النص المفهرس

صفحات 201-220

الكَلِمَةِ فإنَّ الحَوْرَ الرُّجُوْعُ والارتِدَادُ. وَالكَوْنُ: الثَّّاتُ والاعتِدَالُ، أَلاَ تَرَى أَنَّه
يُقَالُ في الرَّجُلِ: حَارَ بعدَ مَا كَانَ(١)، يَقُولُ: كَانَ عَلَى حَالٍ جَمِيْلَةٍ فَحَارَ عن
ذلك، أَيْ: رَجَعَ عَنْهُ، وَمِنْهُ قَوْلُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (٢): ﴿إِنَُّ ظَنَّأَن ◌َّنْ يَحُرَ ◌َ ◌َ﴾
يقول: أن لَن يرجعَ إليَّ، يعني: ارتيابَهُ في البَعثِ.
قال عبدُالمَلِكِ: وقد سَمِعْتُ مُحَمَّد بنُ سَلَّمِ البَصْرِيُّ يَرْوِي هَذَا
الحَدِيْثَ: ((مِنْ حَوْرٍ بَعْدَ كُورٍ)) أَخَذَهُ مِنْ كَوْرِ العِمَامَةِ(٣)، يَقُولُ: تَغَيَّرَتْ حَالُهُ
وانتَقَضَتْ كَمَا يَنْتَقِّضُ كَوْرُ العِمَامَةِ بَعْدَ الشَّدِّ، وَرَأَيْتُهُ يُسَمِّي نَفْضَ الكَوْرِ
حَوْراً، وَكُلُّ هَذَا قَرِيْبٌ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ فِي المَعْنَى.
- وسألنا عبدَالملِكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحِ (المُطَيْطَاءِ) في حَدِيْثِ مَالكِ
[١٧٦] الَّذِي رَوَاهُ عن يَخْيَى بنِ سَعِيَّدٍ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلِ قَالَ: ((إِذَا
مَشَتْ أُمْتِي المُطَيْطَاءُ، وَخَدَمَتْهُمْ فَارِسُ وَالرُّومُ سُلَّطَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعضٍ،
وَجُعِلَ بَأْسُهُمْ(٤) بَيْنَهُم)).
قَالَ عبدُالمَلِكِ: المُطَيْطَاءِ: التَّخْتُ(٥) وَمَدُّ الْيَدَيْنْ فِي المَشْيِ، وَإِنَّمَا
(١) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((وسُئِلَ عاصمٌ عن هَذَا فَقَالَ: أَلَمْ تَسْمَعْ إِلى قَوْلِهِ: ((حَارَ بَعْدَ مَا كَانَ))
يَقُولُ: إِنَّه كَانَ علىْ حَالِةٍ جَمِيْلَةٍ ... )).
(٢) سورة الانشقاق: الآيتان: ١٤، ١٥.
(٣) غريب أبي عُبَيْدٍ.
(٤) في الأصل: ((رأسهم)).
(٥) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٣/١، والغريبين: ١٧٥٩، وغريب ابن الجوزي:
٣٦٣/٢، والفائق: ٣٧١/٣، والنّهاية: ٣٤٠/٤. ويراجع: جمهرة اللُّغة: ١٥١، وتهذيب
اللُّغة: ٣٠٨/١٣، ومجمل اللُّغة: ٨١٦، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (مطط). وجاء في
غريب أبي عُبَيْدٍ: ((قال الأصمعيُّ وغيره: المطيطاء: التََّخْتُرُ ومَدُّ الْيَدِين ... )).
٢٠١

اشتُقَّتْ من التَّمَطِّيْ؛ لأنَّ يمُطي مَّ يَديه، ومنه قَوْلُهُ عَزَّ وجَلَّ (١): ﴿ثُمَّذَهَبَ إِلَ
أَهْلِ يَتَطَىِّ﴾ يعني يَتَبَخْتَرُ فِي مِشْيَتِهِ، وَقَد تُسمِّي العَرَبُ الخَائِرَ الذي يَبْقَى
فِي أَسْفَلِ الحَوْضِ: المَطِيْطَةَ وَكَثِيْرُهُ: مَطَابِطُ، وَمَا أَشْبَه ذلِكَ سُمِّ كَذْلِكَ،
وَإِنَّما اشتُقَّ مِنْ يَتَمَطَّطُ أي: يَتَعَدَّدُ، قَالَ حُمَيْدٌ الأَرقَطُ فِي رَجَزِهِ(٢):
* خَبْطَ النَّهَالِ سَمَلَ المَطَائِطِ *
وإنَّما جَعَلَتِ العَرَبُ التَّمَطِّيَ(٣) من المَطِيْطَةِ كَمَا جَعَلَتِ النَّظَنِّي من
الظَنِّ، والتَّقَضِّي مِنَ النَّقَضُّضِ كَقَولِ العَجَّاجِ(٤):
* تَقَضِّيَ البَازِيْ إِذَا الْبَازِيْ كَسَرْ *
(١) سورة القيامة: الآية: ٣٣.
(٢) عن أبي عُبَيْدٍ في غريب الحديث: ٢٢٤ قال: ((قال حُمَيْدٌ الأَرْقَطُ)) وَكَذَا هو في أغلبٍ
المصادر منها تهذيب اللُّغة: ٤٥٥/١٢، ٣٠٨/١٣، واللَّسان: (مطط) و(سمل) والصِّحاح:
(مطط)، وَرَوَاهُ: ((سَعَلَ المَطِيْطِ)) فَقَالَ الصَّغاني في التَّكملة والذَّيل والصِّلة: ١٧٩/٤
(مطط) ((وليس الرَّجزُ لحُمَيْدٍ)). وفي رَجْزِهِ :
*... سَمَّلَ المَطَايِطِ *
وقبلَهُ:
* في مُجْلِبَاتِ الفِتَنِ الخَوَابِطِ *
(٣) في غريب أبي عُبَيْدٍ بعد بيت حُمَّيْدٍ: ((النَّهالُ: العِطاشُ، ومَنْ جَعَل التَّطِّي من المطيطة فإنَّه
يذهب مذهب تظنّيتُ من الظَّنَّ ... )).
(٤) ديوان العجاج: ٤٢. وفي الكامل: ٤٤٢/١ وفيه: (تَجَلِّي) وجاء في هامش الصَّفحة:
(بهامش (ج) ما نَصُّه: الصَّحيح (تَقَضِّي البازي) ولكنَّه جاء لتصحيح لفظ التَّجَلِّي، والبازيُّ
لا يَتَجَلَّى وقت كسرِ الجَنَاحِ، وسيأتي البيتُ على هذه الرِّواية (تقضى) ص٩٤١)) والشَّاهِدُ في
الخَصَائص: ٩٠/٢، والمُحْتَسَب: ١٥٧/١، والمُخصَّص: ١٢٠/١١، ٢٨٩/١٣، وأمالي
ابن الشَّجري: ١٧٣/٢، وشرح المفصَّل لابن يعيش: ٢٥/١٠، وشرح المُلُوكي: ٢٥٠.
٢٠٢

ــ وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحٍ (الغَمْصِ) في حَدِیْثِ مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن رَسُوْلِ اللهِوَلِهِ: أنَّه سُئِلَ عن الكِبْرِ فَقَالَ: الكِبْرُ أن تَسْفَهَ
الحَقَّ وتَغْمِصَ النَّاسَ)).
قَالَ عبدُالملكِ: أمَّا قولُهُ: (تَسْفَهَ الحَقَّ)) فيَعني: أَنْ تَرَى الحَقَّ سَفَهاً
وَجَهْلاً. وأمَّا قَوْلُهُ: ((وتَغْمِصَ النَّاسَ)) فَيَعْنِي: تَحْقِرُ النَّاسَ، الغَمْصُ: احتِقَارُ
النَّاسِ وَازْدِرَاؤُهُمْ(١)، وفيه لُغَةً أُخرى: تَغْمَطُ(٢) النَّاس، وهو بمَعْنَى تَغْمِصُ،
الغَمْطُ وَالغَمْصُ وَاحِدٌ، وَأَحْسَنُ مَا تَقَعُ هَذِهِ اللُّغَةُ فِي تَصْغِيْرِ النِّعْمَةِ
وَاحْتِقَارُهَا. تَقُولُ: قَدْ غَمَطَ النِّعْمَةَ، يَعْنِي: احْتَقَرَهَا، وفي حَقْرِهِ النَّاسَ
وَالطَّعْنِ: غَمَصَ، هَذَا أَحَبُّ إليَّ وَمَعْنَاهُمَا، ومنه قِيْلَ الرَّجُلِ إِذَا كَانَ مَطْعُوْناً
عَلَيْهِ فِي دِيْنِهِ: إِنَّه لَمَغْمُوْصٌ عَلَيْهِ فِي دِئْنِهِ، وَكَذلِكَ في حَسَبِهِ.
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحِ (بُّوا أَرْحَامَكُم) في حديثٍ
مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عَنِ النَّبِيَِّ أنَّهِ قَالَ: ((بُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلاَمِ» .
قَالَ عبدُالملك: يَقُولُ: بُلُّوا أَرْحَامَكُمْ وَلَوْ بِالسَّلاَمِ: وَإِنَّمَا هُوَ تَمْثِيْلٌ
الصَّلَةِ، وَذُلِكَ أنَّ العَرَبَ شَبَّهَتْ قَطِيْعَةَ الرَّحِمِ بِالحَرَارَةِ وَالِيُّيْسِ، وَشَبَّهَتْ
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٣١٧/١، وغريب ابن قتيبة: ١٤١/٢، وغريب ابن
الجوزي: ١٦٣/٢، والفائق: ٧٧/٣، والنّهاية: ٣٨٦/٣. ويراجع: العين: ٣٧٥/٤،
ومختصره: ٤٩٣/١، وجمهرة اللُّغة: ٨٨٩، وتهذيب اللُّغة: ٣٠/٨، ومجمل اللُّغة:
٦٨٦، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (غمص) و(غمط).
(٢) في النّهاية: ٣٨٦/٣ (الغَمْطُ: الاستهانة والاستحقار وهو مثل الغَمْصِ، يقال: غَمَطَ
يَغْمَطُ، وَغَمَطَ يَغْمِطُ)).
٢٠٣

الصِّلَةَ بالْبَرِدِ والبَلَلِ، كَمَا شَبَّهُوا العَطَشَ بِالحَرَارَةِ، والرِّيَّ بالبَرْدِ، تَقُوْلُ: سَقَيْتُهُ
شَرْبَةً بَرَّدْتُ بِهَا عَطَّشَهُ، وَتَقُوْلُ(١): قَدْ بَلَلْتُ رَحِمِيْ، وَأَنَّا أَبُّهَا بَلَّ وَبِلاَلاً: إِذَا
وَصَلْتَهَا [١٧٧] وبَدَأْتَهَا بالصِّلةِ، قَالَ أَعشَى بَكْرٍ - يَمْدَحُ رَجُلاً .(٢) :
إِمَّا لِطَالِبٍ نِعْمَةٍ تَمَّمْتَهَا أَوْ وَصْلِ قُرْبَى قَدْ بَلَلْتَ رِدَاهَا
تَقُولُ: بَرَدْتُ وَبَرَّدتُ بالتَّخفيفِ والتََّقِيلِ. وَفِي هَذَا الحَدِيْثِ مِنَ الفِقْهِ: أنَّهُ
جَعَلَ السَّلاَمَ صِلَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بِرُّ غَيرُه.
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحٍ (العَصًا) في حديثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ وَهِ أَنَّهِ قَالَ لِرَجُلٍ كَانَ يُوصِّيْهِ: ((وَلاَ تَرْفَعْ
عَصَاكَ عَنْ أَهْلِكَ، وَأَخِفْهُمْ في اللهِ» .
قَالَ عبدُالمَلكِ: لَمْ يُرِدِ العَصَا التي يُضْرَبُ بِهَا (٣)، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ الأَدَبَ،
أَنْ يُؤَدِّبَهُمْ بِلسَانِهِ أو بِالضَّرْبِ الَّذِي يُؤَذَّبُ بِمِثْلِهِ التِّرْبُ، تَقُولُ في الوَالِي الرَّفیقِ
برَعيَِّهِ، القَلِيْلِ العُقُوْبَةِ في وِلاَيَتِهِ: إِنَّه لَيِّنُ العَصَا، تَعْنِي: قَلِيْلَ العُقُوْبَةِ، لَيِّنَ
الكَلِمَةِ، رَفِيْقاً(٤) بِالرَّعيَّةِ، قَالَ مَعْنُ بنُ أَوْسِ المُزَنِيُّ - وَهُوَ يَصِفُ إِلَهُ
(١) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٣٤٧/١، وغريب ابن الجوزي: ٨٦/١، والفائق: ١٢٧/١، والنّهاية:
١٥٣/١. واللَّفظة لا غرابة فيها، ومعناها ظاهرٌ وفي غريب أبي عُبَيْدٍ: ((قال أبو عمرو وغيره
يُقال: بللتُ رحمي أبلها بلّ وبِلالاً ... )).
(٢) ديوانه (الصُّبح المنير): ٢٦ من قصيدة يمدح بها قَیْس بن معدي گرِبِ الکنديّ. وفيه: «قد
نَضَحْتَ بِلالها، وفي غَريب أبي عُبَيْدٍ: ((قد بردت بلالها)) والمعنى واحدة.
(٣) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٣٤٥/١ ((قال الكسائي وغيره: إنَّه لم يُردِ العَصَّا الَّتِي يُضرَّبُ
بها ... )).
(٤) في الأصل: ((رفيق)).
٢٠٤

ورَاعِيَهَا، وَوُرُؤْدَهُ بها مَاءً وَصَفَهُ -(١):
يُسَاجلَهَا جُمَّاتِهِ وتُسَاجلَهْ
عَلَيْهِ شَرِيبٌ وَادِعٌ لَيِّنُ العَصَا
قال(٢): والعَرَبُ تُسَمِّي الطَّاعَةَ وَالأُلْفَةَ والجَمَاعَةَ: العَصَاء عَصَا الإِسْلاَمِ،
وَعَصَا السُّلْطَانِ، وَإِيَّاهُ أَرَادَ الشَّاعِرُ حَيْثُ يَقُولُ(٣):
إِذَا كَانَتِ الهَيْجَاءُ وانْشَقَّتِ العَصَا فَحَسْبُكَ والضَّخَّاكِ سَيْفٌ مُهَنَّدُ
فمعنى قَوْلُهُ: ((وانشَقَّتِ العَصَا)) ذَهَبَتِ الأُلْفَةُ، وَوَقَعَتِ الفُرْقَةُ، وَتَفَرَّقَ رَأيُّ
الجَمَاعَةِ وَأَهْلُ الطَّاعَةِ، ومنه قِيلَ في الخَوَارِجِ: شَقُوا عَصَا المُسْلِمِيْنَ، أَيْ:
فَرَّقُوا جَمَاعَتَهُمْ، وَمِنْهُ قَوْلُ صِلَةٍ بِنِ أُشَيْمٍ لأَبِي السَّلِيْلِ: (إِيَّاك وقَتْلَ العَصَا))
يقولُ: إِيَّاكَ أَنْ تَكُوْنَ قَاتِلاً أَوْ مَقْتُولاً إِذا انْشَقَّتِ العَصَا، يَعْنِي: إذَا تَفَرَّقَ النَّاسُ
عَلَى السُّلْطَانِ. وَالعَرَبُ تُسمِّي العَصَا أَيْضاً ظَعْنَ المُسَافِرِ من بلدٍ إِلَى بَلَدٍ،
تَقُولُ: قَدْ أَلْقَى فُلاَنٌ عَصَاهُ: إِذَا تَرَكَ الطَّعْنَ وَالسَّفَرِ، وَأَقَامَ بِمَكَانِهِ وَاطْمَأَنَّ
(١) ديوان أوس: ١١٢ (ط) بغداد ١٩٧٧م. وشعره (ط) دار العلم بجدة ١٤٠٣ هـ: ٨٧،
وغريب أبي عُبَيْدٍ: ١/ ٣٤٥، ولم يرد في كتاب العَصًا لأسامة بن مُنقذ؟!
(٢) القول لأبي عُبَيْدٍ جاء في غريب الحديث: ((قال أبو عُبَيْدٍ: وأصلُ العَصًا: الاجتماع والائتلاف ... )
وذكر أبو عُبَيْدٍ شقَّ الخوارج عَصَا الطَّاعةِ، وقول صلة بن أشیم ... )).
(٣) هذا البيت ينسب إلى جَرير في أمالي القَالي: ٢٢٦/٢، وذَيل الأمالي: ١٤٠، وأنكر محققهما
المرحومُ الشيخُ عبدُالعزيزِ المَيْمَّنِيُّ هذه النِّسبةِ. يُنظر: اللَّلى: ٨٩٩. وهو من شواهد:
معاني القرآن للفرَّاء: ٤١٧/١، وشرح المفضَّليات: ٢٣٦، والمُخصَّص: ١٤/١٦،
والمقصور والممدود لابن ولاَد: ١١٧، وكتاب العصا لأسامة بن منقد: ١٤٠، والتَّخمير
شرح المفصل: ٤١١/١، وشرح ابن يعيش: ٤٨/٢، ٥١، وخزانة الأدب: ٨٤/٣،
٣٨٩. وهو من شواهد المفْصَّل والمُغنِي وغيرهما، وَوَرَدَ في اللِّسَان، والتَّاجِ: (حسب)
و(عصا) و(هیج).
٢٠٥

وَاجْتَمَعَ لَهُ أمرُهُ، وَذلكَ المَعنى أَرَادَتْ عَائِشَةُ حينَ قُتِلَ عَلِيٍّ - رَحِمَهُ اللهُ -
وَبَلَغَهَا اجْتِمَاعُ الأَمْرِ عَلَىْ مُعَاوِيَةَ، وَدُخُوْلِ النَّاسِ فِي بَيْعَتِهِ فَقَالَتْ مُتَمَثَلَةً (١):
فَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقَّرَّ بِهَا النَّوَىُ كَمَا قَرَّ عَيْناً بالإِيَابِ المُسَافِرُ
فَالعَصَا تَقَعُ عَلَى هَذِهِ الأَوْجُهِ الثََّثَةِ، عَلَى الأَدَبِ، وَعَلَى الأَلْفَةِ وَالجَمَاعِةِ،
وَعَلَىُ طُوْلِ السَّفَرِ النَّقْلِ من مَكَانٍ إلى مَكَانٍ، وَكُلُّ ذُلِكَ تَمْثِيْلٌ وَتَشْبِئْهٌ وَلَيْسَ
باسمٍ أَصْلِيٍّ.
- وسألنا عبدَ الملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحٍ [١٧٨] (التَّيّنِ) في حديث مالكٍ
(١) هذا البيتُ يتنازعُهُ مجموعةٌ من الشُّعراءِ، منهم مُعَقِّرُ بنُ حَمِارِ البَارِقيُّ، وهو أشهرهم به.
وَقِيْلَ: قائلُهُ: رَاشدُ بنُ عبدِ الله السُلَّمِيُّ، صَحَابِيٌّ قَدِمَ على النَّبِيِّ ◌َلَّهِ واسمه (غاوي بن ظالم))
فقال له النَّبِيُّ وَ﴿: بل أنت راشدُ بنُ عبدِالله، وقيل: بل هُوَ راشدُ بن عبدربه. وقيل: راشد
ابن حَقْصٍ، وقيل: قَائِلُهُ سُليمُ بنُ ثُمامة الحَنَفِيُّ. وَرُبَّمَا نُسبَ إلى مُضَرِّسٍ بن ربعي
الأَسَدِيِّ، أو إلى الأحمرِ بن سالمِ المُزَّنِيُّ. وذِكر البَيَّتِ مستفيضٌ في الكُتُبِ، وقد ضَمَّنْهُ
كَثِيرٌ من الأُدَباءِ والشُّعَراءِ والكُتَّابِ والخُطباءِ كِتَاباتِهم وأشعَارِهم وَخُطبهم، وَتَمَثَّلَ به كثيرٌ
من الفُصَحَاءِ وَأَهل البيان ... والبيتُ من قَصيدةٍ جَيِّدَةٍ لمُعَقِّرٍ قَالَهَا يوم جَبَلَةً أولها:
مَعَ اللَّيلِ أَمْ زَالَتْ قُبَيْلُ الأَبَاعِرُ
أَمِنْ آلِ شَعْثَاءَ الحُمُوْلُ الَبَوَاكرُ
فَلَيْسَ عَلَيْهَا يَوْمَ ذَلِكَ قَادِرُ
وَحَلَّت سُلَيْمَىْ فِي هِضَابٍ وَأَيَكَةٍ
وَأَلْقَتْ عَصَاهَا وَاسْتَقْرَّبها النَّوَىُ
وصَّبَخَّهَا أَمْلاَكُهَا بِكَتِبَةٍ
مُعَاوِيَةُ بنُ الجَوْنِ ذُبْيَانُ حَوْلَهُ
وَقَدْ جَمَعُوا جَمْعاً كَانَّ زُهَاءَهُ
فَبَاتُوا لَنَا ضَيْقاً وبِشْنَا بِنَعَمَةٍ
فَلَمْ نَقْرِهِمْ شَيْئاً وَلَكِنَّ قَصْدَهُمْ
البيت
عَلَيْهَا إِذَا أَمسَتْ مِنَ اللهِ نَاظِرُ
وَحَتَّانُ فِي جَمْعِ الرِّبَابِ مَسَاعِرُ
جَرَادٌ هَوَى فِي هَبْوَةٍ مُتَطَايِرُ
لَنَا مُسْمِعَاتٌ بِالدُّقُوْفِ وَسَامِرُ
صَبُوْحٌ لَدَيْنَاَ مَطْلَعَ الشَّمْسِ حَازِرُ
٢٠٦

الَّذِي رَوَاهُ عَنْ رَسُوْلِ اللهِ نَّهِ أَنَّه قَالَ: ((التَّبَيِّنُ مِنَ اللهِ والعَجَلَةُ من
الشَّيْطَانِ فَتَبَيَّنُوا)) .
قَالَ عبدُالمَلكِ: التَّبِيُّنُ: التََّبْتُ في الأُمُورِ وَالتَّني فيها(١)، وقد كَانَ
ابنُ مَسْعُوْدٍ يَقْرَأُ: (٢) ﴿إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيْلِ الله فَتَكَبُّوا﴾(٣) عَلَى مَعْنَى فَتَبَيُّوا.
قَالَ عَبدُالمَلِكِ: والبَيَانُ - في غيرِ هذا -: الَّسَنُ والفَهْمُ وذكاءُ القَلْبِ،
ومنه قولُ رَسُوْلِ اللهِ: (٤) ((إنَّ من البَيَان ◌َسِخْراً)).
قَالَ عبدُالمَلكِ: وَذُلِكَ أَنَّ قَيْسَ بنَ عَاصِمٍ، وَالزِّبْرِقَانَ بنَ بَدْرٍ،
وعَمْرَو بنَ الأَهْتَمِ الثَّمِيْمِيِّينِ قَدِمُوا عَلَى النَّبِيِّ ◌َ﴾(٥)، فَسَأَلَ رَسُوْلُ اللهِ عَلـ
عَمْراً عَنِ الزِّبْرِفَانِ فَأَثْنَى عَلَيْهِ خَيْراً، فَاسْتَقَلَّ (٦) الزِّبْرِقَانُ ثَنَاءَهُ وَلَمْ يَرْضَهُ.
(١) غريبُ أبي عُبَيَدٍ: ٣٠/٢. والنَّصُّ كُله له، وغريب ابن الجوزي: ٩٨/١، والفائق:
١/ ١٤٢، والنِّهاية: ١٧٥/١، وتهذيب اللُّغة: ٤٩٩/١٥ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((قال
الكسائيُّ وغيره: التبَيُّنُ: التَنَبْتُ ... )).
(٢) عن غريب أبي عُبيدٍ: وهي قراة سبعيةٌ قرأ بها حمزة والكِسائي، وهي أيضاً قراءة الحَسَن
والأعمش، ويحيى بن وثابٍ، وطلحة، وعيسى، والطبري، وخلف. يُراجع: السبعة لابن
مُجَاهِد: ٢٣٦، والتيسير للدَّاني: ٩٧، والحَّة لأبي عليَّ الفَارِسِيِّ: ١٧٣/٣، وإعراب
القراءات لابن خالويه: ١٣٦/١، والحجَّة لأبي زُرعة: ١٠٩، والكشف لمكي: ٣٩٤/١،
ومعاني القرآن للفرّاء: ٢٨٣/١، والمحرر الوجيز: ١٨٣/٤، وزاد المسير: ١٧١/٢
والبحر المحيط: ٣٢٨/٣، والدُّر المَصُون: ٧٣/٤، والنشر لابن الجزريّ: ٢٥١/٢.
(٣) سورة النساء: الآية: ٩٤
(٤) غريبُ أبي عُبيدٍ: ٣٢/٢.
(٥) يراجع: البيان والتَّبيين: ٤٢/١، وأمالي اليزيدي: ١٠١، وزهر الآداب: ٣٨/١ وغيرها.
(٦) في الأصل : ((فاستثقل)).
٢٠٧

فَقَالَ: وَاللهِ يَارَسُوْلَ اللهِ إِنَّه لَيِعْلَمُ إِنِّي أَفَضْلُ مِمَّا قَالَ وَلَكِنَّهُ حَسَدَنِي، فَأَثْنَى
عَلَيْهِ عَمْراً شَرًّا ثَمَّ قَالَ: وَاللهِ يَارَسُوْلَ اللهِ: مَا كَذَبْتُ عَلَيْهِ في الأُولَى وَلاَ فِي
الآخِرَةِ، وَلَكِنَّه أَرْضَانِي فَقُلْتُ بالرِّضِى وَصَدَقتُ، ثُمَّ أَسْخَطَنِي فَقُلْتُ بِالسَّخَطِ
وصَدَقْتُ، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ: ((إنَّ مِنَ البَيَان لَسِحْراً) يَعْنِي: [إنَّ] مِنَ الَّلَسْنِ
وَالفَهْمِ وَذَكَاءِ القَلْبِ لَسِحْراً فَكَأنَّ مَعْنَاهُ عِنْدَنَا: أنَّه يَبْلِغُ من بَيَانِهِ أَنَّه يَمْدَحُ
الإِنْسَان فيَصدقُ فيه حَتى يَصْرِفَ القُلُوبَ إِلى قَولِهِ. ثُمَّ يَذُمَّهُ فِيَصْدُقُ فِيه حتَّى
يَصْرِفَ القُلُوبَ إِلَى قَوْلِهِ الآخرِ، فَكَأَنَّهُ قَدْ سَحَرَ بِذُلِكَ السَّامِعِيْنَ فَهَذَا مَعنى
قَوْلِهِ: ((إِنَّ مِنَ البَيَانِ لَسِحْراً)).
وَقَدْ بَلَغَنِي (١) عن مَالكِ بنِ دِيْنَارٍ أَنَّه قَالَ: مَارَأَيْتُ أَحَداً أبْيَنَ من
الحَجَّاجِ، يَعْنِي أَلْسَنَ وأَنْطَقَ، إِنْ كَانَ لَيَرْقَى الْمِنْبَرَ فَيَذْكُرُ إِحْسَانَهُ إِلَى أَهْلِ
العِرَاقِ، وَصَفْحِهِ عَنْهُم، وَإِسَاءَتِهِمْ إِلَيْهِ حَتَّى أَقُوْلَ فِي نَفْسِي: إِنِّي لِأَحْسَبُهُ
صَادِقاً، وَإِنِّي لأَظُنُهُمْ ظَالِمِين لَهُ.
- وَسَأَلْنا عبدَ الملكِ بنَ حَبِيْبٍ عن شَرْحِ (المَرْدُوْدَةِ) في حديثٍ مالك
الَّذِي رَوَاهُ عن هِشَام بن عُروة بن الزُّبير: أنَّ الزُّبِيرَ حَبَسَ دُوْرَهُ عَلَى
وَلَدِهِ، وَأَخْرَجَ مِنْهَا مَنْ تَزَوَّجِ مِنْ بَنَاتِهِ، وَجَعَلَ للمَرْدُوْدَةِ مِن بَنَاتِهِ أن تَسْكُنَ غيرَ
مُضِرَّةٍ ولا مُضَرِّبِهَا، فَإِذَا اسْتَغْنَتْ بِزَوْجٍ فَلاَ سُكْنَىْ لَهَا)).
قَالَ عبدُالملكِ: المَرْدُوْدَةُ(٢): هي المَرْأَةُ الَّتِي مَاتَ عَنْهَا زَوْجُهَا، أَوْ
(١) في غريب أبي عُبَيَدٍ: ٣٣/١ (هو من حديث عَبَّادِ بنِ عِبَّادِ المُهَلَِّيِّ، عن محمد بن الزُّبير
الحَنْظَلَيِّ، قال: وحدَّثني أبو عبد الله الفَزَارِيُّ، عن مالكِ بن دينار قال: ((ما رأيت أحداً أَبيَّنَ
مِنَّ الحَجَاجِ ... )).
(٢) غريبُ أبي عُبَيْدٍ: ٧٦/٢، والغريبين: ٤١٦/٢، وغريبُ ابنُ الجَوزي: ٣٨٨/١، ٣٨٩، =
٢٠٨

طَلَّقَهَا فَرَجَعَتْ إِلَى أَهْلِهَا، فَهِيَ المَرْدُوْدَةُ فِي كَلَامِ العَرَبِ، وَهِيَ الرَّاجِعُ أَيْضاً،
وَقَدْ ذَكَرَهَا رِسُوْلُ اللهِ لَّهَ حِيْنَ قَالَ لِسُرَاقَةِ بنِ جُعْشُمٍ (١): ((أَلاَ أدُلْكَ على أفْضِلِ
الصَّدَقَةِ؟ ابنتُك مَرْدُوْدَةٌ عَلَيْكَ لَيْسَ لَهَا كَاسِبٌ غَيْرُكَ)).
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحِ (العُمْرَى) و(الرُقْبَىْ) في حديثٍ
مَالكٍ [١٧٩]
فَقَالَ: (العُمْرَى)(٢): أنْ يَقُولَ الرَّجُلُ الرَّجُلِ: دَارِيْ حَبْسٌ عَليكَ عُمْرَكَ
أو يقولُ: عُمْرِيْ. فيكون ذُلِكَ كَمَا قَالَ، إِنْ قَالَ: (عُمْرَكَ) كَانَ مرجعُهَا إِلى
صَاحِبِهَا الَّذِي أَعْمَرَهَا، وَإِنْ قَالَ: (عُمْرِي) كَانَ مَرْجِعُها إِلَى وَرَثَتِهِ مِيْرَاثاً عنه.
قَالَ: وأمَّا (الرَّقْبَىْ)(٣) أنْ يَقُوْلَ الرَّجُلُ للَّجُلِ: دَارِي حَبْسٌ عَلَيْكَ، فَإِنْ
مِثُ قَبَلَكَ فَهِيَ لَكَ بَثْلاً، وَإِنْ مِنَّ قَبْلِي فَهِيَ رَاجَعَةٌ إِليَّ.
قَالَ عبدُ الملكِ: فَأَصْلُ (العُمْرَى) إِنَّمَا هُو مأخوذٌ من العُمُرِ (٣)، أَلاَ تَرَى
أَنَّه يَقُوْلُ لَهُ: هِيَ لَكَ عُمْرُكَ أَو عُمْرِي. وَ(الرُّقْبَىْ) مَأْخُوْنَةٌ مِنَ المُرَاقَبَةٍ، كَأَنَّ
=
والفائق: ٥٢/٢، والنهاية: ٢١٣/٢.
(١) هُوَ سُراقَةُ بنُ مَالكِ بنِ جُعْثُم بنِ مَالك بن عَمْرو الكِتَانِيُّ المُدْلِجِيّ، يكنى أبا سفيان، كان
يَنْزِلُ قُدَيْداً، يُعدَّ في أهل المدينةِ، ويُقال: إنَّ سَكَنَ مَكةَ. كَذَا قَالَ الحَافظُ ابنُ عبدالبِ،
وقال: ((وَمَاتَ سُرَاقَةَ بنُ مالكِ بنِ جُمْشٍُ سنةَ أربعٍ وعشرينَ في صَدْرٍ خِلاَفَةٍ عُثْمَانَ، ويُقَالُ:
إِنَّه مَاتَ بعدَ عُثْمان)) قَالَ الحَافظُ ابنُ حَجَرٍ: ((وَقَدْ يُنْسَبُ إلى جَدِّهِ». يراجع: طبقاتُ ابن
سعد: ٧٨/٩، وطبقات خليفة: ٣٤، والاستيعاب: ١٤٨/٢، وتهذيب الكمال:
٢١٤/١٠، والإصابة: ٤١/٣، والشَّذرات: ٣٥/١.
(٢) تقدم في ((كتاب القضاء)) في هذا الجزء.
(٣) نصٌّ كَلامٍ أبي عُبَيَدٍ في غريب الحديثِ: ٧٧/٢ قال: ((وَأَصْلُ العُمْرَى عندنا إنَّما هُو مأخوذٌ
من العُمْرِ ... )). وقد تقدَّم ذلك في هذا الجُزء.
٢٠٩

كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَرْقُبُ مَوْتَ صَاحِبِهِ، وَهَذِهِ الرُّقْبَى جَائِزَةٌ إِلاَّ أَنَّها من الثُلُثِ؛
لأَنَّهُ لَمْ يُبْتِلْهَا لَهُ إِلَّ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَثَمَّ رُقْبَى لا تَجُوْزُ، وَهِيَ أَنْ يَكُوْنَ المَسْكَنُ أو
العَبْدُ بَيْنَ رَجُلَيْنِ فَيَقُوْلُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ أَيُّهمَا مَاتَ مِنَّا أَوَّلاً فَنَصِيْبُهُ
لِصَاحِبِهِ، فَهَذِهِ لاَ تَجُوْزُ؛ لأنَّها مُخَاطرةٌ.
وَتَقُوْلُ فِي تَصْرِيْفِ (العُمْرَىْ) وَ(الرُّقْبَى) قد أَعْمَرْتُ فُلَاناً دَارِي، وأنا
أُعْمِرُهُ إِعْمَاراً، وَالاسْمُ: العُمْرَى، وَالفَاعِلُ: مُعْمِرٌ، وَالمَفْعُولُ: مُعْمَرٌ.
وَكَذَلِكَ الرُّقْبَى، تَقُوْلُ: قَدْ أَرْقَبْتُهُ دَارِي، وَأَنَا أَرْقُبُهُ إِرْقَاباً، وَالاسْمُ: الرُّقْبَى،
وَالفَاعِلُ: مُرْقِبٌ، وَالمَفْعُوْلُ: مُرْقَبٌ.
- وَسَأَلْنَا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرح حديثِ مالكِ
عَنْ رَسُوْلِ اللهَِّهِ: أَنَّه قَالَ: ((اسْتَحْيُوأَ مِنَ الله حَقَّ الحَيَاءِ، وَمَنِ اسْتَحْيِى
مِنَ اللهِ، فَلْيَحْفَظِ الرَّْسَ وَمَا حَوَى، وَالبَطْنَ وَمَا وَعَى، وَلْيَذْكُرِ القَبْرَ والِلَى)).
قَالَ عَبدُالمَلكِ: أَمَّ الرَّأْسُ وَمَا حَوَى(١)، فَالسَّمْعُ، وَالبَصَرُ، والِّلِسَانُ،
أنْ لا يَسْتَعْمِلَ ذُلك كُلَّه إلاَّ فِي حَقِّهِ. وأمَّا البَطْنَ وَمَا وَعَى، فَالقَلْبُ، وَالفَرْجُ،
وَمَعْنَى وَعَى: [جَمَعَ] وَهُمَا لُغَتَانِ: أَوْعَى وَوَعَى، وَلَيْسَ يُريدُ من وَعْي العِلْمِ؛
وَلَكِنْ مَا أَوْعَاهُ وَصَارَ فيه، كَمَا تُوْعِي الشَّيءَ في الوِعَاءِ. يَقُوْلُ: يَحْفَظُ بَطْنَه
فَلاَ يُدْخِلُ فِيْهِ إلَّ حَلاَلاً، كَمَا قَالَ في الحَدِيْثِ الآخرِ: ((مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لاَ
يَجْعَلَ في بَطْنِهِ إِلاَّ حَلَالاً فَليفَعَلْ، فإنَّ أولَ ما يُثْتِنُ من الإِنْسَانِ بَطْنُهُ».
قال عبدُالمَلكِ: ويَحْفَظُ فَرْجَهُ فَلاَ يَكْشِفُهُ إِلاَّ عَلَى حَلَاَلٍ، عَلَىْ زَوْجَتِهِ،
(١) غريب أبي عُبَدٍ: ١١٦/٢، والغريبين: ٤٢١/١، والنِّهاية: ٢٠٧/٥ وفي غريب أبي عُبِيدٍ:
(الجَوفَ وما وعى)) و((الرأسَ وما احتوى)) وأَخر: ((الرأس وما حَوَى)) وروايَتَهُ: ((احتوى)).
٢١٠

أو أَمَتِهِ كَمَا قَالَ في الحَدِيْثِ الآخَرِ (١): ((إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الأَجْوَفَانِ»
يعني البَطْنَ والفَرْجَ(٢). وَيَحْفَظُ قلبَه فَلا يُضْمِرُ فيه إلاَّ خَيْراً، كَمَا قَالَ في
الحَدِيْثِ الآخرِ: ((إنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةَ إِلَيْهَا يَأْوِيْ خَيْرُهُ وَشَرُّهُ فَإِذَا صَلُحَتْ
صَلَحَ بها سَائِرُ الجَسَدِ، وإِذَا فَسَدَتْ فَسَدَ بَها سائرُ الجَسَدِ)) يعني القَلبَ.
- وسألنا عبد الملكِ بنَ حَبِيْبٍ عن شَرحٍ حَديثٍ مالكٍ [١٨٠]
عَنْ رَسُوْلِ اللهِوَّهِ: ((الإِيْمَانُ يَمَانٍ، والحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ)).
قَالَ عبدُالملكِ: مَعْنَاهُ: إنَّ مَبْدَأَ الإِيْمَانِ(٣) من مَكَّةَ؛ لأنَّهَا مَوْلِدُ رَسُوْلِ
اللهِ نَّهِ، وَمِنْهَا مَبْعَثُهُ، ثُمَّ هَاجَرَ إلى المَدِيْنَةِ فَكَانَتْ دارَ الهِجْرَةِ وَالإِيمانِ.
وَمَكَّةُ وَالمَدِيْنَةُ مِنْ حَوْزَةِ الْيَمَنِ، فَنَسَبَ الإِيْمَانَ وَالحِكْمَةَ إِلَى الْيَمَنِ؛ لأنَّ
مَدَاهُمَا مِنْ حَوْزَةِ الْيَمَنِ.
قَدْ حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللهِ بنُ مُؤْسَى الْكُوِْيُّ، عَنْ حَنْظَلَةَ بنِ أَبِي سُفْيَان المَِيِّ،
قَالَ: قُلْتُ لطَاؤُوْسِ الْيَمَانِيِّ ونَحْنُ بِمَكَّةَ: مَا تَعُدُّ اليَمَنِ يَأَبَامُحَمَّدِ؟ فَقَالَ:
المَدِيْنَةُ فَمَا دُوْنَهَا، يَعْنِي فَمَا دُوْنَهَا إِلَى مََّّةَ، إِلَى الْيَمَنِ، إِلَى بَحْرِ عَدَن.
وَحَدَّثَنِي غَازٍ بِنُ قَيْسٍ (٤)، عَنْ ابْنِ سِمْعَانَ، عَنْ يَحْيَى بِنِ سَعِيْدٍ، عَنْ
(١) الحديث في غريب أبي عُبَيدٍ.
(٢) في جنى الجنتينِ: ١٦ ((الأجوفانِ: الْبَطنُ والفَرجُ. قَالَ أبوفَهْدِ الأعْرَابِيُّ لرجلٍ أعطاهُ
وأطعَمهُ: ((كَفَاكَ اللّهُ شَرَّ الأجوَفِينِ)) قال أبو عُبَيْدَةَ؟: في قوله: ((لا تَنْسَوا الجَوْفّ وَمَا وَعَىْ))
فيه قولان، يُقال: أَرَادَ بالجَوْفِ البَطْنَ أَو الفَرْجَ كَمَا قَالَ: ((إنَّ أَخْوْفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ
الأَجْوَفَانِ». وَقيلَ: أرادَ بالجَوْفِ القَلْبَ .. )) والنَّصُّ لأبي عُبَيْدٍ في غَريبِ الحَدِيْثِ فللَّهِدَرُه.
(٣) غريبُ أبي عُبَيْدٍ.
(٤) من شُيُوخ المُؤْلِّف تُراجع المقدّمة.
٢١١

مُحَمَّدٍ بن إِبْرَاهِيْمَ بنِ الحَارِثِ التَّمِيِّ أَنَّه قَالَ: إِنَّمَا قَالَ رَسُوْلُ اللهِ: ((الإِيْمَانُ
يَمَانٍ وَالحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ)) حِيْنَ صُرِفَتْ الْقِبْلَةُ إِلَى الكَعْبَةِ؛ لأَنَّ مَكَّةَ يَمَانِيَةٌ، وَالمَدِيْنَةً
يَمَانِيَةٌ.
قَالَ عبدُ الملكِ: وَقَدْ قَالَ رَسُوْلُ اللهِنَ له: ذُلِكَ أَيْضاً حِيْنَ مُنْصَرَفِهِ من
تَبُّكَ، وَتَبُّوكُ نَاحِيَةٌ بِالشَّامِ، وَمَكَّةُ وَالمَدِيْنَةُ يَوْمَئِذٍ تِلْقَاءَ وَجْهِهِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ
اليَمَنِ فَأَشَارَ إلى اليَمَنِ وَهُوَ يُرِيدُ مَكَّةَ وَالمَدِيْنَةَ فَقَالَ: ((الإِيْمَانُ يَمَانٍ وَالحِكْمَةُ
يَمَانِيَةٌ)) يَقُوْلُ: هُوَ مِنْ هَذِهِ النَّاحِيّةِ.
قَالَ عبدُالملك: وقد نَسَبَتِ العَرَبُ فِي كَلامها وَأَشْعَارِها إلى اليَمَنِ مَنْ
لَيْسَ مِنَ الْيَمَنِ، وَلاَ فِي أَرْضِ اليَمَنِ، إلاَّ أنَّه في وَقْتِ مَا نَسَبُوهُ إلى اليَمَنِ مِمَّا
يَلِي الْيَمَنِ، قَدْ قَالَ النَّابغةُ الدُّنْيَائِيُّ لِيَزِيْدَ بنِ الصَّعِقِ(١)، وَهُوَ رَجُلٌ من يَنِي عَمِّه
مِنْ قَيْسٍ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا تَحَاسُدٌ وَتَلاَذُعٌ(٢):
وَكُنْتَ أَمِيْنَهُ لَوْ لَمْ تَخُنْهُ وَلَكِنْ لاَ أَمَانَةَ لِلْيَمَانِيْ
فَتَسَبَهُ إِلَى الْيَمَن؛ لأنَّ مَوْضِعَهُ ومَسْكِنَهُ كان مِمَّا يَلِي اليَمَنَ. وَقَالَ ابنُ مُقْبِلٍ
العَجْلَانِيُّ وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ قَيْسٍ، من يَنِيْ العَجْلَانِ، وَهُمْ فِي يَنِيْ عَامٍ بِنِ
صَعْصَعَةً(٣):
(١) هو يزيد بن عمرو بن خُوَيْلِدِ الكِلَابِيُّ، شاعرٌ فارسٌ جاهليٌّ.
يُراجع: جمهرة الَّسبِ لابنِ الكلبي: ٣٣٢١، وجمهرة أنساب العَرَبِ لابن حَزْمٍ: ٢٨٦،
وخزانة الأدب: ٢٠٦/١.
(٢) ديوانه: ١١٣.
(٣) ديوانه: ٣١٥ وبعده:
=
٢١٢

* طَافَ الخَيَالُ بِنَا رَكْباً يَمَانِينا *
فَتَسَبَ نَفْسَهُ إِلَى الْيَمَنِ؛ لأنَّ الخَيَالَ طَرَقَهُ وَهُوَ يَسِيْرُ نَاحِيَّةَ اليَمَنِ، أَوَلاَ
تَرَى أَنَّه إنَّما قِيْلَ: سُهَيْلُ اليَمَانِيُّ؛ لأنَّه يُرَى من نَاحِيَّةِ اليَمَنِ، فَعَلَى هَذَا تأويلِ
قَوْلِ النَّبِّوَِّ: ((الإِيْمَانُ يَمَانٍ)) حِيْنَ كَانَ جِهَتَهُ، إِذْ قَالَ ذُلك وهو مُنْصَرِفٌ من
نَاحِيَّةِ الشَّامِ إِلَى جِهَةِ الْيَمَنِ؛ لأنَّ مُنْصَرَفَهُ كَانَ إلى المَدِيْنَةِ، وَهِيَ فيما بينَه وبينَ
اليَمَنِ، وَكَذْلِكَ حِيْنَ صُرِفَتِ القِْلَةُ عن الشَّامِ إلى الكَعْبَةِ، وَهِيَ فِيْمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ
اليَمَنِ، فَقَالَ: ((الإِيْمَانُ يَمَانٍ)) يُريدُ: مَكَّةَ، وهي في جِهَةِ اليَمَنِ، هَذَا لو لم
تَكُنْ مَكَّةُ من حَوْزَةِ الْيَمَنِ، فَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ طَاوُوْسُ وَغَيرُهُ: مَا أَعْلَمْتُكَ من أنَّ
مَكَّةَ وَالمَدِيْنَةَ مِنْ حَوْزَةِ الْيَمَنِ؟! وَلَمْ يُرِدْ رَسُوْلُ اللهِ لَهَ بِقَوْلِهِ ذلك سُكَّنَ
الْيَمَنِ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إِلَيْهِمْ الإِيْمَانُ وَهُوَ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَهُوَ رَأْسُ الإِيْمَانِ فَافْهَمْ
هَذَا وَاعْرِفْهُ.
- وسألنا عبدَ المَلكِ بنَ حَبِيْبٍ عن شَرْحِ (البَحْبُوحَةِ) [١٨١] في حَدِيْثٍ
مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن عَبْدِ اللهِ بنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ لِ قَالَ: ((مَنْ أَرَادَ أَنْ
يَسْكُنَ بَحْبُوحَةَ الجَنَّةِ فَلْيَلْزَم الجَمَاعَةَ، فإنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الفَذِّ، وَهُوَ مِنَ الاثْنَيْنِ
أَبْعَدُ)) وَقَالَ ذُلِكَ أَيْضاً عُمَرُ بنُّ الخَطَّابِ فِي خُطْبَتِهِ بِالجَابِيَةِ (١).
ودُوْنَ لَيْلَى عَوَادٍ لَوْ تُعَدِّيْنَا
طَافَ الخَيَالُ بنا رَكْباً يَمَانِيْنَاً
=
تَعْتَادُ تَكْذِبُ ليَلى ما تَمَنِّنَا
مِنُهنٌّ مَعرُوفُ آيَاتِ الكِتَابِ وَقَدْ
مِنْ أَهْلِ رِيْمَانَ إِلاَّ حَاجَةً فِيْنَا
لَمْ تَسْرٍ لَيَلَىْ ولم تَطْرُقْ بِحَاجَتَهَا
أَنَّى تَسَدَّيْتِ وَهْناً ذُلِكَ البِيْنَا
مِنْ سَرْوِ حِمْيَرَ أَبْوَالُ البِغَالِ بِهِ
(١) معجم البُلدان: ١٠٦/٢ قال: ((قَرْيَةٌ من أعمال دمشق .. )) ويراجع: الرَّوض المعطار : =
٢١٣

قال عبدُالمَلكِ: بَحْبُوْحَةِ كُلِّ شَيْءٍ: وَسَطُهُ وَخَيْرُه (١)، قَالَ جَرِيْرٌ: (٢)
قَوْمِي تَمِيْمٌ هُمُ القَوْمُ الَّذِيْنَ هُمُ يَنْقُوْنَ تَغْلِبَ عَن بَحْبُوحَةِ الدَّارِ
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحِ (النَّغَامَةِ) في حَديثِ مالكٍ
عَنْ رَسُوْلِ اللهِلَّهِ: ((أَنَّهِ أُتِيَ بِأَبِيْ قُحَافَةً يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَرَأَسُهُ ولِحْيَتُهُ
كَالثَّغَامَةِ بَيَاضاً، فَقَالَ: اخْضِبُوْهُ بِالحِثَّا وَالكَتَمِ وجَنَّبُوهُ السَّوَادَ».
قَالَ عبدُالملكِ: الثَّغَامَةُ: نَبْتُ، يُقَالُ لَهُ: الثَّغَامُ(٣)، وَهُوَ أَبْيَضُ الثَّمَرةِ
أَوْ الزَّهْرَةِ فَالعَرَبُ تُشْبِّهُ الشَّيْبَ بِبَيَاضِهِ، وفي ذلك قَالَ حَسَّانُ بنُ ثَابِتٍ: (٤)
١٣٥، وذكرا طرفاً من خطبة عُمر.
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٠٥/٢، والغريبين: ١٣٢/١، وغريب ابن
الجوزي: ٥٦/١، والفائق: ٨١/١، والنّهاية: ٩٨/١، ويراجع: جمهرة اللَّغة: ١٧٣،
وتهذيب اللغة: ٣٨٣/٥، والصِّحاح، واللَّسان، والتَّاج: ((بحبح)).
(٢) ديوان جرير: ٢٣٤ من قصيدة أولها:
مَاكِدْتَ تَعْرِفُ إِلاَّ بَعْدَ إِنْكَارِ
حَيُوالمُقَامَ وَحَيُوا سَاكِنَ الدَّارِ
خَيّالُ طَيَِّةِ الأَرْدَانِ مِعْطَارٍ
إِذَا تَقَادَمَ عَهْدُ الحَيِّ هَيَّجَنِيٍ
وبعْدَه:
الثَّازِلُوْنَ الِحِمَىْ لَمْ يُرْعَ قَبَلَهُمُ
وَالمَانِعُونَ بِلاَ حِلْفٍ وَلاَ جَارٍ
وفيها:
قَومِي فَأَصِلُهُمُ أَصْلِيْ وَفَرْعُهُمُ
إِنِّي امرُؤٌ مُضَرِيٍّ في أرُومَتِهِ
فَرْعِي وَعَقدهُمُ عَقْدِيْ وإمْرَارِيٍ
لَنْ تَستَطِيعَ مُسَامَائٍِ وأخطَارِي
(٣) اللَّفْظةُ مَشْرُوحٌ في غريب أبي عُبِيدٍ: ٢٧٨/٢ والنص له، وغريب الحربي: ٧٠١، ٧٠٢،
والغريبين: ٢٨٤/١، وغريب ابن الجَوزِيُّ: ١٢٣/١، والفائق: ١٦٦/١، والنِّهاية:
٢١٤/١، ويراجع: جمهرة اللُّغة: ١٢٩، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (ثغم).
(٤) ديوانه: ٣١٠، وهو في غريب أبي عُبَيدٍ وغيره.
٢١٤

أَمَّا تَرَيْ رَأْسِيْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ شَمَطاً فَأَصْبَحْ كَالنَّغَامِ المُخِلِ
ــ وسألنا عبدَالمَلكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحِ حَدِیْثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن هِشَامٍ بنِ عُرْوَةً، عن أبيه، عن عائِشة: أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَ
قَالَ: ((إذا تَمَنَّى أَحَدُكُمْ فَلْيُكْثِرْ فِإِنَّمَا يَسْأَلُ رَبَّهُ».
قَالَ عبدُالمَلكِ: مَعَناهُ: أَنْ يَسْألَ الرَّجُلُ رَبَّه مَا شَاءَ مِنْ أَمْرِ دُنياهُ
وآخِرَتِهِ، وَتَحْقِيْقِ ذُلِكَ في قَوْلِهِ [عَزَّ وجَلَّ]: (١) ﴿ وَسْئَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِةٍ﴾ فَأَمَّا
تأويلُ قولِهِ: [عزَّ وجلَّ]: (١) ﴿ وَلَا تَكَمَّنَّوْ مَا فَضَّلَ اللّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ فإنَّ
تَمَنِّي الرَّجُلُ مَالَ غَيْرِهِ أَنْ يَكُوْنَ لَهُ، أَو زَوْجَةَ غَيْرِهِ أَنْ تَكُوْنَ لَهُ، وَمَا أَشْبَهَ
هَذَا، فَهَذَا المَنْهِيُّ عنه.
وَقَدْ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بنُ مَعْبَدٍ (٢)، عن أَبِي المَلِيحِ، عَن مَيْمُون بنِ مِهْرَان أنَّه
قَالَ: مَكْتُوْبٌ في التَّوْارَةِ: أَنْ لاَ تَتَمَنَّى مَالَ جَارِكَ وَلَا امْرَأَةَ جَارِكَ .
- وَسَأَلْنَا عَبدَالمَلكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحٍ حَدِیْثِ مَالكِ
عَنْ رَسُوْلِ اللهِ ◌َّ أَنَّهِ قَالَ: ((احْفَظُونِيْ فِي عَمِّي، فَإِنَّ عَمَّالرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيْهِ».
قَالَ عبدُالمَلِكِ: الصِّنْوَانُ(٣) في النَّخْلِ، وَهُمَا النَّخْلَتَانِ تَنْبَِّانِ فِي أَصْلِ
وَاحِدٍ. فشبَّتِ العَرَبُ الأَخَوَيْنِ بهما، ومنه قَوْلُ اللهِ عزَّ وجَلَّ(٤): ﴿صِنْوَانٌ
(١) سورة النساء: الآية: ٣٢.
(٢) سبق ذكره.
(٣) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غَريب أبي عُبِيدٍ: ١٥/٢، وغَريب ابن الجوزي: ٦٠٧/١، والفائق:
٣١٧/٢، والنُّهاية: ٥٧/٣. ويُراجع: جمهرة اللُّغة: ٩٠٠، وتهذيب اللُّغة: ٢٤٣/١٢،
ومجمل اللُّغة: ٥٤٢، والصِّحاح، والِّسان، والتَّاجِ: ((صَنَوَه وجنى الجنتين: ٧١.
(٤) سورة الرَّعد: الآية: ٤.
٢١٥

وَغَيِّرُ صِنْوَانٍ﴾ والصِّنْوانُ، هُمَا الاثْتَتَانِ، وَهُمَا الجَمِيْعُ، وإنَّما تَمِيْزُ مَا بَيْنَهُمَا
خَفِضُ [١٨٢] التُّوْنِ في الاثْنَتَيْنِ وَنَصْبُهَا في الجَمِيْعِ.
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرحٍ حَدِيْثِ مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن يَحَيَّى بنِ سَعِيْدٍ، أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ◌ّهِ قَالَ: ((إِنِّي لِأَكْرَهُ أَنْ
أَرَىُ الرَّجُلَ ثَائِرًا(١) فَرِيْصُ رَقَبَتِهِ عَلَى مُرَيَِّ يَضْرِبُها)» .
قَالَ عبدُالملك: يَعنِي بِفَرِيْصِ رَقَبَتِهِ: صَفْحَةَ رَقَبَتِهِ (٢)، وإِنَّمَا أَرَادَ: عَصَبَ
الرَّقَبَةِ وعُرُوْقَهَا، لأَنَّهَا هِيَ الَّتِي تَتَتَوَّرُ(٣) عِنْدَ الغَضَبِ، وَفَرَائِصُ الجَسَدِ:
صَفَحاتُهُ، كلُّ صَفْحَةٍ مِنْ رَقَبَتِهِ أَوْ جَسَدِهِ أَوْ نَحْرِهِ فَكُلُّها فَرِيْصَةٌ وَفَرِيْصٌ،
وَكَثِيْرُهَا: فَرَائِصُ، وَهِيَ الَّتِي تَضْطَرِبُ عِنْدَ الغَضَبِ وَتَتَوَّرُ(١) عُرُوقُها.
- وسألنا عبدالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحٍ حَدِیْثِ مَالكِ
أَنَّ رَسُوْلَ اللهِوَهِ قَالَ: ((المُسْلِمُوْنَ يَدٌّ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُم،
ويَعْقِدُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، ويَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَفْضَاهُمْ)).
قال عبدُالملك: أمَّا قَوْلُهُ(٤): ((المُسْلِمُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ)) فَإِنَّهُ
يَقُولُ: المُسلِمُونَ جَمِيْعاً كَلِمَتُهُمْ ونُصْرَتُهُمْ وَاحِدَةٌ عَلَى مَنْ خالَفَهم في الإِسلامِ
(١) في الأصل: ((ثائر)).
(٢) اللَّفظة مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيَدٍ: ١٩/٣، وغريب ابن الجوزي: ١٨٦/٢، والفائق:
٩٨/٣، والنّهاية: ٤٣١/٣. ويراجع: العين: ١١٢١/٧، ومختصره: ١٨٠/٢، وجمهرة
اللُّغة: ٧٤٢، وتهذيب اللُّغة: ١٦٦/١٢، ومجمل اللُّغة: ٧١٦، وأفعال السَّرقُسْطِي:
٢٨/٤، والصِّحاح، واللُّسان، والتّاج: (فرص).
(٣) في الأصل: ((يتثوَّر)) والتَّصحيح من غريب أبي عُبَيْدٍ.
(٤) غريب أبي عُبيدٍ: ١٠٢/٢.
٢١٦

مِن جَميعِ أَهْلِ المِلَلِ المُحَارِبَةِ، فَهُمْ(١) يَتَعَاوَنُوْنَ عَلَيْهِمْ وَيَتَنَاصَرُوْنَ، لاَ يَخْذُلُ
بَعْضُهُمْ بَعْضاً. قَالَ: وأمَّا قَوْلُهُ: (تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ) فَإِنَّ دَمَ الشَّريْفِ وَالوَضِيْعِ مِنَ
المُسْلِمِيْنَ فِي القَوَدِ وَالدِّيةِ سَوَاءٌ، وَكُلُّ شَيْءٍ سَاوَى شَيْئاً حَتَّى يَكُوْنَ مِثْلَهُ فقد
كَافَهُ، وَهُوَ مُكَافِىءٌ لَهُ، وَالاسْمُ مِنْهُ: المُكَافَةٌ مَهْمُوْزَةٌ، ومنه قَوْلُكَ: كَافَأْتُ
الرَّجُلَ، أَيْ: فَعَلْتَ بِهِ مِثْلَ الَّذِي فَعَلَ بِكَ، وَمِنْهُ: الكُفْؤُ مِنَ الرِّجَالِ، وَمِنْهُ:
الكَفْؤُ مِنَ الرَّجُلِ لِلْمَرْأَةِ، يَعْنِي أَنَّه مِثْلُهَا فِي حَسَبِهَا وَدِيْنِهَا وَمَالِهَا، وَمِنْهُ قَوْلُ
اللهِ عَزَّ وَجَلَّ (٢): ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَُّ كُفُوَّ أَحَدٌّ لِ﴾.
قَالَ: وَأَمَّا قَولُهُ: ((ويَعْقِدُ عَلَيْهِمْ أَذْنَاهُمْ)) فإنَّ الشَّرِيْفَ وَالوَضِيْعَ من
المُسْلِمِيْنَ إِذَا أعْطَى المُشْرِكَ أَمَاناً فَلَيْسَ لِلإِمَامِ وَلاَ لِغَيْرِهِ أَنْ يَخْفِرُوا أَمَانَتَهُ حَتَّى
يُؤْفِيَ المُشْرِكُ (٣) إِلَىْ مَأْمَنِهِ، يَقُوْلُ: أَمَانُ أدنى المُسْلِمِيْنَ للمُشْرِكِ جَائٌِّ يَخْرُمُ
بِهِ دَمُ المُؤْمِنِ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَنْظُرَ فِي ذُلِكَ إِمَامُ المُسلمين، فَإِنْ رَأَى أَنْ يُتِمَّ ذُلك
لَهُ أَتمَّهُ وإِلاَّ رَدَّهُ إلى مَأْمِنِهِ.
وأمَّا قَوْلُهُ: ((وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقَصْاهُمْ)) أنَّ مَا غَنِمَ المُسْلِمُوْنَ فِي أَطْرَافِهِم من
عَدُوِّهِمْ فَخُمُسُهُ يُجْعَلُ في بيتِ مَالِ المُسْلِمِيْنَ في مَنَافِهِمْ وَأَرْزَافِهِمْ [وَدِيْوَانِهِمْآَ،
وَمِنْهُ أَيْضاً: أنَّ مَا أَصَابَتِ السَّريَّةُ الَّتِي تَخْرُجُ من عَسْكَرِ المُسْلِمِيْنَ في أَرْضِ
الحَرْبِ من غَنِيمَةٍ فَهِي مَرْدُوْدَةٌ إِلَي فَيْءِ العَسْكَرِ، هُمْ أَجْمَعُوْن فيه بِالسَّاءِ،
السَّرِيَّةُ الَّتِي غَنِمَتْ وَالعَسْكَرُ [١٨٣] الَّذِي رَجَعَتْ؛ لأنَّه رَوِّ لَهُمْ.
قال عبدُالملكِ: وَقَدْ رَوَى المُحَدِّثُوْنَ الزّيادةَ في حَديثِ مَالِكِ هَذَا. قَدْ
(١) في الأصل: ((فلم)).
(٢) سورة الصَّمد: الآية: ٤.
(٣) في الأصل: ((للمشرك)).
٢١٧

حَدَّثني مُطَرِّفٌ، عن ابنِ أبِي حَازمٍ، عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه:
أنَّ رَسُوْلَ اللهِله خَطَبَ النَّاسَ يومَ الفَتحِ فقال: ((المُؤْمِنُوْن يَدٌّ عَلَى مَنْ سِوَاهُم
تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ، ويَسْعَى بذمَّتهم أَذْنَاهُمْ، وبَردُّ عَلَيْهِمْ أَفْصَاهُم، لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ
بِكَافِرٍ، ولا ذُو عَهْدٍ في عَهْدِهِ، ولا يَتَوَارَثُ أهلُ مِلَّتين، وتَرِثُ المَرأةُ من عَقْلِ
زَوْجِهَا وَمِنْ مَالِهِ، وَبَرِثُ الرَّجُلُ مِنْ عَقْلِ امْرَأَتِهِ وَمِنْ مَالِهَا إِلاَّ أَن يَكُوْنَ أَحَدُهُمَا
قَثَلَ صَاحِبَه، فإِنْ كَانَ أحدُهُما قَتَلَ صَاحِبَه خَطَأْ وَرِثَ مِنْ مَاله وَلَمْ يَرِثْ مِنْ
عَقْلِهِ شَيْئاً، وَإِنْ قَتَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَمْداً لَمْ يَرِثْ مِنْ مَالِهِ ولا مِنْ عَقْلِهِ
شَيْئاً، وَلاَ تُنْكَحُ المَرْأَةُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلاَ عَلَى خَالَتِهَا».
قَالَ عبدُالملك: وَحَدَّثَنِيْهِ مُعَاذُ بنُ الحَكَمِ(١)، عَنْ مُقَاتِلِ بنِ عَمْرِو بن
شُعَيْبٍ، وَحَدَّثَنِيْهِ ابنُ عَبْدِ الحَكَمِ، وَعَبْدُالله بنُ صَالِحِ(٢)، عَنِ الَّلَيْثِ بن سَعْدٍ،
عن إسحاق بن أبي فَرْوَةَ، عن عَمْرِو بن شُعَيْبٍ. وحدَّثنيه الحَنَّقِيُّ(٣)، عن أبي
جَعْفٍَ، عَن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ.
قَالَ عبدُ الملكِ: فَقَوْلُهُ: ((يَسْعَىَّ بِذِمَّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ)) فَهُوَ مِثْلُ مَا فَسَّرتُ لَكَ
فِي قَوْلِهِ: ((يَعْقِدُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ) وَالذِّمَةُ: وَالأَمَانُ، وَالعَهْدُ هُوَ الأَمَانُ أَيْضاً،
وَمِنْهُ قَوْلُ سَلْمَان (٤): (ذِمَّةُ المُسْلِمِيْنَ وَاحِدَةٌ) يَقُولُ: أَمَانُهُمْ وَاحِدٌ، وَلِذْلِكَ
(١) لم أقف على أخباره.
(٢) هُوَ كَاتِبُ اللَّيْثِ، عَبْد الله بنُ صالح بنُ مُحَمَّدٍ بن مُسْلِمِ الجُهَنِيُّ، مَوْلاَهُم المصريُّ (ت
٢٢٢ هـ). أخباره في: طبقات ابن سعد: ٥١٨/٧، وطبقات خليفة: ٢٩٧، وتاريخ بغداد:
٤٧٨/٩، وتهذيب الكمال: ٩٨/١٥، وذكر أن ممن روى عنه عبدالملك بن حَبِیپٍ.
(٣) لا أدري من الحَنَفيّ هذا، وقد يكون حَبِيْبَ بنَ أَبِي حَبِيْبَ كَاتبَ الإمَامِ مالكِ، فهو حَنَفَيّ؟.
(٤) قول سلمان رضي الله عنه في غريب أبي عُبيدٍ: ٢/ ١٠٤.
٢١٨

سُمِّي المُعَاهَدُ ذِمِّياً؛ لأنَّه أُعْطِيَ الأمانَ عَلَى دَمِهِ وَمَالِهِ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ: لم
يَكُنْ لأَهْلِ السَّوَادِ عَهْدٌ، فَلِذَلِكَ [لَمَّا] أُخِذَتْ مِنْهُمُ الِزْيَةُ صَارَ ذُلِكَ لَهُمْ عَهْداً
أو ذِمَّةً، يَقُولُ: صَارَ ذُلِكَ لَهُمْ أماناً، إِنَّمَا الذِّمَّةُ وَالعَهْدُ: الأَمَانُ.
قَالَ عبدُالملكِ: وأمَّا قَوْلُهُ: ((لا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ) فإنَّهُ قَالَ: لاَ يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ
بذِمِّيٍّ وإنْ قَتَلَهُ عَمْداً، وَلَكن تَكُوْنُ عليهِ الدِّيّةُ كامِلةً في مالِهِ، وَهِيَ السَّنَةُ
المَعلومةُ في ذُلِكَ، وَقَدْ كَانَ مَنْ رَأْي أَبِي حَنِيْقَةَ وَأَصْحَابِهِ قتلُ المُسْلِمِ بِالكَافِ (١)
المُعَاهَدِ؛ لحَدِيْثٍ رُوِيّ عن محمَّدِ بنِ المُنْكَدِرِ عِن عَبْدِالرَّحْمَن بن البَيْلَمَانِيِّ(٢):
(١) في الأصل: ((للكافر)).
(٢) الْبَيَلَمَانِيُ: مَنسُوبٌ إلى ((بَيْلَمَان)) بلدٌ مشهورةٌ يُصنعُ بها السُّيُوفِ البَيلمانية، قال ياقوت في
مُعجم البُلدان: ٦٣٤/١: (يشبه أن يكونَ من أرضِ اليَمَنِ) وَنَقَلّ عن ((قُتُوحِ البُلدان)»
للبَلاذري أنَّها في بلاد السِّندِ والهندِ؟ .
((فائدة)»: لم يذكر الحافظُ السَّمعانيُّ في ((الأنساب)) هَذه النِّسبةَ، ولا استَدْرَكَهَا ابنُ الأثيرِ في
(اللُّبَابِ)) وَاسْتَدْرَكَهَا السُّيوطيُّ في لبِّ اللُباب: ١٦١/١ وَقَالَ: موضعٌ باليَمَنِ. وذكرها
الرُّشاطيُ في أنسابه ((اقتباس الأنوار .. )) (مختصر عبدالحق الإشبيلي)، ومختصر الفاسي:
ورقة: ١٧، وهي في أنساب البلبيسي: ١/ ورقة: ١٧١، وأنساب الخيضري ((الاكتساب)):
١/ ورقة: ٩٥، الجميع عن الرُّشاطيِّ - رحمه الله -، والنِّسبة إلى المواضع لأبي مخرمة:
ورقة: ٧٩ عن «معجم البلدان).
وصاحبنا المذكور هنا عبدالرَّحمن بن أبي زيد البَيلَمِائيُ. وابنه محمد بن عبدالرَّحمن
لم يكونا من الثِّمات. قَالَ البَزَّارُ عن عبدِ الرَّحمن: (لَهُ مُنَاكِيْرُ، وهو ضَعِيْفٌ عندَ أهلِ العلمِ»
وأمَّا ابْنُه مُحَمَّدٌ فَذُكِرَ أَنَّه يَضَعُ عَلَى أَبِيْهِ العَجَائِبَ)).
أخبارُ عبدالرَّحمن في: طبقات ابن سعد: ٥٣٦/٥، وطبقات خليفة: ٢٤٩، والجرح
والتَّعديل: ٢١٦/٥، وتهذيب الكمال: ٨/١٧، وتهذيب التَّهذيب: ١٣٥/٦. ومما يدلُّ
على أن (بَيْلَمَان) من بلادِ الْيَمّنِ ما جاء في أخبارِ المذكورِ أنَّه كَانَ من الأَبْنَاءِ (أبناء فارس) =
٢١٩

أَنَّ رَسُوْلَ اللهِوَ أَقَادَ مُسْلِماً بمُعَاهَدٍ وَقَالَ: ((أَنَا أَحَقُّ مَنْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ».
قال عبدُالملكِ: وإنَّما كَانَ قتلُ المُسْلِمِ ذُلِك الذِّمِيِّ قَتْلَ غِيْلَةٍ، قَتَلَهُ عَلَى
مَالِهِ فَقَتَلَهُ رَسُوْلُ الله ◌ِالرََّا بِهِ، وَكَذَلِكَ السُّنةُ أن يُقْتَلَ المُسْلِمُ بالدِّميِّ الكَافِرِ إِذَا
قَتَلَهُ قَتْلَ غِيْلَةٍ وَذُلِكَ بَيِّنٌ فِي الحَدِيْثِ. حَدَّثَنَاهُ ابنُ المَاجِشُوْنِ، عَن الدَّرَاوَرْدِيِّ،
عن مُحَمَّدِ بنِ المَنْكَدِرِ: أنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ الَّمَّةِ جَاءَ إلى رَسُوْلِ اللهِنَّهِفَقَالَ:
يَارَسُوْلَ الله نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ أهْلِ الدِّمَّةِ، قَدْ أَعْطِيْنَا ذِمَّة اللهِ وَذِمَّة رَسُوْلِ الله
وَا أَخْبَرْآَتْنَا أَنَّ اللهَ فَرَضَ عَلَيْنَا الجِزْيَةَ فَسَمِعْنَا لَكَ وَأَخْرَجْنَا مَا أَمَرْتَنَا بِهِ، وَدَخَلْنَا
فِي ذِمَّتِكَ وذِمَّةِ الله وَرَسُوْلِهِ(١) فَخُتِرَ(٢) بِنَا فَقُتلَ مِنَّا رَجُلٌ عَلَى مَالِهِ، وَنَحْنُ في
ذَتِكَ. فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ لِهِ: أَنَا أَحَقُّ مَنْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ [اقْتُلُوا] قَاتِلَ صَاحِكُمْ
فَقُتِلَ».
قَالَ عَبْدُالملكِ: فَمِنْ هُنَالِكَ يُقْتَلُ قَاتِلُ الغِيْلَةِ بِمَنْ قَتَلَ كَافِراً كَانَ أو
[مُسْلِماً]ٍ أَوْ عَبْداً؛ لأنَّه وَجْهٌ من وُجُوْهِ الحِرَابَةِ، وفي مِثْلِ هَذَا قَتَلَ عُمَرُ بنُ
الخَطَّبِ سَبْعَةَ نَفَرِ بقَتِيْلٍ فَتَلُوْهُ [١٨٤] غِيْلَةٌ عَلَى مَالٍ كَانَ مَعَهُ، كَانَ أَحَدُ السَّبْعَةِ.
رَبِيْئَةٌ لَّهُمْ، وَقَالَ عُمَرُ يَوْمَئِذٍ: لَوْ تَمَالأَ عَلَيْهِ أهلُ صَنْعَاءَ لقتلتُهُم بِهِ جَمِيْعاً.
قَالَ عبدُالملكِ: وَقَدْ قَتَلَ عُثْمَانُ مُسْلِماً بَكَافِرٍ [ذِمِّيٍّ](٣) قَتَلَهُ قَتْلَ غِيْلَةٍ.
وهم في اليَمَنِ، وأنَّه كان يسكُنُ نَجران، وأنَّه كان من أَشْعَرِ شُعَرَاءِ الْيَمَنِ في عصره.
=
وابنه محمد له أخبارٌ في الجرح والتَّعديل: ٣٢٤/٢، وتهذيب الكمال: ٥٩٤/٢٥،
وتهذيب التهذيب: ٩/ ٢٩٣ وغيرها.
(١) كذا في الأصل ولعلّ الواو زائدةٌ فتكون العبارة: ((في ذمّتك في ذمة الله ورسوله)).
(٢) خُتِرَ بنا؛ أي: غدر بنا، والخَترُ الخِيَانَةُ الخَدِيْعَةُ.
(٣) في الأصل: ((ذيباً)).
٢٢٠