النص المفهرس
صفحات 441-456
حَمَلٍ بن مالك بن النَّابغةِ (١) حِينَ أَتَى رَسُوْلَ اللهِ لَ فَقَالَ: (كُنتُ بينَ جَارِيَيْنِ لِي فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى بِمِسْطَحِ(٢) فَلَقَتْ جَنِيْنَاً مَيِّاً وَمَاتَتْ، فقضَى رَسُوْلُ اللهِ لّهِ بِدِيَّةِ المَقْتُولِ على عاقلةِ القَاتِلَةِ، وَجَعَلَ في الجَنِيْنِ غُرَّةً، عبداً أو وَلِيْدَةً)). قال عبدُالملكِ: ومنه قولُ مُهَلْهِلٍ (٣) : (١) حديث حَمَلٍ في غَريبٍ أبي عُبَيْدٍ: ١٧٥/١، ويراجع: الاستيعاب: ٤٢٨/١، والتَّمهيد: ٤٧٩/٦، وذكر الحافظ ابن عبدالبرِّ اسمي الجاريتين، وأخبار حَمَلٍ في أسد الغابة: ٥٨/٢، والإصابة: ١٢٥/٢، وطبقات ابن سعدٍ: ٣٦/١، ١٧٦، والتاريخ الكبير: ١٠٨/٣، والجرح والتَّعديل: ٣٠٣/٣، والإكمال: ١٢٢/٢ وغيرها. و(حَمَل) بالحاء المهملة وفتحتين. قال الحافظ ابن ناصر الدِّين في التَّوضيح: ٤٣٠/٢ حَمَلِ بحاءٍ. قلتُ: مهملة مفتوحة كالميم. قال: حَمَلُ بن مالكِ بن النَّابغة. قلتُ: ويقال: حَمَلَةُ بن مالكٍ». أقول - وعلى الله أعتمدُ -: وهو مُذَلِيٌّ يُكنى أبانَضْلَةَ، استعمله رَسُوْلُ اللهِ لَ على صَدَقَات هُذَيْلٍ نَزَلَ الْبَصْرَةَ، وله بها دارٌ، عَاشَ إلى خلافة عُمَرَ. قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: ((جاء ذكره في حديث أبي هُريرَةٍ في ((الصَّحيح)) في قصَّةِ الجَنين. ورواه أبوداود والنَّسائي بإسنادٍ صحيح أيضاً من حديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما)). (٢) شرحه المؤلّف كما سيأتي. (٣) البيتان في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٧٦/١، لمُهَلْهِل، وهو شاعرٌ جاهليٌّ اسمه امرؤ القيس، وقيل: عديٌّ - قاله ابن سلَّمٍ -، ابن ربيعة، من بني ◌ُشم بن بكر، من بني تَغلب، خال امرؤ القيس، وجدُّ عَمْرِو بن كلثوم لأمّ. فَادَ حَرْبَ البَسُوْسِ على إثرِ مقتل أخيه كُلِيبٍ. مات في البادية بعد تقدم سنة، وقيل: مات أسيراً. أخباره في معجم الشعراء: ٢٤٨، وطبقات الشعراء: ٣٩، والمؤتلف والمختلف: ١١. ولقبه في كشف النِّقاب لابن الجوزي: ٤٣٧، ونزهة الألباب للحافظ ابن حجر: ٢٠٧، لقَّب بذلك؛ لأنَّه أول من هلهلَ الشِّعرَ؛ أي: أطاله، قال أبوهلال العسكري في الأوائل: ١٩٤/٢ («أول من قصَّد القصائد مُهلهل يقول = ٤٤١ كلُّ قَتِيْلٍ فِي كُلَيْبٍ غُرَّةْ حَتَّى يَنَالَ القَتْلَ آلُ مُرَّهُ يقولُ: كلُّ قَتِيْلٍ بِكُلَيْبٍ فليسَ بَكُفْوٍ لَهُ، إِنَّمَا هُمْ بِمَنْزِلَةِ العَبِيْدِ وَالإِمَاءِ، حتَّى أَقْتُلَ آلَ مُرَّةَ فَهُمُ الأُكَفَاءُ حِيْنَئِذٍ. قَالَ عبدُالملكِ: والمِسْطَحْ(١): عُوْدٌ من أَعوادِ الخِبَاءِ أو الفِسْطَاط، قال مَالكُ بنُ عَوْفٍ النَّضْريُّ (٢): الفرزدق: [دیوانه: ١٥٩/٢ دار صادر]. = ومُهَلْهِلُ الشُّعَرَاءِ ذَاكَ الأوَّلُ [وأخو يَنِي قَيْسٍ وهُنَّ قَتَلْنَهُ] يُراجع: العمدة: ٨٧/١، والشِّعر والشُّعراء: ٢٩٧. ويراجع أيضاً: غاية الوسائل إلى معرفة الأوائل لابن باطيش: ورقة ٢٢٥ بخطه. والشاهد الذي أورده المؤلِّف قاله مهلهل لما قتل بجيراً ابن أخي الحارث بن عُبَادٍ وقال: بُؤِبِشِسْعٍ نَعْلِ كُلَيْبٍ، وَقَالْ مُهَلْهِلٌ: كَلَّ قَتِيْلٍ فِي كُلَيْبٍ حُلَّم حَتَّى ينالَ القَتْلُ آلَ همَّام كُلُّ قتيل ...... البيتين يراجع الخبر في الأغاني: ٤٥/٥ فما بعدها (ط) دار الكتب والخبرُ مشهورةٌ في كتب الأدب وغيرها. (١) الشَّرحُ كلُّه لأبي عُبَيْدٍ، رحم الله أباعُبَيْدٍ، يُراجع: غريب الحديث له: ١٧٥/١ . (٢) النَّضْرِيُّ - بالضَّادِ المُعْجَمَةِ - هَكَذَا هُنا وفي غَرِيْبٍ أَبِي عُبَيْدٍ والصَّحِيْحُ أنَّه (النَّصْرِيُّ) بالصَّاد المهملة، منسوب إلى (بني نَصْر بن معاوية بن بكر بن هَوَازن) وهو مالكُ بن عَوْف بن سَعِيد ابن ربيعة بن يربوع، أبو عليٍّ. كَانَ رَئيسَ المشركين يومَ حُنين. ثم أسلمَ، وكان من المؤلِّفةِ قلوبهم، وشهد القادسيََّ وفتحَ دمشق. هو معدودٌ في شُعَرَاء الصَّحَابةِ وأورَدَ له الحافظ ابن عَسَاكر في تاريخه بعضَ شعرِهِ. وذكره خليفة بن خياطٍ في عمَّالِ النَّبِيِّ (آ﴾ على هَوَازِن، = ٤٤٢ وَمَا خَيْرُ ضَيْطَارٍ يُقْلِّب مِسْطَحًا تَعَرِّص ضَيْطَارٌ خُزَاعَةَ دُونَنَا قال عبدُالملكِ: والضَّيْطَارُ: العِلْجُ الضَّخْمُ، والكثيرُ: ضَيَاطِرَةٌ، يَقُوْلُ: لَيْسَ مَعَهُ سِلَاحٌ يُقَاتِلُ به غير مِسْطَحٍ، يعني عُوْدَ الخِبَاءِ كَمَا فَعَلَ العِلْجُ وَالعَبْدُ. ۔ وسألنا عبدالملكِ بن حَبِیپٍ عن شرح حديث مالكٍ الَّذِي رَوَاهُ عن ابنِ شِهَابٍ، عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: أنَّهَ كَانَ يَقُولُ: ((في الشَّفَتَيَّنِ الدّيةُ كَامِلَةً، فإذا قُطِعَتِ السُّفْلَى فَفِيْهَا ثلثا الدِّية)) [٨٥٦/٢ رقم (٦)]. قال عبدُالملكِ: كان مالكٌ يَقُولُ: هَذَا قَوْلٌ شَاءٌ لَيْسَ عليه جَمَاعَةُ العُلَمَاءِ، وَالسُّفْلَى وَالعُلْيَا فِي دِيَتِهَمَا سَوَاءٌ، في كُلِّ وَاحِدةٍ نِصْفُ الدِّيَّةِ. - وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ [٩٨] حَديثِ مالكٍ وَنَصْرٍ، وثقيفَ، وسعدِ بن مالكٍ، وَسَمَّهُ (عوف بن مالك) قال الحافظُ ابنُ حَجَرٍ: ((كذلك = قال، وكأنه انقَلَبَ عليه، والمعروف مالك بن عَوْقٍ. ومن طرائف الأخبار أنَّ مالكاً - رضي الله عنه - هذا لمَّا فُتحت دمشق سَكَنَهَا فأقطَعَهُ معاويةُ - رضي الله عنه - داراً كانت كنيسة النَّصَارَى عُرفت بعد ذلك بدار بني نَصْرٍ، وخاصم النَّصارى فيها أيام عمر بن عبدالعزيز - رحمه الله - فردَّها عليهم، فلما ولي يزيد بن عبدالملك ردَّها على بني نصرٍ. عن (تاريخ مدينة دمشق). يُراجع: الاشتقاق: ٢٩٢، والمعارف: ٨٦، ٣١٥، ومغازي الواقدي: ٨٨٥/٢، وسيرة ابن هشام: ٤٣٧/٢، والمحبر: ٢٤٦، ٤٧٣، والإكمال: ٣٩٠/١، وتاريخ خليفة: ٥٧، ٦٠، والإصابة: ٧٤٣/٤، ٧٤٢/٥. البيت الذي أنشده له المؤلّف في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١/ ١٧٥، وهو في التهذيب: ٢٧٩/٤ وفيه (عوف) ٤٩٠/١١ وفيه مالك. وكذلك هو في اللِّسان في موضعين في الأول عوف، وفي الثاني مالك تبعاً المذكور في اسمه الذي مَرَدُّهُ الوَهْمُ، يقولُ أبو مِحْجَنِ التَّقَفِيُّ: ثُمَّ تَغْزُونا بني سَلِمَهْ هَابتِ الأَعْدَاءُ جَانِبَنَا نَاقِضاً للعَهْدِ والحُرُمَةْ وَأَتَانًا مَالِكٌ بِهِمُ ٤٤٣ الَّذِي رَوَاهُ عن يحيى بنِ سَعِيْدٍ: أَنَّ سَمِعَ سُليمانَ بنَ يَسَارٍ يذكُرُ أنَّ المُوْضِحَةَ في الوَجْهِ مثلُ المُوضِحَةِ في الرَّأْسِ، إلاَّ أنْ يَعِيْبَ الوَجْهُ فَيُزَادَ في عَقْلِهَا مَا بَيْنَهَا وبينَ نِصْفِ عَقْلِ المُوضِحَةِ)) [٨٥٨/١ رقم (٦)]. قال عبدُالملكِ: قَدِ اخْتَلَفَ قولُ مَالكِ في الزِّيَادَةِ فِي شَيْنِ مُوضِحَةٍ الوَجْهِ، فَمَرَّةٌ قالَ بقَولِ سُليمان بن يَسَارٍ فِي هَذا الحَدِيْثِ، وَمَرَّة قَال: يُزاد فيها مبلغُ الشَّيْنِ وإِنْ جَاوَزَ عَقْلُهَا. وَقَالَ مَرَّةً: لاَ أَرَى أن يُزَادَ فيها شيْءٌ وإن شانت، إنَّما هو حديثٌ حدَّثَنِيْهِ يَحْيَى بنُ سعيدٍ، عن سُليمان بنِ يَسَارٍ، لم يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَداً قَالَ ذُلِكَ غَيْرَهُ. وَاخْتَلَفَ قَوْلُ بعض أَصْحَابِ مَالكِ باختِلاَفِهِ . قال عبدُ الملكِ: فَأَحَبُّ قَوْلِهِ إليَّ، وأقواهُ عندي في الحُجَّة واتباع السُّنةِ أن لا يزادَ فيها للشَّين شَيءٌ؛ لأنَّ رَسُوْلَ اللهِ لِ حِيْنَ قَالَ: ((وفي المُوْضِحَةِ نِصْفُ عُشْرٍ قد علم أنَّها تَبْرأُ علىُ شَيْنٍ وعلى غيرِ شَيْنٍ، فلم يَسْتَثْنِ فيها شَيْئاً، فلا يكونُ لأحدٍ أن يزيد على فريضةِ رَسُولِ اللهِ وَل﴾. ومن الدَّليل على أنَّه لا يَتْبَغِي أن يُزادَ للشَّيْنِ: أنَّ المُوْضِحَةَ تكونُ بقَدرِ مَدْخَلٍ إبرةٍ فَيَّكُوْنُ فيها نِصْفُ عُشْرِ الدِّيةِ، وَتَكُوْنُ شِبْراً فَلاَ يُزَادُ فيها شَيْءٌ على نِصْفِ عُشْرِ الدِّيّةِ؛ لأنَّها مُوْضِحَةٌ على كلِّ حالٍ. وَمِنَ الحُبَّةِ في ذلك أَيْضاً: أنَّ المُوْضِحَةَ قد تَبْرَأُ، أو تَعُوْدُ لِهَيْئَتِهَا فَلا يَنْقُصُ من عقلِهَا شَيْءٌ . وَمِنَ الحُجَّةِ في ذلك أَيْضاً: أنَّ المُوضحةَ في الرأسِ إذا بَرِقَتْ علىُ قَرَعِ لا يُزَادُ فِي عَقْلِهَا لِمَكَانِ القَرَعِ؛ فينبغي لمن زَادَ في مُوضحَةِ الوَجْهِ لمكانٍ الشَّينِ أن يزيدَ في مُوضِحَةٍ الرأسِ إذا بَرِقَتْ علىَ فَرَعٍ، وإلاَّ فقد فرَّقَ بينَ قَوْلِهِ، ٤٤٤ فَلَئِنْ كَانَ لا يَتَبِعُ القِيَاسَ فِيهما جَمِيعاً وَأَرَادَ اتباعَ السُّنَّةِ فِي مُوْضِحَةِ الرَّأْسِ فَليتبعِ السُّنةَ وَالِقَيَاسَ في مُوضِحَةِ الوَجْهِ أَيْضاً، لأنَّ القِيَاسَ أن لا يفرِّقَ بَيْنَ المُوْضِّحَةِ فِي الرَّأْسِ والمُوْضِحَةِ فِي الوَجْهِ، وَالسُّنةُ اتباعُ رَسُوْلِ اللهِ ﴾. في قَوْلِهِ: ((وفي المُوضِحَةِ نصفِ عُشْرِ الدِّية)) فلم يَسْتَثْنِ، ولم يُميِّزْ مُوْضِحَةِ الوَجْهِ مِنْ مُوْضِحَةِ الرَّأْسِ، وَلاَ إذا شَانَتْ، ولا إِذَا لم تَشِنْ، مع تَضْعِيْفِ مَالِكٍ الحَدِيثِهِ فِي ذُلِك عن يحيى بنِ سَعيدٍ، عن سُلَيْمَان بنِ يَسَارٍ، إِذْ قَالَ: ((وإنَّما هو حَدِيْثٌ حَدَّثَنِيْهِ يَحْيَى بن سعيد، عن سليمان بن يسارٍ، ولم يَبْلُغْنِي أنَّ أَحَداً قال ذلك غَيْرَهُ»، استنكاراً لَهُ. ۔ وسألنا عبدالملك بن حَبیپٍ عن شرح حديث مالك [الذي رَوَاهُ] عن يَحيَى بن سَعِيْدٍ، عن سَعِيْدٍ بن المُسيِّب أنَّه کان یقول: ((إذا أُصِيْبَتِ السِّنّ فاسوَدَّتْ ففيها عقلها تَامًّا، فإن طُرِحَت بعد أن تَسْوَدَّ ففيها عَقْلُهَا أَيْضاً تَامًا)) [٨٦١/٢ رقم (٧)]. قال عبدُالملكِ: إذا ضُربَتْ فاسوَدَّتْ انْتُظِرَ بها سَنَّةٌ، فإن مَضَتْ علىْ سَوَادِهَا به بعدَ السَّنة ففيها عقلها تامًّا، كذلِكَ قَالَ مالٌ في الانتظارِ بها سَنَةٌ، [٩٩]. قَالَ عبدُالملكِ: فإن هيَ لم تسوَدّ واخْضَرَّتْ أو احمَرَّتْ أو اصفَرَّتْ فله في اخضِرَارِهَا أكثرُ مما له في احمِرَارِهَا، وله في احْمِرَارِهَا أَكثرُ مما له في اصفرارها؛ لأنَّ الخُضْرَةَ أَقْرَبُ إلى السَّوادِ من الحُمْرَةِ، والحُمْرَةُ أَقْرَبُ إلى السَّوَادِ من الصُّفَرةِ، وإنَّما يُنظر في ذلك بالاجتهادِ، فإنْ رأى أنَّ فضلَ ما بين الخُضْرَةِ والسَّوَادِ عُشْرُ عَقْلِ السِّنَّ، فَلَهُ عَقْلُ السِّنَّ إلَّ عُشر عقلها وكذلك إذا احمَرَّتْ أو اصفَرَّتْ فعلى هذا الحساب. ٤٤٥ قَالَ عبدُالملكِ: وإذا ضُرِبَتْ السِّنُّ فاضْطَرَبَتْ، فَلَهُ في ذُلك بحساب ما ذَهَبَ من قوَّتها، إن كان ذهب نصفُ قوتها أو ثلثها أو ربعها، كان له من عقلها بحساب ذُلك والقَوْلُ في ذلك قولُهُ مع يمينه، بعد أن يختبر بما يُستطاعُ اختباره به، ثم إن أُصيبت ستُّهُ تلكَ بعد ذلك وهي مُضطربةٌ على حالِها كان له ما بَقِيَ من عَقْلِهَا . ۔ وسألنا عبدالملكِ بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ الَّذي رَوَاهُ عن يحيى بن سَعِيْدٍ، عن عُرْوَةَ بنِ الزُّبير: ((أَنَّ رَجُلاً يُقالُ له: أُحَيْحَةُ بنُ الجُلَّحِ، كَانَ له عَمِّ صَغِيرٌ، هو أصغرُ من أُحيحَةِ، وكانَ عندَ أَخْوَالِهِ، فَأَخَذَهُ أُخَيْحَةُ فَقَتَلَهُ، فَقَالَ أَخْوَالُهُ: كُنَّا أَهْلَ ثمِّهِ وَرَمَّهْ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَى علىْ عَمَمَّهْ، غَلَبَنَا حَقُّ امرىءٍ فِي عَمِّهْ. قَالَ عُرْوَةُ: فَلِذْلِكَ لا يَرِثُ قاتلُ مَنْ قَتَلَ)) [٨٦٨/٢ رقم (١١)]. قال عبدٌالملكِ: وأمَّا قَوْلُهُم: ((كنَّا أهلَ ثَمِّهِ وَرَمِّهْ)) فإنَّ مِنْ أصحابَ مالكِ مَنْ قال تفسيره: كُنَّ أَهْلَ حَضَانَتِهِ وَتَرِبَِتِهِ، ومنهم مَنْ قَالَ: كُنَّ أهلَ خَيْرِهِ وشَرّهِ. قال عبدُالملكِ: وهُمَا سَوَاءٌ، وإنَّما فسَّروا معنى الكلمة، ولم يُفَسِّروا نفسَ الكَلِمَةِ، وَنَفْسُها: أنَّ الثَمَّ: هو الرَّطْبُ(١) من النَّبَاتِ الَّذِي يُرعَى، والرَّمَّ : اليَابِسُ مِنْهُ(٢)، وقد قَالَ الرَّاجُ: تَضَمَّنَتْهُ عِرْمِسٌ(٣) سَبُوحُ (١) الِّسان: (ثَمَّمَ). (٢) اللُّسان: (رَمَمَ). (٣) لم أجده في مصادري. و(العِرْمِسُ): الناقة الصُّلبة. و(السَُّوحُ): صفةٌ للفَرَسِ. جاء في اللَّسان: (سبح) ((وسَبْحُ الفَرَسِ: جَرْيُهُ، وفَرَسٌ سَبُوْحٌ وسابِحٌ: يَسْبَحُ بيديه في سيره . = ٤٤٦ عَيْرَانٌ خَطّارَةٌ جَمُوعُ في بَلَدِ لَيْسَ به تَشْرِيحُ كَأَنَّ ثَمَّ شِئْجِهِ مَجْلُوعُ قَالَ عبدُالملكِ: فإنَّما هو منهم تميلُ(١) حِيْنَ قَالُوا كُنَّا أهلَ ثَمِّهِ ورَمِّهِ، أي: أَهْلَ رَطْبِهِ وَيَابِسِهِ، إِذْ كَانُوا أَهْلَ تَرْبِيَتِهِ وَحَضَانَتِهِ، وَأَهْلَ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ؛ والسَّوابحُ: الخَيْلُ؛ لأنها تسبحُ، وهي صفة غالبة)). = أقولُ - وعلىُ الله أعتمد -: هي هُنا صفةٌ للنَّقةِ لا للفَرَسِ فلعلّها على النَّشبيه والاستعارة. و(عَيْرَانة) صفة للنَّاقة النَّاجية في نشاطٍ من ذلك. وقيل: شُبِّهت بالعَيْرِ في سرعتهاونشاطها، وليس ذلك بقويّ، وفي قصيدة گَعْبٍ: * عَيْرَانَةٍ قُذِفَتْ بِالنَّحْضِ في عُرُضٍ * هي الناقةُ الصُّلْبَةُ تشبيهاً بعير الوحش، والألف والنون زائدتان)» عن اللِّسان (عير). (خطَّارَةٌ) في اللِّسان (خطرٍ): ((وناقة خطارة تخطرُ بذنبها والخطيرُ والخُطارُ: وقعُ ذنبِ الجَمَلِ بين وركيه إذا خَطَرّ. والجَمُوحُ: صفة للفَرسِ واستعارة الرَّاجز هنا للنّاقة كما في (السَّبوح) والفرسُ الجَمُوحُ له معنیان: أحدهما يوضع موضع العَيْبِ، وذلك إذا كان من عادته رکوبُ الرَّأْسِ لا يَتنيه راكبه وهذا الجماح الذي يردُّ منه بالعَيْبِ. والثاني: أن يكون سريعاً نشيطاً مروحاً، وليس بعيب يردُّ منه، ومصدّرُهُ: الجُمُوْعُ ... )، عن (اللِّسان)) أيضاً و(المَجْلُوْحُ) يقال: نباتٌ مَجْلُوحٌ: أُكِلَ ثم نَبَتَ، والتُّمامُ المَجْلُوْحُ والضَّعَة المجلوحة: التي أكلت ثم نبتت، وكذلك غيرها من الشَّجر قال يُخاطِبُ ناقته: أَلاَ ازحَمِيْهِ زَحْمَةً فَرُوحِيْ وَجَاوِزِيْ ذَا السَّحَمِ المَجْلُوجِ وَكَثْرَةُ الأَصْوَاتِ والنُُّوحِ والمَجْلُوْحُ: المأكولُ رأسه .. كلُّ ذُلك من اللِّسان: (جلح). (١) كذا في الأصل. ٤٤٧ لأَنَّهم هم الذين كانوا احتضنوه وكَفَلُوه ووَلَوْهُ؛ لأنَّه كان ابن أختهم . قَالَ عبدُالملكِ: وقد يُقال في الثَمِّ: الثُّمامُ أيضاً، وَلَيْسَ الثُّمامَ بعَينه الذي يُسمى ثُماماً من شَجَرِ الصَّحْرَاءِ، ولكنَّ الثُّمامَ من الثَمِّ فهو الرَّطبُ من النَّبَاتِ كُلِّهِ، أي نَباتٍ كان، الذي أسفل من الأرض وتَمَّ نباته إلَّ أنه رَطْبٌ لم بيبس، فإذا يبس فهو رَمُ ورُمَامٌ، وإياه أراد عمر بن الخطّاب حين قال(١): ((اغزُوا مادامَ الغَزْوُ حُلْواً خَضِراً، قبل أن يكونَ مُرًّا عَسِيْراً، يكون ثُماماً، ثم يَصِيْرُ رُمَاماً، ثم يَصِيرُ حُطَاماً، فَإِذَا انْتَطَتْ المَغَازِيِ(٢) وكَثُرْتِ العَزَائِمُ، واسْتُحِلَّتِ الغَنَائِمُ، فخَيرُ غَزْوِكُمُ الرَّباطُ)) [١٠٠] فإنَّما شبَّه عُمرُ الجِهَادَ ومثَّلَه بالنَّبَاتِ، ويكونُ ثَماً وَثُمَاماً: إِذَا كَانَ رَطْباً، فإذا يَيس واشتدَّ كان رَمَّا ورُماماً، ثم إذا تكسَّر وتَحَطّمَ كان حُطَاماً. فأمَّا قَوْلُهُ: ((فإذا أَنْتَاطَتِ المَغَازِيْ)) يعني: تَبَاعَدَتْ. وَقَوْلُهُ: (كَثُرُتِ العَزَائِمُ))(٣) يعني اشتدَّ اسْتَكْرَاهُ السُّلطانِ للنَّاسِ على الغَزْوِ؛ لِمَشَقَّةِ ذلك عليهم؛ لِبُعْدِهِ منهم، وقلَّةِ عونَ السُّلطانِ لهم عليه بالمالِ . وَقَوْلُهُ: ((اسْتُحِلَّت الغَنَائِمُ))(٤) يقولُ: تستحلُّها الولاةُ عليها، ثم يُمْسِكُوْنَهَا (١) قول عمر - رضي الله عنه - في غريب ابن قُتَيِّبَةَ: ٩/٢، والغريبين: ٢٩٥، وغريب ابن الجوزي: ١٢٩/١، والفائق: ١٥٧/١، والنُّهاية: ٢٢٣/١. قَالَ ابنُ قُنَبَةً: ((حدّثنيه محمدٍ، عن إبراهيم بن محمد الحجِّي، عن عبدالرحمن ابن زيدٍ، عن أبيه، عن عمر». (٢) اللِّسان: (نوط) وذکر حدیث عمر هذا. (٣) كذا في الأصل، وفي غريب ابن قتيبة: ((واشتدت)) وتفسير المؤلف يدلُّ على ذلك، فلعلها سهوٌ من الناسخ. (٤) في غريب ابن قتيبة: ((ومُنِعَت .. )). ٤٤٨ لأنْفُسهم، ويَحبِسُونها عن أَهْلِهَا والَّذين غَنِمُوها [أمَّا قولُهُ: ] ((فخيرُ غَزْوكم يَومئذٍ الرِّباط )) يعني لأنَّ الرَّباطَ أمرٌ يفعلُهُ الرَّجلُ لنَفْسِهِ لا يَحْتَاجُ فيه إلى والٍ يكونُ عليه كَمَا يكونُ عليه الوَالي في الجهَادِ قائماً، عَنَى فَسَادِ الوَلاةِ، وتعدِّيهم، وتركهم العملَ بالكتابِ والسُّنة، فلذلك فضل يومئذ الرّباطُ الذي لا ولاة فيه على الجهادِ لفسادٍ ولاته، وكذلك قال عُمَرُ أيضاً في الحديثِ الآخرِ الَّذي حدَّثنيه ابنُ المَاحِشُونَ، عن عَمِّهِ: أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطِّبِ قَالَ: ((إذا لُبِسَت الكُمَّة، وغُطَّت العُمَّة، ولم يُعمل بكتابٍ ولا سُنَّة، فخيرُ غَزْوِكُمُ الرِّباط)). قال عبدُالملكِ: وأمَّا قولُهُ في حديث أُحَيْحَةَ: ((حتَّى إذا استوى على عَمَمِّه)) فَمَعْنَاهُ: (١) علىُ تَمامِهِ وبُلوغِهِ، ((غَلَبَنَا حَقُّ امرىءٍ فِي عَمِّه)) فَمَعْنَاهُ: (١) اللَّفظة مشروحة في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٤٠٤/٤، وغريب ابن قتيبة: ٩/٢، والغريبين: ٢٩٨/١ (ط) مصر، والفائق: ١٥٧/١، وغريب ابن الجَوْزيَّ: ١٢٩/١، والنّهاية: ٢٢٣/١. ويراجع: تهذيب اللُّغة: ٩٦/١٥، والصِّحاح واللَّسان والتاج: (ثم) و(رسم). قال أبو عُبَيْدٍ: ((هكذا يُحَدِّثُونَه: أهل ثُمَّة ورُمُّه بالضمِّ، ووجهه عندي: ثَمَّه ورَمُه بالفتح . .. )) ونقل ابن الجوزيٍّ في غريبه عن الأزهريِّ قوله: والصَّحيحُ عندي ضَمُّهما. وفي تعليق أبي الوليد الوَقَّشِيِّ: ٢٧٦/٢: ويروى: ((ثمِّه ورَمِّه)) و(ثُمِّه ورُمُّه)) فمن فتحهما جعلهما مصدرين ومن ضمهما جعلهما اسمين. ويروى: ((عَمَمِّهْ)) وهو الأشهر، و((عُمُمِّه)) بضمِّ العين والميم الأولى وتشديد الميم الثانية، والمراد بذلك: عظم الخلق وكمال الجسم قال الشاعر: * فَرْعَاءُ مَمْكُوْرَةٌ فِي فَرْعِهَها عَمَمُ *، وفي «الاقتضاب في غریب الموطأ)) لليفرُنيّ - رحمه الله تعالى - ذكر ذلك وزاد عليه من كلام أبي عُبَيْدٍ، والجيَّاني، وابن المُرابط، والقاضي عياضٍ، وإن كان لم يصرح بذكر هذا الأخير. وهذا الكلام ينسب أيضاً إلىْ سَلْمَىْ أُّ عبد المطَّلب، وسبب هذا الكلام أنَّ هَاشِماً تزوَّج سَلَمَى بنت زَيَّدٍ، فولدت له بالمدينة عبدالمُطَّلب فانتزعه من أمِّه وحمله إلى مكة فقالت أمّه: کنا ذو ثمّه ورمِّه: = ٤٤٩ رَبَيْنَاهُ صَغِيراً فلمَّا بلغَ وَخَرَجَ من حَدِّ التَّربية وَالحَضَانِةِ إلى البلوغِ والتَّمَامِ كان ابنُ أَخيه أحقَّ به منَّا، ولولا ذُلِكَ لم نَدَعْهُ لابن أخٍ قَتَلَهُ؛ لأنَّ أُحَيْحَةَ إنَّما أَخذَهُ منهم بالقعود؛ لأنَّه إلى جذمِ نَسَبِ أبيه فكانَ هو اولی به من أَخْوَالِهِ، ثُمَّ من بعدِ ذُلك وقعَ بنفسٍٍ أُحَيْحَةَ قَتْلُهُ لِيَرِثَ مالَهُ، وكان ذا مالٍ كثيرٍ، وإنَّما كان قَتْلُهُ إِيَّه في الجَاهليّة قبلَ إسلام أُحَيْحَةَ(١)، فمن قبل ذُلك قال عُروة في الحديثِ: (فلا يَرَثُ قائلٌ مَنْ قَتَلَ)) حتَّى استَبَانَ بفعلٍ أُحَيْحَةَ أنَّ القَرِيْبَ قد يَقْتُلُ قريبَه لِيِّثَهُ، يقولُ: فلذلك مُنِعَ القَاتِلُ في الإِسلامِ ميراثَ مَنْ قَتَلَ. - وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (الجُبَارِ) في حديث مالكٍ الَّذِي رَوَاهُ عن ابنِ شِهَابٍ، عن سَعِيْدِ بنِ المُسيَّبِ، وأبي سَلَمَةَ بن عبدِ الرَّحمَن عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَ﴿ه قال: ((جَرْحُ العَجْمَاءِ جُبَارٌ، والبِرُ جُبَارٌ، وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ، وفي الرِّكازِ الخُمُسُ)) [٨٦٨/٢ رقم (١٢)]. قال عبدُالملكِ: الجُبَارُ: الهَدْرُ. (٢) والعَجْمَاءُ: هي البَهِيْمَةُ، وإنَّما سُمِّيت 5 كنا ذَوِيْ ثِمِّهِ وَرَمِّهْ حَتَّى إِذَا قَامَ عَلَى أَتَمُّهْ انْتَزَعُوْهُ عَنْوَةٌ مِنْ أُمَّهُ وغَلَبَ الأخْوَالُ حَقَّ عَمِّه ولا أدري فلعلَّها حادثتان فالله أعلم. ومن المُصادفة أن سَلْمَى المَذْكُوْرَةَ هذه كانت تحت أحيحه بن الجلاح فتزوجها بعده هاشم بن عبدمناف. (١) أُحَيْحَةُ بن الجُلَّحِ الأوْسِيُّ هـذا جَاهِلِيٌّ ماتَ قبل الإسلام بَذْهٍ، وهو شاعرٌ مشهورٌ صاحب مَزارع وضِياع حولَ المدينة، مشهورٌ بالبخل جدًّا، واستظهر الحافظُ ابنُ حَجَرٍ أن يكونَ المذكورُ في هذا الحديثِ حفيداً له مُسمّى باسمه واسم أبيه. يراجع: الإصابة: ٣٥/١. (٢) شرحُ اللَّفظة في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٨١/١، ٢٨٢، وغريب الحربي: ٢/ ٤٢٢، والغريبين : = ٤٥٠ عَجْمَاءَ؛ لأنَّها لا تتكلَّمُ. وقد حدَّثني أسدُ بنُ موسى(١)، عن المُبارك ابن فضالة، عن الحَسَنِ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ لِ قَالَ: ((مَنْ ذَكَرَ اللهَ في السُّوقِ كانَ لَهُ مِن الأجْرِ بِعَدَدِ كُلِّ فَصِيْحٍ فِيْهَا وَأَعْجَمّ». قال عبدُالملكِ: فالفَصِيْحُ [١٠١]: الإِنسانُ، وَالأَعْجَمُ: الْبَهِيْمَةُ، وكذلك كُلُّ مَنْ لا يقدرُ على الكَلامِ فهو أَعْجَمُ ومُسْتَعْجَمٌ ومُعْجِمٌ، وَمِنْ هَذَا ١/ ٣١٤، الفائق: ٣٩٥/٢، وغريب ابن الجوزي: ٠١٣٥/١ والنِّهاية: ٢٣٦/١، = ١٨٧/٣، وغريب الأندلسي المجهول: ٣٣. ويُراجع: العين: ١١٦/٦، ومختصره: ٨٠، وجمهرة اللُّغة: ٢٦٥/١، وتهذيب اللُّغة: ٥٧١١، ومُجمل اللُّغة: ٢٥٠، والصِّحاح واللِّسان والتَّاجِ: (جبر) (عجم) قال أبو الوليد الوَقَّشِيُّ في ((التعليق على المُوَطَّ)): ٢٧٧/٢: ((والجُبَارُ: الهَدْرُ الذي لا دية فيه ولا أرش، واشتقاقه من أجبرته على الشيء: إذا أكرهته عليه ... ويجوز أن يكون مشتقاً من الجبّار من النخل، وهي التي فاتت اليّدَ بُسُوقاً فكأن المعنى: إن الدِّية ممتنعةٌ لا يوصلُ إليها ... قال: ((وفي البئر الجُبَارُ ثلاثةُ أقوالٍ: أحدها: أنَّها البئر العَادِيَّة التي لا يعلم لها صاحبٌ يقع فيها الشيء فذلك مَدْرٌ. والثاني: أنَّها البئرُ الممتلكةُ يقع فيها شيءٌ فلا ضمان على مالكها. والثالث: أنها البئر المستأجرُ على حفرها فتسقط على الأجير فهي هَدْرٌ)). وفي الاقتضاب لليفرُني مثله، وعنه نقل. وفي كتاب النَّخل لأبي حاتم السجستاني: ٦٠،٥٥ قال: ((فإذا فاتت الأيدي أن تنالَ رُؤُوْسُهَا فهي النَّخلُ الجُبَارُ، ليس بالطّويلِ ولا بالفَصِيْرِ، قال المُخَبَّلُ القُرَيْمِيُّ: بَكَرَاتُها كَنَوَاهِمِ الجَبَّارِ حَتَّى أَبَاءُوا حَوْلَ بَنِيَ هَجْمَةً (١) هو أحدُ شُيُوخِ المُؤلِّف يعرف بـ(أسد السُّنة) تقدم التَّعريفُ به. وفي غريب أبي عُبَيْدٍ أورد هذا الحديث بسنده فقال: ((سمعتُ المُبارك بن سَعِيدٍ بن مسروق یحدِّثُ عن عمرو بن قیس عن الحسن قال ... )) وأورد الحديث بلفظه. والشَّرح بعد ذلك هنا لأبي عُبَيْدٍ، وأورد أبوعبيد الحديث الآخر. ٤٥١ حَدِيْثُ رَسُوْلِ اللهِ ﴿: (إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فاسْتَعْجَمَتْ عليه قِرَأَتُهُ فَلْيَنَمْ)) يعني: إذا اعتقل لسانُهُ من التُّعاس فَلَمْ يَقْدِرْ على القِرَاءَةِ. ومنه أيضاً: حديثُ رَسُوْلِ اللهِوَّهِ: (١) (صَلَةُ الَِّيلِ جَهْراً، وصَلَاةُ النَّهارِ عَجْمَاءُ)) يقولُ: لا يُسمَعُ فيها قراءةٌ، ومنه قولُ ذِيْ الرُّمَّةِ : (٢) بِهِ أَتَغَنَّى باسْمِهَا غَيْرِ مُعْجِمٍ أحبُّ المَكَانَ القَفْرَ مِنْ أجْلِ أنَّنِيْ فالمُعجمُ: المُجَمْجمُ الذي لا يَبِيْنُ كلامُهُ(٣). قال عبدُالملكِ: وإنَّما جُعل جَرْحُ العَجْمَاءِ جُبَاراً إِذَا كانت مُتَفَلِّتَةً ليس لها قائدٌ أو سائقٌ أو راكبٌ، فما أصابته عند ذلك بيدٍ أو رجلٍ فهو هَدرٌ، فإذا كان لها قائدٌ أو سائقٌ أو راكبٌ فما أصابت عند ذلك بوَطٍ بيدٍ أو رجلٍ فهو علىُ مَنْ قادها، أو سَاقَهَا، أَو كان راكباً؛ لأنَّ الجنايةَ حينئذٍ ليست للعَجماء، وإنَّما هي جنايةُ قائِدِهَا، أو سَائِقِهَا، أو رَاكِبِهَا؛ لأنَّه هو أوطأها. وقد ضمَّنَ عُمَرُ بنُ الخطّابِ الذي أَجْرَى فرسَهُ عقلَ ما أصابَ الفَرَسُ، فالقائدُ والسَّائقُ، والرَّاكبُ أحرَى أن يغرَمُوا من الذي أَجْرَىُ فَرَسَهُ، وَكَذَلِكَ قال مالكٌ. قال عبدُالملكِ: وَلَوْ كَانُوا ثلاثتهم اجتَمَعُوا عَلَيْهَا، رَاكِبٌ وَسَائِقٌ وَقَائِدٌ، (١) مازال النّصُّ لأبي عُبَيْدٍ، وفي غريب أبي عُبَيْدٍ: ((ومنه قولُ الحَسَنِ صلاةُ النَّهار عَجْمَاءُ)) وفي الفائق: ((ومنه قول الحسن - رحمه الله -: ((عَلَةُ النَّهارِ عَجْمَاءُ ... )) وفي النّهاية: ((ومنه حديث الحَسَنِ ... )). (٢) ديوانه: ١١٧٢ من قصيدة أولها: أَلاَ أَيُّهَذَا المَنْزِلُ الدَّارِسُ أُسْلَمٍ وأُسْقْيتَ صَوْبَ البَاكِرِ المُتَغَيِّمِ والشاهد: في الكامل: ٣٨٦، ٨٥٥، والشِّعر والشُّعراء: ٥٥٥، والعُمدة: ٣١٣/٢، والمنازل والدِّيار: ٨٤/١. (٣) اللِّسان: (جمم) ((وجَمْجَمَ الرَّجُلُ وتَجَمْجَمَ: إذا لم يُبَيِّنْ كلامه». ٤٥٢ وَكَان الرَّاكب بيده عِنانُها كانوا شُرَكَاءَ في الضَّمَانِ، وإن كان الرَّاكِبُ ليس بیَدِهِ عِنانُها فلا ضَمَانَ عليه، والضَّمَانُ علىُ القَائِدِ والسَّائِقِ؛ لأنَّ الرَّاكبَ عندَ ذُلك كَجَوْلَقٍ(١) على ظَهْرِهَا، وَسَوَاءٌ في ذلك كُلُّهُ مَا وَطِنَتْ عليه بيدٍ أو برِجْلٍ فيما فَسَرتُ لَكَ، إلاَّ أن يكونَ إنَّما رَمَحَتْ بِرِجْلِهَا فأصابَتْ شَيْئاً فلا ضَمانَ علىُ رَاكِبِهَا ولا علىُ سَائِقِهَا ولا على قائِدِها، وَسَوَاءٌ كانت سَائِرةٌ أو وَاقِفَةً، وهو تأويلُ الحَديثِ(٢) الذي حدَّثنيه ابنُ المُغيرة، عن سفيان الثَّوريِّ، عن أبي قَيْسٍ الأَوْدِيِّ، عن هُذَيلِ بنِ شَرحبيل: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ لّهِ قَالَ: ((الرِّجْلُ جُبَارٌ)» قال: مَعْنَاهُ: أن يكونَ الراكبُ يسيرُ على دابَتِهِ فَتَنْفَحُ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا فِي سَيْرِهَا، فذلِكَ هَذْرٌ، وإن كان عليها راكبٌ، ولأنَّ له أن يَسيرَ في الطَّريقِ وأَنَّه لا يُبْصِرُ ما خَلْفَهُ، إن تكونَ الرَّمْحَةُ والنَّفْحَةُ إنَّما كانت من نَخْسَةٍ أو ضَرْبَةٍ أو كَبَّةٍ، من رَاكِبِهَا أَوْ سَائِقِهَا أو قَائِدِهَا، فيكون ضَمَانُ ذُلك علىُ مِن نَخَسَهَا أو ضَرَبَهَا أَو (١) في اللِّسان: (جَلَقَ) ((الجُوالِقُ والجُوالَقُ بكسر اللَّم وفتحها، الأخيرة عن ابن الأعرابي: وعاءٌ من الأوعية معروفٌ معرَّبٌ وقوله - أنشده ثعلبٌ -: أُحِبُّ ماويَّةِ حُبّا صادِقًا حُبَّ أبي الجُوالِقِ الجُوَِّقًا أي: هو شديد الحبّ لما في جُوالقه من الطَّعام ... )). ويراجع: المُعرَّب للجواليقي: ١١٠ وفيه: ((أعجميٌّ معرَّبٌ، وأصله بالفارسيَّة)» (كُوَالَهُ)) وجمعه جَوَالِقٍ بفتح الجيم، وهو من نادر الجمع)، وفي تكملة إصلاح ما تغلط فيه العامة للجواليقي أيضاً: ٥٢ ((وهو الجُوالِقُ بضمِّ الجيم ولا تفتح في الواحد إنَّما تفتح في الجمع، ومثله: حُلاحل وحَلاحل وقُلاقل وقَلاقل)، ومثله في شفاء الغليل: ٩٢، وفي قصد السَّبيل: ١/ ((بكسر الجيم واللَّم، أو بالضمّ وفتح اللَّم وكسرها: وِعَاءٌ معروفٌ ... (٢) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٨٢١ (وأمَّا الحَدِيْثُ المرفوع ((الرِّجْلُ حُبَارٌ ... )). ٤٥٣ كَجَّها وَحْدَهُ. قَالَ: وإن كان واقفاً عليها في طَرِيْقٍ أو مَكَانٍ لا يَجُوزُ له الوقوفَ فیه فما أصابَتْ نَفْحَةً أو غيرَ ذُلك فالضَّمَانُ عليه، إلاَّ أن يُوقِفَهَا عَلَى بَابِ السُّلْطَانِ، أو بَابِ المَسْجِدِ، أو على بَابِ عالمٍ، أو بَابِ نفسِهِ، وَمَا أَشْبَهَ ذُلك فإنَّ هذا من الأمرِ بالمَعْرُوْفِ الفَاشِي في الناسِ فَلاَ ضَمَانَ عليهِ. قال: وأمَّا قولُهُ: ((الِثْرُ جُبَارٌ)) فَيَعْنِي أَنَّ مَنْ سَقَطَ في بئرٍ فَمَاتَ فهو هَدْرٌ لا شيءَ علىُ صَاحِبِ البِثْرِ، إِذَا حَفَرَهَا في مُلْكِهِ وَحَيْثُ يَجُوْزُ لَهُ حَفْرُهَا، وَكَذَلِكَ مَا حَفَرَ الرَّجُلُ من بلَّعةٍ للمَطرِ، أو كَنِيْقٍ إِلى جَنْبٍ جِدَارٍ غَيْرِهِ، إِذَا هو أَنْقَنَهُ فَسَقَطَ [١٠٢] فيه إنْسَانٌ فَمَاتَ فَلاَ ضَمَانَ عليه؛ لأنَّ هذا مما فَشَا فِعْلُهُ فِي النَّاسِ، وصُنعَ قَدِيْماً، فَلَمْ يَكُنْ ذُلك عند مَن مَضَى تَعَدِّياً، وكذلك إِذَا أَنْفَقَ، وكذلك قالَ مالٌ. وما حَفَرَ من هَذَا حَيْث لاَ يَجُوْزُ لِحَافِرِهِ حَفْرُهُ فَمَا سَقَطَ فيه فمَاتَ فهو ضَامِنٌّ لَهُ. قَالَ: فَأَمَّا قَوْلُهُ: (وَالمَعْدِنُ جُبَارٌ)) فهي المَعَادِنُ(١) التي يَعْمَلُ فيها النَّاسُ مَنْ هَلَكَ فيها مِمَّن حَفَرَ لِنَفْسِهِ، أو مِمَّن استُؤْجِرَ على الحَفْرِ فيها، أو مِمَّن مَّ بها فَسَقَطَ فِيهَا فَمَاتَ فَكُلُّ ذُلِكَ هَدْرٌ. وأمَّا قولُهُ: ((وفِي الرِّكازِ الخُمُسُ)) فإنَّ الرِّكَازَ: المَالُ المَدْفُوْنُ العَادِيُّ الَّذِي دُفِنَ قَبْلَ الإسْلامِ(٢)، ذُلك الرِّكَازُ، وفيه الخُمُسُ للهِ يُوْضَعُ فِي مَوَاضِعِ (١) هي التي يُستخرج منها الذَّهب والفضَّة، وكذلك ما أشبهها من المناجم. (٢) قال أبو عُبَيْدٍ في غريب الحديث: ((وأمَّا قوله: ((وفي الرِّكاز الخُمُسُ)) فإنَّ أهلَ العراقِ وأهلِ الحِجَازِ اختلفوا في الرِّكازِ، فقال أهلُ العراقِ: الرِّكازُ: المعادنُ كلُّها، فما استخرج منها من شيءٍ فلمُستخرجها أربعة أخماسٍ مما أصابَ ولِبَيْتِ المال الخُمُسُ، قالوا: وكذلك المالُ = ٤٥٤ الخيرِ، وأربعةُ أَخْمَاسِهِ لِمَنْ وَجَدَه حَيْثُ وَجَدَهُ، في أَرضٍ حُرَّةٍ، أو عَنَوِيّة، أو ذِمِيَّةَ، إذَا كَانَتْ لَهُ، أو كَانَتْ فَلاَةً. وإِنْ كَانَتْ الأرْضُ مِلْكاً لِرَجُلٍ فَالأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ لِصَاحبِ الأَرضِ؛ لأنَّها وَمَا فِي جَوْفِهَا لَهُ، وليسَ للذي وَجَدَهُ فيها فيه شَيْءٌ، مثل أن يَكُوْنَ أَجِيْرٌ يَحْفُرُ لِرَجُلٍ فِي دَارِهِ أو أَرْضِهِ فَيَجِدُ فِي حَقْرِهِ رِكازاً فذْلِكَ لِصَاحِبِ الأرضِ أو الدارِ، وليس هو للأَجيرِ الحَافِرِ، وفيه الخُمُسُ. وأمَّا المَعادِنُ ففيها رُبْعُ العُشْرِ بِسَبِيْلِ الزَّكَاةِ، وَكَذْلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَرَوَاهُ عن رَسُوْلِ اللهِوَّهَ فِي مَعَادِنِ القَبَلِيَّةِ(١) أَنَّه أَخَذَ منها رُبعَ العُشْرِ إذا بَلَغَ وَزْنُهَا مائتي دِرْهَمٍ من الفِضَّةِ، أو عِشرين مِثْقَالاً من الذَّهَبِ، وَمَا زادَ فَبِحِسَابِ ذُلك. - وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح حديث مالكٍ الَّذِي رَوَاهُ عن أبي الزِّنادِ، عن سُليمان بن يَسارِ: ((أنَّ سَائِبَةً أعتَقَّهُ بعضُ الحَاجِّ فَقَتَلَ ابنُ رَجلٍ من بَنِي عَابِدٍ، فَجَاء العَابِدِيُّ أبو المَقتولِ إلى عُمر بن الخَطَّب يَطْلُبُ دِيَّةَ انِهِ، فَقَالَ عُمَرُ: لَاَ دِيَةَ لَهُ. فَقَالَ العَابِدِيُّ(٢): أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلَهُ انْنِي؟ فَقَالَ عُمرُ: إذاً تُخْرِجُوْنَ دِيَتَهُ. فَقَالَ العَابِدِيُّ: هُوَ إِذاً كَالأَرْقَمٍ، إِنْ العادِيُّ يوجدُ مدفوناً مثل المعدن على قياسه سواءً، وقالوا: إنَّما أصل الرِّكازِ المَعْدَنُ، = والمال العاديّ الذي قد ملكه الناسُ مشبَّه بالمعدن. وقال أهل الحِجَازِ: إِنَّما الرِّكازُ المال المَدْفُون خاصَّةً مما كنزه بنو آدم قبل الإسلام فأمَّا المعادنُ فليست بركازٍ وإنما فيها مثل ما في أموال المسلمين من الزّكاة إذا ما أصاب مائتي درهم كان فيه خمسة دراهم، وما زاد فبحساب ذُلك، وكذلك الذهب إذا بلغ عشرين مثقالاً كان فيه نصف مثقالٍ، وما زاد فبحساب ذلك)). (١) تقدَّم ذكرها ص: ٢٧٥ . (٢) هذه النِّسبة إلى عابد بن عبدالله بن عمرو بن مخزوم. قال السَّمعانيُّ في الأنساب: ٣٠٨/٨ «والعجب أنّه قد اجتمع في بني مخزومٍ عابد وعایذ)). ٤٥٥ يُقْتَلْ يَنْقِمْ، وإِن يُثْرَكْ يَلْقِمْ)). قالَ عبدُالملكِ: أَمَّا قَوْلُ عُمَرَ: ((لا دِيَةَ لَهُ)) فإنَّ السُّنَّةَ فِي السَّائِبَةِ(١) يقتُلُ خَطَأَ أنَّ المُسْلِمِيْنَ يَعْقِلُوْنَ عَنْهُ، وهُمْ يَرِثُوْنَ عَقْلَه إِذَا لَمْ يَدَعْ وَلَداً، وأنَّه إِنْ قَتَلَ عَمْداً قُتِلَ بِمَن قَتَلَ، وَكَذَلِكَ يُقْتَلُ بِهِ مَنْ قَتَلَهُ. قَالَ: وَأَمَّا قَوْلُ العَابِديِّ: ((هُوَ إذاَ كَالأَرْقَم)) يعني الحَيََّ الذَّكَرَ. وَقَوْلُهُ: (إِنْ يُتْرَكْ يَلْقِمْ وإِنْ يُقْتَلْ يَنْقِمْ) يقولُ: مَنْ تَرَكَهُ ولم يَقْتُلْهُ إِلتَقَمَهُ، ومَنْ قَتَلَهُ مَاتَ، كَأَنَّه ذَهَبَ بِهِ إِلى مِثْلِ حَدِيْثِ الأنْصَارِيِّ الذي قَتَلَ الحَيَّةَ فَمَاتَ بِعَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ﴿ِفِي الحَدِيْثِ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ. (١) الفائق: ٢١٥/٢، والنّهاية: ٤٣١/٢. ويُراجع تهذيب اللُّغة: ٩٩/١٣، واللِّسان: (سيب). انتهى الجزء الأول من الكتاب من تجزئة محقّقه عَفَا اللهُ عَنْهُ ويليه في الجزء الثَّاني (شرح غريب كتاب الأقضية) والحَمْدُ لله أولاً وآخراً وَظَاهراً وَبَاطناً وصلَّى اللهُ عَلَى نِبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وعلىْ آلِهِ وَسَلَّمَ تمّ في رمضان سنة ١٤١٧ هـ بمنزلي بمكة المكرمة ٤٥٦