر مشترك بين الجميع، فكان يُحبُّ أن يُفيد الأمم
الأخرى بحضاراتنا وعلومنا، ويحبُّ أن يستفيد هو والأمَّةُ المسلمةُ أيضاً من
علومهم وثقافاتهم، على أن لا يكون ذلك على حساب الإِسلام ودون تعقُّل،
فالتبعيّة عند الشيخ رحمه الله غير واردة.
كتب إلى تلميذه كردعلي رسالة يقول له فيها: ((إن الاقتباس من الأمم
المترقية دليل على النباهة، لا كما يظنُّ البُلْه، من أن في الاقتباس غضاضةً، ونريد
بالاقتباس ما يُشعِر به هذا اللفظ من تلقي الأمور النافعة(٣)، لا كما يظنه
المتكايسون من أن الأمم الراقية ينبغي أن يؤخذ منها كل شيء، حتى أدَّهم الأمر
(١) في ((كنوز الأجداد)) ص ١٥ عن الشيخ نفسه أنه كان يقول: ((إن الإتقان لا حدَّ له،
والأغلاط تصحّح مع الزمن».
(٢) ((كنوز الأجداد» ص ٢٢.
(٣) كأن الشيخ رحمه الله يشير إلى المعنى اللغوي، ففي ((المسند)» للإِمام أحمد
١٢٦:٤ - ١٢٧ أن عبد الرحمن بن عمرو الشُّلَمي وحُجْر بن حُجْر قالا: ((أتينا العِرْباض بن
سارية .. وقلنا: أتيناك زائرين وعائدين ومقتبسين))، فحدَّثهم بحديثه المشهور: وعَظَنا رسول الله
صلَّى الله عليه وسلَّم موعظة بليغة ذَرَفَت منها العيون، ووجلت منها القلوب. قال ابن الأثير في
((النهاية)» ٤:٤ في تفسير ((مقتبسين)): ((أي: طالبي علم)). أي مسترشدين بعلمك، كما يسترشد
السالك في الظلمة بنور قبسة نار يحملها في مَشْعَلِه .
1

٣٢
إلى أن يقلِّدوهم في الأمور التي يوذُّون هم أن يَخْلُصوا منها ... )) (١).
فالشيخ رجل علم، لا يصدُّه عن تحصيله والاستهداء به وصفُ مصدره:
شرقي أو غربي، كما أن الحكمة ضالة المؤمن أَنَّى وجدها التقطها.
وهو داعية إلى العلم، لا يمنعه عن تقديمه إلى فلان وفلان ما دام يجد
عندهم قبولاً لقوله، وإصغاءً لنصحه.
(«كان رحمه الله من علماء الاجتماع والعُمران، لتوغُّلِه بأدبِ الإِسلام
وتاريخه السياسي والإِداري والعمراني وكلِّ ما له مساس باجتماعياته، ووقوفِه على
طبقات أهله من الأمراء والوزراء والفلاسفة والعلماء وخاصته وعامته، واطلاعه
على أسباب ارتقاء دُوله وانحطاطها أو انقراضها، ووقوفِه على أحوال الأمم السائرة
القديمة والحديثة، واطلاعه على كل ما يترجّم عن مدنية الغرب وسياسته
واجتماعياته، واحتكاكِه بعلمائهِ المستشرقين، وتبادله الاستفادة بينه وبينهم، حيث
كان يقتبس منهم ما ينفع المسلمين، ويُقْبِسُهم ما يُثبتُ سماحة الإِسلام ومدنيته،
ومجد المسلمین وتمڈُّنھم.
وهذا ما جعله في عداد حلقات السلسلة التي تصل الشرق بالغرب، كما شهد
له بذلك علماء الشرق المستغربون، وعلماء الغرب المستشرقون ...
وكان بينه وبينهم صداقة، يراسلهم ويراسلونه، على اختلاف قومياتهم، من
إنكليز وإفرنسيس، ومجر، وألمان، وطليان، وإسبان، ونمسويين، وهولندیین،
وإسویدیین.
نخصُّ بالذكر منهم أمثال كولير المَجَرى الإِخْصَائي في الملل والنحل،
وهرتن الألماني أستاذ الشرق بجامعة بون في ألمانيا، ومرغليوث، وبراون
الإنكليزيين، وكاير مونكانو الإفرنسي، من كبار علماء الآثار، وكويري الطلياني.
(١) ((كنوز الأجداد)) ص ٣٤.
1

٣٣
ا
وكلهم من المعجبين به المغتبطين بصداقته)) (١)، كما كان له صداقة مع كولدزيهر
اليهودي(٢).
ولا ريب في صحة نظر الشيخ، ونُبْل مقصده، لكن قد يكون في تطبيقه زيادة
حسن ظن بهم انفرد به عن علماء عصره، فكان بينه وبينهم منازلات ! .
وتوسّع الشيخ في اتصالاته العلمية بغير المسلمين، فكان «يصاحب جميع
علماء الفرق، ويجالس المطران والحاخام، وشيخ العقل، ومقدم النصيرية،
ومجتهد الشيعة، مثل ما يجالس إمام السُّنِّية والمفتي والفقيه والصوفي، ويناقشهم
ضمن دائرة آداب البحث، ويُفيدهم ويَستفيد منهم ... ))(٣).
((ولقد كانت له صداقة أكيدة بالعالم المطران يوسف داود السُّرياني،
يَتَسَامران، ويتحدَّثان، ويَتَهامَسَان ويتناقشان، وما أدري إن كان المطران أثَّر في
الشيخ أو أثَّر الشيخ في المطران !!... ))(٤).
ولعلَّ من دافع زيادة حسن الظن ذاك الكتاب الذي كتبه الشيخ إلى المس
(بل)) أمينة سرِّ حاكم العراق، وهو في أواخر أيامه بمصر، وتاريخه قبل وفاته بستة
أشهر ونصف، وقد خصَّ الشيخ بحفظ مسؤَّدته تلميذَه الفكريَّ محمد كردعلي،
بعد عودته إلى دمشق، فحفظها عنده، ثم نشر صورةً عنها في (كنوز الأجداد))(٥) .
وما كان لعلماء عصره أن يتّسع صدرهم لكل هذا التوسُّع من الشيخ، فكان
منهم ما عبّر عنه الأستاذ الباني ((اتهامه بالمروق والزندقة، كما هو شأنهم مع كل
(١) ((تنوير البصائر)) ص ٤٩ - ٥١.
(٢) ((كنوز الأجداد)» ص ١٨ .
(٣) ((تنوير البصائر)) ص ٧٨.
(٤) ((كنوز الأجداد)) ص ١٩.
(٥) ص ٤٩ - ٥٦. وكأن الوئام الفكري بين الشيخ وكردعلي أكثر وأوثق منه بين الشيخ
وتلميذه الآخر الشيخ محمد سعيد الباني، لذلك خصَّه بهذه ((المسودة))، ولم يَبُّح بها لغيره؟ ! .
۔

٣٤
مصلح مجدِّد)) مع أنه ((كان صُلْباً في دينه، لم يُعهد عليه منكر، ولم تُؤْثَر عنه
فاحشة أو لهو، منذ نشأته إلى وفاته))(١).
وبهذه النزعة العلمية (الغَلَّبة) للشيخ، الحاملة له على الاستفادة والإِفادة من
مختلف المنازع والطوائف: كان يقول: ((لو طلب مني اليهود أن أعلِّمهم ما
تأخرت ساعةً عن إجابة طلبهم، لأن في تعليمهم تقريباً لهم منا، مهما كانت
المباينة والفوارق بيننا وبينهم))(٢).
:
وقد شهد له الأستاذ كرد علي بأنه «صحب بعض الزنادقة، وما زال يصبر
على ما ينبو عنه سمعه: من تصريحه وتعريضه، وما فَتِىء يلقُّنه أفكاره بالتؤدة مدة،
حتى عاد به إلى حظيرة الدين، وهو لم يشعر - فيما أحسَب ـ بما دخل على عقله.
من التبدُّل. وصحب كثيراً من غلاة الشيعة والطوائف الباطنية، فما برح يتلطّف بهم
حتى أضعف من غُلَوائهم، وأبدلهم بعد الجفوة أُنْساً، وغيّر من انقباضهم وانقباض
الناس عنهم، ليعيشوا في هناء وسط المجتمع الإِنساني الأكبر))(٣).
فالشيخ رحمه الله يمثِّل بهذا الخُلُق: ((الداعية الصابر)» الذي يقدِّم نفسه
وسُمعته (كبش فداء)، في سبيل وصوله إلى غرضه، وتحقيق أمنيته: الوصول إلى
أكبر قدر ممكن من العلوم والمعارف أياً كان مصدرها، وإيصال العلوم والمعارف
الإِسلامية إلى أي إنسان كان، عسى أن يستنير بنور الإِسلام، فإن لم يصل معه إلى
المقصود الأعظم، فلیکن إلى أكبر قدر ممكن.
((فكثيراً ما كانت صِلاتُهُ بعلماء المشرقيات باعثة على تخفيف حَمَّلاتهم على
الإِسلام ولو قليلاً، وهذا مما كان يهتم له)) (٤). كما أنه «أدخل النور على كثير من
أذكياء العلماء من أصحابه))(٥) رحمه الله تعالى وأحسن إليه کفاء نيَّته، في دار كرامته .
(١) ((تنوير البصائر)) ص ٩٥، ٩٦.
(٢) (کنوز الأجداد» ص ٢٠ ..
(٣) «كنوز الأجداد» ص ٢٠.
(٤) (كنوز الأجداد)) ص ١٨ .
(٥) المصدر المذكور ص ١٩.

تَّخِيَة النَِّ الْىَضُوالِالأَزَ
/١
تَأليف
الشيخ طاهِر الجزائري
٠٠

٣٧
بِسْمِ اللهِالرَّمِالرََّمِ
/٢
/ الحمدُ لله، وسلامٌ على عبادِهِ الذين اصطفى.
أما بعدُ فهذه فصول جليلةُ المقدار، يَنتفعُ بها المطالعُ في كتبِ الحديثِ وکتبٍ
السِّيَرِ والأخبار، وأكثرُها منقولٌ من كتبٍ أصولِ الفقه وأصولِ الحديث.
الفصل الأول
في بیان معنی الحدیث
الحديثُ أقوالُ النبي صلى الله عليه وسلّم وأفعالُه. ويَدخُلُ في أفعالِهِ تقریرُهُ،
وهو عدَمُ إنكاره لأمرٍ رآه أو بَلَغه عمن يكون منقاداً للشرع. وأما ما يتعلق به عليه
الصلاة والسلام من الأحوال، فإن كانت اختياريةً فهي داخلة في الأفعال، وإن
كانت غيرَ اختيارية كالحِلْية لم تَدخُل فيه، إذْ لا يَتعلَّقُ بها حُكمٌ يتعلَّقُ بنا. وهذا
التعريفُ هو المشهورُ عند علماءِ أصولِ الفقه، وهو الموافقُ لِفَنِّهم.
وذهب بعضُ العلماء إلى إدخالٍ كل ما يُضَافُ إلى النبي عليه الصلاة والسلام
في الحديثِ، فقال في تعريفه: عِلمُ الحديث أقوالُ النبي عليه الصلاة والسلام
وأفعالُه وأحوالُه. وهذا التعريفُ هو المشهورُ عند علماءِ الحديث، وهو الموافقُ لِفَنِّهم،
فَيَدخُل في ذلك أكثرُ ما يُذكَرُ في كتب السِّيرةِ، كوقتٍ ميلادِهِ عليه الصلاة والسلام،
ومكانه، ونحو ذلك(١).
(١) قال الحافظ ابن حجر في ((فتح الباري)) ٢٥٢:١٣، في كتاب الاعتصام بالسنة، في
(باب الاقتداء بسُنَن رسول الله صلى الله عليه وسلم)، تعليقاً على قول عبد الله بن مسعود
رضي الله عنه، الذي رواه البخاري: (( ... وأحسَنَ الهَدْي هَدْيُ محمد)): ((ظاهرُ سياق هذا
الحديث أنه موقوف، لكن القدر الذي له حكم الرفع منه قولُه: وأحسَنَ الهَدْي هَذْيُ محمد صلى
الله عليه وسلم، فإن فيه إخباراً عن صفة من صفاته صلى الله عليه وسلم، وهو أحدُ أقسام
المرفوع، وقلَّ من نبَّه على ذلك.
=

٣٨
وقد رأيتُ أن أذكُرَ هنا فائدةً تَنفَعُ الْمُطالِعَ في كثيرٍ من المواضع، وهي أنَّ مِثلَ
هذا يُعَدُّ من قبيلِ اختلافِ العباراتِ، لا اختلافِ الاعتبارات. وهو ليس من قَبِيل
الاختلافِ في الحقيقة، كما يَتوقَّمُه الذين لا يُمعِنون النظرَ، فإنهم كلَّما رأَوْا اختلافاً في
العبارة عن شيء مَّ، سواءً كان في تعريفٍ أو تقسيمٍ أو غير ذلك، حكموا بأنَّ هناك
اختلافاً في الحقيقة، وإن لم تكن تلك العبارات مختلفةً في المال.
وقد نشأ عن ذلك أغلاطٌ لا تُحصى، سَرَى كثيرٌ منها إلى أُناسٍ من العلماء
الأعلام، فذكروا الاختلافَ في مواضعَ ليس فيها اختلاف، اعتماداً على من سَبَقَهم
إلى نقلِه، ولم يَخْطُر في بالهِمِ أنَّ الذين عَوَّلُوا عليهم، قد نقلوا الخلافَ بناءً على
فَهْمِهم، ولم ينتبهوا إلى وَهَمِهم. وكثيراً ما انتبهوا إلى ذلك بعدَ حين، فنَبَّهوا علیهِ،
وذلك عندَ وقوفِهم على العبارات التي بَنَ الاختلافَ عليها الناقلُ الأوَّلُ. وقد حَمَل
هذا الأمْرُ كثيراً منهم إلى فَرْطِ الحَذَرِ حين النَّقْلِ.
وقد أشار إلى نجوِ ما ذكرنا الإِمامُ تقيُّ الدين أبو العباس أحمد بن تيمية في
رسالته في ((قواعد التفسير)) فقال(١): الخلافُ بين السلفِ في التفسير قليل، وغالبُ
ما يَصِحُّ عنهم من الخلاف يَرجِعُ إلى اختلاف تنُّعِ لا اختلافِ تَضَادّ، وذلك
صنفان :
أحدُهما: أن يُعبِّرَ واحدٌ منهم عن المرادِ بعبارةٍ غير عبارة صاحبِهِ، تَدُلُّ على معنىّ
/٣ في المسمَّى غير المعنى / الآخَرِ مع اتحادِ المسمَّى، كتفسير بعضِهم الصراطَ المستقيمَ
بالقرآنِ، أي اتّباعِهِ، وتفسيرِ بعضِهم له بالإِسلام، فالقولانِ متفقان، لأنَّ دين
الإِسلام هو اتّباعُ القرآن، لكنْ كلَّ منهما نبّه على وصفٍ غير وصفِ الآخَر، كما أنَّ
لفظ الصراط المستقيمِ يُشعِرُ بوصفٍ ثالث.
وهو كالمتفق عليه لتخريج المصنفين المقتصرين على الأحاديث المرفوعة: الأحاديث الواردة في
شمائله صلى الله عليه وسلم، فإن أكثرها يتعلق بصفةٍ خَلْقِه وذاتِه كوجهه وشَعْرِهِ، وكذا بصفةِ خُلُقِه
كحلمه وصَفْحِه، وهذا مندرج في ذلك)).
(١) ص ٣٨ - ٥٣ والمذكورُ هنا مستخلص من هذه الصفحات.
1
أ

٣٩
وكذلك قولُ من قال: هو (١) السُّنَّةُ والجماعة، وقولُ من قال: هو طريقُ
العُبُودِيَّة، وقولُ من قال: هو طاعةُ اللَّهِ ورسولِه، وأمثالُ ذلك. فهؤلاء كلُّهم أشاروا
إلى ذاتٍ واحدة، ولكنْ وَصَفَها كلِّ منهم بصفةٍ من صِفاتِها .
الثاني: أن يَذْكُرَ كلٌّ منهم من الاسمِ العامِّ بعضَ أنواعِهِ، على سبيلِ التمثيلِ
وتنبيهِ المستمِع على النوع، لا على سبيلِ الحدِّ المُطابِقِ للمحدودِ في عمومِه
وخصوصِه. مثالُه ما نُقِلَ في قوله تعالى: ﴿ثم أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الذين اصْطَفَّيْنَا﴾
الآية(٢)، فمعلومٌ أنَّ الظالم لنفسه يَتناولُ المُضَيِّعَ للواجباتِ والمنتهِكَ للحُرُمات،
والمقتصِدَ يتناولُ فاعلَ الواجباتِ وتاركَ المحرَّمات، والسابِقَ يَدْخُلُ فيه من سَبَقَ
فتقرَّب بالحسناتِ مع الواجبات. فالمقتصِدُون أصحابُ اليمين، والسابقون السابقون
أولئك المقرَّبون .
ثم إنَّ كلّ منهم يَذكُرُ في هذا نوعاً من أنواع الطاعات، كقول القائل: السابِقُ
الذي يُصلِّ في أوَّلِ الوقت، والمقتصِدُ الذي يُصلِّ في أثنائه، والظالم لنفسه الذي
يُؤخِّرُ العصرَ إلى الاصفرار. أو يقول: السابقُ المُحسِنُ بالصَّدَقةِ مع الزكاة، والمقتصِدُ
الذي يُؤدِّي الزكاةَ المفروضةَ فقط، والظالمُ مانِعُ الزكاة .
ثم قال: ومن الأقوال المأخوذةِ عنهم وتَجعَلُها بعضُ الناس اختلافاً: أن يُعبِّروا
عن المعاني بألفاظِ متقاربة، كما إذا فسَّرِّ بعضُهم ﴿تُبْسَلَ﴾ (٣) بِتُحْبَسَ، وبعضُهم
بتُرْتَهَن، لأنَّ كلّ منهما قريبٌ من الآخَر. اهـ.
وقال بعضُ العلماء في كتاب ألَّفهُ في أصولِ التفسير: قد يُحُكّى عن التابعين
عباراتٌ مختلِفَةُ الألفاظ، فَيَظُنُّ من لا فَهْمَ عنده أنَّ ذلك اختلافٌ محقَّق، فَيَحكِيه
(١) أي الصراطُ.
(٢) من سورة فاطر، الآية ٣٢.
(٣) أي في قوله تعالى في سورة الأنعام، الآية ٧٠: ﴿وَذَكَّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ
ليسَ لها مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيٍّ ولا شفيعٌ ... ﴾.

٤٠
أقوالاً، وليس كذلك، بل يكون كلُّ واحدٍ منهم ذَكَّر معنىًّ من معاني الآية، لكونِهِ
أَظهَرَ عِنده، أو أليَقَ بحالِ السائل، وقد يكونُ بعضُهم يُخِرُ عن الشيء بلازِمِهِ
ونظيرِهِ، والآخَرُ بثمرتِهِ ومقصودِهِ، والكل يَؤُولُ إلى معنىَّ واحدٍ غالباً. اهـ.
وَلْنَرْجِعْ إلى المقصود فنقول: قد عَرفتَ أنَّ الحديثَ ما أُضِيفَ إلى النبي عليه
الصلاة والسلام، فَيَختَصُ بالمرفوعِ عند الإِطلاق، ولا يُرادُ به الموقوفُ إلَّ بقرينة.
وأما الخَبَرُ فإنه أعمُّ، لأنه يُطلَقُ على المرفوع والموقوف، فَيَشْمَلُ ما أُضِيفَ إِلَى
الصحابة والتابعين، وعليه يُسمَّى كلُّ حديثٍ خبراً، ولا يُسمَّى كلُّ خبرٍ حديثاً.
وقد أطلق بعضُ العلماء الحديثَ على المرفوعِ والموقوفِ، فيكونُ مُرادِفاً للخبر.
وقد خَصَّ بعضُهم الحديثَ بما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، والخبرً بما جاء
عن غيره، فيكونُ مُبايِناً للخبر.
. . وأما الأثَرُ فإنه مُرادِفٌ للخبر، فيُطلَقُ على المرفوعِ والموقوف. وفقهاءُ خَرَاسان
يُسمُّون الموقوفَ بالأثر، والمرفوعَ بالخَبَرَ.
وأما السُّنَّةُ فتُطلَقُ في الأكثر على ما أُضِيفَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام من
قولٍ أو فعلٍ أو تقريرٍ، فهي مرادِفةٌ للحديثِ عند علماءِ الأصول، وهي أعمُّ منه عند
من خَصَّ الحديثَ بما أُضِيفَ إلى النبي عليه الصلاة والسلام من قولٍ فقط، وعلى
ذلك يُحْمَلُ قولهم: اختُلِفَ في جوازٍ روايةِ الحديث بالمعنى. فينبغي للطالبِ أنْ يَعرِفَ
اختلافَ العُرْفِ هنا، ليأمَنَ الزَّل.
/٤
وبما ذكرنا من أنَّ بعضَ المحدِّثين قد يُطلِقُ الحديثَ على المرفوعِ / والموقوفِ،
يَزُولُ الإِشكالُ الذي يَعرِضُ لكثير من الناسِ عندما يُحكَى لهم أنَّ فلاناً كان يَحفَظُ
سَبْعَ مِئَةِ ألفِ حديثٍ صحيحٍ، فإنهم مع استبعادهم ذلك يقولون: أين تلك
الأحاديثُ؟ ولم لم تصِلْ إلينا؟ وهلَّ نَقَل الحُفَّظُ ولو مقدارَ عُشْرِها؟ وكيف ساغَ لهم أن
يُهُمِلُوا أكثَرَ ما ثَبَتَ عنه عليه الصلاة والسلام، مع أنَّ ما اشتَهَروا به من فَرْطِ العنايةِ
İ