النص المفهرس

صفحات 61-80

١١١٣
فوائد الموسومين بسوء الحفظ وبيانها بذكر الأمثلة
الفائدة العاشرة: في حكم رواية المبتدع وهل يعتد بقوله في الإجماع؟
كلام الحافظ ابن حجر في حكم رواية المبتدع وعدمُ تكفير المبتدع إلاَّ
بإنكار متواتر معلوم من الدين بالضرورة
قبول رواية غير الداعية إلاَّ إذا روى ما يقوي بدعته، والقول برد رواية
المبتدعة مطلقاً ضعيف جدّاً واحتجاج الشيخين بحديث الدُّعاة
أيضاً
٨٨٦ - ٨٨٧
٨٨٧ _ ٨٩٣
٨٨٧ - ٨٨٨
٨٨٨ -٨٨٩
٨٨٩ - ٨٩١
كلام ابن حزم في أهل الأهواء هل يدخلون في الإجماع أم لا
ردّ ابن حزم على من فرق بين الداعية وغير الداعية فقَبِل الثاني واطَّرَح
الأولَ، وذكرُ أنَّ المتديّن من المبتدعة مقبول مطلقاً يعتد بقوله إذا
كان عالماً
٨٩٠
٨٩٠
الفاسق مردود سنّياً كان أو بدعياً وإن كان عالماً
قول غير العالم بالكتاب والسنَّة والإجماع والاختلاف لا يعتد به في
الإجماع
٨٩١
٨٩١
يُرجَع إلى علماء الفنون الأخر فيما يتعلق بفنونهم
الاعتداء بقول المبتدع العالم وإن كان فاسقاً عند بعض الأصوليين ونقل
كلام الغزالي في ذلك
٨٩١ - ٨٩٣
٨٩٢
عدم الاعتداد بخلاف المبتدع المكفّر
حكم من ترك الإجماع بخلاف المبتدع المكفّر لعدم علمه بكفره
٨٩٢- ٨٩٣
الفائدة الحادية عشرة: في بيان ربط السنة بالكتاب وأنها تالية للقرآن
واتفاق فرق المسلمين على وجوب الأخذ بها
٨٩٣ -٨٩٥
بيان رأي الخوارج في الأخذ بالسنَّة وقلة الاطمئنان لما ينقله بعض الفرق
عن بعض لغلبة التعصب على كثير منهم
٨٩٣ - ٨٩٤
٨٩٤
٨٩٤ -٨٩٥
التنبيه على تساهل أصحاب الملل والنحل في نقل مذاهب الفرق
ذكرُ آيات من التنزيل في وجوب اتباع السنَّة وأشدّ الفرق ادعاء لاتباع
السنَّة الظاهریّون
طعن الظاهرية على مخالفيهم بالإعراض عن السنَّة لقولهم بالقياس وأشد

١١١٤
الظاهرية إفراطاً في ذم المخالفين ابن حزم
وصف المخالفين الظاهرية بالجمود وعدم الاعتداد بقولهم في الإجماع
قول الأصوليين في مخالفة داود الظاهري هل تقدح في الإِجماع أم لا؟
ونبذة من جلالة داود وسعة علمه
نقل المؤلف كلام ابن حزم في بيان الخطأ في اتباع أدلة الشرع الذي يعذر
فيه العالم والذي لا يعذر فيه، وهو طويل جارٍ على مسلكه
ومنھجه
معنى حديث: ((لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم . .. »
الفائدة الثانية عشرة: في أمورٍ تمهيدية حول علوم الحديث وعامة العلوم
قول أبي شامة المقدسي في أقسام علوم الحديث وبيانِ أشرفها بالنسبة
إلى الأعصار المتأخرة، وإن العناية بمعرفة الرجال وتمييز
الصحيح من السقيم: تحصيلُ ما هو حاصل.
اعتراض الحافظ ابن حجر عليه ونقده لكلامه ببيان متين
من يطلق عليه المحدّث؟
علم الحديث والفقه علم نَضِجَ واحترق في بعض الأنظار، ومعنى
نُضجِه واحتراقه
ما نضج واحترق من العلوم ينبغي السعي في تنقيحه ليسهل تناوله
لزوم الاقتصاد في طلب العلم وتقديم الأهم على المهمّ
كلام الغزالي لمراتب الاقتصار والاقتصاد والاستقصاء بالنسبة إلى علوم
الشريعة وتسميته كتباً من كل مرتبة
كلمةٌ عن علم ناسخ الحديث ومنسوخه وعلم أسباب ورود الحديث
التحذير من تحميل لفظ الكتاب والسنّة ما لا يحتمله
كتاب ((توجيه النظر)) من مرتبة الاقتصاد في فنّ المصطلح
ختم الكتاب بمقالةٍ لابن الأثير الجزري في أهمية علم الحديث وتسمية
أنواعِه المهمة
معرفةُ المتواترِ والآحادِ والناسخِ والمنسوخ من وظيفة الفقيه دون
المحدّث
٨٩٥
٨٩٥
٨٩٥
٨٩٥ -٩٠١
٩٠١
٩٠١ -٩٠١
٩٠٢
٩٠٢ - ٩٠٣
٩٠٣
٩٠٣
٩٠٣ -٩٠٤
٩٠٤
٩٠٤-٩٠٦
٩٠٦
٩٠٦
:
٩٠٦
٩٫٠٧ -٩٠٩
٩٠٨

1
١١١٥
تاريخ فراغ المؤلف من تأليف الكتاب
رسالة في وصل البلاغات الأربعة في الموطأ لابن الصلاح
تقدیم الرسالة بقلم المعتني به
٩٠٩
٩١١ _٩٣٦
٩١٣ - ٩١٤
٩١٥_٩١٨
تقديم الشيخ عبد الله الصديق الغماري لتحقيقه الرسالة المذكورة
الرد على زعم الفُلَّنِي في أن أحاديث الموطأ كلها صحيحية وأنه لا فرق
بينه وبين البخاري وأن عنده رسالة ابن الصلاح هذه
٩١٥ _٩١٦
٩١٦
نقد الشيخ أحمد شاكر دعوى الفلاني، ثم الشيخ أحمد شاكر أعلم
بالحديث من الشيخ الشنقيطي بل لا نسبة بينهما
دعوى الفلاني أن عنده تأليف ابن الصلاح غيرُ صحيحة والدليل على
ذلك
حديثان من الأربعة التي وصلها ابن الصلاح ضعيفان، ووجوه الفرق بين
صحيح البخاري والموطأ
٩١٧
٩١٧ _ ٩١٨
ترجمة ابن الصلاح بإيجاز
سند الشيخ الغماري إلى ابن الصلاح في هذه الرسالة والتنبيه تعليقاً على
٩١٨
٩١٩
خطبة ابن الصلاح للرسالة
عبارة ابن عبد البر في ذكر البلاغات الأربعة التي لم يجدها مسندة
متصلة . ت
٩١٩- ٩٢٠
سياق ابن الصلاح لمتن الأحاديث الأربعة من ((الموطأ) من نسخة أبي
مصعب الزهري مع شرح غريبها
٩٢١ - ٩٢٤
٩٢١ - ٩٢٢
زياد بن عبد الرحمن أول من أدخل الموطأ إلى الأندلس. ت
٩٢٤
٩٢٥
٩٢٥ _ ٩٢٦
ذكر ابن الصلاح رأي ابن عبد البر في هذه الأحاديث
التعريف بأبي زكريا عبد الرحيم بن أحمد البخاري وعبد الغني بن سعيد
الأزدي. ت
٩٢٦
قول حمزة بن محمد الكِتَاني إن كل ما في ((الموطأ)) مروي من غير جهة
٩١٦
أنه منقطع بين النووي وابن الصلاح
مسلك ابن الصلاح في ضبط (روينا) والكلام عليه. ت
ثناء ابن الصلاح على ابن عبد البر وكتابه التمهيد

١١١٦
مالك إلاَّ حديثين، والتعريف بالحافظ الكناني. ت
السلام على النبي صلَّى الله عليه وسلَّم من تمام الصلاة عليه. ت
تخريج الكناني حديثاً من مئتي طريق وقول ابن معين له في المنام:
أخشى أن يدخل هذا تحت ﴿ألهاكم التكاثر﴾. ت
رأي ابن الصلاح في الأحاديث الأربعة المذكورة، وشروعه في بيان
وصلها
وصل الحديث الأول والكلام على سنده
الكلام على مراد الشافعي بقوله: «من لا أتهم)» ونحو ذلك
خطأ ابن الصلاح في تعيين (إسحاق بن عبد الله) أحد رواة هذا الحديث
وصل الحديث الثاني والكلام على سنده وإيضاحه تعليقاً
وصل الحديث الثالث ببعض أجزائه
أقوال شراح الموطأ في شرح هذا الحديث وبيان درجته. ت
البلاغ ليس بموضوع عند أهل الفن. ت
قول مالك: بلغني، إسناد صحيح، قاله ابن عبینه. ت
وصل الحديث الرابع والكلام على سنده، ونظرٌ في سماع ميمون ابن
أبي شبيب عن أبي ذر
تصحيح الترمذي وتحسينه لهذا الحديث ونقد الشيخ الغماري له تعليقاً
وترجيحه أنه حسن لغيره. ت
بيان أن هذا الحديث أخرجه الحاكم وصححه وأقره عليه الذهبي. ت.
قول ابن الصلاح: مِلاكُ أمر الدين والدنيا في أربعة أحاديث
ذكر مجلس ابن الصلاح في إملاء الأحاديث الكلية والأربعين النووية
لتلميذه النووي. ت
نقدُ الشيخ الغماري والعلاَّمة الكشميري في قولهما: إن النووي تلميذ ابن
الصلاح وبیان أنه لم یلقه ولم یتلمذ علیه. ت
ذكر طائفة من جوامع الكلم فاتت ابن الصلاح والنووي، وذكرُ تآليف في
جوامع الكلم وبیان درجتها. ت
ختم الرسالة
٩٢٧
٩٢٧
٩٢٧
٩٢٧
٩٢٧ - ٩٢٨
٩٢٨ - ٩٢٩
٩٢٩
٩٢٩ - ٩٣١
٩٣١
٩٣١ - ٩٣٢
٩٣٢
٩٣٢
٩٣٫٢٠- ٩٣٣
٩٣٤
٩٣٤
٩٣,٥ - ٩٣٦
٩٣٥
:
٩٣٥
٩٣٥ - ٩٣٦
٩٣٦

تَوْخِيَة النَّطِ إلىَضُوالِالآر
الإمام العلامة الشيخ طاهِر الجزائري الدمشقيّ
ولدسنة ١٢٦٨ وتوفي سنة ١٣٣٨
رحمه الله تعالى
اعتنى بهِ
عبد الفتاح أبو غُدَة
الجزء الأول
النَاشِر
مكتب المطبوعَات الإسْلاميّة بحَلب

1
تقدمة :
بِسْمِاللهِ الرّحمنِ الرََّةِ
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمدٍ رسول الله الأمين، وخاتم
الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصَحَابِهِ وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإنَّ من أجلِّ العمل الصالح والعلم النافع خدمة السنة النبوية المطهرة،
والاشتغال بنشرها، وتسهيلَ سبل الانتفاع بها. وقد تفنن العلماء في كل عصر برعايتها والعناية
بها تفُّناً عَجَباً، يكاد يكون فريداً مختصاً بها، فَأَلَّفوا في كل ما يُعزِّزُها ويحفظها ويُحافِظُ
عليها، في نقلها وضبطها، وتحملها وتبليغها، وتعلُّمِها وتعليمها، ونشرِها وإشاعتها ...
وكان من أفضل ما خُدمَتْ به السنةُ النبوية الشريفة علمُ المصطلح، الذي هو بمثابة
المعيار والميزان الدقيق لمعرفة الصحيح والضعيف، ولكشفِ الدخيل فيها من الأصيل.
وتتابعَتْ جهودُ العلماء فيه تأليفاً وتصنيفاً من القرن الثاني من زمن الإِمام عليّ بن المَدِيني
رحمه الله تعالى إلى زماننا هذا، فألَّفوا في تقعيد هذا العلم وتأسيسه، وتحريره وتمحيصه:
المختصراتِ والمتوسطاتِ والمطولات، فجزاهم الله خير الجزاء.
كلمةٌ في فضل هذا الكتاب:
وكان من أفضل ما أُلّف في علم المصطلح من المطوّلات المحرَّرات في القرن الرابعَ
عشر: كتابُ ((توجيه النظر إلى أصول الأثر» للعلامة الجليل والإمام النبيل الشيخ طاهر
الجزائري الدمشقي، المولودسنة ١٢٦٨ ، والمتوفى سنة ١٣٣٨ رحمه الله تعالى، فهو كتاب ضخمٌ
جامع، أَسَّسَهُ مؤلّفُه على التزامِ تحقيق المباحث الاصطلاحية والبعدِ بها عن المكرورِ المعاد،
فحفَلَ بالموضوعاتِ الهامّة على المستوى الرفيع المتقن، وزَخَر في هذا واتسع حتى بلغَتْ
صفحاتُهُ ٤١٩ صفحة بالحرف الناعم الدقيق في طبعة المؤلف.
وخَرَج الكتابُ إلى عالم المطبوعات في حياة مؤلفه رحمه الله تعالى، منذ زمنٍ بعيد يزيدُ
على ثمانين سنة، فقد طُبعَ سنة ١٣٢٨ بالمطبعة الجَاليّة بالقاهرة، وأشرف المؤلفُ على

٦
تصحيحه وإخراجه كما أشار إلى ذلك في آخره، وكان المؤلف آنذاك يقيمُ بمصر. ثم طُبع
الكتاب تصويراً عن هذه الطبعة مرتين في بيروت دون تاريخ .
ولما كان الكتابُ ثقِيلَ المضمون، مكنوزَ العلم، مرصوصَ العبارة، دقيقَ المباحث،
طويلَ النقولِ والمناقشات، يتعرَّضُ للعَوِيصاتِ والمشكلات، تُورَدُ فيه النصوصُ سَرْداً مِلءَ
الصفحةِ والصفحتين، والثلاثِ والأربع والخمس، والعشر وخمسَ عَشْرَةً وعشرين صفحة،
دون بَدْء لمقطع فيها يُوقَفُ عنده أو يُبدَأ به، مثل ص ٢٤٢ - ٢٥٣ و ٢٩٨ - ٣١٤
و ٣١٦ - ٣٣٧ وسواها في تلك الطبعة، مع خُلوِّه من ضبطِ الألفاظ المشكلة،
والعبارات المُسْتَغْلِقة المستبهِمةِ على غير العلماء النبهاء: لم يُقْبِل عليه كلُّ طَلَبةِ الحديث
الشريف ودارسي علم المصطلح، لثقلِهِ العلمي وكِبَرَه واتساعه ... ، واستفاد منه العلماءُ
المحقّقون الكبار، فَتَهِلُوا منه وعَلُّوا، ونقلوا منه وأكثروا وأحسنوا واستجادوا واستحسنوا.
فمنهم من استقَى منه وأغفل العزوَ إليه والإشادة بفضله، ومنهم من نَقَل منه وأفصح
باسمِهِ وأثنى على مؤلِّفِه في علمِه وتحقيقه، كالإِمام العلامة المحدِّث المفسِّر الفقيه الضابط
المتقِن الشيخ شَبِير أحمد العُثماني الهندي ثم الباكستاني رحمه الله تعالى، صاحب كتاب ((فتح
المُلْهِم بشرح صحيح مُسْلِمٍ)) وغيرِهِ من الكتب المتقَنة النادرة، فقد ملأ المقدمةَ النفيسة
الحافلة لكتابه هذا، التي ألَّفها في المصطلح، وقدَّمها أمامَ شرحه لصحيح مسلم، ملأها
بالنقول المحرَّرة من كتاب العلامة الجزائري: ((توجيه النظر إلى أصول الأثر))(١).
صلتي بالكتاب:
وهذا الكتابُ النفيسُ الممتاز، تعلَّقتْ به نفسي منذ أكثرَ من عشرين سنة، ورغبتُ في
(١) ومقدمة ((فتح المُلْهِم)) تتميّزُ عن كتاب الشيخ العلامة الجزائري بمزايا نادرة تفرَّدَتْ بها بين كتب
المصطلح أشرتُ إليها في تقدمتي لها، وقد اعتنيتُ بها عناية تامة: ضبطاً وتفصيلاً، وتعليقاً، وتأصيلاً، ....
وهيّاتُها للطباعة بعون الله تعالى وفضله، وسمِّيتُها باسم أخذتُه من كلامِ مؤلَّفها العلامة الشيخ شَبِّيْر أحمد في
أوَّلها، وهو: (مَبادِىءُ عِلمِ الحديث وأُصولُهُ). وكان مما حداني على تقديم إخراج هذا الكتاب «توجيه
النظر)) وطباعتِهِ قبلها: أنها اشتملتْ على نصوص ونقولٍ كثيرة جداً، نقلَهَا مؤلِّفُها من هذا الكتاب،
فرغبتُ أن يكون عَزْوُها وإحالاتُها لهذا الكتاب في طبعته الجديدة المعتنى بها، لتسهل الاستفادة منها
بتیسیر الله تعالى وتوفيقه.
تنبيه وإفادة: في آخر الكتاب ص ٩١١ _٩٣٦ رسالةٌ نادرةٌ للحافظ ابن الصلاح وَصَل فيها البلاغات الأربعةَ
التي أوردها الإمام مالك في ((الموطأ»، وقال الحافظ ابن عبد البر. لا يُعرَف لها إسناد، فقد أسندها
الحافظ ابن الصلاح في هذه الرسالة، فأوردتها لصلتها بالكتاب إتماماً للفائدة، إذْ لم يقف المؤلف عليها.

٧
خدمته والاعتناءِ بنشره محقَّقاً مضبوطاً، ميسِّرَ العبارة، جميلَ العَرْض، على وجهٍ يُشوِّقُ طلبةَ
العلم إلى اقتنائه وقراءته والانتفاع بتحقيقاتِهِ ومباحثِه، ولكني كنتُ أنصرفُ عنه بسبب
تزاحم أعمالي العلمية، وبسببِ كِبرِه وثِقَلِه العلمي فهو يَحتاجُ إلى فراغٍ بال، وفراغٍ زمان عميقين.
ثم رأيتُ الأعمالَ تتكاثر، والهِمَّةَ تتقاصر، والتعلُقَ بالكتاب يزداد، فكيف الوصولُ
إلى خدمتِهِ ونشرِه؟! فاستحسنتُ أن أَقَسِمَهُ إلى ستة أقسام متقاربة، فيخفُّ حملُه، وأصطحبُه
معي في الأسفار، إذْ يصفو لي فيها الفراغ أكثرَ من فراغي في مُقامي بين أهلي وصَحْبي
وأعمالي التعليمية، فاستعنتُ بالله تعالى وبدأتُ بقراءته في ضحى يوم الأربعاء ٦ من رجب
سنة ١٤٠٥، في داخل الطائرة المتوجهة من الرياض إلى دِهْلٍ ثم لَكُنُو، وحيدرآباد الدَّكَّن،
ومِذْراس في الهند.
وهكذا صِرتُ أقرأه في الأسفار التي أفرُغُ فيها، فقرأْتُهُ مقسَّماً في بلدانٍ متعددة،
وأسفار متقاربةٍ ومتباعدة، أقرأه في البلدان إذا استقررتُ وفَرغتُ، وفي الطائرة إليها إذا
سافرتُ وارتحلتُ، فكانت قراءتُه موزّعةٌ على أسفاري إلى الهند، وباكستان، والإِمارات
العربية المتحدة، والكويت، وعمّان، وبغداد، وإصطنبول، وبُوْرْصَة وغيرها من البلدان،
وفرغتُ من قراءته في الرياض في منتصف عام ١٤٠٦ والحمدُ لله رب العالمين.
وكنت على حال من الأسفار المُرهِقَة، والتنقلاتِ المتلاحقة، يَصدقُ عليَّ فيها قولُ
شاعر بني عَبَّد عبدِ الله بن أحمد العَبَّادي:
أُخرى بشَخْصٍ قَریبٍ عَزْمُهُنائي
لا يَسْتَقِرُّ بأرضٍ أو يَسيرُ إلى
ماً بالعُذَيْبٍ ويوماً بالُلَيْصَاءِ
يوماً بِحُزْوَى ويوماً بالعَقِيقِ ويَوْ
شِعْبَ الَحَزُونِ وحِيناً قَصْرُ تَيْمَاءِ
وتارةً ينتحي نَجْداً وآونةً
سبب تأليف الكتاب:
قال المؤلف رحمه الله تعالى - كما أَثْبَتَهُ على وجه الكتاب -: تنبيهً: الداعي إلى تأليف
هذا الكتاب ما وقع العَزْمُ عليه من تحرير الكلام في سيرة النبيّ عليه الصلاة والسلام، مما
لخّصه في كتابه الإِمامُ عبدُ الملك بنُ هشام، ليكون الناظرُ فيه وفيما شاكله على بصيرة من
أمره. انتهى .
وهذا مَقْصِدٌ جليل نبيل هامّ جداً، فإن تنقيةً أخبار السيرة النبوية من الأقوال التالفة
والروايات المنكرة أمرٌ واجب لم يتحقق حصولُه على الوجه التام المطلوبٍ بعدُ، فجزى الله

٨
الشيخَ خيراً على مقصِدِهِ، وعلى تمهيد الطريقِ إلى ذلك المقصِد، بتأليف هذا الكتاب
النفيس، في علم المصطلح الذي هو المعيار الدقيق لنقد الأخبار. وبهذه الكلمة التي قالها
المؤلف عرفنا سببَ تأليفِهِ الكتاب، وعرفنا سبب اهتمامه بعلم المصطلح هذا الاهتمام البالغ العظيم.
إلماعةٌ إلى بعض مزايا الكتاب ومؤلّفه:
إن أيسرَ نظرٍ فاحصة في هذا الكتاب، من طالب علم أو عالم بعلم المصطلح : تجعله
يجزمُ بإمامة مؤلِّفه، وسعةِ اطلاعِه، وعُمقِ تحقيقه، وطولِ صبرٍٍ على البحثِ والتمحيص في
المسائل المشكلة والمُعْضِلة.
وإذا أدام القارىء النظر في الكتاب، بدَتْ له شخصية مؤلفه رحمه الله تعالى: عالماً.
متقِناً، ومحدٍّثاً متمكناً، ونَخَّاباً ذَوَّاقَةً فَطِناً، وفقيهاً بارعاً، وأصولياً لامعاً، ومؤرِّجاً واعياً،
ولُغَوياً ضليعاً، وحَبْراً بالقرآن وعلومه، وبالقراءات ووجوهها، وبالبلاغة وفنونها، وبالشعر
ونقدِه وعَرُوضِهِ وأوزانِه، وبالوقفِ والابتداءِ وأنواعه، وبالرسم للكتابة وقواعدها.
:
وهو إلى جانب ذلك كلِّه مفسّرٌ مَتِينٌ متميِّز، له تفسيرٌ كبير في أربع مجلدات ضِخام،
لم يخرج إلى عالم المطبوعات بعدُ، ولتفسيرِهِ مقدمتان طُبِعَت المقدمةُ الصُّغرى منهما: ((التبيان
لبعض المباحث المتعلقة بالقرآن)» في ٢٨٠ صفحة، وحَوَتْ دُرَرَ النقول، وحُرَّ المباحث الهامَّة
النافعة العالية من علوم القرآن. وللمزايا النادرة في هذا الكتاب اعتنيتُ بخدمته ونشره،
وطبع في بيروت سنة ١٤١٢.
ولمَّا كان المؤلف يتمتعُ بهذه المزايا العلمية: تجدُهُ إذا تكلّم في فَصْل من فصول هذه
العلوم تكلم بمتانة وبصارة وأصالة، فلا تَشهدُ في كتابه هذا - وسائرِ كتبِه - الاجترارَ
والتكرار وإعادة البديهيات والأولويات، فهو من أهل النقد والتحقيق، ولهذا ترى كلُّ
ما يَصدُرُ عنه يَقْعُ موقعَهُ الرفيع في بابه، فالمؤلِّفُ عالم متَقِن متفنن في جملةِ علوم، وقد وَرِثُ
ذلك عن أبيه رحمه الله تعالى، فقد كان أبوه في مرتبة عالية من العلم.
ومزايا هذا الكتاب جٌَّ، أهمُّها: أنه أوسَعُ الكتب المحرَّرةِ المطوّلة المؤلّفة في علم
المصطلح، التي أُلِّفَتْ في القرن الرابع عشر، فالمؤلِّفُ نَخَلَ كتبَ المصطلح نَخْلا واعتْنَى
بأهم مباحثها، واستخلَصَها في كتابِهِ، وعَطَّف على كتب أصول الفقه واستخلَصَ منها أهمَّ
المباحثِ المتصلةِ بالمصطلح. وعزَّزَ بعضها ببعض، ونَقَل النقولَ الناطقة في موضوعها، ومثَّنَ
كثيراً من المباحث بنقولٍ فريدة من غير كتب المصطلح والأصول، من كتب التفسير
والحديث والعقائد والنُّجَل والرجال والتاريخ واللغة والنحو، لا يهتدي إلى معرفة تلك

1
٩
النقولِ الناضرةِ فيها إلَّ مِثلُه، فجلّى الحقيقةَ العلمية التي يُريد تجليتَها حتى بدَتْ ناصعةً
واضحة، أو ظاهرةً راجحة.
وهو إذ يصِلُ في تحقيقه وتمحيصِهِ بالمسألة إلى المستوى الرفيع من البحث، لا تَشعُرُ منه
باستعلاء أو انتفاخ أو تعالم، كبعض الأدعياء والمتعاظمين المتعالمين اليوم، بل حِليتُهُ التواضع
والأدب العلمي. ولمّا رأى من الإِمام ابن حزم شططاً في بعض الفصول وجَّه إليه كلمةً
النقدِ واللوم، وما أقرَّه على شططِهِ وتطاولِه، مع أنه يُجله كثيراً وينقُلُ عنه كثيراً.
ومن مزايا هذا الكتابِ الحَفِيلِ : أن مؤلِّفَهُ أوسَعَ فيه بعضَ المباحث إيساعاً كبيراً حتى
صَلَح المبحثُ الواحدُ منها أن يكون رسالة مستقلة في موضوعه، لتكامُلِهِ واستيفاء جوانبِهِ
الهامَّة، كمبحثٍ (الحديث الصحيح) و (الحديث الحسن) و(الحديث الضعيف) و (الحديث
المعلَّل) و(الحديث المتواتر)، وقد تفرَّدَ كتابُ المؤلّف عن كتب المصطلح بذكره فيه (مبحث
الحديث المتواتر) بتلك السَّعَة والطول والتحرير، وكذلك مباحث (الرواية بالمعنى)
و(التعارض والترجيح) وغيرها من الأبحاث النفيسة المتقنة.
وانتَخَب كتابَ ((معرفة علوم الحديث)) للإِمام الحاكم أبي عبد الله النيسابوري
انتخاباً جيّداً، وأدخلَهُ في كتابه هذا، كما انتَخَب كتابَ ((العِلَل في الحديث)» للإِمام ابنٍ
أبي حاتم الرازي على غِرار سابقه، وكان هذان الكتابان في زمن تأليفِهِ للكتاب من
المخطوطات النادرة، فأحسَنَ بانتخابهما وإشاعة أبحاثهما، ولم يكن في انتخابه لهما مجرَّد
مختصر بل كان ناخباً ومُعلِّقاً مُفِيداً.
وتميّز كتابُه أيضاً بمباحث هامَّة ليسَتْ من علم المصطلح، ولكنها من تمام ثقافة قارئه
ومتقِنِه، فأورد فيه المؤلِّفُ وأوسَعَ أيضاً مبحثَ (الخطِّ العربي)، و(علائمِ الفَصْل)،
و(الكلام على الخَرَكات العربية) في الكلمة، و(الوقفِ والابتداء)، و(علائمِ الوقف)،
و(السَّجْعِ)، و(الإِدْمَاجِ في الشعر). وغير هذه من المباحث المفيدة الهامّة.
منهجُ المؤلّف في الكتاب:
لقد اعتنى المؤلِّفُ بتحقيق المباحث الاصطلاحية، وصَرَف جهده لتمحيصها وبيان
الراجح فيها، وسَلَك فيها مسلَكَ النقل والنقد والتعليق والاستدراك على ما بدا له فيه وجهةٌ
نظر. وناقَشَ الآراءَ المرجوحة والأقوال الضعيفةَ بإيجاز وقوة، وهذا مسلكٌ سليمٌ قَویم.
وللشيخ نهجٌ آخَرُ في تمحيص الأقوال والمباحث، وهو أنه حين يَنقُلُ كلامَ العلماء في

١٠
موضوعٍ مَّا، سواء كان ذلك في جانب القبول أو جانبٍ الردّ: تراه يُدخل التحسين
والتَّجويدُ على العبارة التي يَنقُلُها، بحذفِ بعض ◌ُمَل أو كلماتٍ أو كلمةٍ منها، أو بتقديم
بعضِ الجُمَل أو الكلماتِ أو تأخيرها، أو بتأخير المقطع عن موضعه وتقديم مقطع آخر
عليه، أو بإدخال حرفٍ جرٍ على اسم، أو بتبديلِ الحرف الجار بحرفٍ آخر يراه أولى
وأوضح في بيان المقصود، ونحو هذا من أنواع التصرف والتحسين.
وهذه الطريقة في التغيير والتحسين الذي يراه: شائعة في كتابه هذا وفي غيرِهٍ من كتبه
التي ألَّفها أو اختصرها أو لخّصها. ويتصرَّفُ هذا التصرف ـ دُونَ تحرُّج - في كلام كبار
العلماء والأئمة إذا نَقَله، فقد صَنَع هذا فيما نقله من كلام الإمام الشافعي والإِمام البخاري
ومسلم والحاكم وابنِ عبد البّ والخطيب البغدادي وابن الصلاح والنووي وابن تيمية
والذهبي والعراقي وابن حجر وسواهم، وقَلَّ أن يُنَبِّهَ على ذلك. وعلى هذا فلا يَصِحُّ غالباً
اعتمادُ العبارةِ المنقولةِ هنا: أنها عبارةُ العالم أو الكتابِ المنقول عنه بالحرف تماماً.
وهذا الأسلوب من التغيير والاختصار والتحسين يسلكه الحافظ ابن حجر رحمه الله
تعالى، في كتابه ((فتح الباري)) ولكنه ينبّهُ على ذلك غالباً. والعمدةُ في استجازة هذا
الأسلوب أن الناقل - فيما تصرّف - لم يخرج عن مُراد القائل، فهو من باب الرواية أو النقل
بالمعنى، وهذا جيد مقبول، ولكن يقعُ للشيخ المؤلف في بعض الأحيان مفارقة بين
العبارتين، يختلف الفهم معها، أو تُوهِمُ ما لم يُرَد في كلام القائل، أو تُغمِضُ فهَمَّهُ، وهو
قلیل نادر في الكتاب.
والمأخذ الذي يتوجه على المؤلف في نظري أنه يَذكُرُ الأقوال في المسألة، أو ينقبل
النصوص فيها عن أصحابها المعروفين، والمشهود لهم بالإِمامة في العلم والفضل
والتحقيق، كابنِ السِّيْد الْبَطَلْيَوْسي وابنِ الصَّلَاح والنووي وابن تيمية والذهبي والعراقي
وابن حجر وأمثالهِم دون أن يذكر أسماءهم، أودون أن يُسمِّي كتبَهم التي نَقَل النصوص
منها، وبذلك يُجْهَلُ القائل، ويُوَعَّرُ الطريقُ على راغبٍ معرفةِ القائل، أو معرفةِ الكتابِ
الذي كان النقل منه.
وأقدِّرُ - والله أعلم - أنَّ منطلقه في اختيار هذه الطريقة المُبْهِمةِ أن الحُجَّة في المسألة
قبولاً: سَدادُ القول ونصاعةُ الدليل ورُجحانُهُ، وأنَّ العمدةَ في رد القول: ضَعفُهُ واستبانَةُ
الخطأ فيه، أياً كان القائل. وهذا مسلك صحيح، بل قد يقتضي المقامُ في بعض الأحيان
ترجيحَ إبهامِ اسمِ القائل وإغفالِ ذكرِهِ، إذا كانت المسألة مشهورةٌ جداً، لا يُحتاج إلى

١١
معرفة قائلها، أو كانت غيرَ مشهورةٍ جداً، لا يحتاج إلى معرفة قائلها أو كانت غير مشهورةٍ
ولا معروفةٍ في بابها وقائلُها ليس بذي شأن في العلم، أو كانت مردودةً متحقِّقَةً البطلان
لا يُلتَفَتُ إليها، أو كان المردودُ عليه عاليَ المقام، لا يَحمُلُ أدباً التَّصريحُ باسمه، ونحوَ ذلك
من الأسباب المقبولة .
أما في غير هذه الأحوال فمعرفةُ القائل لها شأن كبير وفوائدُ جُلَّى، فإنها تَزِيدُ الثقةَ
بالقائل ويقولِهِ أيضاً، أو تزيدُ التفهُّمَ لرأيه في المسألة، أو تعرِّفُ بمنشأ القول عنده أو توجيهِ
الردِّ عليه، وكذا معرفةُ اسم المصدر المنقولِ منه، تُمكِّنُ من الرجوع إليه لاستزادةِ مستزيد،
أو لثُّتِ مستثبت، أو لتصحيح تحريفٍ وَقَع في النص، أو إزالةِ إشكالٍ نجَمَ عن الخطأ في
فهم النص أو نقلِه أو اختصاره.
والمؤلِّفُ رحمه الله تعالى وعَّرَ الطريقَ على راغب التوثق أو التوثيق في المسألة، وفَوَّت
نفعاً كثيراً على قارىء كتابه بإغفالِ اسمِ القائل أو اسمِ المصدر.
علامات الانتهاء والحذف عند المؤلف:
تعرَّض المؤلف في أواخر كتابه هذا ص ٤٠٢، من طبعة المؤلف، وص ٨٧٥ وما
بعدها من هذه الطبعة، إلى ذكر علاماتِ الانتهاء، والحذف، فيما ينقله العلماء من
الكلام.
فحكى طريقة المتقدمين في الإشارة إلى الانتهاء: أنهم كانوا يشيرون إلى انتهاء النقل
بقولهم: (انتهى ما ذكره فلان)، أو (هذا آخِرُ كلامٍ فلان).
وحكى عن المتأخرين أنه ((جَرَتْ عادةُ كثير منهم أنهم إذا نقلوا عبارةٌ عن أحد: أن
يكتبوا في آخرها ألفاً ورَأْسَ هاءٍ، إشارةً إلى لفظ (انتهى). وكان حَقُّهم أن يكتفوا
برأس الهاءِ فقط، لأن قاعدة أرباب العلائم أنهم يكتفون بأقل ما يحصلُ به المقصود، ولا
يُسوِّغون الزيادةَ عليه، فلو كان رأسُ الهاء قد جُعِلَ علامةٌ على شيء آخر، واضطُرُّوا إليها،
ساغ لهم أن يزيدوا الألف للتمييز بينهما، ولم يقع ذلك، ولذا ذهب أناس الآن إلى الرجوع
إلى مقتضى القاعدة، فاقتصروا على رأسِ الهاء، وربما وضع بعضهم قبلَها نقطة)). انتهى.
فقرَّر المؤلِّفُ بهذا أن علامة الانتهاء عند المتأخرين هي (اهـ)، واعتَرَضَ عليهم بأنهم
كان الأولى أن يكتفوا برأس الهاء فقط (هـ). وقال: ((ربما وَضَع بعضهم قبلَ الهاء نقطة:
(. هـ).)).

١٢
فهذه ثلاثة رموز، مشى عليها المؤلف في بعض المواضع(١)، وأضاف إليها رمزين آخرين
وهما (اهـ.) و(. اهـ) فتعددت بذلك عنده رموز الانتهاء، و کان الأولى به توحيدها على
وجهٍ واحد، فلذا لم أُثبِت رموزَه، واختَرتُ أن أُثبِتَ في الإِشارة إلى الانتهاء (. اهـ.)،
فالنقطة الأولى لختم الكلام، و(اهـ) للانتهاء، والنقطة الأخيرة لختم المقطع أو النص.
ثم حكى المؤلفُ طريقةَ النَّقَلَّةِ في الإشارة إلى الحذف من الكلام - إذا دعاهم الحالُ
إلى حذفٍ شيءٍ من العبارات التي يُستغنى عنها خلالَ الكلام - فقال: طريقتُهم أنْ يُشيروا
إلى ذلك بقولهم: (ثم قال)، ثم يأتوا بتتمة العبارةِ المرومِ نقلُها، فَيَعلَمَ المطالعُ أنه قد طُوِيَ
شيء من الكلامِ بين العبارتين، وحكى أيضاً عن النَّقَلَّةِ أنهم قد يحذِفون (ثم) ويقتصرون
على (قال) في الإِشارة إلى ما طُوِيَ من الكلام.
وحَكَى أيضاً - كما في ص ٨٧٧، و٨٩٠ _ أن يُشارَ إلى الحذفِ بوضع رأسٍ
القاف في مواضع الحذف، قال: ((وهي مُذكِّرَةٌ بلفظِ (قال). وكنتُ قديماً أضعُ رأسَ
الفاءَ، إشارة للفظِ (الحَذْف)، على أنه لو لم توضع نقطةٌ - على الفاء - أصلاً لم يكن
بأس، لامتياز هذه الصُّورَةِ بنفسِها».
ثم أَوَرَدَ المؤلفُ مثالاً لذلك، فَتَقَل طَرَفاً من كلام الجاحظ في أول كتابه: ((البيان
والتبيين» وحَذَفَ منه ◌ُمْلاً جاءت بين العبارتين، ورَمَز للحذفِ برأسٍ القاف وساق فيها
عِدَّة أمثلة، هذا واحدً منها:
((ومدارُ الأمر على البيان والتبيين، وعلى الإِفهام والتفهيم، وكلما كان اللسان أبينَ كان
أحمَدَ، كما أنه كلما كان القلبُ أَشَدَّ كان أحمَدَ قـ، ومن أجلِ الحاجة إلى حُسنِ البيانِ وإعطاءِ
الحروف حقوقَها من الفصاحة، رَامَ أبو حُذَيفة (واصِلُ بنُ عطاء وكان أَلْتَغَ) إسقاطَ الراءِ
من كلامه، وإخراجها من حروف مَنْطِقِهِ، فلم یزل یُکابِدُ ذلك ویغالبه، حتى صار لغرابته
مثلاً، ولظرافته مَعْلَماً. هـ).
وهذا الذي اختاره المؤلف هنا من علامة الحذف قـ لم يَمْشٍ عليه هو إلاّ في مواضع
قليلة جداً، وقد أبقيته لمعرفته وقلَّتِهِ، فإن المؤلف في أكثر الكتاب أغفّلَ العلامة إلى الحذفِ
(١) فمما جاء فيه - في طبعة المؤلف - رمزُ (هـ) ص ٧٤، ١٥٨، ٢٤٦. ورمزُ (هـ) ص ٣٥،
٣٧، ١٦٦ . ورمزُ (اهـ) ص ٣٠، ٥٧، ١٥٨، ورمزُ (اهـ.) ص ٦. ورمزُ (.اهـ.) ص ٣٧٢.

١٣
بالمرَّة، وخاصةً فيما نقلَهُ عن كتابٍ ((معرفة علوم الحديث)) للحاكم، وكتابٍ ((العِلَّل في
الحديث)) لابن أبي حاتم الرازي، فإنه نَقَل منهما النقولَ الطويلَة الكثيرة، وحذَفَ من
وسطها الكثير جداً خلالَ الكلام المنقول، ولم يُشِرِ إليه إشارةً مَّا.
على أن هذا الرمز للحذف قـ لم يَلْقَ قبولاً عند أحد من العلماء والكتاب، وقد
اختاروا الرمز له بوضع ثلاث نقط هكذا ... وهو اختيار صحيح، كما هو مشروح في كتاب
((الترقيم وعلاماته في اللغة العربية)) لأحمد زكى باشا(١).
عَمَلي في الكتاب: والأصلُ الذي اعتمدتُهُ فيه:
كان اعتمادي في إخراج هذا الكتاب وخدمتِهِ، على الطبعة التي صححها المؤلف
وصَدَرَتْ في القاهرة سنة ١٣٢٨، ثم أعاد طباعتها تصويراً الشيخ محمد سلطان النّمَنْكاني
عالم الكتبية بالمدينة المنورة رحمه الله تعالى، في بيروت دون تاريخ .
ولما كان الكتاب - كما ذكرتُ فيما سَبَق - قد تميز بالتحقيق والتمحيص والاستيفاء
لموضوعاته، لم يكن بحاجةٍ إلى التعليق الكثير والتعقب المستمر، ولذا لم أعلِّق عليه إلاّ
قليلاً، وهو إلى جانب هذا كتابٌ كبيرٌ وطويل، فما أحببتُ أن يزيدَ كِيَرُهُ كثيراً، فَتُحْجِم عن
قراءته نفوسُ بعضِ القراء لِكِبْرِهِ وطُولِه .
وجعلت عنايتي متوجهة إلى ضبطٍ عباراته، وتفصيل جُمْلِه ومقاطِعِه، لتيسير فهمه
وهَضْمه، فقد أخرجه المؤلف رحمه الله تعالى أجرَدَ لا شَكْلَ فيه ولا ضبطَ، ومَدَّ في بعض
مباحثه مدَّاً طويلاً على نَسَقٍ واحدٍ متواصِلٍ، حتى بلغت بعض مقاطعِهِ ثلاث صفحات،
وخمسَ صفحات، وسبعَ صفحات، وعشرَ صفحات! وعشرين صفحة ! - كما تقدمت
الإِشارةُ إليه - دون بَدْءٍ فيها لمقطعٍ واحدٍ مع صغر حرفِ الكتاب.
وفي هذا إجهادٌ للقارىء والمراجِعِ معاً، فكان الكتابُ بحاجةٍ ماسَّةٍ جداً إلى تيسيره
في حُسنٍ عَرْضِهِ، وضبطه، وتخفيف ثِقَلِه بإكثار مقاطعه، وفواصلِ كلماتِه وعباراتِه، فقد
كان الكتابُ في طبعة المؤلف مضغوطاً جداً للغاية، إذ خرج في جزءٍ واحدٍ في ٤١٩ صفحة،
وخرج في هذه الطبعة النضيرة المشرقة في جزءين بأكثر من ألفٍ صفحة مع فهارسه العامة،
وأرجو أن أكون قد قمتُ بذلك على الوجه المطلوب بعون الله تعالى، ووضعت في حاشية هذه
الطبعة الجديدة المحقّقة، أرقامَ الصفحاتَ في الطبعة القديمة، نظراً إلى أن العزو إليها قد
استمرَّأكثر من ثمانين سنة، فتكون هذه الأرقام مُرشِدةً إلى تعيين موضع الإِحالةِ إليها في تلك الطبعة.
(١) انظر كلمة عن هذا الكتاب تعليقاً في ص ٨٧٩ من ((توجيه النظر)).

١٤
والكتاب قد صححه مؤلفه عند طبعه، ولكنه لكبره واتساعه وقعَتْ فيه أخطاءً
مطبعية غيرُ قليلة، صححتها ولم أنبه عليها دائماً، كما وقعت فيه تحريفات كانت في
بعض المصادر التي نَقَل منها المؤلف وسَرَّتْ عليه. فأثبتُ الصحيحَ فيها، وأشرت غالباً
إلى الخطأ بلفظ (وقع في الأصل ... )، فالأصلُ المَعْنيُّ في كلامي هو الطبعةُ التي صحَّحها
المؤلف. وما وقع فيه خطأ أو تصحيف أو اشتباه أو توقفُ وصَوَّبتُه شكلتُه ولو كان
واضحاً إشارة إلى ذلك وتأكيداً لتصويبه، وقد أَشْكُلُ الكلمةَ المُشْكِلَةَ - أو أُغْفِلُ شكلَها،
وأشكلُ ما قبلَها وبعدّها ولو كان واضحاً - إيذاناً بورودها كذلك بالأصل وأني لم أهتد
لتصويبها .
وقمت بتخريج نصوصه التي سَمَّى المؤلف مصادرَها فيما استطعتُ إليه سبيلاً، كما
عزوتُ الآيات الكريمة إلى مواضعها من الشُّوَر في أغلب الأحوال، وربطتُ بين إحالاتِه
الكثيرة السابقة واللاحقة بتعيين صفحاتها، وبذلتُ في ذلك جهداً كبيراً، لصعوبة تعيين
المواضع التي أشار إليها المؤلف، وترجمتُ للمؤلف ترجمة لائقة به، فإنه كان كالمغمور
بين الأوساط العلمية في وقتنا هذا، فأردت التنبيه إلى سُمُوِّ مقامه العلمي وتمكنه في جملة
من العلوم الشرعية وغيرها.
وألحقتُ بآخر الكتاب في ض ٩١١ -٩٣٦ رسالةً نادرةً للحافظ ابن الصلاح، وَصَل
فيها البلاغاتِ الأربعةَ التي أوردها الإِمامُ مالك في ((الموطأ))، وقال الحافظ ابن عبد البر:
لا يُعرَف لها إسناد. فقد أسندها الحافظ ابن الصلاح في هذه الرسالة. وذكر المؤلف الشيخ
طاهر في آخر مبحث (الحديث المُعْضّل) بآخر (النوع الثاني عشر) من تلخيص كتاب
((معرفة علوم الحديث)) للحاكم ص ١٧٠ من طبعة المؤلف وص ٤٠٨ من هذه الطبعة،
كلامَ ابن عبد البر هذا، ولم يقف على رسالة ابن الصلاح، فأوردتها إتماماً للفائدة.
وأرجو من الله عز وجل أن يتقبل مني صالح العمل، ويجنبني الخطأ والزلل، ويصلح
النية والمقصِد، ويكتُبَ لهذا الكتاب زيادةَ القبول والنفعِ به، ويكرم مؤلفَهُ بجواره العظيم
في مقعد الصدقِ عنده. ويغفر لي وله ولمشايخنا وأمَّهاتِنا وآبائنا وإخواننا وأحبابنا ومن له حقّ
علينا. وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم، وآخر دعوانا أن الحمدُ للهِربِّ العالمين.
و کتبه
في الرياض يوم الأحد ١٧ من ذي القعدة سنة ١٤١٠
عبد الفتاح أبو غدة

١٥
الشيخ طاهر الجزائرى(*)
ترجمة المؤلف:
هو طاهر بن محمد صالح بن أحمد بن موهوب السَّمْعُوني الجزائري
الأصل، الدمشقي المولد والوفاة، ينتهي نسبه إلى سيدنا الحسن بن عليّ رضي الله
عنهما .
كان رحمه الله إماماً علامةً ضليعاً، ومُتفنّناً دقيقاً، جامعاً بين المعقول
والمنقول، مؤرّخاً أَثَرياً، لغوياً أديباً، أحدَ روَّاد النهضة الحديثة في البلاد العربية،
ومن دُعاة التجديد فيها عِلماً وتأليفاً، ودعوة وأخلاقاً، وفكراً وسياسة.
ولد بدمشق سنة ١٢٦٨، في شهر ربيع الآخر منها، وتوفي بها قُبيل ظهر
الاثنين ١٤ من شهر ربيع الآخر سنة ١٣٣٨، عن سبعين عاماً، ودُفن بمقبرة ذي
الكِفْلِ بسَفْح قاسِيُون، كما هي وصيّتُه رحمه الله تعالى.
(*) مصادر الترجمة: ((تنوير البصائر بسيرة الشيخ طاهر)) لتلميذه العلامة الشيخ محمد
سعيد الباني الدمشقي، مطبعة الحكومة العربية السورية سنة ١٣٣٩، ((كنوز الأجداد)) ص ٩ -
٤٨ الطبعة الثانية، دار الفكر بدمشق ١٤٠٤، و(المعاصرون)) ص ٢٦٨ - ٢٧٨ من مطبوعات
مجمع اللغة العربية بدمشق سنة ١٤٠١، كلاهما لتلميذ المترجم أيضاً الأستاذ محمد كردعلي،
(الأعلام)) للأستاذ خير الدين الزِّرِكْلي ٣: ٢٢١، ((معجم المؤلفين)) للأستاذ عمر رضا كحالة
٣٥:٥، مقال الأستاذ علي الطنطاوي في ((رجال من التاريخ)) ص ٣٧٥ - ٣٨٠، والأستاذ أنور
الجندي في ((تراجم الأعلام المعاصرين)) ص ١٦٤ - ١٧٤، طبعة مكتبة الأنكلو المصرية
بالقاهرة الطبعة الأولى سنة ١٩٧٠م، ((أعلام دمشق في القرن الرابع عشر) للدكتور الشيخ محمد
عبد اللطيف فرفور ص ١٤٩ - ١٥١، ومقدمة الناشر لـ ((توجيه النظر)) طبعة دار المعرفة
ببیروت، دون تاريخ.

١٦
قَدِم والده الشيخ محمد صالح من الجزائر مهاجراً إلى دمشق سنة ١٢٦٣ مع
الأمير عبد القادر الجزائري، وبقي فيها إلى أن توفي سنة ١٢٨٥، وكان فقيهاً
مالكياً، وتولَّى فيها إفتاء السادة المالكية(١). وكان عالماً بالقراءات وعلوم القرآن،
وقد ذكره ولدُهُ المؤلفُ في كتابه هذا ص ٨٣٣.
تلقَّى الشيخ طاهر العلم أولاً عن والده، ثم اتصل بغيرِه من علماء دمشق،
فأخذ اللغة العربية والتركية والفارسية عن الشيخ عبد الرحمن البُؤْشْنَاقي(٢)، وأخذ
عن غيره الفرنسية، والسُّريانية، والعِبْرية، والحَبَشِيَّة، وكان يَعرف القبائلية البربرية
لغة مواطنيه .
ثم صحب فقيه عصره العلامةَ الشيخ عبد الغني الغُنَيميَّ الميداني الحنفي؛
المولود سنة ١٢٢٢، والمتوفى سنة ١٢٩٨، تلميذَ العلامةِ الإِمام الشهير ابن
عابدين رحمهما الله تعالى، فاستفاد الشيخ الجزائري من شيخه الغنيمي العلم
واليقظة، والوعي في تطبيق الأحكام الشرعية على الواقع العملي، وتخرَّج به.
ومما قرأه عليه حاشية السعد التفتازاني: ((التلويح)) على ((التوضيح)) لصدر
الشريعة رحمهما الله تعالى، في أصول السادة الحنفية، وقال: ((إنه وَجَد منه تحقيقاً
يُعْرِب عن غَزَارة علمه وارتقاء فكره، غير أنه كان يُؤْثِر الخمول على حبِّ الشهرة
والظهور، فلا يرغب في المناقشة والتفصُّح في المجالس الحافلة، ولكنه إذا سُئل
على انفرادٍ عن عويصات المسائل تجدُ منه حلَّل المُعضلات، وكشَّاف الأستار عن
الأسرار))(٣).
وسَاعَدَ الشيخ الجزائريَّ على النبوغ في العلم تفرُّغه التامُ له، ونَهْمتُه
(١) (تنوير البصائر)) ص ١٣٩، وفي كتابَيْ الأستاذ كردعلي أنه تولى القضاء.
(٢) وتكتب هذه النسبة أحياناً: البشناقي، لذا تحرفت في ((المعاصرون)) إلى: البستاني.
(٣) (تنوير البصائر) ٧٣ - ٧٤.

١٧
الشديدة، وحافظتُهُ القوية، كما شهد له بهذه الخصلة الأخيرة تلميذاه: قال الأستاذ
الباني: ((كان قويَّ الحافظة التي تُوشِك أن لا تَنسَى شيئاً أشرفتْ عليه أو سمعته
مهما طال الزمن!))(١). وقال الأستاذ كردعلي: (( ... ساعده على إتقان ذلك قوة
حافظته، فإنه ما مرَّ خاطره بشيء ونسيه!))(٢).
وهذا ما ساعد الشيخ على إرواء طموحه العلمي، إذا كان رحمه الله تعالى
طُلَعَةً متفنّناً: دَرَس إلى جانب العلوم الشرعية والعربية: عدةً لغات، والعلومَ
الطبيعية، والرياضية، والفلكية، والتاريخية، والأَثَرية، وكاد ينفرد عن علماء
عصره بمعرفة آثار السابقين ومؤلفاتهم.
أعماله: أسَّس نخبةٌ من علماء دمشق وأعيانها ((الجمعية الخيرية)) عام
١٢٩٤، فكان الشيخ من أعضائها العاملين فيها، وبعد برهة تحوَّلت إلى (ديوان
معارف)(٢).
وفي العام التالي: ١٢٩٥ عُيِّن مفتشاً عاماً على المدارس الابتدائية(٣). قال
الأستاذ كردعلي: ((وفي هذه الحِقْبة ظهر نبوغ شيخنا وعبقريَّته في تأسيس المدارس
واستخلاص القديمة من غاصبيها، وحملِ الآباء على تعليم أولادهم، ووضع
البرامج، وتأليف الكتب اللازمة»(٤).
وفي عام ١٢٩٦ نهض الشيخ رحمه الله للمساعدة على تأسيس المكتبة
(١) (تنوير البصائر)) ص ١٢٧، و((المعاصرون)) ص ٢٦٨.
(٢) ((كنوز الأجداد)) ص ١٠، و ((المعاصرون) ص ٢٦٩.
(٣) وقع في ((المعاصرون)) ص ٢٦٩: ((سنة ١٢٨٥)) وهو خطأ مطبعي.
(٤) ((كنوز الأجداد)) ص ١١. وقد أصبحت الكتب التي كانت تدرَّس في المدارس
الابتدائية آنذاك: مراجع لطلاب العلم في أيامنا! من ذلك: كتاب ((الهدية العلائية) للعلامةِ علاءٍ
الدين المتوفى ١٣٠٧، نجلِ العلامة الشهير الفقيه ابن عابدين رحمهما الله تعالى، فإنه ألَّفه
لطلاب المدارس الابتدائية !.

١٨
الظاهرية بدمشق (١)، جُمع فيها أولاً مخطوطات عشر مدارس(٢)، كانت مبعثرة،
ثم اتسعت حتى أصبحت إحدى المكتبات العظيمة في البلاد العربية.
(«وبعد مدة أنشأ في القدس خزانة سماها ((المكتبة الخالدية)) وهي كتب الشيخ
راغب الخالدي، ضُمَّت إليها كتب أسرته))(٣).
واستمرَّ الشيخ يعمل ويدأب على التعليم والتأليف في غرفته في المدرسة
العَبْدَلِيَّة المنسوبة إلى عبد الله باشا العظم، سننين عديدة، كان خلالها عالماً معلِّماً
مربِيّاً مُرجِعاً في العلم والرأي (٤).
وفي سنة ١٣٢٥ حَصَلَت له مضايقات من قِبَل السلطة فهاجر إلى مصر،
واستُقْبِل بِتَرْحَاب وإجلال من بعض علمائها وأدبائها كأحمد تِنْمُور باشا، وأَحمد
زكي باشا، ومكث فيها ثلاث عشرة سنة، بعدها أحسَّ بمرض شديد أثقلَهِ، فرجع
إلى دمشق سنة ١٣٣٨، وعُيِّن فوراً عضواً في ((المجمع العلمي العربي))، ومديراً
عاماً لدار الكتب الظاهرية.
لكنه لم يمكُث في دمشق إلَّ أربعة أشهر(٥)، وتوفي بعدها رحمه الله تعالى.
سِماته الخَلْقية: ((كان رحمه الله حسنَ الطَّلْعَة، معتدلَ القامة والجسم،
حِنطيّ اللون، واسع الجبين، أسود الشعر والعينين، ذا لحية كثيفة، عصبيَّ
المِزاج، سريع الحركة، واسع الخَطْو))(٦).
(١) وممن ساعد على ذلك: الشيخ صالح المُنَيَّر (١٢٦٦ - ١٣٢١) قرينُ الشيخ طاهر،
ومنافِرُه. انظر ((أعلام دمشق)، ص ١٣٩، و((كنوز الأجداد)) ص ٢٠.
(٢) ((كنوز الأجداد" ص ١١، و ((المعاصرون)) ٢٦٩، وسمَّى بعضها الباني ص ٢٤.
(٣) ((كنوز الأجداد)) ص ١١، و(المعاصرون)) ٢٦٩، وسمَّى بعضَها الباني ص ٢٤.
(٤) (تنوير البصائر)) ص ٧٠، ١١٤ وما بعدها، ١٤٠.
(٥) (تنوير البصائر)) ١٤٠، وفي «أعلام دمشق)): ثلاثة أشهر.
(٦) (تنوير البصائر) ١٣٩.

١٩
((كان لا يعرف الهُجْر، ولا يسبُّ سَباً قبيحاً، هذا مع حدَّة ظاهرة فيه، وإذا
صَفَا ذهنه تُفْصح عبارته في محاضرته، وإلاّ فيعتريها شيء من اللُّكْنة المغربية
ممزوجة بالعامية الدمشقية، ولم يَجْرِ لسانُه بجملة واحدة باللهجة المصرية، مع أنه
أقام في مصر أعواماً كانت تكفي لتقلب فيه اللهجة الشامية إلى اللهجة المصرية،
وله تعبيرات خاصة وأساليبُ في مصطلحاته، ونَرَاتُه لطيفة تَحلُو من فمه، وما
أُحصي عليه أن نَطَق يوماً بفُحش أو هُراء أو سَبّ، أو استعمل ما يُنافي الأدب
ويقدحُ في المروءة، ويَمزحُ ويتنذَّر أحياناً))(١).
وكان عَزَباً لم يتزوج أبداً، ويتساهل في مظهره وملبسه مختاراً البَذَاذة
والرَّثاثة، وقد شبّه هو نفسه بحال ابن الخشاب أحد النَّخویین! وکان یسهر الليل
كلَّه، أوائلُه مع أصحابه، وباقيه مع نفسه مطالعة وتأليفاً. وكان يحب السَِّاحة
والسياحة، والسير على الأقدام رياضةً(٢).
سِماته الخُلُقية: ((كان رحمه الله مثابراً على إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة،
وصوم رمضان، وأدَّى في عُمُره فريضة حجة الإِسلام، وكان يتصدَّق بالسرِّ،
ويطوي الليلة والليلتين مؤثراً على نفسه، وكان محافظاً على الصلاة في أول أوقاتها
مهما حالت دونه الموانع، فحينما يسمع أذان الوقت يَذَرُ كلَّ شُغُل لديه، ويبادر
فوراً إلى الصلاة إجابةً لنداء داعي الفلاح، وكم مرةً رأيته يدخل أولَ الوقت
حانوت أحد أصدقائه في الأسواق ويصلِّي، وإذا كان في حفلة عامة ودخل الوقت
يتّجه نحو زاوية خالية من الناس ويصلي)» (٣).
((وكان ينكر على الظالمين ظلمهم، ويقبِّح الظلم وإن نال عدوَّه، وينصفُ
(١) (المعاصرون)) ص ٢٧٧، و ((تنوير البصائر)) ص ٩٨.
(٢) ((كنوز الأجداد)) ص ٢٣، ٢٥، و ((تنوير البصائر)) ص ١٣٧، وابن الخشاب، أوردتُ
ترجمته في كتابي (العلماء العزاب)) ص ٨١ - ٨٤.
(٣) ((تنوير البصائر)) ص ٩٨ - ٩٩.