النص المفهرس
صفحات 21-40
قال عبدُ الملكِ: وكذلك الأَمرُ والحُكمُ في الأنهارِ التي لم يُنْشِئْهَا النَّاسُ وإنَّما جرَّاها اللهُ غيائاً لعبادِهِ، ويكونُ أقربُهم إلى مَخرجِهَا أحقُّ بمنفَعَتِهَا في الطَّحين عليها والسَّقي بها، الأَوَّلُ فَلأوَّلُ والأَعْلَى فالأَعْلَى، وإن قَصَرَ ذُلك عن بُلُوَغه إلى الأسفلِ، وقد قالَ رَسُوْلُ اللهِوَّهِ: ((لَيْسَ عَلَى الأَعْلَى مِنَ الأَسْفَلِ ضَرَرٌ)). وَلَمْ يَقُلْ صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ: لَيْسَ عَلَى الأَسْفَلِ مِنَ الأَعْلَىْ ضَرَرٌ. قال عبدٌالملكِ: وذُلك إِذَا اسْتَوَتِ الحَاجةُ إلى الثَّهرِ من الأَعْلَى والأسفلِ، مثلَ أن يكونا جَميعاً حَاجَتُهُمَا إلى الماءِ لطحينِ الأرْحَاءِ جَمِيْعاً، أو لسقيِ الشَّجرِ جَمِيْعاً، أو تكونُ حاجةُ الأعلىْ لسقيِ الشجر والأسفلِ لطَحينٍ الأرحاءِ، فالأعلى في كلِّ هذا يُبَدَّأُ بمنفعَتِهِ منه، قال: وإن كانت حاجَةُ الأَعْلَى لطَحينِ الأَرحاءِ والأَسفلِ لسَقْيِ الشَّجَرِ، وكانت الشَّجرُ يأتيها من الماءِ بعدَ تَبْدِئَةِ الأَعْلَى بالانتفاعِ بالماء لطحينه ما يَحيى به الشَّجرُ، ويَنفي عنها يُبْسُها وما يُخافُ من مَوتِهَا فالأَعَلى مُبَدَّأُ أيضاً، وإن كانت الشَّجرُ لا يأتيها من الماءِ شيءٌ إذا بَدَأ الأَعْلَى، وفي حَبس الأَعْلَى إِيَّاه لطَحينِ أرحائِهِ يُسٍ لِشَجَرٍ الأَسفلين، إنَّما حَيِيَتْ ونَبَتَتْ على ذلك النَّهرِ في أيام كَثْرَتِهِ بِالشَّجَرِ عند ذلك، وإن كان الأَسَفِلُون(١) أحقَّ بالماءِ من أَرْحِى الأعلين، ويُمنعُ عندَ ذُلك الأَعْلَوْنَ من حَبسِ الماءِ، وهذا في الأصولِ من الشَّجَرِ التي قد أُحِبَتْ بذلك الماء قبلَ تصديه، وليس هذا فيما يبتَدَأُ عمله من غِرَاسِ الشَّجرِ، ولا فيما يَنْشَأْ كلَّ عامٍ (١) في الأصل: ((كانت الأسفلين)). ٢١ من المَبَاقِيلِ(١) والمَبَاطِخِ(٢) وأشباه ذلك مما لا أصولَ [١١٠] له ثابتةٌ. قال: وما كان منَ الخُلُجِ والسّواقي التي يجتمعُ أهلُ القُرى على إنشائِهَا وإجراءِ الماءِ فيها لمَنَافِعِهِمْ من طَحينٍ أو سَقيٍ فقلَّ الماءُ فيها ونَضَبَ عنها أوقات نُضُوبِهِ فالأَعْلَى والأَسْفَلُ فيها بالسَّواءِ، إنَّما يُقْسَمُ بينَهُم على قدرٍ حُقُوقِهِم بالغاً ذلك منهم ما بَلَغَ، ليس أقربُهم إلى عُنصرها ومَبتدأ مَخرَجِهَا بَأَوْلَى بها مِمَّن نأى عنها في أَسْفَلِهَا وَأَفْصَاهَا، إلاَّ عَلَى قَدرِ حُقُوقِهِم منها وسهامِهِم فيها، استَوَتْ حَاجَتُهُم إليها واختَلَفَتْ، وَهَكذا فسَّر لي مُطَرِّفٌ، وابنُ المَاجِشُوْن، وأصبغُ بن الفَرَجِ عندما سألتهم وكاشفتهم عن ذلك، وقد سُئِلَ عن ذلك عبدُاللهِ بن وَهْبٍ، وابنُ القَاسم، وابنُ نافعٍ فَذَهَبُوا هذا المَذْهَب. - وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (لا يُمْنَعُ فضلُ الماءِ لیُمنَعَ به الكَلأُ) في حديث مالكٍ الَّذي رَوَاهُ عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرةَ، عن رَسُوْلِ اللهِ وَالر [٧٤٤/٢ رقم (٢٩)]. قال عبدُالملكِ: تأويلُهُ: أن يحفرَ الرَّجُلُ البِثْرَ في الفَلَةِ من الأرضِ التي ليست مِلكاً لأَحَدٍ إِنَّمَا هِيَ مَرْعًى للماشيةِ، فيريد أن يمنعَ ماشيةَ غيرِهِ أن تُسقى بماءِ تلكَ البئرِ، ففيها قَالَ رَسُوْلُ اللهِ وَّهِ: ((لا يُمْنَعُ فَضْلُ الماءِ ليُمنَعَ به الكَلأُ» يقولُ: إِذَا مَنَعَ حافرُ تلك البئرِ فَضْلَ مَائِهَا بعدَ رٍّ ماشِيَتِهِ فقد مَنَعَ الكَلاَ الَّذي (١) المباقل: المكان الذي يزرع فيه البُقُول. (٢) المباطخ: المكان الذي يزرع فيه البطيخ. ٢٢ حولَ البئرِ وتوخَّد به دونَ غَيرِهِ؛ لأنَّ أَحَداً لا يَرِعَىُ فيه إذا لم يَكُنْ فيه لماشيته ما تشربُهُ، إلاَّ أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَّهِ جَعَلَهُ المُبَدَّأَ في ذلك الماءِ أن يَستقيَ به ماشيَتَه قبلَ غيرِهِ، فإذا رَوِيَتْ خَلَّى فضلَ الماءِ لكلِّ مَن رَعَى في ذلك المَكَانِ، وإن لم يكونوا أعانوه على حَفرِ تلكَ البئرِ، وذُرِّتُهُ من بَعدِهِ، وذُرِّيَّةُ ذُرِّيَّتِهِ على مثل حَالِهِ في تقدِيْمِهِم على غَيْرِهِم، ولا بيعَ لهم في تلكَ البئرِ، ولا مِيراثَ إلاَّ ميراثُ الانْتِفَاعِ بالتَّدئةِ في مائِهَا، وفيها قال رَسُوْلُ اللهِ وَلَ﴿ في حديثِ مالك أيضاً: ((لا يُمنَعُ نَفْعُ بئرٍ)) يعني: فَضْلَ مائها بعد رَيِّ ماشيةٍ خَافِرِهَا. وهو تأويلُ الحَدِيْثِ الآخرِ أيضاً: ((لا يُمْنَعُ رَهْوُ البِثْرِ)(١) يعني: فَضْلَ مائِهَا بعدَ ريٍّ ماشيةٍ حَافِرِها، كلُّ هَاذه الأَحَادِيثِ الثَّلاثةِ معناهَا ما فَسَّرْتُ لَكَ، ولم يَعْنِ بشيءٍ منها البئرَ التي يَحْفِرُها الرَّجُلُ في أَرضِ نَفْسِهِ ومُلكِ يَدِهِ، تلكَ لِحَافِرِهَا أن يمنعَ ماءّها أولَه وآخرَهُ، ولا حقَّ فيه لأحدٍ إلاَّ عن طَوِعٍ صاحبِها، كذلك فسَّر لي جَميعَ ذلك مَنْ لَقيتُ من أصحابِ مالكِ عند سؤالهم عنه ومكاشفتي عمَّا كاشفتُ عنه من شرحٍ غَريب الأحاديثِ وشَرْحِ مَعَانيها . قال عبدُالملكِ: وقد يَدْخُلُ تأويل ((لا يُمْنَعُ نَفْعُ بئرٍ)) و (لا يُمْنَعُ رَهْوُ بثٍ)) في بئرين لَيْسَتَا من آبارِ المَاشية؛ من ذلك البئرُ تكون بينَ [١١١] الشَّريكين يَسقي منها ماء، هَذَا يَوْماً وَهَذَا يَوْماً، أو أقلّ من ذُلك أو أكثر، فيستقي أحدُهما في يومِهِ فيروي نخلَه أو زرعَه في بعضٍ يومه ويستغني عن السَّقي في بقيّةِ اليومِ، أو يَستغني في يومه ذلك عن السَّقي فيريدُ صاحبُهُ أن يسقيَ بمائِهِ في (١) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٢٢/٣ (الرَّهْوُ: الجُوْبَةُ تكون في محلّة القوم يسيْلُ فيها ماءُ المطر أو غيره)) قال: ((ومنه الحديث الآخر؛ أنَّه قال: ((لا يباعُ نَفْعُ البِثْرِ، ولا رَهْوُ الماء، ويراجع: ١٤٦/٤. ٢٣ يومه ذلك، ويُريدُ صاحبُ ذلك اليوم أن يمنَعَهُ ويقولُ هو يَومِيْ وحَظِّيْ من السَّقيٍ إن احتَجْتُ إليهِ سَقَيْتُ وإن اسْتَغْنَيْتُ عنه أَمْسَكْتُهُ عنكَ، فذلك ليس كما قال، وليس له مَنْعُهُ مما لا يَنْفَعُهُ حَبْسُهُ ولا يَضُرُّه تَرْكُهُ، وهو يَدْخُلُهُ عندَ ذلك تأويلُ قولِهِ: ((لا يُمْنَعُ نَفْعُ بئٍ)) و ((لا يُمْنَعُ رَهْوُ بئرٍ)). ومن ذلك أيضاً: أن تكونَ البئرُ لأحدِ الرَّجُلين في حائطٍ فيحتاج جاره وهو لا شِرْكَ له في ذلك البئر إلى أن يَسقيَ حائِطَهُ بفَضلِ مائِهَا فذلك ليس له إلاَّ أن تكونَ بئره تَهَوَّرتْ(١) فيكون له أن يَسقيَ بفَضلِ ماءِ جَارِه إلى أن يصلحَ بئرَهُ، ويُقْضِيَ له بذلك ويَدْخُلُ حِيْنَئِذٍ في تأويلِ الحديثِ: ((لا يُمْنَعُ نَقعُ بئٍ)) وليسَ له أن يؤثّرَ إِصْلاحَ بِثْرهِ اسْتِلْوَاءً على فَضْلِ مَاءِ جَارِهِ، وَلَكن يُأْمَرُ بِالإِصْلَاحِ ولا يَتْرُكُ تأخير ذلك، وذلك في النَّخْلِ والزَّرْعِ الذي يُخَافُ عليه إِنْ يُمْنَعِ السَّقيَ إلى أن يُصْلِحَ بئرَه أَنْ يَهلكَ وَيَذْهَبَ، وأمَّا إذا أرادَ أن يُحدثَ عليه عَمَلَا من زَرْعٍ أو غِراسٍ ويَسقيَهُ بفضلٍ مَاءِ جَارِهِ إلى أن يَصلِحَ بئرَهُ، فليسَ ذُلك له، وهكذا فَسَّرَ لي مُطَرِّفٌ، وابنُ المَاحِشُوْن عن مالكِ، وفسَّره لي أيضاً ابنُ عبدِ الحَكَمِ، وَأَصْبَغُ بنُ الفَرَجِ، وأخبَرَاني أنَّ ذلك كان قولَ ابنِ وَهْبٍ، وابنِ القَاسمِ، وأَشْهَبَ(٢)، وَرِوَايَتُهُم عن مَالكِ. (١) التَّهَوُّر: انهدامُ البِنَاءِ وسُقُوطُهُ، ومنه قولُ اللهِ تَعَالَى: ﴿عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَأَنْهَارَ بِهِ، فِ نَارٍ جَهَُّ﴾ وتهوُّر البئرِ: انهدامها وَسُقُوطُها. وتهوُّر المُتَصَرِّف في تصرُّفاته الحسيّة والمعنوية مأخوذٌ من هذا. (٢) أَشْهَبُ بنُ عبدالعَزيزِ بن داود بن إبراهيم القَيْسِيُّ، ثم العَامِرِيُّ، الجَعْدِيُّ أبوعمرو، الفقيهُ المِصريُّ، من تلاميذِ الإمامِ مالكٍ رحمه الله، والدَّراوَزْدِيِّ، وفضيل بن عياض. وَذَكَرَ الحافظُ المِزُّ في ((تهذيب الكمال)) أنَّ مِمَّن روى عنه صاحبنا عبدالملك بن = ٢٤ ۔ وسألنا عبدالملك بن حَبیپٍ عن شرح (لا ضرر ولا ضِرَار) في حديث مالكٍ الَّذِي رَوَاهُ عن عَمْرِو بنِ يَحيىُ المَازِيٌّ، عن أبيه، عن رَسُوْلِ اللهِ وَل [٧٤٥/٢ رقم (٣١)]. قال عبدُالملكِ: الضَّررُ والضِّرارُ كلمةٌ واحدةٌ (١)، ورَدَّدَها على حالٍ التَّوكيد في المنع عنها، وقد يأخذها تَصريف الإعراب، والضَّررُ في الإِعراب: الاسمُ، والضِّرارُ: الفِعْلُ، ومعنى قولهِ: ((لا ضَرَرَ) يقول: لا يدخُلُ على أحدٍ من أحدٍ ضَرَرٌ وإن لم يَتَعَمَّدْ إدخالَهُ عليه. ومعنى قَوْلِهِ: ((لا ضِرارَ) يقولُ: لا حَبِيْبِ المالكيُّ، وما أظنُّ ذُلك فرحلةُ ابنِ حَبَيْبٍ إلى المشرق سنة ٢٠٧هـ، ووفاة = أشهب سنة ٢٠٤هـ؟! إلاَّ أن تكون إجازةً فلتراجع. أخباره في: الجرح والتعديل: ٣٤٢/١، وترتيب المدارك: ٤٤٧/٢، وتهذيب الكمال: ٢٩٦/٣، وسير أعلام النبلاء: ٩/ ٥٠٠، وشذرات الذهب: ٢٤/٣. (١) في تعليق الوَقَّشِيِّ: ٢ /٢٠٥: «الضَّرَرُ: فعل الواحدِ، والضِّرارُ: فعل الاثنين فصاعداً بمنزلة القِتَال والخِصّام، فكأنه نَهَى عن أنواع الضَّرر، وأمر أن لا يُضَارَّ كلُّ واحدٍ من الرَّجلين صَاحبَهُ على جهةِ المجازاةِ، ولا ينفردُ أَحدُهُمَا بالضَّررِ على أنَّ المجازاةَ دون تَعدِّ جائزةٌ بنصِّ القُرآن. وقال الحَسَنُ: الضَّرَرُ ما لك فيه منفعةٌ وعلى غيرك فيه مضرَّةٌ. والضِّرَارُ: ما ليس لك فيه منفعةٌ وعلى غيرِكَ فيه مضرَّةٌ. وقد قيل: هما بمعنّى واحدٍ . وذلك لا يصحُّ: لمعنيين: أحدهما: أنَّ اللُّغة تدلُّ على خلاف ذلك. والثاني: أنَّ كلامه ◌ََّ كلُّه حكم ليس فيه حشوٌ ولا لَغْوٌّ، ولا لفظ لا معنى له، وإذا أمكن أن يُجعلَ لكلِّ لفظِ معنىّ يَخُصُّه كان أولى وأصحَّ». ويراجع شرح اللفظة في: الغريبين: ١١٢١، والفائق: ٣٣٨/٢، وغريب ابن الجوزي: ٨/٢، والنهاية: ٨١/٣، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (ضرر). ٢٥ يُضَارُّ أحدٌ بأحدٍ، وقد زادني في الحَدِيْثِ عَبْدُالعَزِيْزِ الأُوَيْسِيُّ(١)، عن ابنِ أبي الرِّجَالِ مُحَمَّد بنُ عبدالرَّحمن، عن أَبيه: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ لَه قال: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرَارَ، مَنْ ضَارَّ ضَرَّه الله، ومن شَاقَّ شَقَّ اللهُ عليه)). قيل لعبدِالملكِ: ففي أَيِّ وَجْهٍ يَدخلُ معنى هَذا الحَدِيثِ من وُجُوْهِ الأَحْكَامِ؟ فقال: وُجُوْهُ الضَّرَرِ من النَّاسِ بَعْضِهم لبَعْضٍ كَثِيْرَةٌ، إنَّما تَسْتَبِينُ عندَ تُزُوْلِ الأَمْرِ، وَمَوْضِعِ الحُكّمِ فيها، إلاَّ أنَّ من ذلك: دُخانُ الأَفْرِنَةِ وَالحَمَّامَاتُ، وَغُبَارُ الأَقْذَارِ، وَنَتَنُ دِبَاغِ الدَّباغين، يَضُرُّ ذُلك بَمِنْ جَاوَرَه، فذلك من الضَّررِ، والحُكمُ فيه: أن يُقَالَ لأهلها احْتَالُوا للدُّخَانِ [١١٢] والغُبَارِ وَنَتَنِ الدِّبَاغُ أن لا يَضُرَّ بِمَنْ جَاوَرَهُ، وإلاَّ فاقطَعُوه، وَسَوَاءٌ كان ذُلك قَدِيْماً أو مُحْدَثاً،؛ لأنَّ الضَّرَرَ لا يُستَحَقُّ بالقِدَمِ، أن يَكنْ بيتُ فُرْنِهِ قَدِيْماً، أو بَيْتُ حَمَّامِهِ، أو أَنْدَرِهِ(٢) فليُقَرَّ بيتُ الفُرنِ بيتاً لَما شاء، وبُقْعَةُ الأندِر بقعةً لما شَاء، وليُقطَعَ من البَيْتِ ضَرَرُ الدُّخانِ، ومن البُقْعَةِ ضَرَرُ الغُبارِ بِمَنْ يُضِرُ به، لأَنَّه ضَرَرٌ يُجَدَّدُ في كلِّ حينٍ، وليس الضَّررُ مما يستَحِقُّه أحدٌ بحِيَازَةِ التَّقَادُمِ، إِنَّمَا حِيَازَةُ التَّقَادُمِ الذي جاء فيها الأثرُ من حَازَ على خَصْمِهِ شَيْئاً عَشْرَ سنين فهو أَحَقُّ به فِيْمَا يَخُوْزُهُ(٣) النَّاسُ من الأَموالِ بَعضُهُم على بَعضٍ، من أجلِ أنَّ (١) تقدَّم ذكره، وتُراجع المقدمة. (٢) الأَنْدَرُ: هو المَكانُ الذي يُجمَعُ فيه القَمْحُ، وهو البَيْدَرُ أيضاً والجَوْخَانُ، والمِرْبَدُ، والجَرِينُ .. وتختلف النَّسمية باختلاف البلاد. وقد تقدم مثل ذلك مشروحاً مُخرَّجاً من كلام المؤلف نفسه، ومن كلام غيره. يُراجع: التَّمهيد: ٠٠٠٣١٣/٢٣ وغيره. (٣) حازه معناها استلمه. ٢٦ الحائزُ للمُلكِ يكتَفِي بالحِيَازَةِ والاعتِمَارِ عليها من أصلٍ، ويبقيه فيها التي بها صَارَ إليه ذُلِكَ الشَّيْءُ من شِراءٍ أو هِبةٍ أو مُعاوضةٍ أو غيرِ ذُلِكَ، ولا تكونُ الِيّازةُ في أفعالِ الضَّرَرِ جُبَاراً تَقْوى بها حُبَّةُ أَحَدٍ، بل لا يزيدُهُ طُوْلُ تَقَادُمِ الضَّرَرِ إلاَّ ظُلْماً وعِدَاءٌ. قال عبدُالملكِ: ومن الضَّرَرِ أيضاً: أنَّه يُزايلُ قياسَ هذا الضَّرر أنْ يُنشىءَ الرَّجلُ رَحَىَ تحتَ رَحَى جَارِهِ فَتَضُرُّ السُّغْلَى بالعُليا، فإنَّ السُّغْلَى المُضِرَّةُ تُمْنَعُ، ولو أنشأها فَوقَ الأولى فأضرَّتِ الأُولى بالتي أُنشأت فوقها لم تُمْنَعِ المُضِرَّة هَهُنا من أجلِ أنَّها مَنفعةٌ قد حَازَهَا صاحبُها في وَقْتٍ لم يكن تضرُّ فيه بأحدٍ، وليس تدخلُ هذه الحُبَّةُ في صَاحبِ الأَندرِ، وصاحبِ الفُرْنِ والدِّبَاغِ بأن يَكُوْنُوا كانُوا قبل الذي بَنَى عليهم فَأَضُّوا به؛ لأنَّ ضَرَرَ الدُّخَانِ والغُبَارِ وَالدِّبَاغِ إِنَّما هي أفعالٌ مضرَّةٌ مزايلةٌ لما تفعلُ فيه، وأنَّ ضَرَرَ الرَّحى إنَّما هو بِدُنُوِّ أَحْدِهِما إلى صَاحبِهِ في فناءٍ ومنفعةٍ، قد كان حَازَهَا قَبْلَهُ، فإنَّمَا دَخَلَ الضَّرَرُ عَلَى المُضِرِّ به بدُنُوَّهِ إلى حَقِّ قد استَحَقَّهُ مَّنْ كان قَبْلَهُ، فَحَازَهُ دُنُّه، فَصَارَ أَمْلَكَ بذلك المَوْضِعِ منه؛ ولأنَّ الدُّخانَ والغُبارَ لَيْسَ هُوَ من قبل دُنُوِّ أحدٍ إليه، إنَّما هو فِعلٌ من مُوقِدِ النَّارِ، ومن مُحَرِّكِ الغُبارِ، ومن مُحَرِّكِ الدِّباغ آذَى به مَنْ جَاوَرَهُ في دارِهِ ومكانه الذي لم يُجَاوِزْهُ إلى حَقِّ غَيْرِهِ، كَرَجُلٍ يريدُ أن يَنْفُضَ حَصِيْراً على بابه يُؤْذِي غُبَارُهُ بمَنْ مَرَّ من الطَّريقِ فيُمنعُ من ذُلِكَ، ولا حُجةَ له في أن يقولَ: إنَّما أنفُضُ على بابي أو في دَاخِلِ داري إِذَا جَاوَزَ أذى ذلك إلى ما وراءَ دارِهِ، أو دَخَلَ عَلَى جَارِهِ فِي حَرِيْمِهِ، فَقِسْ عَلَى هَذَيْنِ الضَّرَرَيْنِ ههُنا ما شَاكَلَهُمَا، فإنَّهما يَتَصَرَّفان في وجُوُهٍ كثيرةٍ من الحُكمِ، وَهَكَذَا فَسَّرَهُ لِي مَنْ لَقِيْتُ من أَصْحَابِ مَالِكٍ عندَمَا كَاشَفْتُهُم عن ذُلِكَ. ٢٧ قيلَ لعَبدِ المَلكِ: أَفَمِنَ الضَّرَرِ الذي يمنعُ أَنْ يَبْنِيَ الرَّجلُ فِي عَرْصَتِهِ (١) بُنْيَاناً يَخْبِسُ به ضَوْءَ الشَّمْسِ أو القَمَرِ عن دارِ جَارِهِ؟ فقال: ليس ذلك من الضَّررِ الذي يَمنِعُ في المِرْفَقِ؟ قد سُئِلَ عن ذلك مالكٌ فقال: لا حجَّةَ فيه لأحدٍ في رِيْحٍ ولا شَمْسٍ ولا قَمَرٍ، وإنَّما كان يكونُ الضَّرَرُ على صَاحبِ العَرْصَةِ لو مُنْعَ ذُلك من الانتفاعِ بَعْرِصَتِهِ. ــ وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ أحاديثِ مالكِ الثَّلاثة التي [١١٣] روى في كتابه في القَضَاءِ في المرفق؟ [٢/ ٧٤٥ رقم (٣١) فما بعده] فقال: أمَّا مالكٌ فَسَاوَى بينها ثلاثتها في أنَّ معنَاهَا عندَه على وَجهِ الأمرِ بالمعروفِ، وفعله بالجار، ولم يَكُنْ يَرَى أَنْ يُجْبَرَ عليها أَحَدٌ بقَضَاءٍ، وَذُلِك يَغْتَرِقُ(٢) عندي، أمَّ الحَدِيْثُ الَّذِي رَوَاهُ مَالكٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن الأعَرجِ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِو ◌َ﴿ قال: ((لا يَمْنَعُ أحدُكُمْ جَارَه خَشَبَةً يَغْرِزُهَا في جدارِهِ. ثُمَّ يقولُ أَبُوهُرَيْرَةَ: مالي أَرَاكُمْ عنها مُعْرِضِيْنَ، وَاللهِ لأَرْمِيَنَّ بها بينَ أَكْتَافِكُمْ)) فَهَذا لازمٌ للحَاكِمِ أن يحكمَ بِهِ عَلَى من أَبَاهُ، وأن يُجْبِرَهُ عليه بالقَضَاءِ؛ لأنَّهَ حَقٌ قَضَىْ بِهِ رَسُوْلُ اللهِ﴿ للجَارِ عَلَى جَارِهِ لِلُصُوْقِ حَقِّهِ (١) العَرْصَةُ: كلُّ بُقعةٍ بين الدُّور واسعةٍ وليس فيها بناءٌ، وعَرْصَةُ الدَّارِ وسطُها، وقيل: هو ما لا بناءَ فيه، قال مالكُ بنُ الرَّيبِ المَازِيُّ التَّمِيْمِيُّ: أَخَا ثِقَةٍ فِي عَرْصَةِ الدَّارِ ثَاوِيًّا تَحَمَّلَ أَصْحَابِي عِشَاءً وَغَادَرُوا وتُجمَعُ على عَرَصَاتٍ، قال امرؤُ القَّيْسِ: تَرَى بَعَرَ الأَرْآَمِ فِي عَرَصَاتِهَا وَقِيعَانِهَا كَأَنَّهُ حَبُّ فُلْفُلِ (٢) هكذا في الأصل: ولعلَّها من اغتراقِ الفَرَسِ الخيلَ: إِذَا خَالَطَهَا ثم سَبَقَّهَا؟! أو من اختراقِ الطَّرْفِ أي: استِغْرَاقِ عُيُون النَّاظِرِين؟! ٢٨ بِجِدَارِهِ إِذَا كَانَ دَفَعَ جَارَهُ أن يغرزَ خَشَبَةً بَيْتِهِ في جِدَارِهِ من الضَّرَرِ به فيمَا لا ضَرَرَ فيه على صَاحبِ الجِدَارِ، وهو يُدخله أيضاً حَدِيْثِهِ الآخرِ: ((لا ضَرَرَ ولا ضِرّارَ)) وقد قَضَى مالكٌ للجَارِ إذا تهوَّرتْ بئرُهُ أن يسقيَ نخلَهُ وزرعَهُ ببئرِ جَارِهِ حتَّى يُصْلِحَ بئرَهُ، هَذَا أَبْعَدُ من غَرْزِ الخَشَبَةِ في جدارِ الجارِ إذا لم يَكُنْ ضَرَراً بالجِدَارِ، حتَّى إِذَا خِيْفَ أَنْ يُوهنَه ذُلِك وَأَنْ يَضُرَّ به فعند ذلك لا يجبَرُ عليه بقضاءِ، ويُقالُ لصاحب الخَشَبِ احتلْ لِخَشبك بما أحببت قال: ومثله الحديثِ الآخرِ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ، عن عَمْرِو بنِ يَحيىُ المَازِيِّ، عن أبيه أنَّه قال: ((كان في حائطِ جَدِّه رَبِيْعٌ لعبدِ الرَّحمن بن عَوْفٍ - والرَّبِيْعُ السَّاقِيةُ _(١) فأرادَ عبدُالرَّحمان أَنْ يُحوَّلَه إلى ناحِيَّةٍ من الحائط هي أقربُ إلى أرضِهِ، فَمَنَعَهُ صَاحِبُ الخَائِطِ فَكَلَّمَ عَبدُالرَّحْمِن بِنُ عَوْفٍ فِي ذُلك عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ، فَقَضَى عُمَرُ لعبدِ الرَّحْمَانِ بِتَحْوِيْلِهِ»، فَهَذَا أَيْضاً يُجْبَرُ عليه بالقَضَاءِ من أجلِ أنَّ مجْرَى ذُلِكَ الرَّبِيْعُ كَانَ لعبد الرَّحمن بن عَوْفٍ ثابتاً في الحَائِطِ، فإنَّما أراد بَتَخْوِيْلِهِ إلى نَاحِيةٍ أُخْرَى هِيَ أَقْرَبُ عليه وَأَرْفَقُ بصَاحبِ الحَائِطِ، والحُكمُ بِهِ لازمٌ للحُكَّام. قَالَ: وأمَّا الحَدِيْثُ الثَّالِثُ الَّذِي رَوَاهُ مالكٌ عن عَمْرِو بِنِ يَحْتَى المَازِنِيِّ، عن أبيه: ((أنَّ الضَّخَّاكَ بنَ خَلِيْفَةَ(٢) سَاقَ خَلِيْجاً له من (١) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٤٣/٣ ((الرَّبيعُ: النَّهْرُ الصَّغيرُ مثلُ الجدولِ والسّريِّ ونحوه، وجمعُهُ أربعاء)». ويراجع: الصِّحاح، والِّسان، والتَّاج: (ربع). (٢) هو الضَّحاكُ بن خليفة بن ثعلبة بن كعب بن عبدالأشهل، الأنصاريُّ، الأشهليُّ، ذكره أبو عمر في الاستيعاب: ٧٤١، والحافظُ ابنُ حَجَرٍ في الإصابة: ٤٧٥/٣، وذكر أنه الذي تنازع هو ومحمد بن مسلمة في السَّاقية وهو حديثنا هذا. ٢٩ العُرَيْضِ(١) فأراد أَنْ يمرَّ به في أرض مُحمَّد بن مَسْلَمَةٌ(٢)، فَأَبِىُّ مُحمَّدٌ فقالَ له الضَّحَّاكُ: وَلِمَ تَمْنَعُنِي وهو لَكَ مَنْفَعَةٌ، تَشْرَبُ بِهِ أَوَّلاً وآخِراً ولا يَضُرُكِ؟! فأبى مُحَمَّدٌ، فَكَلَّمَ فيه الضَّحَّاكُ عُمَرَ بِنَ الخَطَّاب، فَدَعَى عُمَرُ مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةً فأمرَهُ أن يُخلِّيَ سَبِيْلَهُ، فقال مُحَمَّدٌ: لا أفعلُ، قال عُمَرُ: لِمَ تَمْنَعَهُ ما يَنْفَعَهُ وهو لَكَ نافعٌ، تَسْقِيْ بِهِ أَوَّلاً وآخراً ولا يَضُرُّكَ؟! فقال مُحَمَّدٌ: لا أفعلُ، فقال عمرُ: والله لِيَمُرَّنَّ به ولو عَلَى بَطْنِكَ، فأمرَ عُمَرُ الضَّخَّاكَ أَنْ يمرّ به فَفَعَلَ)). فَإِنَّ هَذَا مِن عُمَرَ - رحمه الله - تشديدٌ عَلَى مُحَمَّدٍ بنٍ مَسْلَمَةَ إِذْ مَنَعَ في فَضْلِهِ ما لا مَضَرَّةَ عليه فيه. ولم أَجِدْ أَحَداً من أصحابِ مالكِ وغيرِهِم يَرَى أن يكونَ ذُلك لازماً في الحُكْمِ لأحدٍ، ولا يَنْبَغِي أن يَكُونَ أَحَدٌ أحقَّ بمالِ أخیهِ منه إلاَّبرضَاهُ، وليس يُشْبِهُ حكمَ عُمَرَ لعبدِ الرَّحْمَان بنِ عَوْفٍ بِتَحويلِ الرَّبِيعِ من موضِعِهِ إِلَى مَوْضِعٍ آخَرَ؛ لأنَّ ذُلِكَ كان ثابتاً لعبدِ الرَّحمن في ذُلِك الحَائِطِ، وَهَذَا لم يكنْ لهَ في أَرْضِ مُحَمَّدٍ بِنِ مَسْلَمَةَ طَرِيْقٌ، وَلاَ رَبِيْعٌ، فلذُلِكَ (١) العُرَيْضُ - تصغير عَرْضٍ أو عُرْضٍ -: وادٍ بالمدينة له ذکرٌ في المغازي. ذكره البكريُّ في معجم ما استعجم: ٩٣٨، وياقوت في معجم البلدان: ١٢٩/٤، والفيروزآبادي في المغانم المطابة: ٢٦٠، والسُّمهودي في وفاء الوفاء: ١٢٦٥. قال البكريُّ: موضعٌ من أرجاء المدينة فيه أُصُول نَخْلِ ... وله حَرَّةٌ نُسبت إليه)) وأورد حديثَ مالكِ كما هو في ((الموطأ)). كذا؟ ولعلها: ((أصوارُ نّخْلِ)). (٢) هو محمدُ بن مَسْلَمَةَ بن سَلَمَةَ بن خالد بن عديٍّ، أوسيٌّ، حارثِيٌّ، أنصاريٌّ، أبو عبد الرَّحمن المَدَّنِيُّ، حليف بني عبدالأَشْهَلِ، وهو ممن سُمِّي في الجاهلية مُحَمَّداً، اسْتَخْلَفَّهُ النَّيُّ ◌َّ على المَدِيْنة في بعضٍ غَزَوَاتِهِ، وكان مِمَّن اعتزل الفِتْنَةَ فلم يَشهدِ الجَمّلَ ولا صفِّين. رحمه الله وَغَفَرَ له ورضي عنه. أخباره في: طبقات ابن سَعْدٍ: ١٨/٣، والاستيعاب: ١٣٧٧، والإصابة: ٠٣٣/٦ ٣٠ اختلف الأمرُ فيهما، وهو أَحْسَنُ ما سَمِعْتُ فيه وبالله الهُدَى والتَّوفيق [١١٤]. ــ وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ حديثٍ مالكٍ [الَّذِي رَوَاهُ] عن ثَوْرِ بنِ زَيدِ الدِّيَلِيِّ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ ﴾ قَالَ: ((أَيُّمَا دَارٍ أو أَرْضٍ قُسِمَتْ في الجَاهليَّة فهي عَلَى قَسْمِ الجَاهِلِيَّةِ، وأيُما دَارٍ أو أَرْضٍ أَدْرَكَهَا الإِسْلَامُ ولم تُقْسَمْ فهي عَلَى قَسْمِ الإِسْلَامِ» [٧٤٦/٢ رقم (٣٥)]. قيل لعبدِ الملكِ: أَهَذَا في الدُّورِ والأرضِ كما سَمَّى في الحديثِ دُوْنَ غَيْرِهَا من الأمْوَالِ الَّتِي تُوْرَثُ؟ فَقَالَ: بَل ذُلك في جَميعِ المِيْرَاثِ كُلِّهِ، ما كان من دَارٍ، أو أَرْضٍ، أو نَاضٌّ (١)، أو ◌ِوَضٍ، وكذلك روَىْ يُونُسَ بنُ يَزِيدَ عن ابنِ شِهَابٍ عَنْ رَسُوْلِ اللهِوَله: ((كُلُّ مَا كَانَ مِنْ مِيْرَاثٍ قُسِمَ في الجَاهِلِيَّةِ فهو على قَسْمِ الجَاهِلِيَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْ مِيْرَاثٍ أَدْرَكَهُ الإِسْلاَمُ وَلَمْ يُقْسَمْ فَهُوَ عَلَى قَسْمِ الإِسْلامِ». قال عبدُالمَلكِ: فَحَدِيثُ ابنِ شِهَابٍ هَذا يَجْمَعُ المِيْرَاثَ كُلَّهَ، وهو أَجْمَعُ من حَدِیْثِ مَالِكٍ. قيل لعبدِ الملك: أَذْلِكَ في مُشْرِكِي العَرَبِ وَالمَجُوْسِ فَقَط، أم فيهم وفي اليَهُودِ والنَّصَارَىْ وَجَمِيْعِ أَهْلِ المِلَلِ؟ فقال: اختَلَفَتْ رِوَايةُ أَصْحَابِ مَالكِ في ذلك، رَوَى ابنُ وَهْبٍ وابنُ القَاسِمِ عن مَالكِ أَنَّه قَالَ: ذُلِك في مُشْرِكِيْ العَرَبِ والمَجُوسِ فقط، فَأَمَّا اليَهُودُ والنَّصَارَىُ فهم على قِسْمَتِهِمْ وإنْ أسْلَمُوا كُلُّهم قبلَ القَسْمِ. وَرَوَى (١) قال الأصمعيُّ: اسمُ الدَّراهم والدَّنانير عندَ أهلِ الحِجَازِ: النَّاضُّ والنَّضُّ، وإنَّما يُستُونَهُ ناضًّا إِذَا تَحَوَّل عَيْناً بعدَما كان مَتَّعاً؛ لأنَّه يُقالُ: ما نَضَّ بيدي منه شيءٌ. وعند غيرِ أهلِ الحِجَازِ: كلُّ مَتَاعٍ تَحَوَّل وَرِقاً أو عَيناً. ٣١ مُطَرِّفٌ، وابنُ المَاجِشُون، وابنُ نافعٍ، وَأَشْهَبُ بنُ عبد العزيز (١) عن مالكِ: أنَّ ذلك في مُشركي العَربِ والمَجُوسِ، وفي اليَهُودِ والنَّصَارَى وَجَمِيْعِ أهلِ المِلَلِ قَالَ عبدُالمَلكِ: وهو أحبُّ إلينا، وأتبعُ للحَديثِ، وأشبهُ بتأويلِهِ؛ لأنَّ رَسُوْلَ اللهِوَلْ عَمَّ بقوله: (أَيُّما دَارٍ أَوْ أَرْضٍ أَدْرَكَهَا الإِسلامُ ولم تُقْسَمْ فَهِي على قَسْمِ الإِسلام)) فلم يُميِّزْ شَيْئاً من شَيءٍ. قال عبدُالمَلكِ: ولم يختَلِفُوا كُلُّهم أنَّه وإنْ أسلم جميعُ الوَرَةِ إِلاَّ واحداً لَمْ يُسْلِمْ أنَّ القَسْمَ بَيْنَهُمْ عَلَى مَاوَرِثُوهَا عليه، لا يُجْبَرُونَ عَلَى غيرِ ذُلك إلاَّ برضّى من الَّذي لم يُسْلِمْ منهم، قَالَهُ مالكٌ وجَميعُ أَصْحَابِهِ المَدنيين والمِصْريين، فإذا أسلَمُوا أَجْمَعُوْنَ استَوَوأ في حُرمة الإِسلامِ، وفي وُجُوبِ حَقِّه، ولم يكنْ لَهُم وهم مسلمون أجمعون أنْ يَقْتَسِمُوا حَقًّ لهم عَلى قِسْمَةِ الكُفرِ وشَرِيْعَةِ الطَّاغوتِ. ۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ الَّذِي رَوَاهُ عن هِشَامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبيه: أنَّ رَقِيْقاً لحَاطِبٍ(٢) سَرَقُوا نَاقَةَ رَجُلٍ من مُزَيْنَةً فانتَحَرُوهَا، فرُفعَ ذلك إلى عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، فأمرَ عُمَرُ كَثِيْرَ بنَ الصَّلْتِ(٣) أن يقطعَ أَيْدِيَهُمْ، ثم قال عُمَرُ: أَرَاكَ تُجِيْعُهُم! واللهِ لأُغَرِّمِنَّك غُرْماً (١) تقدَّم ذكره قبل صفحات. (٢) هو حاطبُ بنُ أَبِي بَلْتَعَةَ الصَّحَابِيُّ المَشْهُورُ بدَليل رواية الحديثِ في ((الموطأ)) عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن يحيى بن حاطبٍ وعبدالرَّحمن، إنَّما هو ابن حاطب بن أبي بلتعة؛ لأنَّ في الصَّحابة كثيراً مِمَّن يُسمَّى حاطباً. ترجمته في: الاستيعاب: ٣١٢/١، وأسد الغابة: ٤٣١/١، والإصابة: ٢٩٦/٤، ٣٠/٥ قُتِلَ يومَ الحرَّةِ. (٣) كَثِيرُ بن الصَّلْتِ بن مَعْدِ يَكْرِب بن وَلِيْعَةَ الْكِنْدِيُّ، أبو عبدِ اللهِ حَلِيفُ قُريشٍ عداده في بني جُمَعٍ. قال محمَّد بن سَلَّم الجُمَحِيُّ في طبقات الشُّعراء: في ترجمة الشَّماخ اختصم الشَّماخُ وزوجته = ٣٢ [١١٥] يَشِقُّ عليكَ، ثُمَّ قال للمُزَبِيِّ: كم ثَمَنُ نَاقَتِكَ، فَقَالَ المُزنِيُّ: كنتُ - واللهِ - أمنَعُهَا من أربعِمَائةِ دِرْهَمٍ، فقالَ عُمر: أَعْطِهِ ثَمَانمَائِ دِرْهَمٍ» [٧٤٨/٢ رقم (٣٨)]. قال عبدُالمَلكِ: أمَّا تَضْعِيْفُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ القِيْمَةَ فإنَّمَا كَانَ تَشْدِيْداً منه عليه لِمَا اتَّهَمَهُ بِهِ من تَجْوِيْعِهِ غِلْمَانَهُ حتَّى أحوَجَهُم إلى السَّرِقَةِ، وليس ذلك بِلاَزِمٍ لجميعِ النَّاسِ، فَإِنَّمَا الذي يلزمُ إغرامُ القيمةِ فقط. وأمّا إسقاطُ القَطْعِ عمَّن سَرَقَ مَن جُرْعٍ فهي السُّنةُ؛ لأَنَّهَا شُبْهَةٌ، وقد قال رَسُوْلُ اللهِّهِ: ((ادْرَؤُوا الحُدُوْدَ بالشُّبُهَاتِ)) وقد عَمِلَ بذلك عُمَرُ، رأىُ الجُوْعَ شُبْهَةٌ دَرَأَ بها القَطْعَ عَمَّن سَرَقَ، فَكَانَ لا يَقْطَعُ فِي سَنَةِ المَجَاعِةِ، والعبيدُ في ذلك وَالأَحرارُ بمنزلةٍ واحدةٍ، سَوَاءٌ مَنْ سَرَقَ شيئاً حين خَافَ أن يهلَكَ جُوْعاً فَتَبَتَ ذُلك بالبيِّنَةِ العَادِلةِ ممَّن عُرِفَ جُوعُهُ، ومبلغُ ذُلكَ منه فلا قَطْعَ عليه، وسَواءٌ سَرَقَ ما يَأْكُلُ أو غيرَ ذُلك من الأموال، إذا رأى أنَّه إنَّما أخذَ ما يردُّ به جُوْعَهُ، وما رُِّيَ إنَّما سَرَقَهُ لغيرِ الجُوعِ مما يَرَى أَنَّه سَرِقَاتُ أَهْلِ الفَسَادِ والاختفَاءِ؛ لاسْتِهْلَاكِ أَمْوَالِ النَّاسِ فعليهَ فيه القَطْعُ، وإن كان يومَ سَرَقَ قد جاعَ؛ لأنَّه قد سَرَقَ ما لا يُسرَقُ مثله لردِّ الجُوعِ، وَهَكذا فسَّر لي مَن لَقِيْتُ من أصْحَابِ مالكِ عندما كاشَفْتُهُمْ عنه، وقد قَالَّهُ ابنُ القَاسِم أيضاً. ۔ وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ حَدِيْنَيْ مالكٍ اللَّذَيْنِ رَوَاهُمَا عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ، وَعثمانَ بنِ عقَّان في صَدقةِ الوَالِدِ = إلى كَثِيْرٍ، وكان عثمان أقعده للنَّظر بين النَّاس ... يُراجع: الإصابة: ٦٣٢/٥، وطبقات فحول الشعراء: ١٣٤. ٣٣ على ولدِهِ أَمْتَضادَّانِ هُّمَا أم في مَعْنِىّ وَاحدٍ؟ اختَلَفَ القَوْلُ منهما فيه أم هما مُفْتَرِقَانِ عَلَى مَعْنَيْنِ؟ فقال: بل هُما مُفتَرِقَانِ على مَعْنَيْنِ؛ أمَّا حَدِيْثُ عُثْمَانَ الَّذِي رَوَاهُ مَالكٌ عن ابنِ شِهَابٍ، عن سَعِيْدِ بن المُسَيّبِ: أنَّ عُثمانَ قال: ((مَنْ نَحَلَ ولداً له صَغِيراً لم يَبْلُغْ أَن يَجُوْزَ نَحْلُهُ، فَأَعْلَنَ بها وأَشْهَدَ عليها فهي جائزةٌ، وأنَّ وَلِيَهَا أَبْوُهُ، فإنَّما هو في كُلِّ صَغيرٍ لم يَبَلِغِ الخُلُمَ، وَسَفِيْهِ كَبِيْرٍ، قد بَلَغَ الحُلُمَّ، أو پکْرٍ لم تُنْكَحْ وتَبِنْ إلی زَوجها. ومعنى قَولِهِ: ((وأنَّ وَلِيَهَا أَبُوْهُ»: أن يَلِيَهَا له بالتَّثْمِيْرِ والتَّوْفِيْرِ والنَّظرِ له فيها وإنْ كانت في يَدَيْهِ، فأمَّا مَنْ قد بَلَغَ الخُلُمَ والرُّشْدَ من ذكرٍ ولدِ الرَّجُل وإنْ كان مَعَ أبيه، ومَنْ قد بَانَ من بَنَاتِهِ إِلى زَوْجِهَا وَدَخَلَتْ بيتَها، أو كانت ثيّاً وإن كانت في بَيتِ أَبِيْهَا فَهَؤُلاَءِ (١) لا يَحُوْزُونَ لأَنْفُسهم بقبْضٍ ذُلك من أبيهم وإخراجه من ولايته، وليسَ يَحُوْزُ الأَبُّ عَلَىْ مثل هَؤُلاءِ؛ لأنَّهم قد مَلَكُوا أَنفسَهِم وَأَمْوَالَّهُم، وَهَؤُلاَءٍ فِي صَدَقَاتِ أبيهم عَلَيْهِم كَالأَجْنَبِيٍّ، يلزَمُهُمْ من حِيَازَيِّهَا ما يلزَمُ الأجنَبِيَّ، وَإِيَّهُمْ أَرَادَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ في حَديثِ مالكِ الذي رَوَاهُ عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبِيرِ، عن عبدالرَّحمن بن [١١٦] عَبْدٍ القارىء: أَنَّ عُمَرَ بِنَ الخَطَّاب قال: ((ما بالُ رِجَالٍ يَتْحَلُوْنَ أَبْنَاءَهُمْ نِحَلَا ثُمَّ يُمْسِكُوْنَهَا فإنْ ماتَ ابنُ أَحَدِهِمْ قال: ماِي بِيَدِي لَمْ أُعطِهِ أَحَداً، وَإِنْ مَاتَ هُوَ قَالَ: هو لائِنِي قَدْ كُنْتُ أَعْطَيْتُهُ إِيَّهُ، مَنْ نَحَلَ نِحْلَةً فلم يُحِزْها الذي نُحِلَهَا حتَّى تَكُوْنَ إِنْ مَاتَ لِوَرَثَتِهِ فَهِيَ بَاطِلٌ)). [٧٥٣/٢ رقم (٤١)]، فكان مَعنى (١) في الأصل: ((فإن ولا)). ٣٤ حَدِيثِ عُمَرَ هَذا في غَيْرِ الأَصَاغِرِ من وَلَدِ الرَّجل جَعَلَهُمْ عُمَرُ فِي حَيَازَاتِ صَدَقَاتِهِمْ كَالأَجْنَيِّنَ فافْهَمْ تلخيصَ ذُلِكَ وَتَمَيَّزْهُ، فَكَذلِكَ فسَّرَ لِي مَنْ لَقِيْتُ من أَصْحَابِ مَالِكٍ عن مالكِ حينَ كَاشَفْتُهُمْ عَنْهُ. قال عبدُالملكِ: وَمِنَ الدَّليلِ عَلَى معنى حديثِ عُمَرَ هَذَا حَديثُ أبي بكرِ الَّذِي رَوَاهُ مَالٌ، عن ابنِ شِهَابٍ، عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، عن عائشةَ: ((أنَّها ذَكَرَتْ أنَّ أَبَاهَا كان نَحَلَهَا جَادَّ عشرين وَسْقاً من مالِهِ بِالغَابَةِ(١)، فلمَّا حَضَرَتْهُ (١) قوله: ((جَادّ عشرين وَسْقاً) شرحها أبو الوليد الباجي في المُنْتَقَى ٩٤/٦: فقال: ((قال عيسى بن دينار: معناه: جداد عشرين وسقاً من تمر نخله إذا جُدَّ. وقال ثابتٌ: قوله: ((جادّ عشرين وسقاً) يعني أنَّ ذُلك يُجدُّ منها ويُصْرَمُ. وقال الأصمعيُّ: يقال: هذه أرضٌ جادًّ مائة وَسْقٍ، يريد: إِنَّ ذُلك يُجَدُّ منها، فعلى تفسيرٍ عِيسَى قوله: ((جادًّ عشرين وسقاً) صفة للثَّرةِ الموهوبةِ، فتقديره: وهبها عشرينَ وَسْقاً مَجْدُوْدَةً، وعلى تَفْسيِرِ ثَابتٍ قَوْلُهُ: ((جَادَّ عشرين وسقاً) صفة للنَّخل التي وهب ثمرتها فمعناه: وهبها ثمرة نخل يجدُّ منها عشرون وَسْقاً. والله أعلمُ وأحكمٌ)). وفي تعليق الوَقَّشِيِّ: ٢١٣/٢: ((أراد حائطاً يُجَدُّ منه هَذَا العَدَد، وَهَذَا كَلامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ المَجَازِ؛ لأنَّ الحَائِطَ يُجَدُّ منه الثَّمرُ، ولا يَجُدُّ هو، فهو في الحقيقة مَجْدُودٌ لاَ جَادٌّ، وله تأويلان: أَحَدُهُمَا: أنَّ الحائطَ لمَّا كان يُنْبِتُ التَّمرّ ويُعطيه جازَ أن يُؤتى به على لفظِ الفاعلِ كقولهم: هذه الأرض تُعطي من الزَّرع كَذَا وكَذَا، وناقةٌ تاجرةٌ في السُّوق، وإنَّما هي متجورٌ فيها، ولكن لما كانَ حسنُها هو الذي يُنفِقُها كان لها حظٌّ من الفعلِ. والثّاني: أنَّ العَرَبَ قد تأتي بالمفعول على صِيْغَةِ الفَاعلِ على معنى النَّبِ كقولهم: ليلٌ نائمٌ، ونهارٌ صائمٌ، ولحمٌ حاِذٌ: للمشويِّ المحنوذِ والحَنِيّذِ، وإنَّما يُنَامُ في الَّيْلِ، ويُصَامُ في النَّهارِ. والغابةُ المذكورة: أرضٌ بعينها في المدينة الشَّريفة، وهما أرضان الغابة العُلْيَا والغابة السُّفْلَى. يُراجع: معجم ما استعجم: ٩٨٩، ومعجم البلدان: ٢٠٦/٤، والرّوض = ٣٥ الوفاةُ قال: والله يا بُنَّ مَا مِنَ النَّاسِ أَحَدٌ أَحبُّ إلي غِنىٌ بعدي مِنْكِ، ولا أعزّ عَلَيَّ فَقْراً بعدِي مِنْكِ، وإِنِّي كنتُ نَحَلْتُكِ جَاذَّ عشرين وَسْقاً، فلو كنتُ جَدَدْتِيْهِ واحتَزْتِيْهِ كَانَ لَكِ، وإِنَّمَا هُوَ اليومَ مالٌ وَارِثٌ، وإنَّما هُمَا أَخَوَاكِ وأخْتَاكِ فاقتَسِمُوه عَلَى كتابِ الله عزَّ وجَلَّ، فَقَالَتْ عائشةُ: فَقُلْتُ يا أَبَتِ واللهِ لو كان كَذَا وَكَذَا لَتَرَكْتُهُ. إنَّما هي أَسْمَاء فَمَنِ الأُخْرَىُ؟! فقال أبوبكرٍ: ذُو بَطْنٍ بنتُ خارجةَ، أُرَاهَا جَارِيةٌ) [٧٥٢/٢ رقم (٤٠)]. فأعلَمَهَا أَبوبكرٍ - رحمه الله - أنَّه لا يَجُوْزُ عليها عَطِيَّتُهُ، وأَنَّها في حِيَازَتِهَا وقَبْضِهَا كالأَجْنَبِيِّ. قيلَ لعبدِ المَلكِ: فَمَنْ أراد أبوبكرٍ بقَوْلِهِ في هَذَا الحَدِيْثِ: ((إنَّما هُمَا أَخَوَاكِ وأُخْتَاك؟)» فَقَالٍ: أَخَوَاهَا عبدُالرَّحمن، وَمُحَمَّدٌ ابنا أبي بكر الصِّديقِ، فأمّا عبدالرّحمن فهو أَخُوها لأُمَّها، أمّهما أمُ رُومان(١). وأمَّا مُحَمَّدٌ فَأُتُهُ المعطار: ٤٢٥، والمغانم المُطابة: ٢٩٩، ووفاء الوفاء: ١٢٧٥. ونقل الواقديُّ الخبرَ بمعناه = فقال: ((المدائنيُّ: عن الحسن بن دينار عن الحسن قال: قال أبو بكر لعائشةَ: إنِّي كنتُ نَحَلْتُكِ حَائِطي، وإن في نفسِي من ذُلك شَيْئاً فرُدِّيه إلى المِيْرَاثِ ... )). (١) أمُّ رُومان بنتُ عامر بن عويمر، كنانيَّةٌ، وكانت تحتَ عبدِ الله بن الحارث بن سخبرة الأزدي، فقدم بها مكة، وحالفَ أبابكرٍ قبلَ الإسلامِ، وتُوفي عنها فَخَلَفَ عليها أبوبكرٍ، فولدت عائشةً أمّ المُؤمنين وعبدالرحمن بن أبي بكر. وهاجرت أمّ رومان وماتت بالمدينة في ذي الحِجَّةِ سنةً ستُّ من الهجرةِ فصلِّى عليها رَسُوْلُ اللهِ ﴿ ونزلَ في قَبرها، وقال: ((من سَرَّه أن ينظر إلى امرأةٍ من الحُورِ العِينِ فَلَيَنْظُرْ إِلى أمِّ رومان)) واختُلف في اسمها فقيل: زينبُ، وقيل: دَعْدٌ. أخبارها في: أنساب الأشراف: ٩٠، وجمهرة النَّسَب: ٤٩٣/١، وطبقات ابن سعد: ٢٧٧/٨، والتَّبيين في أنساب القُرشيين لابن قدامة: ٣١٠، والإصابة ... وغيرها. ٣٦ أَسْمَاءُ بِنتُ عُمِيسِ الخَتْعَمِيُّ(١) التي كانَتْ قبلَه تحتَ جَعْفَرِ بِن أَبِي طَالِبٍ، وَصَارَتْ بعدَه تحتَ عليٍّ بنِ أبي طالبٍ، وقد وَلَدَتْ منهم ثلاثَتِهِمْ. وأُختَاهَا أَسْمَاءُ وأُّ كُلثوم ابنَةَ أبي بكرٍ، فَأَمَّا أسْمَاءُ فهي أختها لأُمِّها، أُمُّهُمَا أَمّ عبدِالرَّحمن أَمُ رُومَّان(٢). وأمَّا أُمُ كُلْتُوْمٍ فهي التي قَالَ أبوبكرٍ فيها: ((ذُو بَطْنٍ بنتُ خارجة أُرَاهَا جَارِيَةً»، وذلك أنَّه كان تزوَّج امرأةً من الأَنْصَارِ يقالُ لها: حَبِيْبَةُ بنتُ خَارِجَةَ بنِ زيدِ الأَنْصَارِيِّ(٣)، وكان له منها حَبْلٌ فِي وَقْتِ مَوتِهِ ففيه (١) قال الحافظ ابن عبدالبرّ: من المهاجرات إلى أرض الحبشة مع زوجها جعفر بن أبي طالب، فولدت له هناك: محمداً وعبدَالله وعَوْناً، ثم هاجرت إلى المدينة، فلما قُثْلٍ جعفرُ بن أبي طالب تزوَّجها أبوبكرٍ الصدِّيقُ فولدت له محمد بن أبي بكرٍ، ثُمَّ ماتَ عنها فَتَزَوَّجَهَا عَلِيُّ بن أبي طالبٍ، فولدت له يَحيى بنّ عليّ بن أبي طالبٍ لا خلافَ في ذلك. أخبارها كثيرة في أنساب الأشراف: ٨٧، ١٠٤، وطبقات ابن سعد: ٢٨٠/٨، ونسب قُريش: ٨١، والاستيعاب: ٣٤٧/٤ ... وغيرها. (٢) هَذا غَيرُ صَحِيْحٍ، والصَّحِيْحُ أنَّ أُمَّهَا قَيْلَةُ، وقيلَ: قتيلة بنت عبدِالعُزَّى بن عبد بن أسعد بن نصر، من بني عامر بن لؤيٍّ. كَذَا قَالَ الحَافِظُ ابنُ عَبدالبرِّ في الاستيعاب: ٣٤٥/٤ وغيره. وكذا في نسب أبي بكر - رضي الله عنه - في أنساب الأشراف: ٨٧. وهي والدةُ أسماء بنت أبي بكر وشقيقها عبد الله بن أبي بكر؛ ولم يذكر المؤلِّفُ عبدٌ الله؛ لأنه لم يَرد في الحديث، والذي ورد هنا (أخواك وأختاك) وأمَّا عبدُاللهِ فتوفيَ قبل أبي بكرٍ - رضي الله عنه - شَهِدَ يومَ الطائفِ مع النَّيِوَ اهُ فُجُرح جراحةٌ انتقضت به بعدُ، فمات منها في خلافة أبيه. وله أشعارٌ وأخبارٌ. وكان السَّهمُ الذي أصابه يوم الطَّائف لأبي مِحْجَن الثَّقَفِيِّ فلما أخرجه أبوبكر قال أبومِحجن الثّقفي أنا بريته ورشته ورميته به، ثم رَزَقَ اللهُ الإسلامَ أبامحجنٍ رحمه الله ورضي عنه. (٣) أخبار حبيبة في طبقات ابن سعد: ٢٦٢/٨، والاستيعاب: ٣٦٩/٤، وأسد الغابة: ٦٠/٧، والإصابة: ٥٧٥/٧، وفي أسد الغابة: ((حبيبة بنت زيد .. )) وفي الإصابة: حبيبةٌ بنت = ٣٧ قال: (أُرَاهَا جَارِيَّةً)) فكانَ الأمرُ كَمَا ظَنَّ، وُلِدَتْ بعدَ موتِهِ جاريةً سمَّتها عائشةٌ أَ كُلْثُوْمٍ، وَبَقِيَتْ حَتَّى بَلغت. فَحَدَّثني إبراهيمُ بنُّ المُنذر الحِزَامِيُّ، ومحمَّدُ بنُ سَلَّمِ البَصْرِيُّ، عن سُفيان، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ قال(١): خَطَبَ عُمَرُ بنُ الخَطَّبِ أَّ كُلْتُوْمٍ ابنةَ أبي بكرِ الصِّدِّيقِ إِلَى عائشةَ فَأَطْمَعَتْهُ وَقَالَتْ له: أينَ المَذْهَبُ بِهَا عَنْكَ؟ فلمَّا خَرَجَ عنها قَالَتِ الجَارِيَةُ: تُزَوِّجِيْنِي من عُمَّرَ وقد عرفتٍ من غِيْرَتِهِ وَشِدَّةٍ خُلُقِهِ وخُشُوْنَةٍ عَيْشِهِ؟!، واللهِ لَئِنْ فَعَلْتِ لأخرجَنَّ إلى قَبْرِ الشَّبِّ وَ ﴿ وَلِأَصِيْحَنَّ بأبي ولأبكينَّ عندَه، إنَّما أُرِيْدُ فَتَىَ من قُريش يصبُّ عليَّ الدُّنيا صَبَّ، فَأَرْسَلَتْ عائشة إلى عَمْرِو بنِ العَاصي فأخبَرَتْهُ الخبرَ وقالَت: حُبَيْلَتُكَ، قال: أَكْفِيْكِهُ، فَدَخَلَ عمرٌو على عُمرَ فقال: يا أميرَ المُؤمنين لو جَمَعْتَ إِلَيْكَ امرأةً فقال [١١٧] كأنَّك قد رأيتَ ذلك من أيامِكَ هَذه، قال: فَمَنْ ذَكَرَ أميرُ المؤمنين؟ قال: أمّ كلثُومِ ابنةَ الصَّالح، قال: يا أميرَ المُؤمنين مالِكَ وَلِجَارِيَّةٍ غَرِيْرَةٍ تنعي إليكَ أباها بكرةً وَعَشِيَّةً؟ فَأَنَّى عَيْشٌ مع ذلك؟ فنظرَ إليه عُمَرُ ثُمَّ قَالَ: أَقِيْتَ عَائِشَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: منها لَعَمْرُ اللهِ، قد تَرَكْتُهَا، فَتَرَكَهَا فتزوَّجَهَا طَلْحَةُ بنُ عُبَيْدِ اللهِ، فَقَالَ عليٍّ: لَقَد تَزَوَّجَهَا فَتَى أَصحابِ محمَّد لهما، يعني في السَّخاءِ. ۔ وسألنا عبدالملكِ بن حبیب عن شرح حديث مالك الَّذِي رَوَاهُ عن ابن شِهَابٍ عن [حُمَيْدِ بن عبدالرَّحمن بن عوفٍ و] محمَّدٍ بنِ الثُّعمانِ بنِ بَشِيْرٍ، أَنَّهما حَدَّثَاهُ عن النُّعمانِ بن بَشِيْرٍ: ((أنَّ أَبَاهُ بَشِيْراً خارجة بن زيد أو بنت زيد بن خارجة ... )). = (١) الخبرُ مذكورٌ في كتب الطَّبقات والأخبار، وكُتُب الأحاديث والآثار برواياتٍ مختلفةٍ ترجعُ في مضمونها إلى كلامِ المؤلِّفِ ابنِ حَيْبٍ. ٣٨ أتى به إلى رَسُوْلِ اللهِ وَله فقال: إنِّي نَحَلْتُ ابني هَذَا غُلاَماً كان لي، فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِوَ﴿: أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مثلَ هَذا؟ قال: لا، قال رَسُوْلُ اللهِ نَّه فَارْتَجِعْهُ» [٧٥١/٢ رقم (٣٩)]. قال عبدُالملكِ: ليس تأويلُهُ أن لا يجوزَ الرَّجُلِ أن ينحلَ بعضَ وَلَدِهِ دُوْنَ بَعْضٍ، قد نَحَلَ أبوبكرٍ عائشةَ جَادَّ عشرين وَسْقاً من نَخْلِهِ، دُوْنَ غَيْرِهَا من وَلَدِهِ، لَكنَّ تأويلَهُ على الأمرِ بالمُساواة بينَ الأبناءِ فِي العَطِيّةِ. وقد حدَّثني عُبَيْدُ الله بنُ مُوسَى الكُوفِيُّ، عن الأَوْزَاعِيِّ، عن يحيى بن أبي كَثِيْرٍ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَ ◌ّهِ قال: ((سَاوُوا بِينَ أولادِكُمْ فِي العَطِيَّةِ فإنّي لو كنتُ مؤثِراً أحَداً على أحدٍ لآَثَرتُ النِّساءَ على الرِّجالِ)). وحذَّثني هرُونُ الطَّلْحِيُّ، عن عبدالرَّحمن بن زيد بن أَشْلَمَ، عن أَبيه: أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَه قال: ((سَاوُوا بِينَ أَوْلاَدِكُمْ فِي العَطِيَّةِ، لا تُوْرِثُهُمُ الضَّغَائِنَ)). وَحَدَّثَنِي ابنُ المُغِيْرَةِ عن مَالكِ بن مِعْوَلٍ، عن إبراهيم النَّخعِيِّ: أَنَّه كان يعدِلُ بين ولده حتى في القُبَلِ. وبلغني عن طَاؤُوس اليَمَانِي مثله. وحدَّثني ابنُ مَعْبَدٍ، عن يُونسَ بنِ عُبَيْدٍ، عن الحَسَنِ، قَالَ: ((بَيْنَا رَجُلٌ جَالِسٌ عندَ رَسُوْلِ اللهِوَهَ دَخَلَ عليه ابنٌّ لَهُ فَضَتَّه لَهُ، ثُمَّ أَجْلَسَهُ على فَخِذِهِ، ثم جَاءَتِ ابنَّةٌ لَهُ فَضَمَّهَا إِليه وأَجْلَسَهَا على الأَرضِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ [َ] فَهَلَّ ساوَيْتَ بينَهُما، فأخذَهَا فأجلَسَها على فَخِذِهِ، فَقَالَ: الآنَ عَدَلَتَ)). قال عبدُالملكِ : فإنَّما تأويلُ حديثِ النُّعمان بن بشيرٍ على وَجْهِ اسْتِخْبَابِ المُساوَاتِ بينهم من غيرِ تَحْرِيْمٍ لِمَنْ فَعَلَ غيّر ذلك، فقد يكونُ بعضُ الوَلِدِ أَبَرَّ بأبيه وَأَطوعَ له فيستَوَجِبُ أنْ يؤثرَهُ على غَيْرِهِ ممن لَيْس على حَالِهِ، ٣٩ فلا بأسَ بِذُّلك(١). - وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحِ (العُمْرَى) في حديثٍ مالكٍ الَّذِي [١١٨] رَوَاهُ عن ابنِ شِهَابٍ، عن أبي سَلَمَةَ بنِ عبدِ الرَّحْمَن، عن جَابِرِ بنِ عبدِ اللهِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَلِ قَالَ: ((أَيَّما رَجُلٍ أَعْمَرَ عُمْرَى لَهُ ولِعَقِبِهِ فإنَّها للذي يُعْطَاهَا لا تَرْجِعُ إِلَى الَّذِي أَعْطَاهَا أَبَداً؛ لأَنَّه أَعْطَى عَطَاءً وَقَعَتْ فيه المَوَارِيْثُ)) [٧٥٦/٢ رقم (٤٣)]. قال عبدُالملكِ: سمعتُ أصحابَ مالكِ بالمَدينةِ وغيرِهَا يقولُون: قد جَاءَ هَذا الحَديثُ ولاَ نَدْرِي مَا حَقِيْقَتُهُ؟ غيرَ أنَّ العَمَلَ لم يصحبْهُ ولعلَّه أن يكونَ مَنْسُوخاً، أو يكونَ حاملُهُ أوهمَ فيه، هَكَذَا سَمِعْنَا مَالكاً يَقُولُ فیه، وغَيْرَهُ من أَكَابِرِ عُلَمَاءِ المَدينةِ. وَقَدْ رَوَى مالكٌ عن يحيى بنِ سَعِيدٍ أنَّ مَكْحُوْلاً سَأَلَ القَاسمَ بنَ مُحَمَّدٍ عن العُمْرَىُ وَمَا يَقُوْلُ النَّاسُ فيها؟ فقال القَاسمُ: مَا أَذْرَكْتُ النَّاسَ إلاَّ وَهُمْ عَلَى شُرُوطِهِم في أَموالِهِم وفيما أَعْطَوْا. قَالَ مالكٌ: وَهَذَا الَّذِي جَرَى به (١) ذكر أبو عمر بن عبدالبرِّ - رحمه الله - في التَّمهيد: ٢٢٣/٧ -٢٣٠ أقوالَ العُلماء في ذُلك وبيانَ حُججهم ثم قال: ((قال أبوعُمر: أكثرُ الفقهاء على أنَّ معنى هذا الحديثِ النَّبُ إلى الخيرِ والبرِّ والفَضْل، لا أنَّ ذُلك واجبٌ فَرْضاً أن لا يُعْطِيَ الرَّجُلُ بعضَ ولده دونَ بعضٍ على ما ذَهَبَ إليه أهلُ الظَّاهر، والدَّليلُ على أنَّ ذُلك كذلك على النَّدْبِ لا على الإيجاب - مما احتجَّ به الشَّافِعِيُّ وغيرُهُ - إجماعُ العُلماءِ على جَواز عطية الرَّجُلِ ماله لغير وَلَكِهِ، فَإِذَا جازَ أن يُخرِجَ جميعَ ولده عن ماله جاز له أن يخرجَ عن ذلك بعضَهم. وأمَّا قصَّةُ النُّعمان بن بشير هذه فقد رُويَ في حديثه ألفاظٌ مختلفةٌ تدلُّ على النَّدبِ لا على الإيجابِ، منها مَا رَوَاهُ دَاوُد بن أبي هند عن الشَّعبيِّ ... )). ٤٠