النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ المقدمة شديدًا وقال : أثمَّ هو ؟ ففزعتُ ، فخرجتُ إِليه ، فقال : قد حدث اليوم أمرٌ عظيمٌ. قلتُ : ما هو أجاء غسَّانُ ؟ قال : لا ، بل أعظم من ذلك وأهولُ ؛ طلق النبيُّ ◌َة نساءه .. )) إِلى أن قال عمرُ: ((فخرجتُ فجئتُ إِلى المنبر ، فإِذا حوله رهطٌ يبكى بعضُهم ، فجلستُ معهم .. الحديث )) . ، قُلْتُ : فأنت ترى فى هذا الحديث أنَّ من الصحابة مَنْ كان يعتقدُ أن استيلاء غسَّان على المدينة أهونُ من تطليق النبى معَّ نساءه مع أن الطلاق مباحٌ ، بل جلس بعضُهم بيكى حول المنبر لتكدُّر خاطره ◌َمِّ، مع أنَّهُ لو طُلِّقت بنتُ أحدهم لما بكى ، فإِذا كان الأمرُ كذلك ، فكيف إِذا اتُهمت زوجةُ نبيهم ◌َّ بالزنى ؟! وهذا يدلُّك على ما كان الصحابة عليه من مراعاة النبى تَمَّ إِلى الغاية القصوى . فإِذا نظرتَ إلى ما حدث فى الإِفك من رَمْى العفيفة المؤمنة أُمِّ المؤمنين، حبيبة رسول اللَّه عَُّ وآثر نسائه عنده بهذه الداهية الدهياءِ ، والفاقرةِ العظيمةِ، علمتَ ما حلَّ بالمجتمع المسلم كلُّه من البلاءِ العظيمِ والخطبِ الفادح ، حتى أنَّ النبي ◌َ ◌ّهُ كُرُب له ، وطفق يستشير خاصته فى أمر عائشة بعد أن استلبث الوحيُ فسأل أسامة بن زيدٍ فأشار على النبى ◌َّ بالذى يعلمُ من براءة عائشة وقال : يا رسول اللَّه! أهلُك، وما نعلمُ إِلاَّ خيرًا، وأمَّا علىُّ بن أبى طالبٍ فقال : يا رسول الله! لم يضيق اللَّهُ عليك، والنساء سواها كثيرٌ وإِن تسأل الجارية تصدقك. فدعا رسول اللّه ◌َمّهُ بريرة، فقال : أيْ بريرةُ ! هل رأيت من شىء يريبُك ؟ قالت بريرةُ : لا والذي بعثك بالحقِّ ، ما رأيتُ عليها أمرًاً ٢٢ المقدمة أغمصُهُ عليها أكثر من أنها جاريةٌ حديثةُ السنِّ ، تنام عن عجين أهلها فتأتى الداجنُ تأكُلُه. فقام رسول اللَّه عَّ فاستعذر يومئذٍ من عبد الله بن أبى بن سلول، فقال رسولُ اللَّه عَّه وهو على المنبر : يا معشر المسلمين ! من يَعْذِرُنى من رجُلٍ بلغنى أذاه فى أهل بيتى؟ فوالله ما علمتُ على أهلى إِلاَّ خيرًاً ، ولقد ذكروا رجلاً ما علمتُ عليه إِلاَّ خيرًا ، وما كان يدخل بيتى إِلاَّ معى . فقام سعدُ بنُ معاذ الأنصارىُّ ، فقال: يا رسول الله ! أنا أعذرُك منه، إِن كان من الأوس ضربتُ عنقه ، وإِن كان من إِخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . فقام سعدُ بنُ عبادةَ وهو سيِّدُ الخزرج فاحتَمَلَتْهُ الحميَّةُ ، فقال لسعد ابنِ معاذٍ : كذبت لعمر الله ! لا تقتلُهُ ، ولا تقدرُ على قتله ، فقام أسيدُ بن حضيرٍ - وهو ابنُ عم سعد بن معاذٍ. فقال لسعد بن عبادةَ : كذبت لعمر الله ! لنقتلنَّهُ ، فإِنك منافقٌ تجادُل عن المنافقين ، فتساور الحيَّان الأوسُ والخزرج حتى هَمُّوا أن يقتتلوا ورسول اللّه لَّيه قائمٌ على المنبر، فلم يزل رسولُ الله نَّهِ يُخَفِضُهم حتى سكتوا وسكت .. )). وفى حديث ابنِ عُمَرَ: ((وقام سعدُ بنُ معاذ فسلَّ سيفه » . قُلْت : فهذا التوتر الشديدُ الذى وقع بين الصحابة حتى كادوا أن يقتتلوا - مع أنهم ضربوا أروع الأمثلة فى المحبة والوفاء والإِيثار - يدلّك على حجم المحنة التى عانوها ، ولم يكن المقصودُ الأوَّلُ فى هذه المحنة هو اتهام عائشة رضى الله عنها ، بقدر ما كان طعنًا على النبى ◌َّهُ، وأن تحته امرأةٌ يُزَنُّ بها ، ومع أن الزنى دون الشرك فى الإثم ، إِلاَّ أن الزنا عارٌ، ولذلك لا يعيَّرُ أحدٌ بأن أباه كافر، أو ابنه ، فقد كان والدُ إِبراهيم عليه السلام كافرًا ، ولم يعيَّر به ، وكان ابنُ نوح وامرأتُه كافرين ، ولم يعير بهما ، وكانت امرأةٌ لوطٍ كافرة ، ولم يعيَّر بها ، بخلاف الزنى فإِنه عارٌ وشنارٌ على أهله فى الدُّنيا قبل الآخرة . إِن إِسقاط ((الرمز)) أقلّ مؤنةٍ على المنافقين من إِحْداثِ الشَّغَبِ فى المجتمع كُلُّه ، ٢٣ المقدمة لأن إسقاط الرمز فيه إهدارٌ لكل المبادئ التى يدعو إليها والمثل العليا التى يدندن حولها . وبعد هذا المعنى الذى جلَّيتُه لك ، تستطيع أن تدرك لم ثار علماءُ المسلمين فى تركيا لما فرض كمال أتاتورك . قاتلهُ اللَّهُ - القبعة بدلاً من العمامة ؟ وقد جرت محاكماتٌ لعلماء المسلمین ، فكان مما حدث أن قاضی المحكمة قال لأحد العلماء : ما أتفهكم يا علماء الدين ، لم هذه الثورة ؟ أمن أجل أننا استبدلنا القبعة بالعمامة ؟ وما الفرق بينهما ، فهذا قماش وهذا قماشٌ . فقال له العالم : أيها القاضى ! إِنك تحكُّم علىَّ وخلفك علم تركيا ، فهل تستطيع أن تستبدله بعلم انجلترا وهذا قماش ، وهذا قماش ؟! فبهت القاضى الظالم ، ولم يُحِرْ جوابًا. ولو تأملت الطواف حول الكعبة ، والسعى بين الصفا والمروة ورمى الجمار ، فهذا كلُّه إِحياءً للرمز ، لنأخذ منه العبرة . ومما يجدر أن نلفت النظر إليه، وهو يتعلق بقضية ((الرمز »، وفيه عبرةٌ - أيَّما عبرة - أن شيخنا الألباني حفظه الله كان قد سئل منذ سنتين من بعض شباب فلسطين ، قالوا له : إِننا نلقى شدةً وعنتًا فى عبادة اللَّه مع وجود اليهود فى أرضنا ، حتى أن الواحد منا لا يكاد يُصلى من الخوف على نفسه ، فما الحلّ ؟ قال الشيخ : اخرجوا من بلادكم إلى أماكن أخرى تقيمون فيها دين الله عز وجلَّ ، وأعدوا أنفسكم لترجعوا إلى بلادكم فاتحين فاستغلَّ جماعةٌ من أهل الأهواء هذه الإجابة وأشاعوا بين العوام الطغام أن الشيخ يوجب على أهل فلسطين من العرب المسلمين أن يخرجوا ويتركوا أرضهم لليهود ، وقامت الدنيا ولم تقعد زمانًا طويلاً، وكاد الشيخ أن يطرد من ((عمان)) بسبب هذه الفتوى التى خرفوها ، وتلقفت هذه الفتوى المحرفة إِذاعةُ إِسرائيل ، فقدم المذيعُ ترجمة للشيخ الألبانى وذكر أنه أكبر محدث فى العالم الإِسلامى وقد أفتى بكذا وكذا ، فسمع بعضُ إِخواننا ممن كنت أظنُّه من أهل التحرى هذا الثناء والفتوى من إِذاعة إِسرائيل ثم جاءنى وقال : أنا عاتبٌ على الشيخ الألبانى ٢٤ المقدمة كيف أفتى بكذا وكذا ؟ فقلتُ له : ومن أين سمعت الفتوى ؟ قال : من إِذاعة إِسرائيل ! قلت : سبحان الله ! أيتهم الشيخ الثقة العدلُ عندك بنقل يهودىّ ؟ مالكم ، وأين ذهبت عقولکم ؟ و کان ینبغى ألاً تتوقف فی تکذيب اليهودي، ثم تنظر إلى حقيقة الأمر ، هذا هو الأصل ، وقد قال الله تعالى: ﴿إِن جاءكم فاسقٌّ بنبأ فتبينوا ﴾ فكيف بالكافر المحارب ، الذى يستغلُّ مثل هذا التحريف الذى تولى كبره نفرٌ ممن ينتسبون إلى بعض الأحزاب الإسلامية ، ليسقط ( الرمز » ؟ وماذا يكون لو أسقطنا الشيخ الألبانى ، والشيخ ابن باز ومن على شاكلتهما من العلماء العاملين ، هل يريدون أن تكون أمَّثْنَا ثُلَّةً من الغلمان بلا رُءُوسُ ؟ ويرحم الله أبا حنيفة إِذ مر على جماعةٍ يتفقهون ، فقال : ألهم رأسٌ ؟ قالوا : لا . قال : إِذن لا يفلحون أبدًا . أخرجه الخطيبُ في ((الفقيه والمتفقه)) ( ٧٩٠) ولله درُّ القاضى عبد الوهاب بن على المالكى رحمه الله إِذ يقول : إِذا استَقَتِ البحارُ من الرِّکایَا متى يصلُ العِطاشُ إلى ارتواءٍ إذا جلس الأكابرُ فى الزَّوايَا ومن يُشْنِى الأصاغِرَ عن مُرادٍ على الرُّفَعَاء من إحدى الرَّزَايَا وإِنَّ تَرَفْعَ الْوُضَعَاءِ يوماً فقد طابت مُنَادَمَةُ المَنَايا إِذَا استوتِ الأسافلُ والأعالى ٢٥ المقدمة وأخرج قاسم بنُ أصبغُ فى ((مصنفه)) (١) بسند صحيح. كما قال الحافظ فى ((الفتح)) (٣٠١/١ ٣٠٢٠) عن عمر بن الخطاب قال: «فسادُ الدين إِذا جاء العلمُ من قِبَلِ الصغير ، استعصى عليه الكبيرُ ، وصلاحُ الناس إِذا جاء العلمُ من قِبَل الكبير ، تابعه عليه الصغير ». وأخرج ابنُ عبد البر فى ((جامع العلم)) (١ /١٥٩) عن ابن مسعود قال: « إنكم لن تزالوا بخيرٍ ما دام العلم فى كباركم ، فإِذا كان العلمُ فى صغاركم سفَّه الصغيرُ الكبيرَ))، وجاء هذا المعنى عن غير واحدٍ من الصحابة. وقد حدث ما توقَّعه هؤلاء الصحابة الكرام ، وهاك بيانُ ذلك : فلقد ظلَّ علمُ الحديث زمانًا طويلاً علمًا مرغوبًا عنه لصعوبته ، ولأنه يحتاج إِلى ملكةٍ لا تستقيمُ لصاحبها إِلاَّ بالدربة وإدمان النظر مع إِمكان الوصول إلى الأسانيد التى هى روح هذا العلم ، ومن المعلوم أن رأس مال المحدث هو الإِسنادُ ، وليس له دیوانٌ جامعٌ حافظٌ ، بل هو مفرَّقٌ فى عشرات الألوف من الصحاح ، والمسانيد ، والمعاجم ، والمشيخات ، وكتب التواريخ ، والأجزاء الحديثية وغير ذلك ، ولو قدَّرنا أن رجلاً مَلَكَ هذا العدد من الكتب فلابد من تقريبه وفهرسته على أطراف الأحاديث حتى يتسنى له الانتفاع بها ، وهذا جهد على جهد ، قد يستغرق عمره كلَّه أو أكثره ، فمتى يحقق ويُخرِّجُ ويوفق بين الأقوال المتعارضة ؟ ، ثم يسأل الدارسُ نفسه سؤالاً: وماذا بعد هذا ، فلا وظيفةً ولا حَسْبَ ، ولذلك أقبل الناسُ على دراسة الفقه ، لأن دارسه يحصل وظيفةً ، فيعمل مفتيًا أو واعظًا أو مدرسًا ، أو إِمامَ مسجد ، ونحو ذلك . (١) وأخرجه ابنُ عبد البرُفي ((الجامع)) (١٠٥٥، ١٠٥٦)، والخطيب في ((الفقيه)) ( ٧٨٢ ) ٢٦ المقدمة وأمَّا دارسُ الحديث فلا ينتظرهُ شىءٌ. وتستطيع أن تدرك هذا الأمر إِذا نظرت إلى غالب المدارس التى بُنيتْ فى بلاد المسلمين قديمًا مثل مدرسة نظام الملك فى بغداد ، فتجد عنايتهم كانت بعلم الكلام والفقه وأصوله . وأنت ترى هذا الإهمالَ لعلم الحديث واضحًا جليًّا فى مناهج الأزهر ، وهو امتدادٌ للمدارس القديمة التى أشرتُ إِليها ، فلم نر فى عصرنا ولا قَبْلَهُ رجُلاً أزهريًّا تبغ فى علوم الحديث إِلاَّ الشيخ أبا الأشبال أحمد شاكر رحمه الله ، ولم يكن نبوغُهُ بسبب دراسته فى الأزهر ، بل بسبب توجّهه الشخصى إِلى هذا العلم . وفى السنوات العشر الأخيرة حدثت نهضةٌ حديثيةٌ ، من أهم سماتها طبع مئات الكتب المسندة والأجزاء الحديثية ، بحيث يحقَّ لى أن أزعم أنه طبع فى هذه السنوات العشر مالم يطبع مثله فى مائة عامٍ مضت ، وصحب ذلك نهضة أخرى فى تقريب هذه الكتب وهى عمل موسوعات لأطراف الأحاديث ، فصار هذا العلم قريب المنال ، سهل المأخذ لأىّ طالب حتى لو كان بليدًا غبىَّ الذهن ، أبعد الخلق من هذا العلم ! وكان الأمر قبْل ثلاثين سنةً مختلفًا تمام الاختلاف عنه اليوم ، وخذ مثلاً: ء فمسند الإمام أحمد رحمه اللَّه مطبوعٌ فى ستة أجزاء كبارٍ ، وبخطٍ دقيقٍ ، وهو مرتبٌ على مسانيد الصحابة وليس على الأبواب ، فلو أراد أفحلٌ مُحدِّثٍ فى الدنيا - ولا يعتمد على حفظه. أن يتأكد من عزو حديثٍ مَّا إِلى ((المسند)) فإن هذا يكلفُهُ مراجعةَ مسند الصحابىِّ راوى الحديث وقد يكونُ من المكثرين مثلَ أبى هريرة وابنِ عمر وعائشة وغيرهم ، فكم من الوقت ينفقُهُ ليتأكد من عزو حديثٍ واحدٍ إِلى كتابٍ واحدٍ ؟ وقد لا يظفرُ بطلْبتَه بعد هذا المجهود ويكونُ الإِمامُ أدرج الحديث فى مسند صحابى آخر لغرضٍ طرأ ٢٧ المقدمة له ، مثل اتحاد المتن ، أو بيان الاختلاف فى سنده (١) أو نحو ذلك . فلو أن هذا الحديث رواه أئمةٌ آخرون ، ويريد المحدِّثُ أن ينظر فى ألفاظه ، أو متابعات الرواة فكم من الوقت يحتاجُه ليتم له ما يريدُ فى حديثٍ واحدٍ ؟! ولذلك فرح المشتغلون بالحديث أيَّما فرح لما طُبع كتاب ((مفتاح كنوز السنة )؛ فكتب الشيخُ محمد رشيد رضا رحمه اللَّه مقدمةً له ، أذاع فيها اغتباطه بطبعه ، وكان مما قاله (ص٨): ((ولو وُجد بين يدىَّ مثل هذا المفتاح لسائر كتب الحديث ، لوفّر علىَّ أكثر من نصف عمرى الذى أنفقتُه فى المراجعة ) اهـ. وقال الشيخُ أبو الأشبال أحمد شاكر رحمه اللّه فى مقدمته لهذا الكتاب. (ص٢٣ - ٢٤) بعد أن ذكر بعض صعوبات الكشف فى الكتب عن الأحادیث قال : (( وما لنا نضرب المثل بهما ۔ یعنی : بمسند أحمد وطبقات (١) وانظر ((مسند أحمد)) (١ / ٢٥٩- زوائد) (٣/ ١٢) (٤ / ١٦٧) (٦ / ٢٠٣ ) وفيه نماذج كثيرة. ووقع هذا كثيراً في ((مسند أبي يعلي )) وانظر الأرقام - ٧٦، ٦٢٣، ٦٤٠ ، ١٥٣٠، ١٥٣١، ١٦٠٧، ١٦٤٥، ١٦٨٢، ٢٠٤٢، ٢٠٦٧، ٢٠٦٨، ٢٠٦٩، ٢١١٢، ٢١٥٢، ٢٣١١، ٢٤٩٨، ٥٠٦، ٢٥٠٧، ٢٦٢٨، ٢٦٢٩، ٢٦٣٢، ٢٦٣٣ ، ٢٦٣٦، ٢٦٣٧، ٢٦٣٨، ٢٦٣٩، ٢٦٤٠، ٢٦٤١، ٢٦٤٢، ٢٦٤٣، ٢٦٤٦، ( مرسل)، ٢٦٥٣، ٢٧٠٦، ٢٧١٠، ٢٧١٧، ٢٧٣١، ٢٧٤٧، ٢٧٤٨، ٢٩٥٧، ٣٣٨٩، ٣٤٨٠، ٣٦١٦، ٢٦٤٥، ٣٦٢٦، ٣٢٢٥، ٣٢٣٥، ٣٢٣٦، ٣٢٣٧، ٣٢٣٨ ، ٣٩٨٥، ٤٠٠٧، ٤٠٦٦، ٤١٨١، ٤٤٦٤، ٤٥٦٧، ٤٦٩٢، ٤٧١٠، ٤٧٢٠، ٤٧٢٤، ٤٧٦٢، ٤٧٦٧، ٤٨١٨، ٤٩٠٧، ٤٩١٥، ٥٠٥٥، ٥١٠٩، ٥٣٩٥، ٥٥٦٠ / ٢٦١٩، ٢٦٢١، ٢٦٢٢، ٢٦٢٣، ٢٦٢٤، ٢٦٢٥، ٢٦٢٦، ٢٦٢٧ ٠ ٢٨ المقدمة ابن سعد - والصعوباتُ فيهما معروفةٌ ؟ وأمامنا الكتب الأخرى المرتبة على الأبواب ، كالكتب الستة وغيرها ، فكثيرًا ما يعجزُ الممارسُ لها عن الوصول إِلى حديثٍ بعينه يبغيه فيها . وها أنا اشتغلُ بعلوم الحديث وكتبه منذ خمس وعشرين سنةً ، وقد تلقيتُ منها سماعًا وقراءةً عن أعلامٍ وكبارٍ من الشيوخ ، وفى مقدمتهم والدى الأستاذ الجليل السيد محمد شاكر وكيلُ الجامع الأزهر سابقًا حفظه اللَّهُ ، والحافظُ الكبيرُ العلاَّمة السيد عبد الله بن إدريس السنوسى ، عالم مراكش ، وشيخُ شيوخها رحمه اللّه ، ومع ذلك فإنى طالما أعيانى تطلبُ بعض الأحاديث فى مظانها ، وأغربُ من هذا أنى لبثتُ نحو خمس سنيْن وأنا أطلب حديثًا معينًا فى ((سنن الترمذى))، وهو كتابٌ تلقيتُه كلّه عن والدى سماعًا ، ولى به شبهُ اختصاصٍ ، وكبيرُ عنايةٍ ، فهذه الكتب كانت بين يديْ من لم تطُلْ مدارستُه لها كالصناديق المغلقة ، لا يعلم من أين يصل إلى ما فيها .. )) انتهى . ولا يفوتنى أن أقول إن كتاب «مفتاح كنوز السنة» يُعدُّ الآن من الفهارس « المتواضعة)) بالنسبة لما ظهر من الفهارس ، فكيف بعد استخدام الحاسب الآلى (((الكمبيوتر)) فى هذا الأمر ؟! وقد أدرك شيخُنا الألبانىُّ حفظه الله هذا الإِعوازَ، فهداهُ الله عزَّ وجلَّ إِلى عمل معجمٍ لأطراف الأحاديث من الكتب المخطوطة والمطبوعة ، يشى بهمةٍ عاليةٍ ، وصبرٍ نافذٍ ، فلذلك كان له من الحظوة والشهرة فى هذا العلم ما لم یکن لأبى الأشبال ولا للشيخ عبد الرحمن بن یحیی المعلمی الیمانی ، وهما من نوابغ علماء الحديث فى هذا العصر . فقرَّب الشيخُ الألبانى السُّنةَ بكثرة تخاريجه ، والكلام على الأسانيد ومناقشة العلماء فى عللها ، وهو صاحبُ مدرسةٍ فى التخريج جمع فيها بين القديم ٢٩ المقدمة والحديث . ولا أعلمُ أحدًا له مساسٌ بهذا العلم إِلاَّ وللشيخ عليه فضلٌ دقَّ أو جلَّ ، حتى أنَّ حاسديه يستفيدون من علمه ويحطون عليه ، وأغلبُ تخاريجهم مسروقةٌ من كتبه ، ويعلمُ هذه الحقيقة من له ممارسةٌ لكتب الشيخ وقد ظلَّ الشيخ مُعَظِّمًا معافّى حتى انتشر هذا العلمُ ، وكثرت فهارسُ الكتب ، واستطاع أصغرُ الطلبة أن يعزو الحديث - بدلالة الفهرس - إِلى كتبٍ لم يطلع عليها كثيرٌ من الحفاظ القدامى فضلاً عن المحدثين وبان لهذه الظاهرة الإيجابية - وهى الإقبال على دراسة الحديث - وجهٌ سلبىُّ بغيضٌ. قُلتُ قبل ذلك : إِنَّ رأسَ مال المحدِّث هو الإِسناد ، وهو مبعثٌ فى عشرات الألوف من الكتب والأجزاء ، ومن المستحيل على رجلٍ واحدٍ أن يستحضر كلَّ ما فى هذه الكتب حال تحقيقه للحديث ، فربما ضعَّف الحديث ولم يقف له على شاهد، أو يجزم بتفرِّد أحد رواته به ، ويكون له متابعون ، أو يَغْفلُ فُرِمُ فى موضعٍ ما ينقضُه فى موضعٍ آخر لُبُعد ما بين الموضعين فى التدوين ،أو يَتَغَيِّرُ اجتهادُهُ وهذا يقعُ لكبار الحفاظ والأئمة الفضلاء الذين هم معدنُ العلم ، فلما انتشرت الفهارسُ العلمية ، وتمكَّن صغارُ الطلبة من الوصول إلى مواضع الحديث فيها ، كثر تعقبهم للعلماء ، مع إِساءة الأدب معهم ، واتهامهم بالغفلة والتقصير والجهل والتجاهل ، إلى آخر هذه الألفاظ التى كثرت فى السنوات العشر الأخيرة . وقد ذكَّرنى انتشارُ الفهارس ومضرتها بكلمةٍ قالها التابعىُّ الجليلُ محمدُ بنُ سیرینَ رحمه الله لما انتشرت الكتابة فقال: « وددتُ أن الایدی قطعت فى الكتابة)) قيل له : لم ؟ قال: لأنها ضيَّعت الحفظ! ولست أجحدُ فائدة الفهارس ، وأنَّها سهَّلت على أهل العلم مهمتهم ، وأشاعت بين العامة الاهتمام بالسنة ، والبحث عن صحيحها وسقيمها ، ولكن: (( لكل شىءٍ إِذا ٣٠ المقدمة ما تم نقصانُ )) . فظاهرةُ التعالمُ هى التى شوهت جمالَ هذه النهضة ، وأتاحت هذه الفهارسُ لكل متنفخ أن يتطاول على الشوامخ ، وكم لهذا التعالم من مضارٌّ ، من أهونها - مع فداحته - أن يختلط العالم بشبيه العالم ، ولا يميز الناس بينهما ، فيستفتون شبيه العالم فيقع الخبط والخلط ومما يدلك على صحة ما أقول ما أخرجه الشيخان من حديث أبى سعيد الخدرى رضى الله عنه فى قصة الذى قتل مائة نفس . وفى الحديث أن القاتل سأل عن أعلم أهل الأرض، فدلُّوه على راهبٍ ، فسأله فقال : إنى قتلتُ تسعة وتسعين نفسًا فهل لى توبة ؟ قال له : لا ، فقتله . ثم سأل القاتل عن أعلم أهل الأرض ، فدلّوه هذه المرة على راهبٍ عالمٍ ، فسأله فقال : إِنِى قتلتُ مائة نفسٍ فهل تجد لى توبة ؟ قال : نعم ، ومن يحجبُ عنك باب التوبة ، اخرج إلى أرض كذا وكذا .. إلى آخر الحديث المشهور ، فما دلَّت الناسُ القاتل على الراهب الأول إِلاَّ لأنها تظنُّه عالمًا لتشابه أزيائهم ووجوههم ، وهكذا كل من لبس جُبَّةً وعمامةٌ ، وأرخى لحيته فهو عند العوام عالم . ويذكرنى هذا التشابه بين العالم وشبيهه مع البون الشاسع بينهما فى الجوهر بقصةٍ ذكرها أبو الفرج فى ((الأغانى)) (٢١١/٨) فقد ذكر أن الشاعر ثابت بن جابر، المعروف بـ ((تأبَّط شرًّا)) لقى ذات مرة رجلاً من ((ثقيف)) يقالُ له: «أبو وهب))، وكان رجلاً أهوج، وعليه حُلَّةٌ جيِّدةٌ ، فقال أبو وهب لتأبَّط شرًّا : بم تغلبُ الرجال يا ثابت ، وأنت كما ترى دميمٌ وضئيلٌ ؟! قال: باسمى !! ، إنما أقول ساعة ألقى الرَّجلَ: أنا تأَبَّط شرًّا، فينخلعُ قلبُهُ ، حتى أنال منه ما أردتُ ! فقال له الثقفى : أبهذا فقط ؟! قال : قطُّ ! قال : فهل لك أن تبيعنى اسمَك ؟ قال : نعم ، فبم تبتاعُه؟ قال: بهذه الحُلَّة ٣١ المقدمة ، وبكنيتى . قال له : أفعلُ . ففعلا، وقال تأَبَّط شرًّا: لك اسمى ولى اسمُك ، وأخذ حُلَّته، وأعطاه طمْرَيه ، ثم انصرف . فقال تأبَّط شرًّا يخاطبُ زوجة هذا الثقفى : ألا هل أتى الحسناء أن حليلَها تأَبَّط شرًّا واكتنيتُ أبا وهب فَهَبْهُ تسمَّى اسمى وسمَّانِى اسمَهُ فأين له صبرى على مُعْظَمِ الخَطْبِ وأين له بأسٌ كبأسى وسَوْرتی وأين له فى كُلِّ فادحةٍ قَلْبی وقد توجع بعضُ الأذكياء من كثرة أشباه العلماء فى ديار المسلمين ، وأطلق عليهم اسم ((المجددينات)) بدل ((المجددين))، فقال له سامعُهُ : وما المجددينات ؟ ما هو بجمع مذكرٍ سالم ، ولا جمعُ مؤنث سالم ؟ فقال له: هذا جمعُ ((مخنثٍ )) سالم !! ، فأقسم له سامعُه أن اللّغة العربية فى أمسُ الحاجة إلى هذا الجمع ، خصوصًا فى هذه الأيام ! فإِذا كان الخطأُ ملازمًا للبشر ؛ لا يعرى عنه مخلوقٌ مهما اجتهد واحتاط لنفسه فى تحرى الحقِّ ، فليس من الإنصاف أن يُعيَّر المرء به إِذا وقع منه ، لاسيما إِن كان أهلاً للنظر، ولو أراد أحدٌ أن لا يخطئ فى شىءٍ من العلم ، فينبغى له أن يموت وعلمُه فى صدره ، فليس إِلى العصمة من الخطأ سبيلٌ إِلاَّ بتفضَّل رب العالمين على عبده . والخطأ فى الفروع أكثر من أن ينضبط ، ولا يسلمُ العالم منه ، فمن أخطأ قليلاً وأصاب كثيرًا فهو العالمُ ، ومن غلب خطؤه صوابه فهو جاهلٌ وهذا ميزانٌ عادلٌ ، ويرحمُ اللَّه ابن القيِّم إِذ قال فى ((إعلام الموقعين)) (٢٨٣/٣) : (( ومن له علمٌ بالشرع والواقع ، يعلمُ قطعًا أن الرَّجل الجليل الذى له فى الإِسلام قدمٌ صالحٌ ، وآثارٌ حسنٌ ، وهو من الإِسلام وأهله بمكان، قد تكون ٣٢ المقدمة منه الهفوة والزلّة ، هو فيها معذورٌ بل مأجورٌ لاجتهاده ، فلا يجوز أن يُتبع فيها ، ولا يجوز أن تهدر مكانتُهُ وإِمامتُهُ فى قلوب المسلمين)) اهـ. وقال الذهبىُّ رحمه اللَّه فى ترجمة ((محمد بن نصر المروزى ؛ من (سير النبلاء)) (٤٠/١٤): ((ولو أنا كُلَّما أخطأ إِمامٌ فى اجتهاده فى آحاد المسائل خطأً مغفوراً له ، قُمنا عليه وبدَّعْنَاه ، وهجرناه ، لما سلم معنا لا ابنُ نصرٍ ، ولا ابنُ مندة ، ولا من هو أكبر منهما ، واللَّه هو هادى الخَلْق إِلى الحقِّ وهو أرحم الراحمين، فنعوذ بالله من الهوى والفظاظة)) اهـ. وقد وقفتُ على كلامٍ جميلٍ فى هذا المعنى لابن حبان رحمه الله . فقال فى ((كتاب الثقات)) (٩٨٠٩٧/٧) فى ترجمة: ((عبد الملك ابن أبى سليمان العرزمىّ)) قال: ((ربما أخطأ .. وكان عبدالملك من خيار أهل الكوفة وحُفَّاظهم ، والغالبُ على من يحفظُ ويحدِّثُ من حفظه أن يهم ، وليس من الإنصاف ترك حديث شيخ ثبتٍ ، صحَّت عدالتُه بأوهامٍ يهم فى روايته ، ولو سلكنا هذا المسلك للزمنا تركُ حديث الزهرى ، وابن جريج والثورىّ وشعبة ، لأنهم أهلُ حفظٍ وإِتقانٍ ، وكانوا يحدثون من حفظهم ، ولم يكونوا معصومين حتى لا يهموا فى الروايات ، بل الاحتياطُ والأولى فى مثل هذا قبولُ ما يروى الثبتُ من الروايات ، وترك ما صحَّ أنه وهم فيها ، ما لم يفحُش ذلك منه حتى يغلب على صوابه ، فإن كان كذلك استحقَّ الترك حينئذ )) اهـ . • قُلْتُ : وشيخُنا أبو عبد الرحمن رجلٌ من بنى آدم ، يصيبُ كما يصيبون ويخطئ كما يُخطئون ، ولم يدَّع لنفسه عصمةٌ من مقارفة الزلل ، ولا أمنًا من مواقعة الخطل ، وكتبُهُ شاهدةٌ على ذلك ، لا سيما ما جدَّد طبْعَهُ فى هذه ٣٣ المقدمة الأيام ، فقد تراجع عن تصحيح أحاديثَ بعدما استبانت له علّتُها ، وتراجع عن تضعيف أحاديث ، بعد أن وقع لها على طرق أو شواهد ، والكلام فى التصحيح والتضعيف أمرٌ اجتهادى ، فلا ينبغى أن يشغب على المخطئ فيه . بعد أهليته - إِن ثبت أن أصوله التى يعتمد عليها منضبطةٌ . وسامح اللَّهُ القائل : إِذا كنت خاملاً ، فتعلَّقْ بعظيم ! فقد تعلَّق كثيرٌ من الخاملين الباحثين عن الشهرة بكتب الشيخ الألبانى ، وفتشوا فيها رجاء الوقوع على أغلاط له ، وظفروا ببعضها ، وكانوا محقين فى تعقبها ، لكنهم أضافوا إِليها أشياء أخرى عدُّوها غلطًا ووهما من الشيخ، وهم الغالطون عليه، إِما لسوء فهمهم وتسرعهم فى فهم كلام الشيخ ، وإما لأن الشيخ أجمل الكلام فى هذا الموضع ، فوقع الإشكال وهذا أغلبُ ما تعقبوا الشيخ به . فذكرنى صنيعُهم هذا بما أخرجه الشيخان عن عائشة رضى الله عنها قالت: سأل أناسٌ رسول اللَّهِ مَّه عن الكُهَّان؟ فقال لهم رسول اللّه لَّهُ: ((ليسوا بشىءٍ)) قالوا: يا رسول الله! فإنهم يُحدّثون أحيانًا الشىءَ يكونُ حقًّا ؟ قال: ( تلك الكلمة من الحقِّ ، يخطفها الجنىُّ ، فيقرُّها فى أذن وليه قرَّ الدجاجة ، فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة )) اهـ. وقد رأيتُ بعض الناس تدنَّى فى خصومته للشيخ ، وزعم أنه وقع له على مئات الأغلاط التى تصل إلى ألوفٍ ، ونشر فى ذلك أكثر من كتابٍ ليس فيها ما يُمدحُ إِلَّ جودةُ طبعها وحُسنُ حرفها ، ودأب على أن يكتب نسبه فى أول الكتاب ، وأنه شريفٌ هاشمىٌّ ، وقصدُهُ معروف لأن الشيخَ الألبانىّ أعجمىٌّ ، فهو يفخر عليه بنسبه ، وهذه نعرةٌ جاهليةٌ أهدرها الإِسلام ، مع أننا فى زمان قلَّ فيه العنايةُ بالأنساب ، ويستطيع كثيرٌ من الأدعياء أن ينسب نفسه إلى من يشاء بلا رقيبٍ ، ومع هذا ، فإِن أبا لهبٍ كان أصحِّ منه نسبًا ٣٤ المقدمة وأعرق ، وحالُهُ معروفةٌ . ثم بعد كتابة نسبه يكتب هذا البيت : وأناسًا لقصعة وثريد خلق اللَّه للمعالى أناسًا وقصدُهُ معروفٌ أيضًا، وهو أنه من أصحاب المعالى ، وأن الشيخ لا همَّ له إِلاَّ الأكل! وهذا كذبٌ وزورٌ ، ولو أردنا أنْ نعدِّد رجالَ المعالى لكان الشيخ الألبانى فى طليعتهم ، وهو معروفٌ بجدّه واجتهاده فى طلب العلم ، وأذكر هنا مثالاً واحدًا شافهنى به الشيخُ حفظه اللَّه، وزَبَرَهُ فى مقدمته لـ ((المنتخب من مخطوطات الحديث)) يدلُّك على عُلو كعبه وهمته العالية . قال الشيخ حفظه اللهُ : (( ولم يكن ليخطر فى بالى ، وضع مثل هذا الفهرس ، لأنه ليس من اختصاصى ، وليس عندى متسع من الوقت ليساعدنى عليه ، ولكن اللَّه تبارك وتعالى إِذا أراد شيئًا هيأ أسبابه ، فقد ابتليت بمرض خفيف أصاب بصرى ، منذ أكثر من اثنى عشر عامًا ، فنصحنى الطبيب المختص بالراحة وترك القراءة والكتابة والعمل فى المهنة (تصليح الساعات) مقدار ستة أشهر. فعملت بنصيحته أول الأمر ، فتركت ذلك كله نحو أسبوعين ، ثم أخذت نفسى تراودنى ، وتزين لى أن أعمل شيئاً فى هذه العطلة المملة ، عملاً لا ينافى بزعمى نصيحته ، فتذكرت رسالة مخطوطة فى المكتبة ، اسمها (( ذم الملاهى )) للحافظ ابن أبى الدنيا ، لم تطبع فيما أعلم يومئذ ، فقلت : ما المانع من أن أكلف من ينسخها لى ؟ وحتى يتم نسخها ، ويأتى وقت مقابلتها بالأصل ، يكون قد مضى زمن لا بأس به من الراحة ، فبإِمكانى يومئذ مقابلتها ، وهى لا تستدعى جهدًا ينافى الوضع الصحى الذى أنا فيه ، ٣٥ المقدمة ثم أحققها بعد ذلك على مهل ، وأخرج أحاديثها ، ثم نطبعها ، وكل ذلك على فترات لكى لا أشق على نفسى ! فلما وصل الناسخ إلى منتصف الرسالة، أبلغنى أن فيها نقصًا ، فأمرته بأن يتابع نسخها حتى ينتهى منها ، ثم قابلتها معه على الأصل ، فتأكدت من النقص الذى أشار إليه ، وأقدره بأربع صفحات فى ورقة واحدة فى منتصف الكراس ، فأخذت أفكر فيها ، وكيف يمكننى العثور عليها ؟ والرسالة محفوظة فى مجلد من المجلدات الموضوعة فى المکتبة تحت عنوان (مجامیع) ، وفی کل مجلد منها على الغالب عديد من الرسائل والكتب ، مختلفة الخطوط والمواضيع ، والورق لونًا وقياسًا ، فقلت فى نفسی ، لعل الورقة الضائعة قد خاطها المجلد سهوا فى مجلد آخر من هذه المجلدات ! فرأيتنى مندفعًا بكل رغبة ونشاط باحثًا عنها فيها ، على التسلسل . ونسيت أو تناسيت نفسى ، والوضع الصحى الذى أنا فيه ! فإذا ما تذكرته ، لم أعدم ما أتعلل به ، من مثل القول بأن هذا البحث لا ينافيه ، لأنه لا یصحبه كتابة ولا قراءة مضنية ! وما كدت أتجاوز بعض المجلدات ، حتى أخذ يسترعى انتباهى عناوين بعض الرسائل والمؤلفات ، لمحدثين مشهورين ، وحفاظ معروفين ، فأقف عندها ، باحثًا لها ، دارسًا إِياها ، فأتمنى لو أنها تنسخ وتحقق ، ثم تطبع ، ولكنى كنت أجدها فى غالب الأحيان ناقصة الأطراف والأجزاء ، فأجد الثانى دون الأول مثلاً ، فلم أندفع لتسجيلها عندى ، وتابعت البحث عن الورقة الضائعة ، ولكن عبثًا حتى انتهت مجلدات (المجاميع) البالغ عددها (١٥٢) مجددًا ، بيد أنى وجدتنى فى أثناء المتابعة أخذت أسجل فى مسودتى عناوين بعض الكتب التى راقتنى ، وشجعنى على ذلك ، أننى عثرت فى أثناء البحث فيها على بعض النواقص التى كانت قبل من الصوارف عن التسجيل . ٣٦ المقدمة ولما لم أعثر على الورقة فى المجلدات المذكورة ، قلت فى نفسى : لعلها خيطت خطأ فى مجلد من مجلدات كتب الحديث ، والمسجلة فى المكتبة تحت عنوان (حديث) ، فأخذت أقلبها مجلدًا مجلدًا ، حتى انتهيت منها دون أن أقف عليها ! ولكنى سجلت أيضًا عندى ما شاء الله تعالى من المؤلفات والرسائل . وهكذا لم أزل أعلل النفس وأمنيها بالحصول على الورقة ، فأنتقل فى البحث عنها بين مجلدات المكتبة ورسائلها من علم إِلى آخر ؟ حتى أتيت على جميع المخطوطات المحفوظة فى المكتبة ، والبالغ عددها نحو عشرة آلاف مخطوط ، دون أن أحظى بها ! ولكنى لم أيأس بعد ، فهناك ما يعرف بـ (الدست) ، وهو عبارة عن مكدسات من الأوراق والكراريس المتنوعة التى لا يعرف أصلها ، فأخذت فى البحث فيها بدقة وعناية ، ولكن دون جدوى . وحينئذ يئست من الورقة ، ولکنی نظرت فوجدت أن الله تبارك وتعالى، قد فتح لى . من ورائها . باباً عظيمًا من العلم ، طالما كنت غافلاً عنه كغیری ، وهو أن فى المكتبة الظاهرية كنوزًا من الكتب والرسائل فى مختلف العلوم النافعة التى خلفها لنا أجدادنا رحمهم الله تعالى ، وفيها من نوادر المخطوطات التى قد لا توجد فى غيرها من المكتبات العالمية ، مما لم يطبع بعد . فلما تبين لى ذلك ، واستحكم فى قلبى ، استأنفت دراسة مخطوطات المكتبة كلها من أولها إلى آخرها ، للمرة الثانية ، على ضوء تجربتى السابقة التى سجلت فيها ما انتقيت فقط من الكتب ، فأخذت أسجل الآن كل ما يتعلق بعلم الحديث منها مما يفيدنى فى تخصصى ؛ لا أترك شاردة ولا واردة ، إِلا سجلته ، حتى ولو كانت ورقة واحدة ، من كتاب أو جزء مجهول الهوية ! وكأن اللَّه تبارك وتعالى كان يعدنى بذلك كله للمرحلة الثالثة والأخيرة ، ٣٧ المقدمة وهى دراسة هذه الكتب ، دراسة دقيقة ، واستخراج ما فيها من الحديث النبوى مع أسانيده وطرقه ، وغير ذلك من الفوائد . فإنى كنت فى أثناء المرحلة الثانية ، التقط نتفًا من هذه الفوائد التى أعثر عليها عفوًا ، فما كدت أنتهى منها حتى تشبعت بضرورة دراستها كتابًا كتابًا، وجزءًا جزءًا. ولذلك فقد شمرت عن ساعد الجد ، واستأنفت الدراسة للمرة الثالثة ، لا أدع صحيفة إِلا تصفحتها ، ولا ورقة شاردة إلا قرأتها ، واستخرجت منها ما أعثر عليه من فائدة علمية ، وحديث نبوى شريف ، فتجمع عندى بها نحو أربعين مجلداً ، فى كل مجلد نحو أربعمائة ورقة ، فى كل ورقة حديث واحد ، معزوًّا إِلى جميع المصادر التى وجدتها فيها ، مع أسانيده وطرقه ، ورتبت الأحاديث فيها على حروف المعجم ، ومن هذه المجلدات أغذى كل مؤلفاتى ومشاريعى العلمية ، الأمر الذى يساعدنى على التحقيق العلمى ، الذى لا يتيسر لأكثر أهل العلم ، لاسيما فى هذا الزمان الذى قنعوا فيه بالرجوع إلى بعض المختصرات فى علم الحديث وغيره من المطبوعات ! فهذه الثروة الحديثية الضخمة التى توفرت عندى ؛ ما كنت لأحصل عليها ، لو لم ييسر الله لى هذه الدراسة بحثًا عن الورقة الضائعة ! فالحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات . وإِن من ثمراتها المباركة أننى اكتشفت فى أثنائها بعض المؤلفات والأجزاء والكراريس القيمة التى لم يكن من المعلوم سابقًا وجودها فى المكتبة أصلاً ، أو كاملة ، لذهاب الورقة الأولى وغيرها منها التى بها يمكن عادة الكشف عن هوية المؤلّف والمؤلّف ، أو لإهمال الناسخ كتب ذلك على نسخته من الكتاب ، أو غير ذلك من الأسباب التى يعرفها أهل الاختصاص فى دراسة المخطوطات ، ولذلك خفيت على (بروكلمن) وغيره من المفهرسين ، فلم يرد لها ذكر فى ٣٨ المقدمة فهارسهم إِطلاقًا ، ولا بأس من أن أذكر هنا بعض المهمات منها مما يحضرنى الآن : ١ - ((المستخرج على الصحيحين)) للحافظ سليمان بن إبراهيم الأصبهانى الملنجي . ٢ - ((مجمع البحرين فى زوائد المعجمين)) للحافظ نور الدين الهيثمى. ٣- ((الحفاظ)) لأبى الفرج ابن الجوزى. ٤ - ((الكلم الطيب)) لشيخ الإسلام ابن تيمية . ٥ - ((إِثبات صفة العلو للّه تعالى)) لابن قدامة المقدسى. ٦ - ((تحفة المحتاج إِلى أدلة المنهاج)) لابن الملقن. ٧ - ((السنن الكبرى)) للنسائى. ٨ - ((فضائل مكة )) للجندى . وأما الأجزاء والكراريس التى اكتشفتها ، وبعضها مما أتممت به بعض الكتب التى كانت ناقصة ، أو مجهولة الهوية فشىء كثير والحمد لله ، وإليك بعضها على سبيل المثال : ١ - ((أحكام النساء )) لابن الجوزى . ٢ - ((الضعفاء)) للذهبى. ٣ - ((مسند الشهاب)) للقضاعى . . ٤ - ((الصلاة)) لعبد الغنى المقدسى . ٥- ((تاريخ أصبهان)» لابن مندة . ٦ - ((الكلام على ختان النبى معَله)) لابن العديم. ٣٩ المقدمة ٧ - ((جزء نعل النبى ◌َ ◌ّه)) لأبى اليمن ابن عساكر. ٨ - ((المغازى)) لابن إسحاق. ٩ - ((صحيح ابن حبان)). هذا ، وقد كان هذا الفهرس نتيجة جهد فردى ، واندفاع ذاتى ، من شخص غير موظف فى المكتبة ، ولا مكلف منها ، ولذلك لم يكن ليتيسر له ما يلزمه من التسهيلات لمراجعة المخطوطات ودراستها والبحث عن المجهولات من الأجزاء فيها ، مثلما يتيسر عادة لمن كان موظفًا فى المكتبة أو مكلفًا من إدارتها ، فكان من الطبيعى أن ينالنى بعض المشقة فى سبيل هذه الدراسة ، فقد أتى علىَّ أيام كنت أضطر فيها إِلى أن أنصب السلّم ، فأرقى عليه ، لأستطيع تناول الكتب المرصوفة على الرفوف العالية ، فأقوم عليه ساعات فى دراستها فى موضعها دراسة سريعة ، فإِذا اخترت شيئًا منها لدراستها دراسة فحص وتدقيق طلبت من الموظف المختص أن ينزلها ويأتى بها إلى المنضدة ، بعد تقديمى قائمة بأسمائها وأرقامها وتوقيعها ! ولذلك فإنى أظن أنه فاتنى الاطلاع على عدد غير قليل من الكتب والرسائل والأجزاء مما يتعلق بمثل هذا الفهرس ، فعسى الله تبارك وتعالى أن يسخر من يتابع البحث والتفتيش بدقة ویسر ، فیسجل ما قد فاتنی ، وما کنت تعمدت ترکه مما ليس من منهجی كما سبقت الإشارة إليه ، لاسيما وقد ورد إِلى المكتبة بعد عملى لهذا الفهرس مجموعات أخرى من المخطوطات ، فيفهرس ذلك كله ، ويكون كالذيل لهذا ، وبذلك يتوفر للمكتبة العامرة فهرس مفصل يحوى كل ما فيها من كتب الحديث الشريف . وقد يرى القارئ فى فهرسى هذا كثيرًا من الكتب التى ليس لها علاقة عادة بعلم الحديث ، مثل كتب التاريخ والسيرة ، والقراءات والتفسير وغيرها، ٤٠ المقدمة فحقها أن تسجل فى فهارس خاصة بها ، فعذرى فى تسجيلها فيه أننى كنت أحتاج الرجوع إليها كثيرًا ، لاسيما وأكثرها شديد الصلة بعلم الحديث الذى هو اختصاصى ، فسجلتها فيه تيسيرًا لعملى ، وتوفيرًا لوقتى )) اهـ. • قُلْتُ : فهذا شيءٌ من جدِّ الشيخ وتحصيله ، أفيُرمى صاحبُ هذه الهمة بأن حياته : «قصعةٌ وثريدٌ )» ؟! إذا محاسنی اللأَّتی ◌ُدلُّ بھا عُدَّتْ عيوبًا ، فقل لى كيف أعتذرُ ؟! هذا ، وقد طُبعت كتبٌ فى الردّ على الشيخ الألباني ، بعضها يتعلَّقُ بالحديث ، وبعضها يتعلَّقُ بالفقه ، ويصحبُ النوعين تشغيبٌ كثيرٌ ، فياليتهم قصروا كلامهم على الجانب العلمىِّ حسبُ ، إِذنْ لظهر إِنصافُهم . ولكن آلمنى وأزعجنى أن بعض هذه الكتب تجاوز أصحابُها سبيل أهل العلم فى الرد بالتى هى أحسن ، وكنت أحسُّ وأنا أقرؤها بحفيف أفعى تدبّ خلف السطور ، وكلما انحدرتُ مع أسطر الكتاب علا الصوت وظهر الضُباح، حتى إذا انتهيتُ من قراءة السطور فإِذا : كَشِيشُ أَفْعَى أجمَعَتْ لِعَضٌ فَهِى تَحُكُّ بَعْضَها بِبَعْضِ وهذا كلُّه جزءٌ من الحرب التى أشرتُ إِليها قبلُ ، وسميتُها : (( حرب إِسقاط الرموز » . فلما رأيتُ الأمر كذلك عزمت على تصنيف كتابٍ يردُّ الحقَّ إِلی نصابه، أدفع به الظلم الواقع على الشيخ الجليل، واضعًا نصب عينى حديث النبى عملية : ((انصر أخاك ظالما أو مظلومًا، قيل: كيف أنصره ظالمًا ؟ قال: تحجزُهُ عن