النص المفهرس
صفحات 1-20
بَنِيَهُ الهَاد ٧،٧٨ إِلَى مَا وَقَعَ مِنَ النَّظَرِ فِى كُتُبِلِأَمَاجِدِ صَنَّفَهُ الجزء الَوَّلْ : - 3 一 ٣ المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على نبينا محمد أشرف المرسلين ، وعلي آله وصحبه أجمعين أما بعد . فقد سبق لي أن نشرت جزءً من هذا الكتاب يحتوي علي خمسمائة تعقب ، وجعلتُهُ طليعة للجزء الرابع من كتابي ((الثمر الداني في الذب عن الألباني)). وقد أبنتُ فيه عن مقصدي في مقدمته ، التي أثبتها في هذه الطبعة . وكنتُ قد أرسلتُ هذا الجزء إِلي شيخنا أبي عبد الرحمن الألبانيّ رحمهُ الله تعالي مع أحد إِخواننا الكويتيين في آخر سَفْرَةٍ لي إليها عام (١٤١٩ هـ) . واتصلت به بعدها بعدة أشهر أثناء انعقاد أحد المؤتمرات الإسلامية بأمريكا ، وكان الشيخ أيامها مريضاً ، فكلمتُهُ وسألتُهُ عن الكتاب - وهل قرأهُ ، فقال : ((نعم قرأتُهُ، وهو كتابٌ جيدٌ، زادك الله توفيقاً)). فرحم الله شيخَنا، ورفع مقامَهُ . ثمَّ خطرَ لي أن أجعله كتاباً مستقلاً ، فجمعتُ مادته من مصنفاتي التي لم تطبع ، ومما عَرَضَ لي أثناء تحقيقاتي وتخريجاتي ، فجاء كتاباً حافلاً في ستة مجلدات والحمدُ لله . ولقد وجدتها فرصة سانحة لي أن أثبت فيه بعض مصنفاتي القديمة ، والتي فقدت جزء منها ، فلم أنشط للنظر فيها ، لأنها تحتاج إلي جهد جهيد ، ووقت مديد ، وعزمٍ حديد ، لا أجد له من فراغ البال ما يمكنني من إتمام النقص الواقع فيه مثل كتابي (« إتحاف الناقم بوهم أبي عبد الله الحاكم)). وكنتُ أحصيتُ أنواع الأوهام التي وقعت للحاكم في ((المستدرك)) فتجاوزت خمسة عشر نوعاً: منها ما قال فيه : ((علي شرطهما أو أحدهما ولم يخرجاه)) ويكونا قد أخرجاه. فهذه ثلاثة أنواع. ومنها ما قال فيه: ((علي شرطهما)) وهو علي شرط واحدٍ منهما. ومنها ما قال فيه: ((علي شرط البخاريّ)) ويكون علي ((شرط مسلم)) والعكس. ومنها ما قال فيه: ((علي ٤ المقدمة شرطهما أو علي شرط أحدهما )) وليس كذلك ، بل ليس صحيحاً ، وقد يكون ضعيفاً أو باطلاً أو موضوعاً ، ومنها ما يصححه مطلقاً وليسَ بصحيحٍ أصلاً ، ومنها ما قال فيه : (( أخرجاه أو أحدهما مختصراً» ويكونا قد أخرجاه أو أحدهما بأوفي من سياقه . إلي آخر هذه الأوهام. وقد ظفرتُ بنحو مجلدٍ ونصف من هذا الكتاب ، فرأيتُ نشر ما ظفرتُ به . وكذلك كتابي ((الجزم بشذوذ ابن حزم )) وهو من أوائل ما صنَّتُ ، وقد وضعتُهُ ذبََّ عن رواةٍ معروفين ، زعم ابنُ حزمٍ أنهم مجاهيلٌ . ولم أتعرض فيه للرواةِ الذين ضعَّفَهُم ابن حزم في كتبه . وقد ظفَرتُ بقدرٍ صالحٍ من هذا الجزء . فرأيتُ أن أنشره أيضاً . هذا ، وقد رفعتُ من المجلد الأوَّل عدَّة تعقبات ، إِما لأنها تكررت سهواً مني ، أو لأنني أعدتُ النظر فيها، ورأيت وجه التعقب فيها ضعيفاً ، إلى غير ذلك من الأسباب ، وهاك أرقامها ( ٨، ٦٣، ٩٩، ١١٠، ١٤٣، ١٤٥، ١٤٧، ١٧٧، ٢١٧، ٢٦٠، ٢٦٨، ٢٩٥، ٣٦٨، ٣٧٦، ٤٥٤، ٤٨٥ ) . وقد أضفتُ كثيراً من الفوائد والتخريجات علي أغلب تعقبات الجزء الأول نصيحة للمسلمين ، وأداءً لحقِّ العلم ، وكنتُ أرجو ألاَّ أثبت حديثاً إِلاَّ وأتكلم عليه بالصحة أو الضعف، وقد حاولتُ ذلك في مواضع شتي من الكتاب، ولكن الذي أغراني بإهمال ذلك أنني وضعتُ كتابي لغرضٍ آخر ، ولعلي استدرك ذلك في طبعةٍ قادمةٍ إِن شاء الله تعالي . وأوصي أهل العلم أن يكتبوا لي ما يجدونه من تنبيهات ستكون موضع العناية والدرس مني، ولهم شكري سلفاً ، ثم إِنني أخيراً أشكر أخانا في الله أحمد بن عطية الوكيل علي عنايته بمراجعة تجارب الكتاب ووضع فهارسه الرائقة في خاتمة كل جزء . والحمد لله أولاً وأخراً ظاهراً وباطناً . ٠ وكتبه : أبو إسحاق الحوينى الأثرى السبت ١٨ / ربيع الآخر / ١٤٢٣ هـ ٢٩٠ / يونيو / ٢٠٠٢ م بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مُقَدِّمَةُ الطَّبْعَةِ الأُولَى إن الحمد لله تعالى نحمده ، ونستعينُ به ونستغفرُهُ ، ونعوذ بالله تعالی من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا ، من يهد اللَّه تعالى ، فلا مضلَّ له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إِلاَّ اللَّه وحده لا شريك له ، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُسْلِمُونَ ﴾ [آل عمران: ١٠٢ ] يأَأيَّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبِكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ منها زَوْجَهَا وبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًاً ونساءً واتَّقوا اللهَ أَلَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ إِنَّ الله كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً﴾ [النساء: ١]. ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا يُصْلِحِ لَكُمْ أَعَمَالَكُم وَيَغَفِرِ لَكُمْ ذَنُوُبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزَاً عَظِيمَا ! [ الأحزاب: ٧٠، ٧١] أَمَّا بَعْدُ فإِن أصدق الحديث كتابُ الله تعالى، وأحسن الهدى هَدْىُ محمد عَلَيهِ ، وشرَّ الأمور محدثاتُها ، وكلَّ محدثةٍ بدعةٌ ، وكلَّ بدعةٍ ضلالةٌ ، وكلَّ ضلالة فى النار . ٦ المقدمة اللَّهُمَّ صلِّ على محمد وآل محمد ، كما صليت على إبراهيم وآل إِبراهيم ، ء فى العالمين إنك حميد مجيدٌ، وبارك على محمد وعلى آل محمدٍ، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم ، فى العالمين إنك حميد مجيدٌ. (( فالحمدُ لله الذى لا يُؤَدَّی شُكرُ نعمة من نعمه ، إِلاَّ بنعمة منه توجب علی مؤدى ماضى نعمه بأدائها : نعمةً حادثةً يجبُ علیه شکرُهُ بها ، ولا يبلُغ الواصفون كُنْهَ عظمته ، الذى هو كما وصف نفسه ، وفوق ما يصفُهُ به خلقُهُ، أحمده حمدًا كما ينبغى لكرم وجهه عزَّ وجلَّ ، وأستعينُه استعانة من لا حول له ولا قوة إِلاَّ به، وأستهديه بهداهُ الذى لا يضلُّ من أنعم به علیه ، وأستغفرُهُ لما أزلفتُ وأخَرتُ ، استغفار من يُقُرُّ بعبوديته ؛ ويعلمُ أنه لا يغفرُ ذنبه ، ولا ينجيه منه إِلاَّ هو، وأشهدُ أن لا إله إِلاَّ اللَّهُ وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه . فنسأل الله المبتدئَ لنا بنعمه قبل استحقاقها ، المديمَهَا علينا مع تقصيرنا فى الإتيان على ما أوجب به من شكره بها ، الجاعلَنَا فى خير أمة أخرجت للناس ، أن يرزقنا فهمًا فى كتابه ، ثمَّ سنة نبيِّهِ، وقولاً وعملاً يؤدى به عنا حقَّهُ ، ویوجبُ لنا نافلةً مزیده )»(١) . فإِنَّ الله - جلَّ ثناؤهُ - لما خلق الناسَ، ركز فى فطرهم محبة الإحسان ، والخضوع له ، وكرِهَ لهم الكبر والعلوَّ فى الأرض بغير الحقِّ . فقال جلَّ ثناؤه: ﴿هل جزاءُ الإِحسانِ إِلَّ الإِحسانُ﴾ [الرحمن: ٦٠]. يعنى : لا ينبغى أن يكون جزاءُ الإحسان إِلاَّ من جنسه ، فليس لمن أحسن (١) اقتباسٌ من كلام الإمام الجليل محمد بن إدريس الشافعى رحمه الله ورضى عنه فى مقدمته لكتابه (الرسالة)) ؛ تحقيق المحدث النبيل أبى الأشبال أحمد شاكر رحمه الله. ٧ المقدمة العمل فى الدنيا إِلاّ الإِحسان إليه فى الآخرة . وما أجمل قول القائل : ليس هناك حمْلٌ أثقل من البر ، من بَرَّكَ فقد أوثقك ، ومن جفاك فقد أطلقك . فإن أردت استرقاق إِنسانٍ ؛ فأحسن إِليه ، فيكونُ ذلك مانعًا إياه أن يوصل السيئة إِليك . ومما يدلُّك على صحة ما أقول من أن محبة الإحسان ، والخضوع لأهله مركوزٌ فى فطر الناس ؛ حتى الكافر ؛ ما أخرجه البخارى (٣٢٩/٥ ٣٣٣٠) ، وأحمد (٤ /٣٢٤، ٣٢٩) وغيرهما من حديث المسور بن مخرمة رضى الله عنه، فذكر حديثه فى ((صلح الحديبية )) وفيه : (( فقام عروةُ بنُ مسعود الثقفى ، فقال : أيْ قوم ! ألستم بالوالد ؟ قالوا: بلى ، قال : أولستُ بالولد ؟ قالوا : بلى . قال : فهل تتهمونى ؟ قالوا : لا ، قال : ألستم تعلمون أنى استنفرت أهل عكاظ ، فلمَّا بلَّحُوا علىَّ جئتكم بأهلى وولدى ومن أطاعنى ؟ قالوا : بلى. قال : فإِنَّ هذا قد عرض عليكم خُطّة رشْدٍ ؛ اقبلوها ودعونى آنه. قالوا: ائته. فأتاهُ، فجعل يكلم النبيَّ ◌َللهِ، فقال النبيُّ ◌َ﴾ نحوًا من قوله لُبُديلٍ(١)، فقال عروةُ عند ذلك: أيْ محمدٌ ! أرأيت إِن استأصلت أمر قومِكَ ، هل سمعت بأحدٍ من العرب اجتاح أهله قبلك ؟ وإِنْ تكن الأخرى ، فإِنى - واللّه ! - لا أرى وجوهًا، وإِنى لأرى أشوابًا - وفى رواية : أوباشًا - من الناس ، خليقًا أن يفروا ويدعوك . (١) قال النبيُّ ◌َ﴾ لُبُديل بن ورقاء الخزاعى: ((إِنا لم نجئْ لقتالِ أحدٍ، ولكنّا جئنا معتمرين ، وإِن قريشًا قد نَهِكتهم الحربُ وأضرَّتْ بهم ، فإِن شاءوا ماددتهم مُدَّةٌ ، ويُخلوا بينى وبين الناس ، فإن أظهر ، فإن شاءوا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا ، وإِلاَّ فقد جَمُّوا ، وإِن هم أبوا ، فوالذى نفسی بيده لأقاتلتهم على أمری هذا حتى تنفرد سالفتى، ولينفذنَّ اللَّه أمره )) فقال بُديلٌ : سأبلغهُم ما تقول . ٨ المقدمة فقال له أبو بكر رضى الله عنه: امصُصْ بظر اللَّت؛ أنحنُ نفرُّ ونَدَعَهُ ؟ فقال عروةُ : من ذا ؟ قالوا : أبو بكرٍ ! قال : أما والذى نفسى بيده ! لولا يدٌ كانت لك عندى لم أَجْزِكَ بها لأجبتُك .. الحديث)). وأخرج بعضه: أبو داود (٢٧٦٥)، والنسائيَّ فى ((الكبرى)). كما فى ((أطراف المزى)) (٣٨٣/٨) - وغيرهما . فانظر - يرحمك اللهُ من مُنصفٍ . قول عروة لأبى بكرٍ ، فما منعه من الردِّ عليه، وقد بالغ فى عيب آلهتهم ، إِلاَّ أنه كان أسير الإحسان المتقدِّم من أبى بكرٍ له . وقد ورد فى رواية ابن إسحاق عن الزهرى فى هذا الحديث أن عروة قال لأبى بكرٍ: «لولا يدٌ لم أجزك بها ، ولكن هذه بها ، كأنه قال له : هذه الإِساءةُ منك إِلى آلهتنا ، قد استوفيت بها جميلَكَ السابق عندى ، فلم يبق لك حسنةٌ تمنعنى من الرد عليك فى قابلٍ إِذا أسأت إِلىَّ . وأمَّا من جفاك ، وأساء إِليك فما استُودعَ يدًا تمنعه من ردِّ السيئة بمثلها وزيادة ، لذلك كان طليقًا لا يوقفه شىءٌ. وإِذ الأمرُ كذلك، والوفاءُ سجِيَّةٌ وخُلُقٌ ، فما أعلمُ أحدًا - بعد والدىَّ - له علىَّ يدٌ مثل شيخنا الشيخ الإمام ، حسنة الأيام ، وريحانة بلاد الشام ، أبى عبد الرحمن محمد ناصر(١) الدين الألبانى، ألبسه اللَّه حُلل السعادة وكافأه (١) توفي شيخنا رحمه الله ورضي عنه يوم السبت ٢٢ / جمادي الآخرة / ١٤٢٠ هـ الموافق ٢ / ١٠ / ١٩٩٩ بعد عصر هذا اليوم ، فاللهم ارض عنه واغفر له وارحمه كقاء ما قدَّم للمسلمين من تقريب السنَّة والذب عنها ٩ المقدمة بالحسنى وزيادة ، إِذ الاطلاعُ على كتبه كان فاتحة الخير العميم لى ، وأبدأ الحديث أسوقُهُ من أوَّله . ففى صيف عام (١٣٩٥هـ) كنت أصلى الجمعة فى مسجد ((عين الحياة))، وكان إِمامُهُ إِذ ذاك : الشيخ عبد الحميد كشك(١) . حفظه الله تعالى - ، وكان تجار الكتب يعرضون ألوانًا شتى من الكتب الدينية أمام المسجد ، فكنتُ أطوفُ عليهم ، وانتقى ما يعجبنى عنوانُه ، فوقعت عينى يومًا على كتاب عنوانُه: ((صفة صلاة النبي ◌َّه من التكبير إِلى التسليم كأنك تراها)» ء . تأليف : محمد ناصر الدين الألبانى . فراقنى اسمُه . فتناولتُه بيدى ، وقلَّتُ صفحاته ، ثم أرجعتُه إِلى مكانه ، لأنَّه كان باهظ الثمن لمثلي، وكان إِذ ذاك بثلاثين قرشًا ! . ومضيتُ أتجوّل بين بائعي الكتب ، فوقفتُ على كتابٍ لطيف الحجم بعنوان: ((تلخيص صفة صلاة النبي ◌َّه)) ففرحتُ به فرحةً طاغيةً ، ولم أتردد فى شرائه ، وكان ثمنُه خمسة قروش ، ولم أشتر غيره ، لأنه أتى على كل ما فى جيبى ! ، ومن فرحتى واغتباطى به قرأتُه وأنا أمشى فى طريقى إلى مسكنى ، مع خطورة هذا المسلك على من يمشى فى شوارع القاهرة ، ولما أويتُ إِلى غرفتى تصفَّحْتُ الكتاب بإِمعانٍ ، فوجدتُه يدقُّ بعنفٍ ما ورثتُه من الصلاة عن آبائى، إِذٍ إِنَّ كثيرًا من هيئتها لا يُمُتُّ إِلى السُّنة بصلة ، فندمتُ ندامة الكُسعِىِّ (٢) أننى لم أشتر الأصل ، وظللت (١) ثم توفى الشيخ رحمه الله فى رجب (١٤١٧ هـ) فاللَّهم اغفر له وارحمه، وارض عنه كفاء ما نافح عن دينك ، وما جاهر بكلمة الحقِ . (٢) وفي ((لسان العرب)) (٤ / ٣٨٧٦) قال: ((والكُسعي الذي يُضرب به المثل في الندامة ، وهو رجلٌ راءٍ ومي بعد ما أسدف الليل عيراً فأصابه ، وظنَّ أنه أخطأه ، فكسر قوسه ، وقيل : وقطع أصبعه ثم ندم من الغد حين نظر إلي العير مقتولاً وسهمه فيه ، فصار مثلاً لكل نادٍ علي فعل يفعله ، وإياه عني الفرزدق لما قال: ١٠ المقدمة أحلم بيوم الجمعة المقبل . وأدبّرُ ثمن الكتاب طول الأسبوع . ، وأنا خائفٌ وجلٌ أن لا أجده عند بائعه ، وكنتُ أدعو الله أن يطيل فى عمرى حتى أقرأه ، ومَنَّ اللَّه علىَّ بشرائه ، فلمَّا تصفَّحتُه؛ ألقيتُ الألواح ، ولاح لى المصباحُ من الصباح! وهزَّنى هزّا عنيفًا ، لكنه كان لطيفًا؛ مقدمتُه الرائعة الماتعةُ فى وجوب اتباع السُّنة، ونبذ ما يخالفُها تعظيمًا لصاحبها ◌َّهِ، ثُمَّ نقولُه الوافيةُ عن أئمة المسلمين ، إِذ تبرأوا من مخالفة السنة أحياءً وأمواتًا ، فرضى اللَّهُ عنهم جميعًا ، وحشرنا وإياهم مع الصادق المصدوق - بأبى هو وأمى . وقد لفت انتباهى جدًّا حواشى الكتاب - مع جهلى التام آنذاك بكتب السنة المشهورة فضلاً عن غيرها من المسانيد والمعاجم والمشيخات وكتب التواريخ ، بل لقد ظللت فترة فى مطلع حياتى . لا أدرى طالت أم قصرت - أظنّ أن البخارىَّ صحابىٌّ ، لكثرة ترضى الناس عنه . وعلى الرغم من عدم فهمى لما فى حواشى الكتاب ، إِلاَّ أننى أحسستُ بفحولةٍ وجزالةٍ لم أعهدها فى كل ما قرأتُهُ ، فَمَلَكَ الكتابُ علىَّ حواسىّ ، وصرتُ فی کلِّ جمعة أبحث عن مؤلفات الشيخ محمد ناصر الدين الألبانی ، ولم تكن مشهورة عندنا فى ذلك الوقت ، لكساد الحركة العلمية ، فوقفتُ بعد شهرٍ تقريباً على جزءٍ من ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) - المائة حديث الأولى ، فاشتريتُه فى الجمعة التى تليها لأتمكن من تدبير ثمنه . أمَّا هذا الكتابُ فكان قاصمةَ الظهر التى لا شوى لها ! ، وهو الذى رغَّبنى فى دراسة علوم الحديث . = ندمتُ ندامة الگسعي لما وقول الآخر : غدت مني مطلقة نوارُ ندمتُ ندامة الگُسمي لما وذكر ابنُ منظور سبباً آخر . رأت عيناه ما فعلت يداه . » ١١ المقدمة K قلت : إِنَّ الحركة العلمية كانت هامدةً فى ذلك الوقت ، وكلُّ من تصدَّر لوعظ الناس فهو عندنا عالمٌ ، فما بالك بأشهر الواعظين عندنا فى ذلك الزمان - وهو الشيخ كشك - الذى كان له بالغ التأثير فى الناس بحُسن وعظه ، ومتانة لفظه ، وجرأته فى الصدع بالحقِّ ، لم ينجُ منحرفٌ من نقده مهما كان منصبه ، وكان فى صوته - مع جزالته - نبرة حُزن ، ينتزع بها الدمع من المآقى انتزاعًا ، حتى من غلاظ الأكباد وقُساة القلوب ، فكان هذا الشيخُ العالمَ الأُولَ والأخيرَ عندى ، لا أجاوز قوله . وقد انتفعتُ به كثيرًا فى بداية حياتى ، كما انتفع به خَلْقٌ، لكننى لما طالعتُ ((السلسلة الضعيفة)) وجدتُ أن كثيرًا من الأحاديث التى يحتجُّ بها الشيخُ منها، حتى خُيّل إِلىَّ أنه يُحضر مادَّة خُطبه من هذه (( السلسلة))، وسبب ذلك فيما أرى أن الشيخ حفظ أحاديثه من كتاب (( إحياء علوم الدين )) لأبى حامد الغزالى ، وكان الغزالى - رحمه الله. مزجى البضاعة فى الحديث ، تام الفقر فى هذا الباب ! فعكَّر علىَّ كتابُ الشيخ ما كنتُ أجدُه من المتعة فى سماع خطب الشيخ كشك، حتى كان يومٌ، فذكر الشيخُ على المنبر حديثًا عن النبىصلَّه قال: ((إِن اللَّه يتجلَّى يوم القيمة للناس عامةً، ويتجلَّى لأبى بكر الصديق خاصةً (١) ) . فلأول مرَّة أشكُّ فى حديث أسمعُهُ ، وأسأل نفسى : تُرى ! هل هو صحيحٌ أم لا ؟ ومع شكى هذا ، فقد انفعلتُ له ، وتأثرتُ به بسبب صراخ الجماهير من حولى ، استحسانًا وإِعجابًا !. ولما رجعتُ إِلى منزلى، قلَّبتُ ((السلسلة الضعيفة )) حديثًا حدیثًا أبحثُ عن الحديث الذى ذكره الشيخ كشك فلم أجدْه ، فواصلت بحثى ، فبينما كنتُ (١) وهو حديثٌ باطلٌ كما حققتُه عند الرقم (١٥٢٩) من هذا الكتاب ، والحمد لله . ١٢ المقدمة فى بعض المكتبات وقفتُ على كتاب ((المنار المنيف)) لابن القيم - رحمه الله . بتحقيق الشيخ محمد حامد الفقى - رحمه الله - ، فوجدتُ الحديث فيه ، وقد حكم الإِمامُ عليه بالوضع فيما أذكرُ ، فعزمت على إِبلاغ الشيخ بذلك نصيحة للَّه تعالى ، وقد كان رسخ عندى أن التحذير من هذه الأحاديث واجبٌ أكيدٌ . وكان للشيخ كشك جلساتٌ فى مسجده بين المغرب والعشاء ، فذهبتُ فى وقتٍ مبكرٍ لألحق بالصف الأول حتى أتمكن من لقائه فى أوائل الناس ، فلما صلينا جلس الشيخُ على كرسيه فى قبلة المسجد ، وكان له عادة غريبةٌ وهى أنه يمدُّ يده ، فيقفُ الناس طابوراً طويلاً، فيصافحونه ، ويُقَبِّلون يدَهُ وجبهتَهُ ، ويُسرُّ إِليه كلٌّ واحدٍ بما يريد ، وكنتُ العاشرَ فى هذا الطابور ، فقلتُ فى نفسى : وما عاشرُ عشرةٍ من الشيخ ببعيد ! فلما جاء دورى ، قَبَّلْتُ يده وجبهته ، وقُلتُ له : إِنَّ الحديث الذى ذكرتموه فى الجمعة الماضية . وسميتُه ـ قال عنه ابنُ القيم أنه موضوعٌ. فقال لى : بل هو صحيحٌ ، فلما أعدتُ عليه القول ، قال كلامًا لا أضبطه الآن لكن معناه أن ابن القيم لم يُصب فى حكمه هذا ، ولم يكن هناك وقتٌ للمجادلة ، لأن من فی الطابور ينتظرون دورهم ! ومما حرَّ فى نفسى أن الشيخ سألنى عن العلة فى وضع الحديث فلم يكن عندى جوابٌ ، فقال لى : يا بنى ! تعلَّم قبل أن تعترض ، فمشيت من أمامه مستخزیًا ؛ کانما دیكٌ نقرنی ! وخرجتُ من مسجد ((عين الحياة)) ولدىَّ من الرغبة فى دراسة علم الحديث ما يجلُّ عن تسطير وصفه بنانى ، ويضيقُ عطنى ، ويكلِّ عن نعته لسانى ، ١٣ المقدمة وكان هذا العلمُ آنذاك شديدَ الغربة، ولستُ أبالغُ إِذا قُلْتُ : إِنه كان أغرب من فرسٍ بهماء بغلسٍ !! وطفقتُ أسألُ كلَّ من ألقاه من إِخوانى عن أحدٍ من الشيوخ يشرح هذا العلم ، أو يدلنى عليه ، فأشار علىَّ بعضُ إِخوانى - وكان طالبًا فى كلية الهندسة . أن أحضر مجالس الشيخ محمد نجيب المطيعى رحمه الله تعالى وكان شیخُنا - رحمه الله - يلقى دروسه فى ((بيت طلبة ماليزيا)) بالقرب من ميدان «عبده باشا)) ناحية العباسية، وكان يشرح أربعة كتب، وهى ((صحيح البخارى)) و((المجموع)) للنووى، و((الأشباه والنظائر)) للسيوطي، و((إِحياء علوم الدين )) للغزالى ، فوجدت فى هذه المجالس ضالتى المنشودة، ودُرتى المفقودة ، فلزمته نحو أربع سنوات حتى توقفت دروسه بعد الاعتقالات الجماعية التى أمر بها أنور السادات وانتهى الأمر بمقتله فى حادث المنصة الشهير ، ورحل الشيخ - رحمه الله - إِلى السودان، وظلَّ هناك حتى توفى - رحمه الله - بالمدينة ودفن فى البقيع كما قيل لى . رحمه الله تعالى. وأتاحت لى هذه المجالسُ دراسة نُبذٍ كثيرةٍ من علمَىْ أصول الحديث وأصول الفقه ، ووالله ! لا أشتطُّ إِذا قلتُ : إِننى أبصرتُ بعد العمی لما درست هذين العلمين الجليلين ، وأقرر هنا أن الجاهل بهذين العلمين لا يكونُ عالماً مهما حفظ من كتب الفروع ، لأن تقرير الحقِّ فى موارد النزاع لا يكونُ إِلاَّ بهما ، فعلمُ الحديث يصحح لك الدليل ، وعلمُ أصول الفقه يسددُ لك الفهم ، فهما كجناحى الطائر . ولم يُكدِّر علىَّ مُتعتى بدروس الشيخ المطيعى رحمه اللَّه إِلاَّ حطّه على الشيخ الألبانى صاحب الفضل علىَّ بعد اللَّه عز وجلَّ ، وكان ذلك بعد حادثة طويلة ء الذيل مُلخصها : أن شيخنا المطيعى - رحمه اللَّه . كان يتكلم عن قضاء ١٤ المقدمة الفوائت ، وأن من لم يصل ولو لسنوات ، فيجب عليه القضاء ، وأطال البحث فى ذلك . فقلتُ له . ولم يكن عندى علم بمن يقول بغير هذا المذهب من القدماء . قلتُ: إِن الشيخ الألباني يقول : ليس هناك دليلٌ على وجوب القضاء . فقال لى بلهجة . علمتُ بعد ذلك بزمان أنه كان يقولها تهكُّمًا : مَنِ الألبانىُّ ؟ فقلتُ له : أحدُ علماء الحديث . قال : لعلَّه أحدُ أصحابنا الشافعية ؟ قلت : لا أدرى ، لكنه معاصر لنا ، وقد علمت أنه لا يزالُ حيًّا . فقال لى حينئذ : دعك من المعاصرين . وكانت هذه أول مرة أسمعه يتكلّم عن الألبانى ، ثمَّ توالى السيلُ . ثم جاء الشيخ الألبانى إِلى مصر فى حدود سنة (١٣٩٦ هـ) أو بعدها بقليلٍ ، وألقى محاضرة فى المركز العام لجماعة أنصار السنة فى عابدين ، وكانت محاضرته عن تخصيص السنة لعام القرآن ، وتقييدها لمطلقه ، وذكر من أمثلة ذلك الذهب المحلّق . ولم يكن عندى علم بمحاضرة الشيخ ولا وجوده ، فرحل ولم أره ، وكانت إِحدى أمانىَّ الكبار أن ألتقى به ، ولم يتحقق لى ذلك إِلاَّ بعد زمانٍ طويلٍ وذلك فى أول المحرم سنة (١٤٠٧ هـ) وكان قد طبع لى بعضُ الكتب منها : (( فصلُ الخطاب بنقد المغنى عن الحفظ والكتاب ، وكنت فى هذه الفترة أتتبع كل أخبار الشيخ ، فكانت تصلُنى أخبارٌ عن شدته على الطلبة وقسوته عليهم ، واعتذاره عن التدريس بسبب ضيق الوقت وإرهاق الدولة له، فكدتُ أفقدُ الأمل حتى قيَّض الله لى أن ألتقى بصهر الشيخ - الأخ نظام سكجّها - فى فندق بحىّ الحسين بالقاهرة ، فسألته عن الشيخ وإمكان التتلمُذ ١٥ المقدمة عليه ، فأخبرنى أن ذلك متعذرٌ ، لكن تعال وجرِّبْ ! فكان من خبرى أننى سطَّتُ رسالة للشيخ ، قلتُ له فيها : إِننى علمتُ أنكم تطردون الطلبة عن بابكم ، ولدىَّ أكثر من مائتى سؤال فى علل الأحاديث ومعانيها ، ولا أقنع إِلاَّ بجوابكم دون غیرکم ، فسأجمع همتى وأسافرُ إِلیکم ، فلا تطردونا عن بابكم ، أو كلامًا نحو هذا . وأخبرنى الأخ نظامٌ بعد ذلك أن الشيخ تألَّم لما قرأ حكاية ((الطرد)» هذه. وسافرتُ إِلى الشيخ فى أول المحرم سنة (١٤٠٧ هـ) ، واستخرجتُ تصريح العمل الذى يُخول لى السفر بأعجوبة عجيبة ، وأمضيتُ ثلاثة أيامٍ فى الطریق کان هوانی فیها شديدًا ، ومع ذلك لم أكترث له ، لما کان یحدونی من الأمل الكبير فى لقاء الشيخ . . ولما نزلت عمَّان استقبلنى الأخ الكريم أبو الفداء سمير الزهیری جزاه الله خيراً ، إِذ أعاننى فى غربتى ، وآوانى فى داره ، وبعد الوصول بقليلٍ ، كلَّمنا الشيخ بالهاتف ، فرحَّب بى غاية الترحيب ، وقال لى : حللت أهلاً ونزلت سهلاً ، ولم أصدق أذنى ! ، فأنا ذاهبٌ إِليه وقد هيأت نفسى تمامًا على الرضى بالطرد ، إِذا فعل الشيخ ذلك . وقد بدأنى بالسلام ، فرددتُ عليه السلام بمثل ما قال . فقال لى : ما أحسنت الردَّ ! فقلتُ : لم يا شيخنا ؟ فقال لى : اجعل هذا بحثًا بينى وبينك إِذا التقينا غدًاً ! وظللتُ ليلتى أفكرُ فى هذا الأمر ؛ ترى : ما وجهُ إِساءتی الردّ ، حتى خمنت أن الرادُّ ينبغى له أن يزيد شيئًا فى ردِّه نحو: ((وعفوه ، ورضوانه )) ولم أكن وقفتُ على الحديث الذی قوی الشیخ فيه زيادة ( ومغفرته )) فى الرد . ١٦ المقدمة وكان الشيخُ يصلى الغداة فى ((مسجد الفالوجا)) بجوار منزل أبى الفداء ، ولم أذق طعم النوم ليلتى بسبب تأمُّلى المسألة التى طرحها الشيخ ، ولم تكتحل عينى بنوعٍ إِلاَّ قبيل الفجر ، وراح علىَّ بسبب ذلك لقاء الفجر مع الشيخ ، وكلمناه فى الصباح ، فأعطانا موعدًا عقب صلاة العشاء فى منزل أبى الفداء . وكان لقاءً حارًّا ، بدأنى الشيخ بالعناق ، لأننى لا يمكن أن أبدأه بذلك هيبةً له ، وكان معنا فى هذا اللقاء الأخ الفاضل أبو الحارث على الحلبى حفظه الله ، وجلسنا نحو ساعةٍ ونصف الساعة نسألُ ، والشيخ يجيبُ ، فلما تصرمت الجلسة ، وخرجنا من الدار ، انتحيتُ بالشيخ جانبًا ، وشرحتُ له باختصارٍ ما كابدتُه فى السفر إليه، ولم يخرجنى من بلدى إِلاَّ طلبُ العلم، فلو أذن لى الشيخُ أن أخدمه وأساعده لأتمكن من ملازمته ، فشكرنى واعتذر لى ، نظرًاً لضيق وقته. فقلت له: أعطنى ساعة كل يوم أسألك فيها . فاعتذر. فقلت له : أعطنى ما يسمح به وقتك ولو کان قصيرًا ، فاعتذر ! فأحسست برغبة حارَّةٍ فى البكاء ، وتمالكت نفسى بعناء بالغ ، وأطرقتُ قليلاً ثم قلت للشيخ : قد علم اللَّه أنه لم يكن لى مأربٌ قطُّ إِلاَّ لقاؤكم والاستفادةُ منكم ، فإِن كنتُ أخلصتُ نيتى فسيفتح اللَّه لى ، وإنْ كانت الأخرى ؛ فحسبی عقابًا عاجلاً أن أرجع إِلی بلدی بخُفَّی حنينِ ! وأنا سأدعو الله أن يفتح قلبك لى . ولست أنسى هذا الموقف ما حييتُ . ثم التقيتُ بالشيخ فى صلاة الغداة من اليوم التالى ، فقبلتُ يده - وهذا دأبی معه - فقال لى : لعلَّ اللَّه استجاب دعاءك ؛ وكان فاتحة الخير . وكنت أكاد ١٧ المقدمة أوقن أن اللَّه سيستجيبُ لى ، وأن الشيخ سيقبلنى عنده ، لا سيما بعد أن قابلت الأستاذ أحمد عطية - وكان من معظمى الشيخ قبلُ - ، فاستضافنى فى داره وقال لى: لما طُبع كتابُك (( فصل الخطاب بنقد المغنى عن الحفظ والكتاب )) اشتريت منه نسخةً وقرأته فأعجبنى أنه على طريقة الشيخ ، وكان الشيخ يقول: ليس لى تلاميذ - يعنى على طريقته فى التخريج والنقد . قال : فأرسلت هذا الكتاب إلى الشيخ وقلتُ له : وجدنا لك تلميذًا ، وراجعتُ الشيخ بعد ثلاثة أيام فقال : نعم . قلتُ : لَمَّا قصَّ علىَّ الأستاذ أحمد عطية هذه الحكاية ضاعف من أملى أن يقبلنى الشيخ عنده . ووالله! لقد عاينت من لطف الشيخ بى ، وتواضعه معى شيئًا عظيمًا ، حتى أنه قال لى يومًا : صحَّ لك ما لم يصحُّ لغيرك ، فحمدتُ الله عز وجلَّ على جسیم منته ، وبالغ فضله ونعمته . فمن ذلك أننى كلما التقيتُ به قبلتُ يده ، فكان ينزعها بشدَّةٍ ، ويأبى علىَّ ، فلما أكثر قلتُ له: قد تلقينا منكم فى بعض أبحاثكم فى ((الصحيحة)) أن تقبیل ید العالم جائز . فقال لى : وهل رأيت بعينيك عالمًا قطُّ ؟ قلت : نعم ، أرى الآن . فقال: إِنما أنا ((طويلبُ علمٍ))، إنما مثلى ومثلكم كقول القائل : إِنّ الْبُغَاثَ بِأَرْضِنَا يَسْتَنْسِرُ ! ١٨ المقدمة وبدأت جلساتی مع الشيخ بعد كل صلاة غداةٍ فى سيارته ، ولمدة ساعة ، ثم زادت المدةُ حتى وصلت إلى ثلاث ساعات . واستمر هذا الأمر ، حتى جاء يومٌ ولم يُصَلِّ الشيخُ معنا صلاة الغداة ، فحزنت لذلك لضياع هذا اليوم علىَّ بلا استفادة ، واستشرتُ من أثقُ برأيه من إِخوانى : هل أذهبُ إِلى الشيخ فى بيته أم لا ؟ فكان إِجماعُهم أن لا أذهب ، لأنك لا تعلم ما ينتظرك هناك ، ولا يذهبُ أحدٌ إِلى الشيخ فى بيته إِلاَّ بموعدٍ سابقٍ، فلربما ردَّك ، فلا يكونُ بك لائقًا ، لاسيما بعد المكانة التى صارت لك عند الشيخ . وتهيبتُ الذهاب ، ولكن قوَّى من عزمى أمران : الأول : أن رفيقى آنذاك والذى كان يصحبنى بسيارته الأخ الفاضل الباذل أبو حمزة القيسى جزاه الله خيراً - قد أيدنى فى الذهاب . الثانى : أننى استحضرت قصةً لابن حبان مع شيخه ابن خزيمة ذكرها ياقوتُ بسنده إِلى أبى حامد أحمد بن محمد بن سعيد النيسابورى قال : كنا مع أبى بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة فى بعض الطريق من نيسابور ، وكان معنا أبو حاتم البُستى ، وكان يسألُه ويؤذيه ، فقال له محمد بن إسحاق بن خزيمة : يا بارد ! تنحَّ عنى لا تؤذينى ! أو كلمة نحوها ، فكتب أبو حاتم مقالته ، فقيل له : تكتب هذا؟ قال : أكتبُ كلَّ شىءٍ يقولُه الشيخُ))اهـ. فقلتُ فى نفسى : ومالى لا أفعل مثلما فعل ابنُ حبان ؟ وحتى لو قال لى الشيخ مقالة ابن خزيمة لعددتها من فوائد ذلك اليوم . وانطلقنا إِليه ، وكان من أفضل أيامى التى أمضيتُها فى هذه الرحلة ، فقد استقبلنى الشيخُ استقبالاً كريماً ، وأمضيتُ معه أكثر من ساعتين ، وكان ١٩ المقدمة يخدمُنا بنفسه ، ويأتينا بالطعام يضعُه أمامنا ، فكلما هممت أن أساعده أبى علىَّ، ويشيرُ أن اجلس، ويقول: ((الامتثالُ هو الأدبُ بل خيرٌ من الأدب)) ويعنى به : أن الامتثال لرغبته فى الجلوس خيرٌ من سلوكى الذى أظنُّه أدبًا ، لأن طاعتی له هی الأدب . وکان یومًا حافلاً قصَّ علىَّ الشیخ فيه ما جرى بينه وبين الشيخ محمد نسيب(١) الرفاعى حفظه الله . ولا يفوتنى أن أقول : كنتُ قابلتُ الشيخ نسيب الرفاعى بصحبة الأستاذ أحمد عطية المتقدم ذكرُهُ فى بيته بحى الهاشمى فى عمان البلقاء ، ولقلما رأت عینای مثله فی تواضعه وأدبه وحُسن خُلقه ، و کان معظمُ كلامه عن الشيخ الألباني ، وبرغم تقاربهما فى السنِّ إِلَّ أنه كان يبالغُ فى تعظيم الشيخ ، وقال لى : أنا مدينٌ بالفضل لرجلين : الأول : ابن تيمية ، والثانى : الألبانى . وقال لى : لقد تآزرنا فى نشر الدعوة السلفية فى سوريا ، وكان الشيخ يزورنا فى حلب، فدخلت علىَّ ابنتى ((عائشة)) وكانت صغيرة ، فقال لى الشيخُ: لو كانت كبيرة لتزوجتُها وكنت منى بمنزلة أبى بكرٍ من محمد مَّله، فانظر ما کان بینی وبینه من الآصرة . وقرأ علينا أبو غزوان مقدمته لكتابه: ((التوصل إِلى حقيقة التوسل » وقصّ علىَّ أشياء ذكرتُها فى ((طليعة الثمر الدانى فى الذب عن الألبانى)). وهو القسم الخاص بترجمة الشيخ الألباني حفظه الله تعالى . وقد أمضيتُ نحو شهرٍ فى هذه الرحلة ، ولما علم الشيخ بموعد سفرى دعانى (١) ثم توفى رحمه الله يوم الأربعاء الرابع عشر جمادى الآخرة سنة (١٤١٣ هـ) فاللّهم ارض عنه وتقبّلْه . ٢٠ المقدمة على الغداء عنده فى يوم الرحيل ، وسألنى عن حال السلفيين فى مصر، وسألته عن الطريقة المثلى لنشر الدعوة ، وكيف نواجه المخالفين لنا ، وكان يومًا حافلاً أمضيتُه مع ((عميد السلفيين)) فى العالم الإِسلامى حفظه الله وبارك فی عمره . اعلم - أيها المسترشد . أننى قدَّمت هذا الكلام لأبيِّن الدَّافع إِلى تصنيفى كتاب ((الثمر الدانى فى الذب عن الألبانى)»، وهو ذبٌّ على وجه الإنصاف ، وحميةٌ محمودةٌ لا تُعدُّ بحمد الله من حمية الجاهلية، فإن حرب ((إِسقاط الرموز )) قائمةٌ على قدمٍ وساقٍ ، وهى حربٌ خسيسة خبيثةٌ ، يستخدم فيها أصحابُها ما لا يخطر على بالك من الكذب ، والنفاق ، وسوء الأخلاق . وحربُ ((إِسقاط الرموز)) حربٌ قديمةٌ ، وما حديثُ الإِفك منك ببعيدٍ . ولم يمر بالمسلمين محنةٌ قطُّ هى أعظم وأشد عليهم من حديث الإفك . ودعنى أبِيِّنُ لك الأمر . فقد أخرج البخارىُّ فى (( كتاب النكاح)) (٢٧٨/٩ - ٢٧٩)، ومسلم فى ((الطلاق)) (٣٤/١٤٧٩) من طريق الزهرى، عن عبيد الله بن عبد الله ابن أبى ثور، عن ابن عباسٍ قال: ((لم أزل حريصًا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي ◌َّ اللَّتين قال اللَّه فيهما: ﴿إِن تتوبا إلى اللَّه فقد صغت قلوبُكما﴾ فقال عمرُ فى هذا الحديث: (( كنتُ أنا وجارٌ لى من الأنصار فى بنى أمية بن زيد ، وهم من عوالى المدينة ، وكنا نتناوب النزول على النبى ◌َّه فينزلُ يومًا وأنزلُ يومًا، فإِذا نزلتُ جئتُه بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحى أو غيره ، وإِذا نزل فعل مثل ذلك .. ثم قال: ((قال عمر: وكنا قد تحدثنا أن غسَّان تُنعل الخيل لغزونا ، فنزل صاحبى الأنصارى يوم نوبته ، فرجع إِلينا عشاء ، فضرب بابى ضربًا