النص المفهرس

صفحات 301-320

وكذلك رأيتك احتججت على وجوب المضمضة والاستنشاق بحديث ابن
عباس مرفوعًا: ((المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذى لا يتم الوضوء
إِلاَّ بهما)) وفى إِسناده جابر الجعفى، فقلت: ((قال الخصم : جابر هو
الجعفىُّ وقد كذبه أيوب السختياني وزائدة . قلنا : وثقه سفيان الثورىُّ
وشعبة وكفى بهما )) .
وقد نكت عليك ابنُ عبد الهادى فى ((التنقيح)) بسبب ذلك ، فقال
(٣٦٥/١): ((جابر الجعفى ضعَّفه الجمهور، والمؤلف يحتج به فى موضعٍ
إِذا كان الحديثُ حجةً له ، ويضعُفُهُ فى موضع آخر إِذا كان الحديث حجة
عليه)) .
وقال أيضًا: ((هذا الذى أجاب به المؤلف ليس بقوى ، وهو يحتجُّ بجابر
الجعفى فى موضع ويضعفه فى آخر ، بل قد قال فى موضعٍ : جابر الجعفى
اتفقوا علی تکذیبه )) اهـ.
وأيضًا فقد ذكرت فى ((التحقيق)) (٢ /٨٤٧) ليث بن أبى سليم واحتجت
إِلى روايته فرددت على خصمك لما ضعّفه وقلت له: ((وأما ليث فقال
أحمد: حدَّث عنه الناس)) مع أنك بعد ذلك لما ذكرت كراهية التنفل يوم
الجمعة عند الزوال (١٠١١/٢) وقلت: ((لنا عمومُ النهى فى الأحاديث
المتقدمة وللشافعى حديث رواه أبو داود ثم ذكره وفى إسناده ليث بن
أبى سليم فعقبت قائلاً: ((قلت : وليث ضعيفٌ بمرَّة)) !! فالله المستعان.
وأيضًا: لما أردت أن تستدل على التفريق بين الدم الكثير والقليل الذى ينقض
الوضوء، احتججت (١ /٤٨١) بحديث ابن عباس أن رسول اللّه عَ لّم
رخص فى دم الحبوب - يعنى: الدمامل - ونقلت قول الدارقطنى: ((هذا
باطلٌ عن ابن جريجٍ ، ولعلَّ بقيَّة دلَّسه عن رجلٍ ضعيفٍ . فرددت على
٣٠١

الدارقطنى بقولك: ((قلنا: بقيَّةُ قد أخرج له مسلمٌ )) !!.
لكنك لم تستمر على ذلك، فذكرت فى ((التحقيق)) (٥٠٤/١) حديث
ابن عباس مرفوعًا: ((الحدث حدثان : حدثُ اللسان وحدثُ الفرج ،
وحدثُ اللسان أشدُّ من حدث الفرج ، وفيهما الوضوء )، عقبت بقولك :
((وهذا حديثٌ لا يصحُّ ، وبقيَّةُ مدلسٌ ، ولعله سمعه من بعض الضعفاء
وأسقطه ، إِذ هذه كانت عادته .
ولما احتج خصمك بحديث أبى هريرة مرفوعًا: ((الصلاةُ واجبةٌ عليكم مع
كل مسلم برِّ كان أو فاجرٍ ... )) قلت له (١١١٤/٢): ((فى طريقه بقيَّةُ،
مدلسٌ لا يعوَّلُ على روايته )» .
وأيضًا : لما أردت أن تستدل على أن فى سورة الحج سجدتين ، ذكرت
حديث عقبة بن عامر، وفى سنده ابن لهيعة، ثم قلت (٩٥٨/٢): ((فإِن
قالوا : ابنُ لهيعة ضعيفٌ . قلنا : قال ابنُ وهبٍ : هو صادقٌ )).
ولما احتجَّ خصمك بحديث أبى تميم على وجوب الوتر ، وفى سنده ابنُ
لهيعة، رددت عليه قائلاً (١٠٤٤/٢): ((فيه ابنُ لهيعة وهو متروكٌ ».
ولما ذكرت الأحاديث فى تكبيرات العيدين قلت (١٢٣١/٢): ((وأما
حديثُ أبى هريرة وعائشة ففيهما ابنُ لهيعة؛ وهو ضعيفٌ جدًّا)).
ثم ذكرت حديثًا لعائشة يحتجُّ به الشافعية وعقبت قائلاً (١٢٣٢/٢): (
يرويه ابنُ لهيعة ، وهو ذاهبُ الحديث )).
وأيضًا : فقد ذكرت (١١٣٤/٢) أنه یکره للإمام أن یکون موضعُه أعلى
من المأموم ثم ذكرت حديث أبى مسعود البدرى: ((نهى رسول اللَّه لَّهُ أن
يقوم الإِمامُ فوق شىءٍ ، والناس خلفه . يعنى : أسفل منه )).
٣٠٢

ثم قلت : ((فإِن قالوا : قد قال الدارقطنىّ: لم يروه غير زياد بن عبد
الله، ولم يروه غير همامٍ فيما أعلمُ ، وقد ضعّف ابنُ المدينى ويحيى زيادًا .
قلنا : قال أحمد : هو ثقةٌ . وقال أبو زرعة : صدوق )).
ولكنك لم تستمر على ذلك فلما احتج عليك خصمك بحديث أبى
جحيفة فى تثنية الإقامة وقد أخرجه الدارقطنى (٢٤٢/١) بسند فيه زياد
ابن عبد الله البكائى قلت تردُّ عليه: (٨٦٥/١): ((قال يحيى بن معين:
زياد ليس بشىءٍ . وقال ابنُ المدینی : لا أروى عنه . فإن قيل : قد وثقه
أحمد فى روايةٍ ، وقال أبو زرعة: صدوق؟ قلنا: الجرحُ مقدَّمٌ)) !!
وأيضًا: فقد ذكرت (٧٢٧/١) حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: ((سبعة
مواطن لا تجوز فيها الصلاة ... )) وهو عند ابن ماجة (٧٤٧) قلت : نقلاً
على لسان خصمك: ((وأما حديث عمر ففيه كاتب اللَّيث أبو صالحٍ ،
وكلُّهم طعن فيه » .
ثم أجبت قائلاً: ((وأما أبو صالحٍ ، فقال أبو حاتم الرازى : كان رجلاً صالحًا
لم يكن ممن يكذب ، ومثل هذه الأشياء لا توجب إِطراح الحديث)).
ثم قال (٧٢٩/٢): ((وأمَّا أبو صالح كاتب الليث وقد وثقه جماعةٌ
وتكلَّم فيه آخرون ، والصحيحُ أن البخارىَّ روى عنه فى ((الصحيح)).
ولما احتج علیك خصمك بحدیث أبی جھیم فی التیمم ضربتین رددت عليه
قائلاً (٥٦٧/١): ((قد روى من حديث كاتب الليث ، وهو مطعونٌ فيه )
، قُلْتُ : فهذه نماذج رأيتُها فى (( كتاب التحقيق )، ولم أتتبع باقيها فإِن
تقصِّى ذلك من العناء المعنَّى لكثرته . وما أظن هذا التناقض الصريح إِلاَّ
٣٠٣

بسبب العصبية للمذهب ، والانتصار له بكل سبيلٍ ، ومن المفارقات أن ابن
الجوزى قرَّع الخطيب البغدادى ، ونكّل به لأنه صنف كتابًا فى القنوت والجهر
بالبسملة فأورد الأحاديث بأسانيدها ولم يتكلم عليها جرحاً وتعديلاً ،
وتضعيفًا وتصحيحًا ، واتهمه بالعصبية للمذهب .
فقال فى ((كتاب التحقيق)) (١٠٧٨/٢): ((وأما حديثُ دينارٍ ، فإِرادُ
الخطيب له محتجًّا به مع السكوت عن القدح فيه ، وقاحةٌ عند علماء النقل ،
وعصبيةٌ باردةٌ ، وقلةُ دينٍ ! ، لأنه يعلمُ أنه باطلٌ ... فواعجبًا للخطيب ، أما
سمع فى الحديث الصحيح عن رسول اللّه ◌َمُفيه: ((من حدَّث عنى حديثًا
يرى أنه كذبٌ ، فهو أحد الكذابين)) هل مَثَلُهُ إِلاَّ كمثل من أنفق بهرجا
ودَّسه ، فإن أكثر الناس لايعرفون الكذب من الصحيح ، وإِذا أورد الحديث
محدثٌ حافظٌ ، وقع فى النفوس أنه ما احتج به إِلاَّ وهو صحيحٌ، ولكن
عصبيتُهُ معروفةٌ ، ومن نظر من علماء النقل فى كتابه الذى صنفه فى
(((القنوت))، وكتابه الذى صنفه فى ((الجهر))، و((مسألة الغيم))،
واحتجاجه بالأحاديث التى يعلم وهاءها ، علم فرط عصبيته .. ثم قال بعد
كلام: والبهارجُ لا تخفى على النقاد )) اهـ.
كذا قال ابنُ الجوزى رحمه اللَّه! ولستُ أردُّ عليه، بل يردُّ عليه ما ذكرتُهُ آنفًا
من صنيعه ، ولم ينجُ من العصبية إِلَّ قلائلُ من الخلق ، ممن غلب عليهم
الإنصاف ومحبة ظهور الحق ولو على لسان الخصم ، وكان هذا كثيرًاً فى
القرون الثلاثة الأول ، ثم بدأ يتناقص حتى لا تكاد ترى رجلاً منصفًا ، بل
يُقوِّلُونك ما لم تقله ، بل وما لم يخطر لك على بال ثم يلزمونك بما افتروه ،
ويشيعونه بين الخلق ، حتى لقد مرَّ علىَّ زمان هممت أن لا أخرج من بیتی إِلا
لصلاة الجماعة وقضاء حوائجى لولا ما يؤرقنى من ترك الناس هملاً بعد
٣٠٤

إقبالهم على التفقه بعلوم الكتاب والسنة وتعظيم الدليل ، فأخشى الإِثم بترك
ذلك ، فنسأل الله أن يصبرنا على تحمل الأذي فى سبيله إنه ولى ذلك والقادر
عليه .
٢٤٨ - وأخرج ابنُ الجوزى أيضًا (٧١٠) من طريق فرات بن سلمان ، عن
محمد بن علوان ، عن الحارث ، عن علىِّ مرفوعًا: ((من أصل الدين الصلاة
خلف كل بر وفاجر ، والصلاة على من مات من أهل القبلة )) .
قال ابن الجوزى :
(( فيه فرات بن سلمان . قال ابن حبان : منكرُ الحديث جدًّا ، يأتى بما لا
شك أنه معمولٌ ».
• قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك !
فإن الواقع فى السند هو فرات بن سلمان الرقى ، وثقه أحمد . وقال
أبو حاتم : لا بأس به ، صالحُ الحديث .
وقال ابنُ عدی: « أرجو أنه لا بأس به).
أمَّا الذى جرحه ابنُ حبان ؛ فهو فرات بن سليم ، فذكره فى ((المجروحين ))
(٢٠٧/٢ - ٢٠٨) وروى له حديثاً باطلاً عن عمرو بن عاتكة، عن عمرو بن
عبسة .
٢٤٩ - وأخرج ابن الجوزيّ أيضًا فيه (٧٥٧ ) من طريق الدار قطنىّ قال :
نا أحمد بن محمد بن المغلس ، قال : نا أبو همام ، حدثنى بقية ، عن
٣٠٥

أبى يحيى المدنى ، عن عمرو بن شعيب ، عن أبى سلمة ، عن أبى هريرة
مرفوعًا: ((المتم للصلاة فى السفر كالمقصر فى الحضر)).
قال ابن الجوزى: ((ابن المغلس كذاب)) وكذلك قال فى ((التحقيق))
(١١٦٧/٢) .
، قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك !
فإِن ابن المغلس الكذاب هو أحمد بن محمد بن الصلت بن المغلس الحمانى
يروى عن عفان بن مسلم وأبى نعيم وطبقتهما كذبوه . أمَّا الواقع فى السند
فهو من مشايخ الدارقطنى الثقات .
وقد تعقبه ابنُ عبد الهادى فقال فى ((التنقيح» (١١٦٨/٢): ((أحمد بن
محمد بن المغلس شيخ الدارقطنى ثقة ، اشتبه على المؤلف بأحمد بن محمد
ابن الصلت بن المغلس الحمانى وهو كذاب وضاع ، والحديث لا يصح لأن
راویه مجهول ، اهـ.
٢٥٠ - قال ابنُ الجوزى فى ((كتاب الضعفاء» (رقم ١١٦٢): ((داود
ابن عمرو الضبىّ ، عن ابن المبارك ... وقال أبو زرعة وأبو حاتم الرازيان:
منکرُ الحديث ) .
، قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك !
فهذا النقل خطأً ، إنما قالا هذه العبارة فى داود بن عطاء أبى سليمان المدينى
فتقل ابنُ أبى حاتم فى ((الجرح والتعديل)) (٤٢٠/٢/١) عن أبيه قال:
(( ليس بالقوى ضعيف الحديث ، منكر الحديث . قلت : يكتبُ حديثُهُ ؟
٣٠٦

قال : من شاء كتب حديثه زحفًا !! قال : وسئل أبو زرعة عنه فقال: منكرٌ
الحديث )) .
أمَّا داود بن عمرو فترجمه ابن أبى حاتم (١ / ٢ / ٤٢٠) وسأل عنه أباه
فقال: ((هو شيخٌ)) وسأل أبا زرعة عنه فقال: ((لا بأس به )).
٢٥١ - وقال ابن الجوزيّ أيضاً فى ((كتاب الضعفاء)) (رقم ٣٣٤): (
إسحاق بن ناصح عن قيس بن الربيع . قال أحمد : من أكذب الناس ،
يحدث عن النبى ◌َُّ برأى أبى حنيفة)) وتبعه الذهبى فى ((الميزان)»
(٢٠٠/١) .
قُلْت
: رضى الله عنك !
فقد قال الحافظ فى ((اللسان)) (٣٧٦/١): ((وقد وقع للمؤلف - يعنى :
الذهبىَّ - هنا وهمٌ عجيب تبع فيه ابن الجوزى ، وذلك أن قول أحمد المذكور
إنما هو فى ((إِسحاق بن نجيح الملطىّ)) وقد أعادهُ المؤلف فى ترجمة ((إِسحاق
بن نجيح )) على الصواب ، وسبب الوهم أولاً فيه أن ترجمة ابن ناصح فى (
كتاب ابن أبى حاتم ، بين ترجمة ((ابن نجيح))، فانتقل بصر الناقل من
ترجمةٍ إِلى ترجمةٍ ، والله أعلمُ)) اهـ.
٢٥٢ _ وأخرج ابن الجوزى فى ((الواهيات)) (٨٦٢) من طريق محمد بن
الحسن الواسطىّ عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أن رسول الله چچے
قال لرجلٍ فى أبيه: (( لا تمشين أمامه ، ولا تقعد قبله )).
٣٠٧

قال ابنُ الجوزى : ((هذا حديثٌ لا يصحُّ عن رسول اللّه لَ ◌ّله. قال أحمد:
رأيتُ محمد بن الحسن الواسطىَّ وكان لا يساوى شيئًا . وقال يحيى
وأبو داود : كذابٌ وقال النسائيّ : متروك الحديث . وقال الدارقطنىُّ : لا
شىء )) .
• قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك!
فإِن الذى قال فيه أحمد ويحيى والنسائى هذا الجرح الشديد هو محمد ابن
الحسن بن أبى يزيد الهمدانى الكوفى كما فى ((الميزان)) (٥١٤/٣). أمَّا
الذى فى الإسناد فهو محمد بن الحسن المزنى قاضى واسط . وثقه ابن معين
وأبو داود. وقال أبو حاتم: ((لا بأس به))، وذكره ابن حبان فى ((الثقات))
و((الضعفاء)، معًا !
٢۵٣ - وأخرج البزار فى « مسنده » ( ج٣/ق١٧٩ ) قال : حدثنا محمد
بن معمر ، قال : نا روح بن عبادة ، قال : نا الأسود بن شيبان ، قال : نا
أبو العلاء ، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير ، عن أبى ذرٍّ فساق حديثًا :
(((إِن الله عز وجلَّ يحب ثلاثة ويبغض ثلاثة .. وساق حديثًا)).
وأخرجه أحمد (١٧٦/٥)، والطيالسى (٤٦٨)، والطحاوىُّ فى
((المشكل)) (٢٤/٤)، والطبرانىَّ فى ((الكبير)) (ج٢ / رقم ١٦٣٧)،
والحاكم (٨٨/٢ - ٨٩) والبيهقىّ (١٦٠/٩) من طرق عن الأسود بن
شيبان بسنده سواء .
قال البزار :
« وهذا الكلام قد روی بعضه عن أبى ذر من غير وجه ، ولا نعلمه یروی عنه
٣٠٨

بهذا اللَّفظ ، إِلَّ من هذا الوجه ، ولا روى مطرف عن أبى ذرِّ إِلاَّ هذا
الحديث )) .
• قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك !
فقد وقفت له على حديث آخر عن أبي ذر رضى الله عنه .
فقد أخرج أحمد (١٤٨/٥)، وابن نصر فى ((تعظيم قدر الصلاة))
(٢٨٦) من طريق حماد بن سلمة عن على بن زيدٍ ، عن مطرف بن عبد الله
قال : قعدت إِلی نفرٍ من قریشٍ ، فجاء رجلٌ فجعل یصلی یرکع ويسجد ، ثم
يقوم ، ثم يركعُ ويسجد لا يقعدُ . فقُلتُ : والله ما أرى هذا يدرى
ينصرف على شفعٍ أو وتر ؟ فقالوا : إِلا تقوم إِليه فتقول له ؟! قال: فقمتُ
فقلت : يا عبد الله ! ما أراك تدرى تنصرف على شفعٍ أو على وتر . قال :
ولكن الله يدرى. سمعتُ رسول اللَّه ◌َّهُ يقول: ((من سجد لله سجدةٌ ،
كتب الله له بها حسنة، وحطَّ بها عنه خطيئة، ورفع له بها درجة)) فقلتُ:
من أنت ؟ قال : أبو ذرٍ ، فرجعتُ إِلى أصحابى فقلت : جزاكم الله من
جلساءٍ شرًّا، أمرتمونى أن أُعلُّم رجلاً من أصحاب رسول اللَّه عَلَه !!
وعلى بن زيد ضعيفٌ ، ولكن رواية حماد بن سلمة عنه أمثل من رواية غيره .
والله أعلمُ .
وعزاه المنذرىُّ فى ((الترغيب)) (٢٥١/١)، والهيثمىُّ فى ((المجمع))
(٢٤٨/٢ - ٢٤٩) للبزار من طريق مطرف بن عبد الله عن أبى ذر، وفى
هذا التخريج نظرٌ لأن البزار لم يرو فى ترجمة مطرف عن أبى ذر إِلاَّ ذاك
الحديث الواحد الذى نبه عليه البزار . إِلاَّ أن يكون البزار رواه في غير موضعه
والله أعلمُ .
٣٠٩
1

٢٥٤ - أخرج الشيخان وغيرهما من حديث ابن عباسٍ أن النبىَّ لَّهِ مرَّ
على قبرين ، فقال: ((إِنهما يعذبان وما يعذبان فى كبيرٍ .. الحديث)).
فقال الحافظ فى ((الفتح)) (٣٢١/١):
(( قيل : كانا كافرين ، وبه جزم أبو موسى المدينى واحتج بما رواه من حديث
جابرٍ بسندٍ فيه ابن لهيعة: ((أنَّ النبيَّ ◌َِّ مرَّ على قیرین من بنى النجار هلكا
فى الجاهلية فسمعهما يُعذبان فى البول والنميمة ... )) قال أبو موسى :
هذا وإِن كان ليس بقوىٌّ ، فمعناه صحيحٌ ، لأنهما لو كانا مسلمين لما كان
لشفاعته إِلى تييِّس الجريدة معنى ، ولكنه لما رآهما يُعذبان لم يستجز للطفه
وعطفه حرمانهما من إِحسانه ، فشفع لهما إلى المدة المذكورة)) اهـ.
ثم قال الحافظُ: (( لكن الحديث الذى احتجَّ به أبو موسى ضعيفٌ كما
اعترف به ، وقد رواه أحمدُ بإِسنادٍ صحيحٍ على شرط مسلم وليس فيه سبب
التعذيب ، فهو من تخليط ابن لهيعة )) اهـ.
فردَّ عليه البدر العينى - رحمه الله - فى ((عمدة القارى)) (١٢١/٣) بقوله :
قلت : هذا من تخليط هذا القائل ! لأن أبا موسى لم يُصرح بأنه
ضعيفٌ ، بل قال : هذا حديثٌ حسنٌ وإِنْ كان إِسنادُهُ ليس بقوىٌّ . ولم يعلم
هذا القائلُ الفرق بين الحسن والضعيف، لأن بعضهم عدَّ الحسن من الصحيح
لا قسيمه ، ولذلك يُقال للحديث الواحد أنهُ: ((حسنٌ صحيحٌ »، وقال
الترمذىُّ : الحسنُ ما ليس فى إِسناده من يُتهم بالكذب . وعبد الله بن لهيعة
المصرىُّ لا يُتَّهمُ بالكذب ، على أن طائفة منهم قد صححوا حديثه ووثقوهُ ،
منھم : أحمدُ رضی الله عنه ) اهـ.
• قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك !
٣١٠

فإِن ما استظهره الحافظ من تخليط ابن لهيعة حقَّ لا غبار عليه ، فقد روى
هذا الحديث ثلاثة ممن وقفت على روايتهم، لم يذكر واحدٌ منهم: ((البول
والنميمة)) كما ذكر ابنُ لهيعة رحمه الله ، منهم :
١ - سفيان الثورى :
أخرجه ابن أبى داود فى ((البعث)) (١٣ - بتحقيقنا)، والبيهقىٌّ فى ((عذاب
القبر)) (٢٢٥) من طريقين عن سفيان الثورىّ ، عن أبى الزبير ، عن جابرٍ ،
قال : دخل رسول اللَّه ◌َمّ حرثًا لبنى النجار ، فسمع أصواتهم يعذبون فى
قبورهم، فخرج مذعوراً، فقال: ((استعيذوا بالله من عذاب القبر)) وإِسنادُهُ
صحيحٌ .
٢ -ابن جريجٍ :
و
أخرجه أحمدُ (٢٩٦/٣)، وعنه ابنُهُ فى ((السنَّة)) (١٣٦٠) حدثنا عبدُ
الرزاق، وهذا فى ((مصنفه)) (٥٨٤/٣ / ٦٧٤٢) أنا ابنُ جريجٍ ، قال :
أخبرنى أبو الزبير، أنه سمع جابر بن عبد اللَّه، يقولُ: ((دخل النبيُّ عَ﴾.
يومًا نخلاً لبنى النجار ، فسمع أصوات رجالٍ من بنى النجار ماتوا فى
الجاهلية يعذبون فى قبورهم، فخرج رسولُ اللَّه ◌َّهِ فزعًا، فأمر أصحابه أنْ
تعوَّذوا من عذاب القبر)». وسندهُ على شرط مسلمٍ .
٣ - موسى بن عقبة:
أخرجه البزَّار (ج١ / رقم ٨٧١) من طريق ابن أبى الزناد ، عن موسى بن عقبة
، عن أبى الزبير، عن جابرٍ، قال: دخل رسولُ اللَّه ◌َمّ نخلاً لبنى النجار ،
فسمع أصوات رجالٍ من بنى النجار ماتوا فى الجاهلية يعذبون فى قبورهم ،
فخرج رسول اللّه ◌َ﴾ فزعًا ، فلم يزل يتعوذ من عذاب القبر . وسنده حسن
٣١١

فهؤلاء ثلاثةٌ من الأثبات ذكروا الحديث ولم يذكروا سبب التعذيب وأنه من
النميمة والبول كما ذكر ابنُ لهيعة ، وأعظمُ ما يعذبُ به هذا الكافر هو كفرُهُ
بالله العظيم ، فهل يستقيم أن يترك التنبيه على هذا وأنه سبب عذابه، ثم
يقال : إِنه يعذب من النميمة والبول ؟! هذا محالٌ
أَمَّا قول العينى رحمه الله: ((قال الترمذىُّ: الحسن ما ليس فى إِسناده ...
إلخ )) .
فالجوابُ : أنَّ مثل هذا لا يخفى على من هو أدنى من الحافظ علمًا، فضلاً
عنه وهو العلم المفرد فى هذا الفن ، مع أن قول أبى موسى المدينى : ((هو
حديثٌ حسنٌ وإِنْ كان إِسنادُهُ ليس بقوىِّ)) يحتمل أكثر من توجيه . فيقال:
لعله يقصد بقوله: ((حديثٌ حسنٌ)) الحسن اللُّغوى لا الاصطلاحى، ويؤيده
نقلُ الحافظ عنه: (( هذا وإِن كان ليس بقوىٌّ، لكن معناه صحيح )). وإِن
اعترض على ذلك بأن الأصل فى الإطلاق هو إرادةُ المعنى الاصطلاحى ،
فيحتمل أنه أراد أصل الحديث ، ولم يُرد هذه الجملة التى انفرد بها ابنُ لهيعة
، وهذا ظاهرٌ جدًّا . إِنْ شاء اللّه تعالى.، ولم يذكر العينىِّ متابعاتٍ لابنٍ لهيعةً
تؤيد دعواه ، مع حرصه على تعقب الحافظ وبيان خطئه عنده ، فدلَّ ذلك
على أنها مجردُ دعوى ، وهى لا تُقبلُ فى محلِّ النزاع.
أما تقوية البدر العينى لابن لهيعة وترجيح توثيقه بغضّ النظر عما قيل فيه فهذا
كما يقول القائلُ: ((تخديشٌ فى الرُّخام)) !! وقد اضطرب رأىُّ العينى فى
ابن لهيعة وانظر هذه المواضع من ((عمدة القارى» (٢٣٤/٦، ٢٣٥
و٩ /٢١١، ٢١٤ و١٠٧/١٠، ٢٣٩ و٢٣٤/١١ و٤٤/٢٥) وانظر تمام
البحث فى ((صفو الكدر)) وهو على وشك التمام والحمد لله .
٣١٢

٢٥٥ - قال البخارىُّ في «صحيحه» (٧٢/٢) «بابُ: قضاء الصلاة
الأولى فالأولى)) حدثنا مسددٌ ، قال : حدثنا يحيى ، عن هشام قال :
حدثنا يحيى - هو ابن أبى كثير- عن أبى سلمة ، عن جابرٍ وساق حديثًا .
قال الحافظ فى ((الفتح)): ((يحيى المذكور فيه هو القطان)).
فتعقبه البدر العينى فى ((عمدة القارى)) (٩٤/٥ - ٩٥) بقوله: ((وقال
بعضُهم : ويحيى المذكور فيه هو القطان وكذا قال الكرمانى - قلتُ : هو
غلطٌ، لأنَّ البخارىّ صرح فيه بقوله : يحيى - هو ابن أبى كثيرٍ - ضد
القليل .. إلخ)).
• قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك !
فإِن قول ابن حجر صحيحٌ ، ولكن انتقل بصرك أثناء النقل ، ولو كان الأمرُ
كما قلت ، فكيف يقول الحافظ: ((هو القطان))، وقد وقع نسبُه فى الرواية
؟ ومما يدل على أن بصرك انتقل أنك قلت عقب الحديث: ((هذا الحديث
قد مرَّ فى باب : من صلى بالناس جماعة ، قبل هذا الباب بيابٍ ، وأخرجه
هناك عن معاذ بن فضالة ، عن هشام ، عن يحيى ، وههنا عن مسدد، عن
هشام الدستوائى عن يحيى بن أبي كثيرٍ، وقال بعضُهم .. إلخ)).
فقولك: ((وأخرجه هنا عن مسدد عن هشام خطأ، صوابه: ((مسدد، عن
يحيى، عن هشام ... )) وجلَّ من لا يسهو وعلا . تبارك اسمه .
٢٥٦ - ذكر الحافظ فى ((الفتح)) (١ /٤٦٦) بحثًا وختمه بقوله : نعم !
وقع عند الطحاوى : موسى بن محمد بن إبراهيم ، فإن كان محفوظًا ،
فُيُحتمل - على بُعْدٍ - أن يكونا جميعًا رويا الحديث ، وحمله عنهما
٣١٣

الدراوردى، وإِلاَّ فذکرُ (( محمد)» فیه شاذٌ )) اهـ.
فتعقبه البدر العينى فى ((العمدة)، (٥٥/٤) بقوله: «حکمُهُ بشذوذه إِن
كان من جهة انفراد الطحاوى به فليس بشىءٍ ، لأن الشاذَّ من الثقة مقبولٌ »
اهـ.
• قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك !
فكيف يكونُ الشاذُّ مقبولاً، واسمُهُ يدلُّ على الردُ ؟! وهلا قلت : وزيادة
الثقة مقبولة ، ليكون كلامك أرجى للقبول ؟!
ومعروف - للعينى رحمه الله - أن علماء الحديث اشترطوا انتفاء الشذوذ لصحة
الحديث ، مع أن مقتضى الصناعة الحديثية يدلنا على أن ابن حجر لم يقصد
انفراد الطحاوى ، بل شيخ شيخه ، وهاك البحث :
قال البخارىُّ فى ((صحيحه)): ((باب وجوب الصلاة فى الثياب)» :
((ويُذكر عن سلمة بن الأكوع أن النبىَّ ◌َل قال: ((يزرُّه ولو بشوكة)». فى
إِسناده نظرٌ )) انتهى كلام البخارىّ .
وهذا الحديث الذى علَّقه البخارىُّ فى ((صحيحه)) قد وصله فى ((التاريخ
الكبير)) له (٢٩٦/١/١)، وأبو داود (٦٣٢)، وابن أبى شيبة
(٣٤٦/١)، والشافعى فى ((المسند)) (١٨٧)، وابن خزيمة (٧٧٧،
٧٧٨)، وابن حبان (٢٢٩٤)، والحاكم (٢٥٠/١)، والبيهقىّ
(٢٤٠/٢)، والبغوىَّ فى ((شرح السنة)) (٤٢٥/٢) من طريق عبد العزيز
ابن محمد الدراوردىّ ، عن موسى بن إبراهيم ، عن سلمة بن الأكوع فذكره
ورواه عن الدراوردىّ هكذا: «محمد بن أبى عمر العدنى ، والشافعىّ، وأبو
بكر بن أبى شيبة ، ومحمد بن أبى بكر ، وإبراهيم بن حمزة ، وأحمد ابن
٣١٤

عبدة ، ونصر بن علىّ ، وعبد الله بن مسلمة القعنبى)).
وخالفهم ابن أبى قبيلة ، فرواه عن الدراوردىّ ، عن موسى بن محمد بن
إبراهيم ، عن أبيه عن سلمة بن الأكوع به .
أخرجه الطحاوى فى ((شرح المعانى)) (١ /٣٨٠) قال: حدثنا ابن
أبى داود ، ثنا ابن أبى قبيلة .
ولا شكَّ فى ترجيح رواية الجماعة على روايته ، لاسيما وأن عطاف بن خالد
تابع الدراوردى على الوجه الأول .
أخرجه النسائيُّ (٧٠/٢)، والبخارىُّ فى ((التاريخ)) (٢٩٧/١/١)،
وأحمد (٤٩/٤، ٥٤)، والشافعى فى («المسند» (١٨٧)، والطبرانىُّ فى
((الكبير)) (ج٧ /رقم ٦٢٧٩)، وابن أبى الفوارس فى ((المنتقى من حديث
المخلّص)) (ق١/٤)، والخطيب فى ((المتفق والمفترق)) (ق١/٢٢٩)،
والبغوىُّ فى ((شرح السنة)) (٢ /٤٢٥) من طرق عن عطاف بن خالد.
ورواه عن العطاف: ((الشافعىُّ ، وقتيبة بن سعيد ، ومسدد بن مسرهد،
وعمرو بن خالد الحرانى ، وإِسحاق بن عيسى ، ويونس بن محمد ، وحماد
بن خالد ، وخلف بن هشام ، وهاشم بن القاسم ، ومحمد بن النعمان ابن
شبل الباهلى ، مالك بن إسماعيل )) .
وقد صرَّح موسى بن إبراهيم بالتحديث من سلمة بن الأكوع فى رواية مالك
ابن إسماعيل عنه، عند البخارىّ فى «التاريخ ».
وخالفهم أبو أويس فرواه عن موسى بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن
أبى ربيعة المخزومى، عن أبيه ، عن سلمة به. فزاد: ((عن أبيه)).
أخرجه البخارىُّ أيضًا عن إسماعيل بن أبى أويس قال : حدثنا أبى .
٣١٥

قال الحافظ: (( فاحتمل أن يكون رواية أبى أويس من المزيد فى متصل
الأسانيد ، أو يكون التصريح فى رواية عطاف وهما ، فهذا وجه النظر فى
إِسناده )) اهـ.
فالناظر إلى رواية الدراوردىّ ، يرى أن رواية الجماعة عنه أولى بالقبول ، إِذا
لم يكن هو الواهم ، فقد تكلّم غيرُ واحدٍ فى حفظه ، لكن متابعة عطاف
ترجح الوجه الأول . ومع هذا الوضوح فما كان يجدر بالبدر العينى رحمه
الله أن يتوقف فى طرح رواية المخالف ، فكيف يقول : إِن الشاذ من الثقة
مقبولٌ؟ !!
وهذا إِن صدر من صغار المتعلمين ؛ فله وجه ، ولكنه لا يسوغ من كبار
المعلمين . والله أعلمُ .
٢٥٧ - أخرج البخارىُّ (٢٦٠/٢) حديث أبي قتادة أن النبىّ مَمُّ كان
يقرأ فى الظهر فى الأوليين بأم الكتاب وسورتين وفى الركعتين الأخريين بأم
الكتاب . وبوَّب عليه بقوله: ((باب: يقرأ فى الأخريين بفاتحة الكتاب)).
قال البدر العينى فى ((العمدة)) (٤٦/٦): ((قال الكرمانى: فيه حجةٌ على
من قال إِن الركعتين الأخريين إِن شاء لم يقرأ الفاتحة فيهما . قلتُ: قوله ((فى
الأخريين بأم الكتاب )) لا يدلُّ على الوجوب ، والدليلُ على ذلك ما رواه ابنُ
المنذر عن علىّ رضى الله عنه أنه قال: اقرأ فى الأوليين وسبح فى الأخريين ،
وكفى به قدوة، وروى الطبرانى فى ((معجمه الأوسط » عن جابر قال : سنة
القراءة فى الصلاة أن يقرأ فى الأوليين بأم القرآن وسورة ، وفى الأخريين بأم
القرآن . وهذا حجةٌ على من جعل قراءة الفاتحة من الفروض . والله تعالى
٣١٦
:

أعلم )) انتهى .
• قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك !
فقد أخذت بعض كلام الكرمانى ورددت عليه ، ونصّ كلامه فى « شرح
البخارى» (١٣٩/٥): ((وفيه حجةٌ على من قال: إِن الركعتين الأخريين
إِن شاء لم يقرأ الفاتحة فيهما . فإن قلت : من أين عُلم الوجوب ؟ قلت : من
استمرار فعله ◌َّ؛ لأن تركيب: ((كان يفعل)) مفيدٌ له، ومن قوله : صلوا
کما رأیتمونی أصلى )) انتهى . فقد استدلَّ الکرمانی علی الوجوب بدلیلین
لم يتعرض لهما العينى ، فلا زالت الدعوى قائمة .
أمَّا ما ذكره العينى عن على بن أبى طالب رضى الله عنه وعقب عليه بقوله :
((وكفى به قدوة )، وكذلك نقولُ : كفي به قدوة إِذا صحَّ السندُ إِليه ، فكان
ينبغي له أن ينقل كلام ابن المنذر كلَّه ، إِذنْ لتبيّن أنه ليس بحجةٍ .
فقد قال ابنُ المنذر فى ((الأوسط)) (١١٤/٣): حدثنا محمد بن علىّ،
قال : ثنا سعيد ، قال : ثنا أبو الأحوص وخديج ، عن أبى إسحاق ، عن
الحارث ، عن علىّ قال : اقرأ به فى الأوليين وسبح فى الأخريين . ثم قال ابن
المنذر : فأما حدیث الحارث فغیرُ ثابت ، كان الشعبی یُكذِبه . وقد روى عن
علىٍّ من حديث الحارث عنه أن رجلاً جاءه ، فقال: إِنِى قد صليتُ ولم أقرأ
؟ قال : أتممت الركوع والسجود ؟ قال: نعم قال: ثمّت صلاتُك ، وكان
اللازم لمن احتج بحديث الحارث ، عن علىِّ أنه قال : يقرأ فى الأوليين،
ويسبِّحُ فى الأخريين أن يقول بهذه الرواية ، فإِن وجب ترك هذه الرواية لأنَّ
الحارث رواها وجب ترك الأولى ، وإِلاَّ فاللازم لمن جعل رواية الحارث فى
القراءة فى الأوليين والتسبيح فى الأخريين حجة أن يقول بهذه )) اهـ.
٣١٧

ثم هذه الرواية مع عدم صحتها معارضةٌ بما ثبت عن علىَّ أنه كان يقول: اقرأ
فى الظهر والعصر خلف الإمام فى كل ركعة بفاتحة الكتاب وسورة.
أخرجه ابن المنذر فى ((الأوسط)) (١٠٢/٣ - ١٠٣)، والبيهقى فى ((جزء
القراءة)) (١٩٦) عن ابن أبى شيبة وهذا فى ((المصنَّف)) (١ /٣٧٣) قال:
حدثنا عبد الأعلى ، عن معمر ، عن الزهرى ، عن عبيد الله بن أبى
رافع، عن علىّ . وسندُهُ صحیحٌ .
وأخرجه البيهقی (١٩٧) من طريق يزيد بن زريع ، عن معمر بسنده سواء .
وخولف معمر فى إِسناده . خالفه سفيان بن حسين قال : سمعتُ الزهرى
يحدث عن ابن أبى رافع ، عن أبيه ، عن علىّ فذكره .
أخرجه البيهقى (١٩٥) من طريق شعبة ، عن سفيان بن حسين .
ومن هذا الوجهُ أخرجه ابن المنذر (١١٣/٣) لكنه قال: ((عن أبى رافع
وابن أبى رافع عن أبيه » .
قال البيهقىُّ : « ورواه یزید بن هارون عن سفيان بن حسین دون ذكر « أبيه))
فيه وهو أصحُّ )) .
قُلْتُ : لأنه موافق لرواية معمر عن الزهرى ، ومعمر من الأثبات ، أما
سفيان بن حسين فكان كثير الأوهام على الزهرى ، لأنه سمع منه بالموسم .
وأمَّا احتجاج البدر العينى رحمه الله بقول جابر ففيه نظرٌّ من وجهين :
الأول : أنه ليس بصحيح من الوجه الذى ذكره البدر .
فقد أخرجه الطبرانى فى ((الأوسط)) (٩٢٤٨) قال : حدثنا النعمان بن
أحمد ، ثنا عبد الله بن حمزة الزبيرى ، نا عبد الله بن نافع ، عن عثمان
٣١٨

ابن الضحاك ، عن أبيه ، عن عبيد الله بن مقسم ، عن جابر بن عبد الله
فذكره .
قال الطبرانى :
(( لا يروى هذا الحديث عن جابرٍ إِلاَّ بهذا الإسناد ، تفرَّد به: عبيد الله بن
مقسم )) .
فقد قال الهيثمىّ فى ((المجمع)) (١١٥/٢): ((فيه شيخ الطبرانى وشيخٌ
شيخه ولم أجد من ذكرهما )) كذا قال ! وشيخ شيخ الطبرانى ترجمه ابنُ أبى
حاتم (٣٩/٢/٢) وقال: ((أدركتُه، توفى قبل قدومنا المدينة بأشهرٍ ،
روی عنه محمد بن إسحاق بن راهويه » .
أضف إلى ما تقدَّم من قول الهيثمى أن عثمان بن الضحاك ضعّفه
أبو داود .
نعم ! تابعه داود بن قيس عن عبيد الله بن مقسم قال : سألت جابر بن
عبد الله فقال: (( أمَّا أنا فأقرأ فى الركعتين الأوليين من الظهر والعصر بفاتحة
الكتاب وسورة ، وفى الأخريين بفاتحة الكتاب )).
أخرجه عبد الرزاق فى ((المصنف» ( ج٢ / رقم ٢٦٦١) ومن طريقه ابن
المنذر فى «الأوسط)) (١١٣/٣) عن داود بن قيس .
الثانى: كأن البدر - رحمه الله - فهم مما نقله عن جابر: ((سنة القراءة)) أنه
قصد بـ ((السنة)) ما يقابل ((الفرض))، وتنزيل معنى ((السنة)) فى كلام
الصحابة على المتعارف عليه عند المتأخرين فيه نظرٌ ظاهرٌ ، فهذا المصطلح لم
يكن معروفًا عند الصحابة ، وكأنه لذلك آثر العينى لفظ الطبرانى فى
((الأوسط)) على لفظ ابن المنذر مع صحة سنده بالنسبة لسند «الأوسط)).
٣١٩

وبهذا يظهر أن العينى رحمه اللَّه لم يتعلَّقْ بشىءٍ ذى بال . والله أعلمُ .
٢٥٨ - قال العينى فى ((العمدة)) (١٤١/٧): ((وقال بعضُهم (!):
واستُدلَّ به على أن الوتر غيرُ واجبٍ عليه ◌َّه لإيقاعه إياه على الراحلة.
قلت : قد ذُكر عن قريبٍ (١) ((عن ابن عباسٍ أنه قال: سمعتُ رسول اللَّه
◌َّ يقول: ثلاثٌ هُنَّ علىَّ فرائض وهو لكم تطوعٌ: الوتر ، والنحر،
وركعتا الفجر. وقد ذكرنا أن النبيُّ ◌َّ كان يُصلى ما هو فرض على
الراحلة إذا شاء)) .
• قُلْتُ : رضى اللَّهُ عنك !
فإنك أوردت هذا الحديث تَردُّ به قول الحافظ ابن حجر - والذى عبّرَت عنه
كعادتك بقولك: ((قال بعضُهم)). أن الحديث الذى أورده البخارى يدلُّ
على أن الوتر غيرُ واجبٍ عَّهِ ، فكأنك تريدُ أن تقول : کیف ذلك وقد ورد
حديثٌ لابن عباس يدلُّ على أن الوتر كان واجباً عليه .
وليس هذا الحديث مما يحتجُّ به المُناظر لأنه منكرٌ أخرجه أحمد (١ /٢٣١)،
والبزار (ج٣ /رقم ٢٤٣٣)، والدارقطنىّ (٢١/٢)، وابنُ عدى
(٢٦٧٠/٧)، والحاكم (٣٠٠/١)، والبيهقى فى ((السنن الكبير))
(٤٦٨/٢و ٢٦٤/٩)، وفى ((الصغرى)) (١٨١٠، ١٨١١، ١٨١٢)
من طريق أبى جناب الكلبى عن عكرمة عن ابن عباسٍ فذكره مع اختلافٍ
بينهم فى بعض حروفه لكنهم اتفقوا على ذكر ((الوتر)).
(١) ذكره البدر العيني قبل ذلك بصفحة .
٣٢٠