النص المفهرس

صفحات 121-140

ولا يَجِدْنَ رِئْحَهَا، وريحُها يُؤْجَدُ [من](١) مَسِيْرَةٍ خَمْسِمِائَة سَنَّةٍ)) [١٤٥]
[٢/ ١٩٣ رقم (٧)].
قَالَ عبدُالمَلكِ: يعني بِقَوْلِهِ: ((نِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِبَاتٌ)) أنَّهِنَّ يَلْبَسْنَ الخَفِيْفَ
الَّذِي لا يُوَارِيِ ما تَحْتَهُ، أو الرَّقِيقَ الضَّيِّقَ(٢) الذي يَلْتَطِي فِيَصِفُ مَحَاسِنَهنَّ،
فَهُنَّ كاسِيَاتٌ مِن أَجْلِ مَا عَلَيْهِنَّ منه، عَارِبَاتٌ من أَجْلِ أَنَّه لا يُوَارِي مَحَاسِنَهُنَّ
إِذَا خَرَجْنَ، وإنَّما يُكْرَهُ لِلنِّساءِ لِبَاسُ مثلٍ هَذَا إِذَا خَرَجْنَ أَوْ دَخَلَ عَلَيْهِنَّ أَحَدٌ
من الرِّجالِ، فأمَّا في بُيُوتِهِنَّ، أو عندَ أزواجهنَّ فلا حَرَجَ في ذُلِكَ. قال: وأمَّا
قَوْلُهُ: ((مَائِلَاتٌ)) فيعني أنهنَّ يَتَمَايَلْنَ في مَشْيِهِنَّ وَيَخْتَزْنَ حَتَّى يَفْتِنَّ مَنْ مَرَرْنَ
بِهِ مِنَ الرِّجَالِ(٣). وَقَوْلُهُ: ((مُمِيْلاَتٌ)) يعِنِي مُمِيْلَاتٍ مِن أَطَاعَهُنَّ وَفُتِنَ بِهِنَّ.
قَالَ عبدُالملكِ: وَتَأْوِيلُ حَدِيثِ مَالكِ الآخرَ داخِلٌ فِي هَذَا التََّسيِرِ
أَيْضاً. قَوْلُهُ: ((رُبَّ كَاسِيَةٍ فِي الدُّنْيَا عَارِيةٌ يَوْمَ القِيَامَةِ».
[ شرحٌ غريبٍ كتابٍ صفةِ النَّبِيِّ ◌ِ لو)](1)
[من موَطَّأ مالكٍ بنٍ أَنَسٍ رحمه الله]
- وسألنا عبدَ الملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ (اشتمالِ الصَّمَّاءِ) في حَديثِ مالكٍ
(١) عن الموطأ.
(٢) في الأصل: ((الصَّفيق)).
(٣) في المُنتقى: ٧/ ٢٢٤ عن ابن حَبِيْبٍ.
(٤) الموطأ رواية يحيى: ٩١٩/٢، ورواية أبي مُصْعَبِ الزُّهري: ٩١/٢، ورواية محمد بن الحسن:
٣٣٤، ورواية سُوَيْدٍ: ٤٩٥، والاستذكار: ٢٢١/٢٦، والتَّعليق على المُوطَّأَ: ٣٣٥/٢،
والمنتقى لأبي الوليد: ٢٣٠/٧، وتنوير الحوالك: ١٠٦/٣، وشرح الزُّرقاني: ٢٧٩/٤.
١٢١

الَّذِي رَوَاهُ عن أَبي الزُّبَيْرِ، عن جَابرِ بنِ عبدِ اللهِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَله: «نَهَى
أَنْ يَأْكلَ الرَّجلُ بالشِّمالِ، وَأَنْ يَمشيَ في نَعْلٍ وَاحِدٍ، وَأَنْ يَشْتَمِلَ الصَّمَّاءَ، وَأَنْ
يَحْتَبِيَ في ثَوْبٍ وَاحدٍ كَاشِفاً عَنْ فَرْجِهِ» [٩٢٢/٢ رقم (٥)].
مَا تَفْسيِرُ اشتِمَالِ الصَّمَّاءِ؟
قال [عَبْدُ المَلِكِ](١): هُوَ أَنْ يَجْمَعَ الرَّجلُ طَرَفَيْ ثَوِبِهِ إِذَا اشْتَمَل بِهِ (٢)
فَيُلْقِيْهِمَا على عَاتِهِ الأَيْسَرِ، فَيَصِيْرَ جَانِبُهُ الأَيْسَرُ مَكْشُوْفاً لَيْسَ عَلَيْهِ من العِطَافِ
شَيءٌ فَيَنْكَشِفَ فَرْجُهُ، فتِلْكَ الصَّمَّاءُ التي نُهيَ عنها، وَذُلك إِذَا لَمْ يَكُنْ تَحْتَهَا
ثَوْبٌ غَيْرُهُ، لاَ قَمِيْصٌ، وَلاَ سَرَاوِيْلَ، وَلاَ إِزَارَ يَزِرُ بِهِ؛ لأَنَّ العَوْرَةَ عِنْدَ ذلِكَ
بَادِيَّةٌ حتَّى يُخالفَ بينَ طَرَفَيْ ثَوْبِهِ الَّذِي اشْتَمَلَ به فيُلقِي الطَّرَفَيْنِ جَمِيْعاً مُخَالِفاً
بَيْنَهُمَا عَلَى عَاتِقَيْهِ جَمِيْعاً، فَإِذَا فَعَلَ ذُلِكَ لَمْ تَكُنْ صَمَّاءَ؛ لأنَّ العَوْرَةَ حِيْنَئِذٍ
مَسْتُوْرَةٌ بِالْغِطَاءِ مِن كِلاَ(٣) جَانِبَيْهِ.
قال عبدُالملك: ولا بأسَ باشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ عَلَىْ قَمِيْصٍ أَوْ عَلَى سَرَاويلَ
أو عَلَى إِزَارٍ قد اتََّرَ بِهِ؛ لأنَّ العَوْرَةَ مَسْتُوْرَةٌ بِغَيْرِ الصَّمَّاءِ، كَذَلِكَ أَخْبَرَبِي
مُطَرِّفٌ عن مَّالِكِ: أنَّه أَجَازَهُ عَلَى ثَوْبٍ، كَمَا كَرِهَ أن يَخْتَبِيَ الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ
واحدٍ لیس تَحتَه غیرُهُ.
- وسألنا عبد الملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحِ (الجَرْجَرَةِ) في حدیثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن نَافِعٍ، عن أمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبَِّّهِ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ لِ قَالَ:
(الَّذِي يَشْرَبُ في آنيةِ الفِضَّةِ إِنَّمَا يُجَرْجِرُفِي بَطِنِهِ نَارَجَهَنَّمَ)) [٩٢٤/٢ رقم (١١)]
(١) ساقط من الأصل.
(٢) شرحها بتفصيل أدق الحافظ أبو عمر بن عبدالبرِّ في ((التَّمهيد)» ١٦٧/١٢، ٣٥/١٨.
(٣) في الأصل: ((كلتا)».
١٢٢

قال عبدُالملك: يَعْنِي بالجَرْجَرةِ: صَوْتَ وُقُوْعِ [١٤٦] المَاءِ في
الجَوْفِ(١)، ومنه قِيْلَ للبَعِيْرِ إِذَا صَاحَ: هُوَ يُجَرْجِرُ؛ قَّالَ الأَغْلَبُ العِجْلِيُّ
- وَهُوَ يَصِفُ فَحْلاً بِهَذَا _(٢):
(١) اللُّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٥٣/١، وغريب ابن قتيبة: ٤٣١/١، وغريب
الخطَّابي ٢٦٤/٣، والغريبين للهروي: ٣٤٤/١ (ط) مصر، والفائق: ٢٠٢/١، والنِّهاية:
٢٥٥/١، وغريب الحديث للأندلسيِّ المجهول: ورقة: ٢٨. ويراجع: جمهرة اللُّغة:
١٨٢/١، ومجمل اللُّغة: ١٧١/١، وتهذيب اللُّغة: ٤٧٩/١٠، والشّمهيد: ١٠٤/١٦،
والصِّحاح، واللِّسان، والنَّاج: ((جرجر)).
قال الحافظُ أَبُوعُمَرَ بنُ عبدالبرِّ - رحمه الله - في التَّمهيد: ((أمَّا الجَرْجَرَةُ فِي كَلاَمِ العَرَبِ
فمعنَاها هَدِيرٌ يُردِّدُهُ الفَحْلُ وُيُصَوِّتُ به ويُسْمَعُ من حَلْقِهِ، والمَقْصُودُ هَهُنا إلى صوتُ جَرْعِهِ
إذا شَرِبَ، قال الشَّاعرُ - يَصِفُ فَخْلاً من الإِبِلِ -:
*
* وهو إِذَا جَرْجَرٌ
وقال امرؤُ القَيْسِ بن حُجْرٍ: [ديوانه: ٩٥]
* إِذَا سَافه العَوْدُ النّبَاطِيُّ جَرْجَرَا *
وأمَّا قَولُهُ في الحَدِيث: ((يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنَّمَ، فإنَّما معناه الزَّجْرُ والتَّحذيرُ
والتَّحريمُ، فجاء بهذا اللَّفظ كَمَا قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَلَ اُلْتَلَى كُلّمَا
إِنَّمَا يَأْكُنَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ ... )).
(٢) الأَغْلَبُ العِجْلِيُّ سَبَقَ التَّعريفُ به، والأبيات في شعره الذي جمعه الدکتور نوري حمُّودي
القيسي ونشره في (شعراء أمويُّون): ١٥٠/٤. وقال أبو عُبَيْدٍ - رَحِمَهُ الله - في غريب
الحَديثِ: ٢٥٣/١: ((وَيُقال: إنَّه لدُكَيْنِ). وعن أبي عُبَيْدٍ في مصادر أخرى منها ((تاج
العروس)) وغيره. ودُكَيْنٌ هو بن رَجَاءِ الفُقَيْمِيُّ رَاجِزٌ أمويٌّ، وهو فارسٌ من فرسان عصره،
وفد على الوليد بن عبدالملك، ويُعرف بـ ((دكين الرَّاجز)) ليفرَّق بينه وبين دُكَيْنِ بن سَعْدٍ
الدَّارِمِيِّ شاعرٌ أمويُّ أيضاً (ت١٠٩ هـ) وهو معاصرٌ له كما تَرَىُ؛ إذ تُوفي الرَّاجِزُ سنة
١٢٣
=

وهْوَ إِذَا جَرْجَرَ عندَ الهَبِّ
جَرْجَرَ فِي حَنْجَرَةٍ كَالحُبِّ
وَهَامَةٍ كَالِمِرْجَلِ المُنْكَبِّ
وقال رُوَيْعِي الإِبلِ النُّمَيْرِيُّ(١):
فَسَقَواْ صَوَادِيّ يَسْمَعُونَ عَشِيَّةً لِلْمَاءِ فِيْ أَجْوَافِهِنَّ صَلِيْلاَ
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرحٍ حَدِيْثِ مالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن أبي الزُّبير، عن جابر بن عبدِ الله: أنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهِ قال:
المُؤْمِنُ يأكُلُ في مِعِىّ واحدٍ، والكافرُ يأكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ)) [٩٢٤/١ رقم (٩)]
فقال [عبدُالمَلكِ]: هَذا تمثيلٌ في قلَّةُ الأَكْلِ وكثرتِهِ، وليس تأويلُهُ أَنْ
يَكُوْنَ للكَافِرِ سَبعةٌ أَمْعَاءٍ، وللمُؤمِنٍ(٢) معىّ واحدٌ، إنَّما هو معىّ واحدٌ للكَافِرِ
والمُؤمنِ (٢)، ولكنَّه إنَّما أَرَادَ أنَّ المُؤْمِنَ يُسمِّيَ اللّهَ عَلَى طَعَامِهِ فَتَكُوْنُ فِيه
١٠٥ هـ. لهما أخبارٌ، وحكاياتٌ، وأشعارٌ، وأرجازٌ أيضاً.
والأبيات المذكورة أنشدها أبو الوليد الوَقَّشِيُّ، واليقرُنِيُّ في غَريبَهما، وهي في
العين: ٨٦/١، وجمهرة اللُّغة: ١٠٧/١، والمقاييس: ٤١٣/١، والصِّحاح، واللَّسان،
والتَّاجِ (جرجر) وغيرها و(الهَبُّ) هَيَاجُ الفَحلِ عندَ السِّفادِ. قال ابنُ سِيْدَهَ: ((وهَبَّ الفحلُ من
الإبل وغيرُها يَهُبُّ هِبَاباً وهَبِيْباً، واهتبَّ: أراد السِّفاد)». يراجع: المحكم لابن سيده:
٧٨/٤، وعنه في اللِّسان: (هبب) (والحُبُّ) الجرَّةُ الضَّخمةُ كما جاء في اللِّسان (حبب)
وهو الذي يُسمَّى اليوم في بلادنا (نجد) وما حولها خاصَّةُ الزّيرُ وهو كالجرَّةِ العَظِيْمَةِ من
الفُخَّار، ولا يزال يطلقُ عليه في المنطقة الشَّرقيَّة من المملكة العربيَّة السُّعودية وما جاورها
من دول الخليج العربي (حِبٌّ) هكذا لكنَّه بكسرِ الحاءِ و(المِرْجَلُ) القِدْرُ الذي یطبخُ به.
(١) ديوان الرَّاعي النُّميري: ٢٢٣.
(٢) في الأصل: ((المسلم)) والمؤمن لفظ الحديث.
١٢٤

البَرَكَةُ، فَيَكْفِيْهِ مِنْ أَجْلِ ذُلِكَ ما لا يَكْفِي الكافرَ الَّذِي لا يُسَمِّي اللهَ، ولا يُبَارِكُ
لَهُ فِي طَعَامِهِ، هَذَا مَعْنَاهُ وَتَأْوِيِلُهُ وَمَذْهَبُهُ.
فَإِنْ قِيْلَ: إِنَّه قد يَكُوْنُ مِنَ المُؤْمِنِ مَنْ هُوَ كَثِيْرُ الأكلِ، ومِنَ الكافِرِ مَنْ
هو قليلُ الأكلِ، فَتِلْكَ غَرَاتُ فِي النَّاسِ (١). فَلَوْ كَانَ ذُلِكَ المُؤْمِنُ الأَكُوْلُ عَلَى
مَا جَعَلَ اللهُلَهُ من البَرَكَةِ فِي طَعَامِهِ لِتَسْمِيَةِ اللهِ كافراً؛ فرُفِعَتْ البَرَكَةُ عنه لُفْرِهِ
وَلِتَرْكِهِ تَسْمِيَةَ اللهِ عَلَى طَعَامِهِ كَانَ أَكْثَرَ لأكله، ولَو كَانَ الكَافِرُ الذي غَرِيْزَتُهُ قلةُ
الأكل مُؤْمِناً فَسَمَّى اللّهَ عَلَى طَعَامِهِ وَنَالَتْهُ بَرَكَةُ التَّسْمِيَّةِ لَنَقَصَ أَكْلُهُ بَعْدَ إِنْمَانِهِ
مِنْ أَجْلٍ إِنَّ الْبَرَكَةَ فِي طَعَامِهِ .
- وسألنا عبد الملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحٍ (تَحْمِيْرِ الإِنَاءِ) في حَدِیْثِ مَالِكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن أبي الزُّبير، عن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللهِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﴾ قال:
((أَغْلِقُوا البَابَ، وأَوْكُوا السِّقَاءَ، واكْفِؤًا الإِنَاءَ، أو خَمِّرُوا الإِنَاءَ، أَطْفُوا
المِصْبَاحَ؛ فإنَّ الشَّيطانَ لا يَفْتَحُ غَلَقاً، ولا يَخُلُّ وِكاءً، ولا يَكْشِفُ إِناءً، وإنّ
القُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بُيُوتَهُمْ)) [٩٢٨/٢ رقم (٢١)].
قال عبدالملك بن حَبيبٍ: التَّخْمِيْرُ: التَّغْطِيَةُ(٢)، ولذلك سُمِّيَ خِمَارُ
المَرْأَةِ خِمَاراً؛ لأنَّه يُغَطِّ وَيُواري، وَإِنَّما اشتُقَّ خِمَارُ المَرْأَةِ وَتَخْمِيْرُ الإِناءِ من
الخَمُرِ، والخَمُرُ: كلُّ ما وَارَى من حَجَرٍ أو شَجَرٍ أو غَيْرِهِ. ومثلُهُ الحَدِيْثُ
(١) كذافي الأصل، وَكَأنَّ في الكلام انقطاعًا، فَكَانَ حقُّ أن يقولَ: ((فالجوابُ)) أو ((قيلَ .. )) أو ما أشبه ذلك.
(٢) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٣٩/١، والفائق: ٣٩٥/١، وغريب ابن الجوزي: ٣٠٥/١،
والنهاية: ٧٧/٢، وغريب الحديث الأندلسي المجهول: ورقة: ٥٠. ويُراجع: العين: ٢٦٢/٤،
ومختصره: ٤٥٤/١، وجمهرة اللُّغة: ٥٩١، ومجمل اللُّغة: ٣٠٢، وتهذيب اللُّغة: ٣٧٤/٧،
والتَّمهيد: ١٧٧/١٢، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (خمر)، وفتح الباري: ٨٨/١٠.
١٢٥

الَّذِي حَدَّثَنِي إِسْخَلق بنُ صَالِحِ (١)، عن ابنِ [١٤٧] لَهِيْعَة، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ المَكِّيِّ،
عن جَابِ بنِ عبدِ اللهِ: أنَّ أباحُمَيْدِ السَّاعِدِيَّ أَتَّى رَسُوْلَ اللهِوَلّهِ بِقِدْحٍ لَبَنٍ من
البَقِيْعِ لَمْ يُخَمِّرْهُ، فَقَالَ لَهُ رَسُوْلُ اللهِ: فَهَّ خَمَّرَتَهُ وَلَوْ بِعُودٍ تَعْرِضُهُ عَلَيه))(٢).
قال عبدُالملكِ: أمَّا قَوْلُهُ: ((أوْكُوا السِّقَاءَ)) فإنَّ الإِيكَاءَ: الشّدُّ والسَّتْرُ.
وَالخَيْطُ الذي يشدُّ به السِّقاءُ هو: الوِكَاءُ، ومنه حَدِيْثُ مَالكِ في (اللُّقَطَةِ):
(اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا)) فوُكَاؤُها: الخَيْطُ الَّذِي رُبِطَتْ بِهِ، وعِفَاصُهَا:
الخِرْقَةُ الَّتِي لُقَّتْ فِيْهَا. وأمَّا قَولُهُ: ((فإنَّ القُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ بُيُوتَهُمْ))
فيعني بالفُوَيْسِقَةِ الفأرةَ، وتُضْرِمُ: تُشْعِلُ وتُخْرِقُ، وَذلك أنَّها تَأْتِي فَتِيْلَةً
المِصْبَاحِ مُصْبَاحِ الزَّيْتِ فَتُشْعِلُهَا من القِنْدِيْلِ فَتَذْهَبُ بها إلى مَوْضِعِهَا من سَقْفٍ
البيتِ فِيَضْطِمُ السَّقْفُ منها إِذَا لَمْ تَطْفَأْ، فَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: ((تُضْرِمُ عَلَى النَّاسِ
بُيُوتَهُمْ)) يَعْنِي تُخْرِقُ وتُشْعِلُ (٣) .
(١) لم أَجِدْ تَرْجَمَتَهُ في مَصَادِرِي، وَنَقَلَ عنه المُؤَلِّفُ في كتابه التُّحف .. (صفة الفردوس) عن
ابن لَهِيْعَةَ أيضاً.
(٢) الحديثُ دونَ سندٍ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٣٩/١، والنّهاية: ٧٧/٢ وغيرهما، وهو بسنده
لَكِنْ عن ابن وَهْبٍ عن ابن لَهِيْعَةَ، واللَّيثِ عن أبي الزُّبَيْرِ المَكِّيِّ في النَّمهيد: ١٧٨/١٢ .
(٣) نقله الحافظ ابن عبد البرِّ عن ابن وَهْبٍ وابن عمران الأخفش قال: ((قال ابنُ وَهْبٍ: وأمَّا
قوله: (الفُوَيْسِقَةُ تُضْرِمُ علىُ النَّاس بيتَهُمْ)) فإنَّما تَحْمِلُ الفَتِيْلَةَ وهي تَتَّقِدُ حتَّى تجعلَها في
السَّقْفِ، وقال أحمد بن عِمْرَان الأَخفش: الفُوَيْسِقَةُ: الفَأْرَةُ. وَقَوْلُهُ: ((تُضْرِمُ على النَّاس
بيتهم)، تشعلُ البيت عليهم بالنَّارِ، وذلك أنّها إِذَا تناولتْ طَرَفَ الفَتِيْلَةِ وفيها النَّارُ فلعلّها تمرُّ
بثيابٍ أو بحَطَبٍ فتشعل النَّارَ فيها فَيَلْتَهِبُ البيتُ علىْ أَهْلِهِ، وقد أَصَابَ ذُلك أهل بيتٍ
بالمدينةِ، فَذُكِرَ ذُلِكَ لِرَسُوْلِ اللهِ ﴿ من الغَدِ فَقَالَ: إِنَّ هَذِهِ النَّارَ عَدُوٌّ لَكُمْ فَإِذَا نِمْتُمْ
فَأَطْفِتُوها عنكم. قال حدَّثنا بذلك أبوأسامةَ، عن يَزِيْدَ بنِ أبي بُرْدَةً، عن أَبي مُؤْسَى، عن =
١٢٦

وَقَدْ حَدَّثَنِي عَلِيُّ بنُ مَعْبَدٍ (١)، عن الفُضَيلِ بن عِيَاضٍ، عن أَبي الُّبيِ،
عن جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَه قال: (خَمِّرُوا آَنِيَتَكُمْ، وأَوْكُوا
أسْقِيَتَكُمْ، واجْفُوا أَبْوَابَكُمْ، وَأَطْفِؤُواْ سُرُجَكُمْ، فإنَّ الشَّيطانَ لا يَحُلُّ وِكَاءٌ،
ولا يَكْشِفُ إِنَاءٌ، ولا يَفْتَحُ غَلَقاً، وإنَّ الفُوَيِسِقَةَ تُضْرِمُ على أَهْلِهَا، وَأَكْفِتُوا
فَوَاشِيَّكُمْ وَصِبْيَانَكُمْ وَأَهْلِيْكُمْ حِيْنَ تَغْرُبَ الشَّمْسُ حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ العِشَاءِ(٢)
= النَّبِّ ◌َِ﴾﴾.
(١) تقدَّم ذكره.
(٢) أي شدَّهُ سَوَادِهِ، جاء في اللِّسان (فَحَمّ): ((وَفَحْمَةُ اللَّيلَ أَوَّلُهُ، وقيلَ : أشدُّ سَوَادِهِ، وقيل:
فَحْمَتُهُ ما بينَ غُرُوبِ الشَّمسِ إلى نَوْمِ النَّاسِ سُمَِّتْ بِذُلك لِحَرِّها؛ لأنَّ أَوَّلِ الَّيلِ أَحَرُّ من
آخِرِهِ، ولا تَكُوْنُ الفَحْمَةُ في الشِّتَاءِ، وجَمْعُهَا فِحَامٌ وفُحُومٌ مثل مأنةٍ ومؤون قال كُثَيِّ
[ديوانه: ١٤٦ ]:
تُتَازِعُ أَشْرَافَ الإِكَامِ مَطِيَّتِيْ مِنَ اللَّيْلِ سِيْجَاناً شَدِيْداً فُحُوْمُهَا
ويجوز أن يكونَ (فُحُوْمُهَا) سَوَادَها كأنَّه مَصْدَرُ فَحُمّ)). وذكرَ حديثَ (الموطّ)، ثم قال:
((وفحمةُ العِشاءِ: شدَّةُ سَوَادِ اللَّيل وظُلمتُهُ، وإنَّما يكونُ ذُلِك في أوله، حتى إذا سَكَنَ فورُهُ
قَلَّتْ ظُلمتُهُ. قال ابنُ برَّي: حَكَىْ حَمْزَةُ بنُ الحَسَنِ الأَصْبَهَانِيُّ أنَّ أَبالمُفَضل قال: أخبرنا
أبومعمّرٍ عبدالوارث قال: كُنَّا ببابٍ بکرِ بنِ حَبْبٍ فقال عِيْسی بن عُمر في عرض کلام له:
قَحْمَة العِشَاءِ، فقلنا: لعلَّها فَحْمَةُ العِشَاءِ، فقال: هي قَحْمَةُ بالقَافِ لا يُخْتَلَفُ فيها، فدخلنا
علىْ بكرٍ بن حَيِيْبٍ فَحَكَيْنَاهَا لَهُ فقال: هي فَحْمَةُ الْعِشَاءِ بالغاءِ لا غَيْرُ، أي: فَوْرَتُهُ وفِي
الحَدِيْث: ((أكفِتُوا صِبْيَانكم حتى تذهبَ فَحْمَةُ العِشَاءِ» هي: إقبالُهُ وأَوَّلُ سَوَادِهِ، قال: ويُقالُ
للُلمَةِ التي بينَ صَلاَتَي العِشَاءِ الفَحْمَةُ، والتي بين العَتَمَةِ والغَدَاةِ الْعَسْعَسَةُ ... )».
يراجع: المحكم: ٢٢٩/٣. وقال أبو عُبَيْدٍ: والمُحَدِّثون يَقُولُوْنَ: قَحْمَةٌ وفي تعليق
الوَقُّشِيِّ: ((وَرَوَى جابرٌ عن النَّبِيِّ وَله: قال: ((غَطُوا الإناءَ. وأوكُوا السَّقاءَ فإنَّ في السَّنة ليلةٌ
ينزلُ فيها وَبَاءٌ لا يَمُّ بِإناءٍ لَيْسَ عليه غِطَاءٌ، أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عليه وِكَاءٌ إِلاَّ نَزَلَ فيه من ذلك =
١٢٧

فإِنَّ الشَّيْطَانَ يُبَيِّتُ جُنُوْدَهُ حينَ تَغْرُبُ الشَّمْسُ إلى أَنْ تَذْهَبَ فَحْمَةُ العشاءِ».
قَالَ عَبدُ المَلكِ: أَمَّا قَوْلُهُ: ((واجفُوا أَبْوَابَكُمْ)) يعني: أَغْلِقُوا أَبْوَابَكُمْ(١)
وَقَوْلُهُ: (وَأَكْفِتُوا فَوَاشِيَّكُمْ وصِبْيَانَكُمْ)) يعني ضُمُوهم إليكم (٢)، واحبسُوهم في
الْبُيُوتِ، وكُلُّ شَيْءٍ ضَمَمْتَهُ إليكَ فقد كَفَتَّهُ، ومنه الحَدِيْثُ الذي حدَّثنيه ابنُ
المُغيرة (٣)، عن مِسْعَرِ بن كِدَامِ، عن طاووس، عن ابن عبّاسٍ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ
﴿ قال: ((أمرتُ أن أسجَدَ عَلَى سَبْعٍ، ولا أكفّتَ ثوباً ولا شَعْراً) يعني: لا
أضمّهُ عن الأرض في حينِ السُّجودِ والَجُلُوسِ رَغبةً به عن الله.
وقوله: ((أن أسجُدَ على سَبْعِ)) يعني على سبعةٍ أَعْضَاءٍ؛ وهي: الوجه،
واليَدان، والرُّكبتان، والقَدَمَان، ومنه قولُ زهيرِ بن أبي سُلْمَى - وهو يصفُ
الزَّرِعَ وأنَّ صَاحَبَهَا ضَمَّهَا إِلَيْهِ لتَمَامِهَا فَقَالَ (٤).
وَمَفَاضَةٍ كَالنِّهِيٍ تَنْسِجُهُ الصَّبَا بَيْضَاءَ كَفَّتَ فَضْلُهَا بِمُهَنَّدٍ
يعني أنَّه عَطَفَهَا بِالسَّيْفِ فَضَمَّها إِلَيْهِ، وَشَبَّهَ تَشَارِيْعَهَا بالغَدِيْرِ إِذَا ضَرَبَتْهُ الرِّيحُ
فَصَارَتْ لَهُ تَشاريعُ. ومن الكَفْتِ أيضاً قولُهُ عَزَّ وَجَلَّ (٥): ﴿أَلَزْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ
= الوَباءِ» والأعاجمُ يذكُرُون أنَّ هَذا يكونُ في كانون الأول)».
(١) في الفائق: ٣٩٥/١ وغيره: إجْفَاءُ البابِ رَدُّهُ. أقول: هَكذا هي في عاميَّة أهل نجدٍ.
(٢) قال أبو الوليد الوَقَّشِيُّ: ((كَفْتُوا، أيْ: ضُمُوا، يُقَالُ: كَفَّتُ الثَّوبَ: إذا شمَّرتُهُ، وسُمِّيَتِ
الأرضُ كفاتاً؛ لأنَّها تَضُمُّ الناسَ إليها إحياءً وأمواناً، وَيُقالُ لموضِعِ التَّدَافُقِ: مَكْفَتَةٌ، أراد:
إِنَّ الشَّيَاطِين ليسَ لها أَجْسَامٌ فتفعلُ منه الأفعال، إِنَّمَا هِيَ أَرْوَاحٌ لطيفَةٌ» .
(٣) تقدم ذكره، وتراجع المقدمة.
(٤) شرح ديوان زهير: ٢٧٨، ويراجع: غريب أبي عبيد: ٩٢/١، ٢٤٠.
(٥) سورة المرسلات: الآيتان: ٢٥، ٢٦.
١٢٨

كِفَاتًا (أَ (١) أَحْيَّةُ وَأَمْوَتًا (٦ْ﴾﴾ تفسيره: أَنَّهَا تَضُمُّهُمْ إليها مَادَامُوا أحياءً فعلى
ظَهْرِهَا، فَإِذَا مَاتُوا ضمَّتُهُمُ إليها في بَطْنِهَا. وقد بَلَغَنِي (٢) عَنِ الشَّعْبِيِّ أَنَّه مَرَّ
يَوْماً بِظَهْرِ الكُوفِةِ فَالتَّفَتَ إِلىْ بُيُوتِ الْكُوْفَةِ فَقَالَ: هَذِهِ كِفَاتُ الأَحْيَاءِ يَعْنِي:
مُوَرَى الأَحْيَاءِ، ثُمَّ التَفَتَ إلى المَقْبَرَةِ فَقَالَ: هَذِهِ ◌ِفَاتُ الْأُمَواتِ، يُعِني
مُوَارَىُ الأَمْوَاتِ.
قَالَ عَبْدُ الملك: وأمَّا [١٤٨] الفَوَاشِيُّ: فَكُلُّ مُنْتَشِرٍ من المَالِ(٣) مثل
الغَنَمِ السَّائِمَةِ وَالإِبلِ وَالدَّوَابِّ وَغَيْرِهَا. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((حَتَّى تَذْهَبَ فَحْمَةُ
العِشَاءِ» فَيَعْنِي شِدَّة سَوَادِ اللَّيْلِ وظُلْمَتِهِ، وإنَّما يَكُوْنُ ذُلِكَ في أَوَّلِهِ، حَتَّى إِذَا
أَسْكَرَ فَوْرُهُ: خَفَّتْ الظُلمَةُ، وَمِنْ كَلَامِ العَرَبِ أن تَقُولَ: ((فَحِّمُوا عن العِشَاءِ»
تَقُولُ: لا تَسِيْرُوا فِي أَوَّلِهِ حَتَّى تَفُوْرَ(٤) الظُّلْمَةُ، وَلَكِنْ أَمْهِلُوا حَتَّى يَسْكُنَ
ذَلِكَ وَتَعْتَدِلَ الظُّلْمَةُ، ثُمَّ سِيْرُوا، قَالَ لَبِيْدٌ(٥):
وَاضْبِطِ الَّليلَ إِذَا طَالَ السُّرَى
وَتَدَجَّى بَعْدَ فَوْرِ واعْتَدَّلْ
- وَسَأَلْنَ عبدَ الملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحِ (لَهَثِ الكَلْبِ) في حَدِيْثِ مَالكِ
(١) في الأصل: «كفاتا مورا».
(٢) في غريب أبي عُبَيّدٍ: ((أخبرني إسماعيل بن مُجالدِ بنِ سَعِيْدٍ، عن بَانٍ قَالَ: كُنْتُ أمشي مع
الشّعْبِيِّ بِظَهرِ الكُوفِةِ فالتَفَتَ إلى بُيُوتِ الكوفَة فَقَالَ ... )) فلم يَبْلُغِ المُؤَلَّمَ - رحمه الله وعما
عنه - إِنَّمَا نَقَّلَهُ من كتابٍ أبي عُبَيّدٍ كَمَا هِيَ عَادَتُهُ، ينقُلُ عنه ويقول: (بلغني) و(أخبرني)
وَ((حدثني)).؟!
(٣) هو شرحُ أبي عُبَيّدٍ في غَريب الحديثِ: ٢٤١/١ وهو بنصِّه في اللِّسان (فشا).
(٤) في الأصل: ((تعود)).
(٥) ديوان لبيد: ١٨٠، وهو في غريب أبي عُبيّدٍ: ١/ ٢٤٢.
١٢٩

الَّذِي رَوَاهُ عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالحِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِل
قال: ((بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي بِطَرِيْقِ اشْتَدَّ عَلَيْهِ العَطَشُ فَوَجَدَ بِثْراً فَنَزَلَ فِيْهَا فَشَرِبَ
ثُمَّ خَرَجَ، فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأكلُ الثَّرَى من العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا
الكَلْبُ مِنَ العَطَشِ مِثْلُ الَّذِي بَلَغَ [مِنِّيَا فَتَزَلَ الِثْرَ فَمَلأَ خُقَّه ماءً ثُمَّ أَمْسَكَهُ بِفِيْهِ
حَتَّى رَقَى فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللهُ لَهُ فَغَفَّرَ لَهُ. فَقَالُوا: يَارَسُوْلَ اللهِ وإِنَّ لَنَا في
البَهَائِمِ لأَجْراً؟ فقال: في كُلِّ ذَاتِ كَبِدٍ رَطْيَةٍ أجرٌ)) [٩٢٩/٢ رقم (٢٣)].
قَالَ عبدُ الملك: قَوْلُهُ: ((فَإِذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ)) يَعْنِي يَلْهَثُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ
يَبْحَثُ بِهَا في الأرض لِيَصِلَ إِلَى الثَّرَى(١)، والتََّى: التُّرَابُ البَارِدُ النَِّيُّ،
وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ (٢): ﴿ فَثَلُ كَمَثَلِ اٌلْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلَهَثْ أَوْ
تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ يعني يَلْهَثُ بِيَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ، كَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِدٌ فِي تَفْسِيْرِهِ(٣).
(١) أغلبُ مَصَادِرِ اللُّغَة وَتَفْسِيْرِ مُمفردات القرآن ولُغاته أنَّ لَهَثُ الكَلْبِ أن يَدْلَعَ لسانَهُ من شدَّةٍ
الحَرِّ أو العَطَشِ أَوِ الإِعْيَاءِ، هَذَا هُوَ لَهْتُ الكَلْبِ. وَهُوَ يَخْتَلِفُ عن مَا ذَكَرَ المُؤَلِّفُ. جاء
في اللِّسان (لهث): ((ابن سِيْدَةَ: لَهَثَ الكلبُ - بالفتح - ولَهِثَ يَلْهَثُ فيهما لَهْئاً: دَلَعَ لسانَهُ
من شدَّةَ الثَّعَبِ أو العَطَشِ. وَتَقَلَ عن اللَّيث: لهثُ الكلب عند الإعياء، وعند شدّة الحرِّ،
وهو إدلاع اللسان من العَطَشِ)، وفي المُحرر الوجير لابن عطيَّة: ١٤٧/٦ قال: ((وَاللَّهَثُ:
تَنفُسُ بُسرعةٍ وتحرّكِ أعضاءِ الفِّ مَعَهُ، وامتِدَادِ اللِّسَانِ، وأكثرُ ما يَعتَري ذلك مع الحرِّ والتَّعب».
قال ابنُ قُتَبَة في مشكل القرآن: ٣٦٩ ((كلُّ شَيءٍ يَلْهَثُ فإنَّمَا يَلْهَثُ من إعياءِ أو عَطَشٍ
أَوْ عِلَةٍ خَلاَ الكَلْبِ فإنّه يَلْهَثُ فِي حَالِ الكَلاَلِ وَحَالِ الرَّاحَةِ، وحالِ الصِّحَّةِ والمَرَضِ،
وَحَال الرِّيِّ والعَطّشِ)).
(٢) سورةُ الأعراف: الآية: ١٧٦.
(٣) مُجاهدُ بن جُبَيْرِ المكيُّ المَخْزُوْمِيُّ، مَشهورٌ، من كبار التَّابعين (ت ١٠٤ هـ) وتفسيره مطبوعٌ
في مجلّدين، وفيه: ٢٥١/١ (((أنبأ) عبدالرَّحمن قال: (ثنا) إبراهيم، قال: (ثنا) آدمُ، قال : =
١٣٠

ــ وسألنا عبدالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرح حَدِیْثِ مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن يَحْيَى بنِ سَعِيْدٍ أَنَّه قَالَ: «كَانَ عُمَرُ بنُ الخَطَّاب يَأْكُلُ خُبْزاً
بِسَمْنٍ، فَدَعَا رَجُلاً مِنْ أَهْلِ البَادِيَةِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ ويَتَّبَعُ وَضَرَ الصَّحْفَةِ، فَقَالَ لَهُ
عُمَرُ: كَأَنَّكَ مُقْفِرٌ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا ذُقْتُ سَمْناً، وَلاَ رَأَيْتُ أَكْلاً بِهِ مُنْذُ كَذَا
وَكَذَا، فَقَالَ عُمَرُ: لَ آَكُلُ السَّمْنَ حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوِّلِ مَا يُحْيَوْنَ))
[٢/ ٩٣٢ رقم (٢٩)].
قَالَ عَبْدُ المَلِكِ: أَمَّا قَوْلُهُ: ((فَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَتَبْعُ وَضَرَ الصَّحْفَةِ)) فإنَّ
الوَضَرَ: ما يَعْلَقُ بالصَّحْفَةِ وَالأَصَابِعِ مِنْ وَدَكِ الطَّعَامِ وَأَهَالَتِهِ (١). وَأَمَّا قَوْلُهُ:
(كَأَنَّكَ مُقْفِرٌ)) فإنَّ المُقْفِرَ: المُؤْمِلُ، وَهُوَ الَّذِي لاَ زَادَ لَهُ، وَلاَ طَعَامَ عِنْدَهُ،
وَذُلِكَ أنَّ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ كَانُوا قد أَجْدَبُوا حَتَّى اغْبَّتِ الأَرْضُ فَكَانَ الغُبَارُ يَطِيْرُ
بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ مِنَ الجَدْبِ، فَسُمِّيَ عَامِ الرَّمَادَةِ(٢)، فَلِذْلِكَ قَالَ عُمَرُ: لاَ
آكُلُ بِسَمْنٍ، كَرَاهِيَّةٌ أَنْ يَأْكُلَ شَيْئاً لا يَطْعَمُ النَّاسُ مِثْلَهُ، فَاحْتَرَمَ أَكْلَ السَّمْنِ
حَتَّى يُغَاثَ [١٤٩] النَّاسُ مِنْ عِنْدَ اللهِ، فَهُوَ قَوْلُهُ: ((حَتَّى يَحْيَا النَّاسُ مِنْ أَوَّلِ مَا
(ثنا) وَرْقَاءُ، عَن ابن أبي نُجَيْح، عن مُجَاهِدٍ ﴿ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ يَقُولُ: إن تطرده
=
بِدَابَتِكَ أَو بِرِجْلَيْكَ فهو سَوَاءٌ يعني يلهثُ، فهو مثل الذي يَقْرَأُ الكتابَ وَلاَ يَعْمَلُ به)) هَذَا مَّا
وَرَدَ فِي تَفْسِيْرِ مُجَاهِدٍ؟!
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب الحديث الحربي: ٤٦٤/٢، ١٠٧٠/٣، والغريبين: ٢٠١٠،
والنِّهاية: ١٩٦/٥ ويُراجع: العين: ٥٤/٧، ومختصره: ١٦٥/٢، وإصلاح المنطق:
٤١٧، وجمهرة اللُّغة: ٧٥٣، وتهذيب اللُّغة: ٢٨/١٢، ومجمل اللُّغة: ٩٢٩، والصِّحاح،
واللِّسان، والتاج: (وضر).
(٢) قيل: إنَّه سَنَّةً ثَمَانِ عَشْرَةَ منَ الهِجْرَةِ. وقد تَقَدَّمَ.
١٣١

يُخْيَوْنَ))(١) وَهِيَ برفعِ الْيَاءِ، يَعني: حَتَّى يُخْصِبَ النَّاسُ ويُغَاثُوا، وَالحَيَا: هُوَ
الخِصْبُ وَالغَيْثُ، تَقُولُ: قَدْ أَحْيَا القَوْمُ، وَهُمْ مُحْيُّوْنَ: إِذَا أَخْصَبُوا وَأُمْطِرُوا،
كَذَلِكَ قَالَ لِي مُطَرِّفٌ وابنُ المَاحِشُوْنَ في اللَّفْظِ والتَّأْوِيْلِ.
- وسألنا عبدَالمَلكِ بنَ حَبِيبٍ عَنْ شَرْحِ (الحَشَفِ) في حَدِیْثِ مَالِكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن إِسْحَق بنِ عبدِ اللهِ بنِ أَبِي طَلْحَةَ، عَنْ أَنَسِ بنِ مَالِكِ أنَّه
قَالَ: ((رَأَيْتُ عُمَرَ بِنَ الخَطَّابِ يُطرَحُ لَهُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ فَيَأْكُلُهُ حَتَّى يَأْكُلَ حَشَفَهَا))
[٢/ ٩٣٣ رقم (٣١)]
قَالَ عبدُالملك: الحَشَفُ: الْيَابِسُ من الثَّمْرِ والرَّديءُ مِنْهُ(٢)، وَلِذْلِكَ
قَالَتِ العَرَبُ فِي مَثَلِهَا (٣): ((أَحَشَفاً وسُوْءٍ كِيْلَةٍ؟!)) مَعْنَاهُ: تَبِيْعُنِي الحَشَفَ
وَتَكِيْلَهُ كَيْلَ سُوْءٍ.
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عَنْ شَرْحٍ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ الرَّجُلِ في
حَدِیْثِ مَالكٍ
يا ابنَ أَخِي أَحْسِنْ إِلَى غَنَمِكَ، وَامْسَحِ الرُّغَامَ عَنْهَا، وَأَطِبْ مُرَاحُهَا،
وصَلِّ فِي نَاحِيَتِهَا فَإِنَّمَا هِيَ من دَوَابِّ الجَنَّةِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ليُوْشِكُ أَنْ يأْتِيَ
عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُوْنُ الثَلَّةُ مِنَ الغَنَمِ أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا مِنْ دَارِ مَرْوَانَ»
[٩٣٣/٢ رقم (٣١)].
(١) النّهاية: ٤٧٢/٥ .
(٢) هَكذا يُطلق عليه في اللُّغة العاميَّة الآن في نجد.
(٣) أمثال أبي عُبَيْدٍ: ٢٦١، وشرحه (فصل المقال): ٣٧٤، وجمهرة الأمثال: ١٠١/١،
والمستقصى: ٦٨/١، ومجمع الأمثال: ٢٠٧/١. ويراجع: جمهرة اللُّغة: ٥٣٧، ٩٨٣،
والعقد الفريد: ١٢٨/٣، واللِّسان، والتَّاج: (حَشَفَ) و(كَيَلَ).
١٣٢

قَالَ عبدُالملكِ: أَمَّا قَوْلُهُ: ((أَحْسِنْ إلى غَنَمِكَ وامسَحِ الرُّغَامَ عنها)) فإنَّ
رُغَامَهَا مَا سَالَ من أنُوُفِهَا مِنْ مُخَاطِهَا، ذُلِكَ الرُّغَامُ من الغَنَمِ وَمِنَ النَّاسِ(١).
قَدْ حَدَّثَنِي الحِزَامِيُّ، عن مَعْنِ بنِ عَيْسَى: ((أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ نَظَرَ إِلَى
(١) اللَّفظة مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢١٠:١/٤، وغريب الحربي: ١٠٧٦/٣، وغريب
ابن الجَوزي: ٤٠١/١، ٤٠٢، والنّهاية: ٢٣٩/٢، وغريب الأندلسيِّ المَجْهُوْلِ: ورقة:
٥١، وشرحها الوَقَّشِيُّ واليفرُنيُّ، والحافظ أبو عُمَرَ بنُ عبدِالبرِّ. ويراجع: العين: ١٣٨/٢،
٤١٨/٤، ومختصره: ١٧٣/١، ٥٠٦، وجمهرة اللُّغة: ٧٧١، ٧٨١، ومجمل اللُّغة:
٣٨٣، ٣٨٦، والصِّحاح، واللَّسان، والتَّاج: (رعم) و(رغم). وهي تقال بالعين المُهملة،
وبالغين المُعجمة لغتان فيها. وَأَورَدَهَا أبو عُبَيْدٍ بالعين المُهملة، وَقَالَ الحَرْبِيُّ: ((هو ما يسيل
من الأنفِ من دَاءٍ وَغَيْرِهِ) وَنَقَلَ عن أبي عَمْرِو: رُغام الشَّةِ: مُخَاطُهَا، وَمَّا نَقَلَّهُ عن أبي
عَمْرِو في كتابه (الجيم)) وفي غَرِيْبِ ابن الجوزيّ: ((َوَقَالَ اللَّيْثُ: هو الرُّغام بالغين
المعجمة، قال ثعلبٌ: صحَّفَ)). وفي العين: ١٣٨/٢، ٤١٨/٤، ومختصره: ١٧٣/١،
٥٠٦. ذكره في الحرفين معاً، وهو الصَّحيحُ. وفي المُجمل: ((والرُّغام: ما يسيلُ من
الأنفِ، وقد مَضَىْ ذكرُهُ في العَيْنِ وهو أصحُّ، ويُقال: إنَّ الرُّغامى الأنف في قول الشَّماخ
[ديوانه: ١٩٦]
[يُحَشْرِ جُهَا طَوْراً وَطَوْراً كَأَنَّمَا] لَهُ بِالرُّغَامَىْ وَالخَيَاشِيْمِ جَارِزِ
وقال ابنُ الأثير في النّهاية: ((كذا رَوَاهُ بعضُهم بالغين المُعجمة، وقال: إنَّه ما يسيلُ من
الأنفِ، والمَشْهُوْرُ المَرْوِيُّ بِالعَيْنِ المُهْمَلَةِ».
وَرَأَيْتُ في غريب الحديث للأندلسيِّ المجهولِ قوله: ((قوله: ((وأصلح رُغامها)) قال الخليلُ:
رَغمت الشَّةُ تَرْغُمُ: إذا سَالَ من أنفها الرُّغَامُ فهِي رَغُوْمٌ، وَيُجمع الرُّغَام علىْ أَرْغِمَةٍ. قال
أَبُوزَيَدٍ: شاةٌ رَغُوْمٌ، أي: مَهْزُولَةٌ، وَجَاءَ في هامشِ الأصلِ بِخَطِّ النَّاسِخِ نَفْسِهِ: ((الرُّعَام
والرُّغَام بالغَين المُعجمة ... كَذَا قال الطُّوسيُّ وأحمد بن عُبَيْدٍ. قال أبو محمد بن السيّد
- رحمه الله -: الرُّعَامُ بالعَيْنِ غَيْرِ مُعْجَمَةٍ: المُخَاطُ، وبالغَيْنِ المُعْجَمَةِ: التُرابُ ... أن
يكونا لُغَتّين وأمَّا [الرَّعَام] التُّرابُ فالمشهورُ فيه: رَغَامٌ بفتحِ الرَّاءِ».
١٣٣

أعرابيٍّ يَطُوفُ بالبيتِ وَعَلَى عُنُقِهِ مثلُ المَهَاةِ حُسْناً، فَقَالَ: مَا هَذه منكَ؟ قال
امرأَتِي، ثُمَّ قَالَ: أَمَا إِنَّهَا جَمْعَاءُ مُرْغَامَّهْ، أَكُوْلٌ قَامَّهْ، لا تُبْقِي لَهَا حَامَّهْ،
وَلَكِنَّهَا حَسْنَاءُ فَلاَ تَفْرُكْ، وأَمّ غِلْمَانٍ فَلاَ تَتْرُكْ، قَال لَهُ عُمر: فَشَأْتُكَ إِذاً بِهَا)).
قَالَ عبدُالمَلكِ: قَوْلُهُ: ((أَمَّا إِنَّهَا جَمْعَاءُ مُرْغَامَّهْ)) يعني سائِلَةُ المُخَاطِ من
الحُمْقِ. وَقَوْلُهُ: (أَكُولٌ قَامَّه) فَالقَامَّةُ بِتَشْدِيْدِ المِيْمِ؛ الَّتِي تَأْكُلُ ما سَقَطَ من
الطَّعَامِ في الأَرْضِ مِنْ قَلَّةٍ تَشَبُّعِهَا، لِشِدَّةِ أكلِهَا، والعَرَبُ تُسَمِّي المِكْنَسَةَ:
المِقَمَّةَ (١)؛ لأنَّها تَقُمُّ مَا عَلَى الأَرْضِ. وقَوْلُهُ: ((مَا تُبَقِيْ لَهَا حَامَّهْ)) يقولُ:
مَاتُبْقِي لَهَا خَاصَّةٌ وَلاَ قَرَابَةً(٢) مِنْ شِدَّةَ خُلُقِهَا وَفَظَاظَتِهَا عَلَيْهِمْ، وَالحَمِيْمُ:
القَرِيْبُ، وَالكَثِيْرُ: أَحْمَاءٌ وَحَامَّةٌ، مِثْلِ أَقْرِبَاءَ وَقَرَابَةٍ. وَقَوْلُهُ: ((لَاكِنَّهَا حَسْنَاءُ
فَلَ [١٥٠] تَفْرُكُ)) يَعْنِي فَلاَ تُبْغِضُ (٣)، و((أمّ غِلْمَانِ فَلاَ تَتْرُكْ)) يَعْنِي أَنَّ لَهُ مِنْهَا
أَوْلاَداً ذُكُوْراً.
قَالَ عبدُالملك: أمَّا قَوْلُ أبي هُرَيْرَةَ في حَدِيثِهِ: ((أَطِبْ مُرَاحَهَا» يَعْنِي نَقِّ
(١) تقدَّم مثلُ ذُلك.
(٢) تقدم مثل ذلك.
(٣) قال أبو عُبَيْدٍ في غريب الحديث: ٩١/٤: الفِرْكُ: أن تُبْغِضَ المرأةُ زَوْجَهَا وَهَذَا حَرْفٌ
مَخْصُوْصٌ به المَزْأَّةَ والزَّوْجُ، وَلِمْ أَسْمَعْهُ في غيرِ ذلِكَ، يُقَالُ منه: قدفَرِكَتْهُ تَفْرِكُهُ فِرْكاً وفَرْكاً،
وهي امرأةٌ فَرُوٌ وفَارِكٌ، وجمعُها فَوَارِكٌ، وقال ذو الرُّمة - يصف الإبل -: [ديوانه: ١٧٣٨]
إِذَا اللَّلُ عَنْ تَشْزِ تَجَلَّى رَمَيْنَهُ بِأَمْثَلِ أَبْصَارِ النِّسَاءِ الفَوَّارِكِ
قَالَ: فَإِذَا لم تَحْضَ هي عندَه وَأَبْغَضَهَا قيل: صَلِفَتْ عندَ زَوْجِهَا تَصْلَفُ صَلَفاً، فَهَذا هو
الصَّلَفُ عن العَرَبِ، وقد وَضّعَتِ العَامَّةُ هَذِهِ الكلمةَ في غيرِ مَوْضِعِهَا، وَيُقَالُ منه: امرأةٌ
صَلِفَةٌ من نِسْوَةٍ صَلِفَاتٍ وصَلَائف قَالَ القُّطَامِيُّ - يَذْكُرُ امْرَأةً -: [ديوانه: ٥٤]
فَرُوْكٌ وَلاَ المُسْتَغْبِرَاتُ الصَّلَاَئِفُ
لَهَا رَوْضَةٌ فِي القَلْبِ لَمْ يَرْعَ مِثْلَهَا
١٣٤

موضعها الَّذِي تأوِي إليه وتكونُ فيه بكَنْسِهِ وإخراجِ الوَسَخ عنه، الطيِّبُ في
كَلَمَ العَرَبِ هو النَِّيُّ الطَّاهِرُ. ومُراحُ الغَنَمِ: مَوْضِعُها الَّذِي تَأْوِي إليه، وهو
من الإبلِ: عَطَنٌ، ومن البَّقَرِ مَرَابضُ. وأمَّا قولُهُ: ((وصَلِّ في ناحيتها)) فيعني أنَّ
أَبْعَارَهَا وَأَبْوَالَها لَيْسَتْ بِنَجَسٍ، وَكَذَلِكَ كُلُّ ما أُكِلَ لَحْمُهُ مِمَّا لا يَأْكُّلُ القَذّرَ
والنَّجِسَ. وأمَّا قَوْلُه: ((ليُؤْشِكُ أنْ يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ تَكُوْنُ الثَلَّةُ من الغَنَمِ؟
فالثَّةُ من الغَنَمِ: المَائةُ وَنَحْوُها(١). وَقَوْلُهُ: ((أَحَبَّ إِلَى صَاحِبِهَا من دَارٍ
مَرْوَان)) فإنَّ دارَ مَرْوَانَ بالمَدينةِ أَشْرَفُ دُوْرِهَا، فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا مَثَلاً وَغَايَةً،
وفيها قَالَ شَاعِرُ المَدِيْنَةِ(٢):
دَارُ الخِلاَفَةِ إِلاَّ دَارُ مَرْوَانًا
مَا بِالمَدِيْنَةِ دَارٌ غَيْرُ وَاحِدَةِ
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحٍ (المَاءِ القَرَاحِ) في حَدِیْثِ مَالكِ
الَّذِي رَوَاهُ عن(٣) عِيْسَى بنِ مَرْيَمَ أَنَّهَ كَّانَ يَقُوْلُ: يَاَنِي إِسْرَائِيْلَ عَلَيْكُمْ
بِالمَاءِ القَرَاحِ وَالبَقْلِ الْبَرِّيِّ وَخُبْزِ الشَّعِيْرِ، وإِيَّاكُمْ وخُبزَ البُرّ؛ فإِنَّكُمْ لَنْ تَقُوْمُوا
(١) اللَّفْظَةُ مَشْرُوحَةٌ في غريبِ ابن قُتَبَةَ: ٤٦١/١، ٤١١/٢، والغريبين: ٢٩٤/١، وغريب
ابنِ الجَوزي: ١٢٨/١، عن ابن السِّكيت. ويُراجع: إصلاح المنطقِ: ٣٢٥، ٢٦٦،
والنّهاية: ١/ ٢٢٠، وجمهرة اللُّغة: ٨٤، وتهذيب اللُّغة: ٦٣/١٥، ٦٤، ومجمل اللُّغة:
١٥٥، وأفعال ابن القطاع: ١٣٧/١، والأفعال السَّرقسطي: ١٦٣/٣. واللَّفظة مثلثة الثاء.
يراجع: المُثَلَّث لابن السيد: ٣٨٥/١، وإكمال الأعلام لابن مالك: ١/ ٩٠، ٩١،
والصِّحاح، واللّسان والتَّاجِ: (ثل).
(٢) ينسب هذا البيت إلى الفرزدق في كتاب سيبويه: ٣٧٣/١، ولم يرد في ديوانه، وهو في
النُّكت على الكتاب للأعلم: ٦٤١/١، والمقتضب: ٤٢٥/٤، والأصول لابن السراج:
٣٧١/١، والإفصاح للفارقي: ٣٦٨، والجنى الدَّاني: ٥١٩. ويروى: (مروانٍ).
(٣) يقصد ((من حديث عيسى .... )).
١٣٥

بِشُكْرِهِ».
قَالَ عبدُالمَلِكِ: المَاءُ القَرَاحُ(١): هُوَ المَاءُ الَّذِي لم يُمْزَجْ بِعَسَلٍ ولا
◌ِزبيبٍ، ولا بِتَمرٍ، ولا بِشَيءٍ مِمَّا يُنْبَذُ بِهِ. يَقُوْلُ: إِيَّاكُمْ وَالأَشرَبَةَ وَإِنْ كَانَتْ
حَلاَلاً؛ فإنَّكم لَنْ تَقُوْمُوا بِشُكْرِهَا، وَلَكن اشْرَبُوا الماءَ القَرَاحَ، يَعْنِي وَحْدَهُ
غَيْرَ مَشُوْبٍ بِشَيءٍ من الحَلاَوَةِ، فإِنَّه أقلُّ عَلَيْكُمْ في الشُّكْرِ، وَلَيْسَ المَاءُ القَرَاحُ
الماءَ البَارِدَ كَمَا قَالَ مَنْ لا يَعْرِفُ، هُوَ إِذاً يَأْمُرُهُمْ بِطِيْبِ العَيْشِ، إِنَّمَا القَرَاحِ
فِي كَلاَمِ العَرَبِ الَّذِي لَمْ يُمَجْ بِشَيءٍ، مثل الخُبِ الْقِفَارِ (٢) الَّذِي لَيْسَ مَعَهُ شَيْءٌ
مِنَ الأَدَمِ، ومثلُ المِلْحِ الجَرِيْش الَّذي لم يُطَيِّبْ بِشَيْءٍ(٣)، تَقُولُ: أَكَلْتُ الخُبْزَ
قِفَاراً، وَشَرِبْتُ المَاءَ قَرَاحاً، يعْنِي وَحْدَهُ وَلَيْسَ مَعَهُ غَيْرُهُ.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (الظَّرِبِ) في حديثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن أَبي عُبَيْدَةَ بنِ الجَرَّاحِ حَيْثُ قَالَ: ((ثُم انتَهَيْنَا إلى البَحْرِ،
فإذَا حُوْتٌ مثلُ الظَّرِبِ» [٢/ ٩٣٠ رقم (٢٤)].
قال: الظُّرِبُ: الجُبَيْلُ (٤) [١٥١].
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحٍ حَديثِ مالكٍ
(١) اللَّفظة مشروحةٌ في: النّهاية: ٣٦/٤، ويراجع: العين: ٤/٣، ومختصره: ٢٤٣/١،
وتهذيب اللُّغة: ٤٢/٤، والمحكم: ٤٠٥/١، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاجِ: (قرح).
(٢) اللَّسان: (قفر) قال: ((وخبزٌ قفارٌ: غيرُ مأدومٍ).
(٣) اللِّسان: (جرش) قال: ((المِلحُ الجريشُ: المجروش؛ كأنَّه حَكَّ بعضُهُ بَعْضاً فتفتَّتَ ...
وقال: مِلحٌّ جَريشٌ لم يَتَطَيِّبْ)).
(٤) غريبُ أبي عُبَيّدٍ: ٣٣٢/٤، والنُّهاية: ١٥٦/٣، والتَّمهيد: ١١/٢٣، وغريب الأندلسي
المجهول: ورقة: ٦٠.
١٣٦

الَّذِي رَوَاهُ عن يَخْيَى بنِ سَعِيْدٍ، عن القَاسِمِ بن مُحَمَّدٍ: حينَ قال: جاء
رَجُلٌ إلى ابن عبّاسٍ فَقَالَ: إِنَّ لِي يَتَيْمًا وَلَهُ إِلٌّ، [أ] فَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِلِهِ؟ فَقَالَ
ابنُ عبّاسٍ: إِنْ كُنْتَ تَبْغِيْ ضَالَةَ إِلِهِ، وتَهَنْأُ جَرْبَاهَا، وَتَلُطُّ حَوْضَها، وتَسْقِيْهَا
يَوْمَ وُرْدِهَا، فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلانَاهِكٍ فِي الحَلَبِ)) [٩٣٤/٢ رقم (٣٣)].
قَالَ عبدُالمَلكِ: أمَّا قَولُهُ: ((وَتَهْنَأَ جَرْبَاهَا)) فَيَعْنِي إِنْ كُنْتَ تَطْلِي جَرْبَاهَا
بالقَطِرَانِ، الهِنَاءُ: طليُ القَطِرَان(١) الَّذِي يُطْلَى به جَرَبُ الإِلِ، وَمِنْه الحَدِيْثُ
الَّذِي قِيْلَ فيه: ((فَأَنِيَ عُمَرُ بالطِّلاَءِ) يعني: الرُّبِّ، وهو يَوْمَئِذٍ مثلُ هِنَاءِ الإِبلِ،
يعني القَطِرَان الَّذِي تُطَلَى به الإِلُ، شُبِّه به يَوْمَئِذٍ لِخُثُورَتِهِ وسَوَادِهِ، من كَثْرَةٍ
الطَّْخِ.
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٧٩/٤، وغريب الحربي: ١٠٥٧/٣، والفائق:
١١٦/٤، وغريب ابن الجوزي: ٥٠٢/٢، والنِّهاية: ٢٧٧/٥، ويُراجع: العين: ٩٤/٤،
ومختصره: ٣٨٦/١، وجمهرة اللُّغة: ٩٩٧، وتهذيب اللُّغة: ٤٣٢/٦، ٤٦٨، ومجمل
اللُّغة: ٩٩٧، والمحكم: ٢٦٠/٤، والتَّمهيد: ٢١١/١٤، والأفعال للسَّرقسطي: ١٧٧/١،
والعباب: ٢٠١/١، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (هنا).
قال أبو عُبَيْدِ: ((هنأتُ البعيرَ أهنَؤُهُ وأهنئه - لغتان -: إذا طلبته هِنَاءً)) وفي غريب
الحربي: ((هنأتُهُ أَهْتَؤُهُ وأهِنُؤُهُ» وفي الجَمِع بينهما تكونُ مثلثةَ النُّون باتفاق المَعنىُّ. وفي
المحكم لابن سيده: ((وهَنَاَ الإِبلَ يَهْنَؤُهَا وَيَهْنِتُها ويَهْنُؤُهَا هَنْثاً الأخيرة عن الزَّجَّاج قال: ولم
نَجِدْ فيما لامه همزةٌ فَعَلْتُ أفعُلُ إلاَّ هنأتُ أهنُؤُ وقرأت أقرُؤْ والاسم: الهَنْءُ).
واللَّفظة مثلثةُ الهاءِ مع اختلافِ المعنى عندَ ابن السيِّد في مثلثه: ٤٦٢/٢، وعند ابن
مالك في إكمال الإعلام: ٧٤١ وقال أبو الوليد الوَّقَّشِيُّ في التَّعليق على الموطأ: ٣٥٢/٢:
((هنأتُ البعيرَ أهنَؤُ: إِذَا طَلَيْتُهُ بِالقَطِرَانِ، وهو الهَناءُ قال زُهَيْرٌ: [ديوانه: ٨٢]
[ فَأُرِىءُ مُوضِحَاتِ الرَّْسِ مِنْهُ]ٍ كَمَا يَشْفِي مِنَ الجَرَبِ الهِنَاءُ
١٣٧

وأمَّا قولُهُ: ((وَثَلُّ حَوْضَهَا))(١) فيعني تَعْمَلُ حُرُوْفَ الحَوْضِ الَّتِي تَسْتُ
المَاءَ عن الخُّرُوْجِ، وَكُلُّ ◌ِتْرٍ مِنْ شَيْءٍ فَهُو لٌَّ، ومنه سُمِّي الطِّينُ الذي بَيْنَ
الطُّوْبَيْنِ إِذَا يُنِيَ منه الجِدَارُ: مِلَاطٌ، وهو الَّذِي عَنَّى به في الحَدِيْثِ الذي
وُصِفَ فيه بناءُ الجَنَّةِ حِيْنَ قَالَ: ((وَيِنَاؤُهَا لَبِنَةُ ذَهَبٍ، ولَِنَهُ فِضَّةٍ، ومِلاَطُهَا
المِسْكُ)) يعني جُعِلَ المِسْكُ مِلاَطاً لَهَا بينَ طُوْبَةِ الذَّهَبِ وطُوْبَةِ الفِضَّةِ كَمَا
يُجْعَلُ الطِّينُ في الدُّنْيَا مِلاَطاً للطُّوْبَتَيْنِ، يعني سِتْراً لِمَا بَيْنَهُمَا، وَمِنْهُ قَولُ
شَمْعَلَة بِن طَيْسَلَةَ المُرِّيِّ - وهو يَملحُ نِساءَ قومِهِ (٢) :
خُوْدٌ وَلَذْنَ يَنِيْ أُمَيَّ كُلَّهُمْ وَلَطَطْنَ دُوْنَ العَجْسِ بِالأَسْتَارِ
ومنه قولُ ابن أَبي الحُقَيْقِ حين قال(٣):
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٢/٣، وغريب ابن قُتَيَِّة: ٥٨٣/٢، والنِّهاية:
٤/ ٢٥٠، وغريب الأندلسي المجهول: ورقة: ٧٨.
(٢) في التاج: ((وشمعلةُ بنُ فائدٍ، وَشَمْعَلَةُ بِن طَيْسَلَةَ، وَشَمْعَلَةُ بنُ الأخْضَرِ الضَّبِيُّ، شُعَرَاءُ كَمَا
في العُبَابِ».
أقول - وعلى الله أعتمد -: شاعرنا هَذَا ذكره الآمديُّ: في المؤتلف والمختلف:
٢٠٧ فقال: ((مَنْ يُقال له شَمْعَلَةُ): منهم شَمْعَلَةُ بنُ طَيْسَلَةَ بن جَبَّارٍ بن ضَمْضَمٍ بن نُوَيْرَةَ بن
مالكِ، أحدُ بني عبدِ اللهِ بن غَطَفَان، شَاعٌ، وَهُوَ القائلُ:
وَحُبُّكَ مَا يَزْدَادُ إِلاَّ تَجَدُّدَا
وكلُّ خَلِيْلٍ يُخْلِقُ النَّْيُ حُّهُ
وَبُعْدُ فِجَاجِ الأَرْضِ أَبْعَدَ أَبْعَدًا
وَمَنْ لَا يَزَّلْ يَزْمِي بِهِ الدَّهْرُ غُرْبَةً
تُصِيْبُ كِرَامَ النَّاسِ مَثْنَى وَمُؤْحِدَاً
يُصِبْ نَشَباً أَوْ يَرْمِهِ الدَّهْرُ بِالَّتِي
قَالَ: وهي قصيدةٌ يمدحُ بها محمَّدَ بنَ الوليد بن عبدالملك، وله أشعارٌ حِسانٌ.
(٣) عجزُ البيت الثالث - وهو موضع الشَّاهد - في غَريب ابن قُتَيِّبَةً: ٥٨٣/٢ وأنَّمه المُحقق مما
عُلِّق به على نسخة من نُسَخِ الكتابِ الخَطِّةِ، وفي النّهاية: ((وَلَطَّ الحَقَّ بالْبَاطِلِ: سَتَرَهُ» وذكر =
١٣٨

وأَنْصَتَ السَّامِعُ لِلْقَائِلِ
إِنَّا إِذَا مَالَتْ دَوَاعِي الهَوَى
نَحْكُمُ حُكْمَ الفَاضِلِ العَادِلِ
واضطرع القَوْمُ بِالََّانِهِمْ
ثَلُطُّ دُوْنَ الحَقِّ بِالْبَاطِلِ
لَ نَزْعُمُ الْبَاطِلَ حَقًّا وَلاَ
فنُخْمَلُ الدَّهْرَ مَعَ الخامِلِ
نَخَافُ أَنْ تَسْبقَهُ أَحْلاَمُنَا
يعني بقوله: ((ولا نَلُطُّ دُوْنَ الحَقِّ بالبَاطِلِ)) لا نَسْتُرُ دونَ الحَقِّ بالبَاطِل.
قال عبدُالملك: وقد يُرْوَى في هَذا الحَدِيْثِ: ((وتلوطُ حوضَها) بالواو،
وَهُوَ صَوَابٌ إلاَّ أنَّ مَعْنَاهَا غَيْرُ مَعْنَى تَلُطُّ، معنى تَلُوْطُ: تَصْلِحُ حَوْضَهَا
وَتُسوِّيِه، ومعنى تَلُطُّ: تَستُرُ حُرُوْفَهُ الَّتِي تُمْسِكُ المَاءَ وَتَحْبِسُهُ، ومن معنى
تَلُوْطُ قَوْلُ الشَّاعر(١):
* وَلِيْطَتْ حِيَاضُ المَوْتِ وَسْطَ العَسَاكِرِ *
ومنه حَدِيثُ مَالكِ حِيْنَ قَالَ: ((كَانَ عُمَرُ بنُ الخطَّب يُلِيْطُ أَوْلاَدَ
الجَاهِلِيَّةِ بِمَنْ اذَّعامُمْ)) يَعْنِي: يُلْصِقُهُم بِهِمْ، ومنه [١٥٢] قَوْلُ المُلْتَاطُ (٢)
بِالقَلْبِ، يَعْنِي المُلْتَصِقُ بالقَلْبِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أبي بَكْرِ الصِّدِّيْقِ حِيْنَ سُئِلَ: مَنْ
أَحَبُّ النَّاسِ إِلَيْكَ؟ فَقَالَ: عُمَرُ، ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إلَّ الوَلَدُ، فإنَّ الوَلَدَ أَلْوَطُ.
يَعْنِي أَلْصَقُ، وَمِنْهُ قَوْلُ العَرَبِ فِي الإِثْبَاعِ مِنَ الكَلَامِ: شَيْطَانٌّ لَيْطَانٌ(٣)، يعني
حديث ((المُوَظَّأ)) قالَ: ((كَذَا جاء في الموطأ)).
=
والأبياتُ لابن أبي الحُقَيْقِ اليَهُودِيِّ في أنسابِ الأشراف: ٧/ ٢٩٥٤ في حكايةٍ لطيفةٍ هُناك.
(١) أنشده أبو عمر بن عبدالبرِّ في الاستذكار: ٢٦ / ٣٤٢ وفيه: ((وَسْطَ العَشَائِرِ)).
(٢) هَكَذَا جَاءَ في الأصْلِ، وفي غريب أبي عُبَيْدٍ: ((ومنه قيل للشَّيءٍ إِذَا لم يُوافق صاحبه: ما
يلتَاطُ هَذَا بِصَفَرِي، أَي: لاَ يَلْصِقُ بقلبي)، فَلَعَلَّ صِحَّةً عبارةِ المُؤَلَّفِ: ((ومنه قولهم ... )).
(٣) يراجع: الاتباعُ لأَبِي الطَّيِّبِ اللُّغَوِيِّ: ٧٥ قال: ((يُقالُ: هو شّيْطَانٌ لَيْطَانٌ، وهو الذي يلزّقُ = .
١٣٩

مُلْتَطِ بالقَلْبِ، وَكُلُّ هَذَا مَعْنَاهُ وَمَعْنَى تَلُوْطُ حَوْضَهَا وَاحِدٌ. إنَّمَا هُوَ مِنْ
اللُّصُوْقِ وَالالْتِطَاءِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: ((وَتَسْقِيْهَا يَوْمَ وُرِدِهَا)) فَيَعْنِي: يومَ وُرُودِهَا المَاءَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: (فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرَّ بِنَسْلٍ)) يَعْنِي: لاَ تُشْرِفْ في الشُّرْبِ فَتُصِرَّ
بِأَوْلاَدِهَا؛ لأَنَّه إِذَا أَسْرَفَ فِي شُرْبِ اللَّبنِ لَّمْ يَبْقَ منه للأَوْلاَدِ ما تَزْوَى منه.
وَ أَمَّا قَوْلُهُ: ((وَلاَ نَاهِكٍ فِي الحَلَبِ)) فإنَّ الحَلَبَ بِتَحْرِيكِ اللَّم: هو
اللَّبَنُ. يَقُولُ: لا تُنِهِكْهُ في الشُّرْبِ. وَالحَلْبُ - بِجَزْمِ اللَّمِ - هُوَ الفِعْلُ، وَلَيْسَ
هُوَ اللَّبَنُ، تَقُولُ: حَلَبْتُ الشَّةَ حَلْبً رَقِيْقاً، وَحَلَبْتُ مِنْهَا حَلَباً كَثِيْراً، يَعْنِي لَّبَناً
كَثِيْراً، فالحَلَبُ: الاسمُ، وَالحَلْبُ : الفِعْلُ.
- وسألنا عبدَالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شَرْحِ (القَفْعَة) في حديثٍ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن عَبْدِ الله بنِ دِيْنَارٍ، عن ابنِ عُمَرَ: ((أَنَّ عُمَرَ سُئِلَ عن أَكْلٍ
الجَرَادِ فَقَالَ: وَدَدْتُ أنَّ عندَنَا منه قَفْعَةً)) [٩٣٣/٢ رقم (٣٠)].
قال عَبدُالملكِ: القَفْعَةُ عِنْدَهُمْ: هِيَ الَّتِي تُسمَّى عِنْدَنَا القُفَّةَ
المُسْتَطِيْلَةَ(١) الَّتِي يُحْمَلُ فِيْهَا عَلَى الدَّوَابُ الطَّعَامُ وَغَيْرُهُ(٢). والقُفَّةُ عِنْدَهُمْ:
= بالشَّيءٍ، من قولِك: ما يَلِيْطُ بِي ههذا، أي: ما يَلْزَقُ)) ويُراجع: أمالي القالي: ٢٠٩/٢.
(١) اللَّفظةُ مشروحةٌ في غَريب أبي عُبَيْدٍ: ٤٠٥/٣، وغَريب الحَرْبِيُّ: ٧٤٧/٢، والفائق: ٢١٤/٣،
٢١٥، وغريب ابن الجوزي: ٢٥٨/٢، والنّهاية: ٩١/٤ عن الهَرَوِيِّ في ((الغريبين)) ويُراجع:
العين: ١٧٦/١، ومختصره: ٨٣/١، وجمهرة اللُّغة: ٩٣٦، وتهذيب اللُّغة: ٢٦٩/١،
ومجمل اللُّغة: ٧٦٣، والمُحكم: ١٣٨/١، والأفعال للسَّرقُسطي: ١٢١/٢، والصِّحاح،
واللِّسان، والتَّاج: (قفع).
(٢) في الأصل: ((وغيرها)).
١٤٠