النص المفهرس
صفحات 301-320
بهم في وَلَدِهَا البَاقِي عندَهم بعدَها، فلذلك نَهىْ عُمَرُ عن أخذِهَا، ولو كانت لا
تكونُ رُبَّى إلاَّ خَمْسَ عَشْرَةَ ليلةً لجازَ للمُصَدِّقِ أن يأخذَها بعدَ خَمْسَ عَشْرَةً
ليلةٍ، وإن أضرَّ ذُلك بِوَلَدِهَا، أَلاَ تَرَى أَنَّها لو كانَتْ خِلْوَةٌ من الوَلَدِ مثل أن
يكونَ وَلَدُهَا [٣٨] قد أَكَلَهُ أَهْلُهُ، أو ماتَ كانت كغيرِهَا من الغَنَمِ لجَازَ
للمُصَدِّقِ أن يأخذَها، كان ذلك قبل خَمْسَ عَشْرَةً أو بعدها. قال: والمصدر
من الرُّبَّى: الرُّباب، تقولُ: هي في رُبِهَا بَعْدُ، قال الرَّاجِزُ: (١)
حَنِيْنِ ذَاتِ الْبَوِّ فِي رُبَابها *
قَالَ عبدُالملكِ: وأمَّا الماخِضُ فَهِيَ الحَامِلُ المُقرِّبُ الَّتِي قَدْ دَنَا
وِلاَدُها، وَالاسْمُ منه المَخَاضُ(٢)، وَقَدْ تَكُوْنُ المَاخِضُ أَيْضاً: مَخَاضُ،
وَالكَثِيْرُ مِنْهَا يُقَالُ لَهَا : مَخَاضٌ.
قَالَ عبدُالملكِ: وأمَّا قَوْلُهُ: (تَعُدُّ عَلَيْهِمْ بِالسَّخْلَةِ)) فإنَّ السَّخْلَةَ المَوْلُوْدَةَ
من الخِرْفَانِ والجِدْيَانِ، وَالكَثِيْرُ: سِخَالٌ. (٣)
قال عبدُالملكِ: أَمَّا قَوْلُهُ: ((ذُلكَ عَدْلٌ بينَ غِذَاءِ(٤) المَالِ وَخِيَارِهِ) فإنَّه
(١) الشَّاهد مجهول القائل، وهو موجود في بعض مصادر تخريج (الرُّبَّى). وفي غريب أبي عُبَيْدٍ
وتهذيب اللُّنة، والصِّحاح واللِّسان وغيرها (أمّ البَوّ) ورواية (ذات البَوْ) أجودُ يشهدُ لهُ قولُ
دُرَيدِ بنِ الصِّمَّةِ : [ديوانه: ٤٨]
* وَكُنْتُ كَذَّاتِ الْبَوِّ رِيِعَتْ فَأَقْبَلَتْ *
(٢) في الأصل: ((مخاض)).
(٣) لا تزالُ تنطقها العَامَّةُ بنجد هكذا، مع قَلبِ السِّين صاداً، وقلبُ السِّين صَاداً مشهورٌ في اللُّغة
كثيرٌ كالصَّقر والسَّقر، والصِّراط والسِّراط، لَلكنَّهم يريدون بها بنات الماعز خَاصَّةٌ.
(٤) غريبُ أبي عُبَيْدٍ: ٢/ ٩٢، والنِّهاية: ٣٤٨/٣، ويراجع التَّهذيب للأزهري: ١٧٥/٨،
والزَّاهر له: ١٤٣، والِّسان والتَّجِ: (غَذَا).
٣٠١
عَنَى بِالمَالِ هَهُنا: المَاشِيَةَ، وَالغِذَاءُ: صِغَارُها، وَالخِيَارُ: كِبَارُهَا يَقُولُ:
فَذَلِكَ عَدْلٌ بينَ صِغَارِ المَاشِيَةِ وكِبَّارِهَا، وواحِدُ الغِذَاءِ: غِذْىٌ.
قَالَ عَبدُ الملكِ: وقد بَلَغَنِي (١) أنَّ رَسُوْلَ اللهِلَّهِ: (بَعَثَ مُصَدِّقاً فَأَتَاهُ
بِشَاةٍ شَافِعٍ فَلَمْ يَأْخُذْهَا وَقَالَ: انْتِنِي بِمُعْتَاطِ)).
قال عبدُالملكِ: وَالشَّافِعُ: التي مَعَهَا ولدُهَا، وإنَّما سُمِّيتْ شَافِعاً؛ لأنَّها
شَفَعَتْ وَلَدَهَا، وَشَفَعَهَا وَلَّدُهَا فَهِيَ ثانيةٌ، يقولُ: أَتَّى بِهَا وَبِوَلَدِهَا فَصَارَا شِفْعاً؛
لأنَّ الشِّفْعُ: الزَّوْجُ من كُلِّ شَيْءٍ، وَالوِتْرَ: الفَرْدُ من كُلِّ شَيْءٍ. قَالَ: وأمَّا
المُعْتَاطُ: فالتي قد ضَرَبَهَا الفَحْلُ وَلَمْ تَحْمِلْ فَهِيَ مُعْتَاطٌ وَعَائِطٌ، وَمُحْتَالْ وَحَائِلٌ،
وَجِمَاعُ العَائِطِ: عُوْطٌ. وجِمَاعُ الحَائِلِ: حُوْلٌ. والمَصْدَرُ في العائِطِ: عُوطَطٌ.
وفي الحَائِلِ: حُوْلٌَ على مثال سُؤْدَدٍ. (٢) قَالَ: وَجِمَاعُ الرُّبِىُّ: رُبَيَاتٌ، وجِمَاعُ
الأكُوْلَةِ: أَكَائِلُ. وَجِمَاعُ المَاخِضِ: مَوَاخِضٌ(٢).
قال عبدٌالملكِ: والجَذَعَةُ من الغَنَمِ(٣): ابنةُ سَنَةٍ، والشَّيَّةُ: ابنةُ سنتين
هَكَذَا فَشَرَ لِي مَنْ سألتُ عَنْ ذُلِكَ من الأعرابِ وَأَهلِ العِلْمِ بِذْلِكَ من عُلَمَاءِ
المَدينةِ وَالعِرَاقِ.
ــ وسألناعبدَ المَلكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (العِقَالِ) في حديثٍ أبي بكر الصِّدیق
(١) الحديث في غريب أبي عُبَيّدٍ: ٢/ ٩٢. وتفسير الشَّافع والمُعتاط فيه حرفاً حرفاً، مع تقديم
وتأخير يسيرٍ. ويراجع: الفائق: ٢٥٤/٢، والنّهاية وغيرهما.
(٢) -(٢) لم يرد في كتاب أبي عُبيّدٍ.
(٣) لعله يقصد من الماعز خاصةً؛ لأنه من الضَّأن ما تم له ستة أشهر إلى تسعة أشهر يُسمَّى جَذَعاً
ويُجزىء في الأضحية وهذا معروفٌ مفصّلٌ في كُتُبٍ غريب الحديثِ وكتب اللُّغةِ وكتب
الفِقْهِ .. وَيُراجع: الزَّاهر للأزهري: ١٤٢ .
٣٠٢
الذي رواه مالكٌ وَغيرُهُ من أهلِ العِلْمِ حين مَنَّعَتِ العَرَبُ الزَّكَاةَ بَعْدَ
رَسُوْلِ اللهِ وَ﴿ فقيلَ له: إِقْبَلْ ذُلِكَ منهم ما أَقَرُوا بشَهادةِ التَّوحِيْدِ وَصَلَّواْ فَقَالَ:
((وَاللهِ لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاَةِ والزَّكَاةِ، واللهِ لَوْ مَنَعُونِيْ عِقَالاً(١) كَانُوا
يُؤَدُوْنَهُ إِلَى رَسُولِ اللهِ﴿ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ)) [٢٦٩/١ رقم (٣٠)].
قال عبدُالملكِ: اختَلَفَ العُلَّمَاءُ في تأويلِ (العِقَال) الَّذِي أَرَادَ أَبُوبکرٍ في
هَذَا الحَدِيْثِ، وَذُلِكَ أنَّ اسمَ العِقَالِ يَجْرِي فِي زَكَاةِ الإِبلِ على ثلاثةِ أوجُهٍ
كُلُّها تُسمَّى عِقَالاً.
فمنها: أنَّه الفَرِيْضَةُ التي تودّى في زكاة الإِبل مثل ابنة مَخَاضٍ، وابنةٍ
لَبُّوْنٍ وما أشبهها تُسمَّى عمالاً، فكانَ مالِكٌ يُأَوِّلُ حديثَ أبي بكرٍ على هذا في
قَولِهِ: (لَوْ مَنَعُوْنِي عِقَالاً كانوا يُؤَدُّوْنَهُ إِلىْ رَسُوْلِ الله [٣٩] {َّ) على هَاذَا
العِقَالِ الَّذِي فَسَّرْتُ لَكَ أَنَّه الْبَعيرُ الذي يُؤَدَّى في الزّكاة، يقولُ: لو مَنَعُوْنِي
بَعِيْراً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إلىْ رَسُوْلِ اللهِ لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَىْ مَنِعِهِ، هَذا كان تأويلُ مالكِ.
ومنها: أنَّ صَدَقَةَعامٍ واحدٍتُسمَّى عِقَالاً(٢)، وصَدَقَهُ عامين تُسمَّى عِقَالين،
وصَدَقَةُ ثَلاثةٍ أَعوامٍ تُسمَّىَّ ثلاثةَ عُقُلٍ، يَقُوْلُوْنَ: سَعَى فُلَانٌ علىُ عِقَالٍ وَاحِدٍ،
أَيْ: عَلَى صَدَقَةٍ عَامٍ وَاحِدٍ، وسَعَى عَلَى عِقَالَيْنِ، أَيْ: عَلَى صَدَقَةٍ عَامَيْنِ.
هَذَا من كَلَامِ العَرَبِ مَعْرُوْفٌ. وقد رَوَى أهلُ الفقهِ أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّابِ أَخَّرَ
الصَّدَقَةَ عَامَ الرَّمَادَةِ(٣)، فَلَمَّا أَحْيَا النَّاسُ بَعَثَ السُّعَاةَ فقال: اعْقِلُوا النَّاسَ
(١) قال أبو عُبَيْدٍ في غَريب الحديث: ٢٠٩/٢: ((ويروى: لَوْ مَنَعُوْنِي عَنَاقاً لَقَاتَلْتُهُم عَلَيهِ». قال
الخطابي في غريب الحديث: ٤٩/٢: ((وفي أكثر الرُّوايات أنه قال: ((واللهِ لَوْ مَّنَعُوْنِيْ عَنَاقاً .. ))
(٢) حكاه أبو عُبَيْدٍ عن الكسائي.
(٣) عام الرَّمادة سنة ١٧ وقيل سنة ١٨، سُمِّي بذلك؛ لأنَّه هلكت فيه النَّاسُ والأموال كثيراً . =
٣٠٣
عِقَالَيْنِ، يعني صَدَقَتَيْنٍ، صَدَقَة الَعامِ الماضِي، وصَدَقَة العَامِ الَّذِي بَعَثَهُمْ فيه.
وقد اسْتَعْمَلَ مُعَاوِيَةُ ابنَ أَخِيْهِ عَمْرَوَ بنَ [عُنْبَةَ بن أبي سُفيان](١) على صَدَقَاتٍ
كَلْبٍ فاعتَدَى عليهم، فقال عَمْرُو بنُ العَدَّاء الكَلْبِيُّ في ذلك: (٢)
فَكَيْفَ لَوْقَدْ سَعَى عَمْروٌ عِقَالَيْنِ
سَعَىْ عِقَالا فَلَمْ يَتْرُّكْ لَنَا سَبَداً
عِنْدَ التَّفَرُّقِ في الهَيْجَا جِمَالَیْنِ
لأَصْبَحَ الحَيُّ أَوْبَاداًوَلَمْ يَجِدُوا
فمن العُلماءِ وأهلِ المعرفةِ بِكَلَمِ العَرَبِ مَنْ أَوَّلَ قولَ أبي بكرٍ : ((لو مَنَعُوني
عِقَالاً كَانُوا يؤدِّونَهُ إلىْ رَسُوْلِ اللهِ [َيْهَا لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ)) على تأويلِ هَاذا
العِقَالِ أنَّه صَدَقَةُ عامٍ واحدٍ.
ومنها: أنَّه كان يُؤْخَذُ بَعَهْدِ رَسُوْلِ اللهِ لَّهَا مَعَ الْبَعيرِ من الصَّدَقَةِ عِقَالٌ
يُعقَلُ بِهِ، وَمَعَ الْبَعيرين، قِرانٌ يقرنان به، كان هذا يجبُ على كلِّ مَنْ وَجَبَتْ
عليه في إبله، والعِقَالُ مثلُ قيدِ الصُّوفِ، وَالِقَرانُ: حَبْلٌ يُقرنُ به البَعيران، فإذا
قُرْنا سُمِّيا قرينين، جَاءَ ذُلكَ عن رَسُوْلِ اللهِ ﴿ه في غيرِ حَدِيْثٍ: أَنَّ سُعَاتَهُ
وقيل: هو لجَذْبِ تتابع فصيَّر الأرضَ والشَّجَرَ مثل لَوْنِ الرَّماد. والأول أجود)». كذا قال
=
الزَّبيديُّ في تاج العروس: (رمد).
(١) في الأصل: ((عَمرُو بن مُعاوية)) وهو سبقُ قلمٍ من النَّاسخ، إنَّما هو عمرو بن عُتبة بن أبي
سُفْيان، كذا في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢١١/٣، وهو مصدر المؤلِّف وفي غيره من المصادر أيضاً.
(٢) عمرُو بن عُرْوَةَ بن العدَّاء الأَجْدَارِيُّ الكَلْبِيُّ، وقال المرزباني: عمرو بن عروة بن العداء،
وأخباره وأشعاره قليلةٌ جدًّا. شاعرٌ إِسلاميٌّ، له أخبارٌ في: معجم الشعراء: ٦٣، ومن اسمه
عمرو من الشُّعراء: ٩٩، ومعجم البلدان: ٤ /٨٧٤، والخزانة: ٥٨٥. والشَّاهد في غريب
أبي عُبَيْدٍ: ٢١١/٢، ومجالس ثعلب: ١٤٢، والزّاهر: ٢٨٩، والأغاني: ٤٩/١٨،
وأنشده أصحاب الغريب منهم الخطابي في غريبه: ٤٧/٢، والزمخشري في الفائق:
١٤/٣، وأصحاب المعاجم منهم صاحبُ اللَّسان والتاج (عقل) وغيرهما.
٣٠٤
مُحَمَّدَ بنَ مَسْلَمَةَ الأَنْصَارِيَّ(١) وغَيْرَهُ كانُوا يَعْمَلُوْنَ بِهَذَا بِعِلْمٍ رَسُوْلِ اللهِ
وَ﴿ وَأَمْرِهِ. وجَاءَ ذُلِكَ عن عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ(٢) أنَّ كَانَ يَأْخُذُ مَعَ كِلِّ فَريضةٍ
عِقَالاً، وَمَعَ كلِّ فَرِيضَتين رِوَاءٌ، والرِّوَاءُ: القِرَانُ الَّذِي يُقرَنُ به البَعيران،
وهو الحَبْلُ، وكثيرُها: أَرْوِيَةٌ، فَإِذَا جَاءَتْ إِيلُ الصَّدقةِ إلى المَدِيْنَةِ باعَهَا إن
احتاجَ إلى بَيعها، أو حَمَلَ عليها في سَبِيْلِ اللهِ، ثُمَّ تَصَدَّقَ بْتِلكَ العُقُلِ
والأَرْوِيّةِ، فكانَ يَحْبَى بنُ سَعيدٍ (٣)، وَالَّليثُ بنُ سَعْدٍ (٤)، وَمُحَمَّدُ بنُ أبي
(١) حديث محمد بن مسلمة في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١/ ٢١٠ وفيه: ((وذكر الواقديُّ)) وهو محمد بن
مسلمة بن سلمة الأنصاريُّ، صحابيٌّ قديمُ الإِسلام، شهد مع النبي وَ له بدراً فما بعدها إلاَّ
تبوك فإنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ أذن له أن يقيمَ بالمدينة. وهو ممن سُمِّ في الجاهلية محمداً. وكان ممن
ذهب إلى قتل كعب بن الأشرف، وإلى ابن أبي الحقيق، وكان أيضاً ممن اعتزل الفتنة فلم
يشهد الجمل ولا صفِّين. مات بالمدينة سنة ٤٦هـ. أخباره في: طبقات ابن سعد: ١٨/٣،
والاستيعاب: ١٣٧٧/٣، والإِصابة: ٣٤/٦.
(٢) حديث عمر في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢١٠/٣، والنّهاية: ٢/ ٢٨٠، والتَّعْلِيْقُ على الموطأ لأبي
الوليد الوقَّشيِّ: ٢٨٩/١.
(٣) هو يحيى بن سعيد بن فَرُّوخ القَطَّان التَّميميُّ، أبو سعيدِ البصريُّ (ت١٩٨ هـ) حافظ ثقةٌ. قال
عبد الله بن الإِمام أحمد: سمعتُ أبي يقول: حدَّني يحيى القَطَّان، وما رأت عيناي مثله.
وتكرر مثل ذلك من الإِمام أحمد - رحمه الله -. يراجع طبقات ابن سعدٍ: ٧/ ٢٩٣، والجرح
والتعديل: ٩/ ١٥٠، ومقدمة الجرح والتعديل: ٢٣١، وتاريخ بغداد: ١٣٥/١٤، وتهذيب
الكمال: ٣٢٩/٣١، وسير أعلام النُّلاء: ١٧٥/٩، وتهذيب التَّهذيب: ٢١٦/١١.
(٤) هو ليثُ بنُ سَعدٍ بنِ عبدِالرَّحمن، أبو الحارث المصريُّ، مولى عبدالرَّحمن بن خالد بن
مسافرٍ، وقيل: مولى جده ثابت بن ظاعن، وأصله من الفُرس من أهل أصبهان. قال ابن
سَعْدٍ: في الطبقة الخامسة من أهل مصر، قال: وكان قد استقل بالفتوى في زمانه، وكان
ثقةً، کثیر الحدیث، صحیحَهُ، وکان سريًّا من الرِّجالِ، نبيلاً، سخياً، له ضيافة. وقال عنه =
٣٠٥
ذِئْبٍ (١)، وَعبدُالله بنُ وَهْبٍ، وَمُطرِّفُ بنُ عبدِالله، وَابنُ الماجشون وغيرُهُم من
أهل العِلْمِ يُؤَوِّلُونَ قولَ أبي بَكْرٍ: (لَوْ مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُوْلِ اللهِ
﴿ لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ) عَلَى تَأْوِيْلِ العِقَالِ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ البَعِيْرُ يُؤَدَّى في
الصَّدَقَةِ.
قال عبدٌالملكِ: وبه أَقُوْلُ(٢)؛ لأنَّ أَبَابكرٍ - رحمة الله عليه - حِيْنَ سُئِلَ
الإمام أحمد: ثقةٌ ثبتٌ، وكانت وفاته سنة ١٧٦ هـ.
=
يراجع: طبقات ابن سعد: ٥١٧/٧، وتاريخ خليفة: ٤٤٩، وطبقاته: ٢٩٦،
والجرح والتَّعديل: ١٧٩/٧، وتهذيب الكمال: ٢٥٥/٢، وسير أعلام النُّلاء: ١٣٦/٨،
وتهذيب التَّهذيب: ٤٥٩/٨، والشَّذرات: ١/ ٨٥.
(١) محمد بن عبدالرَّحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب، واسم أبي ذئب هشام بن شُعبة
(ت١٥٩ هـ). قال الإِمام أحمد: ((كان يُشْبَّهُ بسعيد بن المُسَيَّبِ، فقيل لأحمد: خلّف مثله؟
قال: لا ... ». يراجع: التاريخ الكبير للبخاري: ١٥٢/١، ومشاهير علماء الأمصار:
١٤٠، وتاريخ بغداد: ٢٦٩/٢، وسير أعلام التُّبلاء: ١٣٩/٧، والشَّذرات: ٢٤٥/١.
ومابعده من الأعلام سبق التعريف بهم. رحمهم الله جميعاً.
(٢) أيَّد أبو عُبَيْدٍ ما قاله الكسائي إِنَّها صَدَقَةُ عامٍ وردًّ على القول بأنَّ العقال ما يعقلُ به البعيرُ
وقال: ((وكان الواقديُّ يزعمُ أنَّ هذا رأي مالكِ، وابن أبي ذئبٍ. قال الواقديُّ: وكذلك
الأمرُ عندنا. قال أبوعُبَيْدٍ: فهذا ما جاء في الحديثِ، والشّواهدُ في كلام العَرَب على القَولِ
الأولِ أكثرُ، وهو أشبهُ عندي بالمعنى. قال الخطَّابي في غريب الحديث: ٤٧/٢: ((قال
أبوسُليمان: وقد خُولفَ أبو عُبَيْدٍ في هذا التَّفسير، وَذَهَبَ غيرُ واحدٍ من العُلماء في تفسيره
إلى غير وجهٍ. وأنا أحكي أقاويلهم، وأعزي كلّ منها إلى قائله بمشيئة الله وعونه ... )) ثم
ذكر أقوالهم مفصّلة تجدها مُناك.
وقال أبو الوليد الوَقَّشِيُّ في التَّعليق على المُؤَطَّأ: ٢٨٨/١: ((وقيل: أراد بالعقال
٣٠٦
==
أَنْ يَتَجَاوَزَ لَهُم عَنْ مَنْعِهِمُ الزَّكَاةَ إِنَّمَا ذَهَبَ إلى أَطَفِّ شَيْءٍ وَأَنْفَهِهِ من الزَّكَاةِ
فَقَصَدَ قَصْدَهُ، قَالَ: وَاللهِ لو مَنَعُونِي عِقَالاً كَانُوا يُؤَدُّوْنَهُ إلىْ رَسُوْلِ [٤٠] اللهِ
لَجَاهَدْتُهُمْ عَلَى مَنْعِهِ. يَقُوْلُ: وإنْ كانَ طَفِيْفاً تَافِهاً، هَذا الَّذِي يَخرجُ إليه
مذهبُ كَلاَمِهِ، وصَدْرُ حَدِيْثِهِ، وبِسَاطُ أَمرِهِ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى العِقَالِ هُنا صَدَقَةً
العَامِ الوَاحِدِ، أَوِ الفَرِيضَةَ نَفْسَهَا المَأْخُوْذَةَ فِي الصَّدَقَةِ لَكَانَتْ هِيَ الزَّكَاةُ التي
سُئِلَ أن يَتَجَاوَزَ لهم عَنها، ولاستَحَالَ إِذَنْ كَلاَمُهُ أَنْ يقولَ: لو مَنَعُوني زكاةً
كانُوا يؤدُّونها إلىْ رَسُوْلِ اللهِ لَجَاهَدْتُهُم عَلَى مَنْعِهَا؛ لأنَّهم قَدْ كَانُوا مَنَعُوا
الزَّكاةَ، وفي مَنْعِهَا كَلَّمُوْهُ، ولكنَّه لَمَّا مَنَعُوهُ الزّكاةَ ذَهَبَ فیماحَلَفَ علیه، وفيما
اسْتَبَّصَرَ فيه من قِتَالِهِمْ عَلَى مَنْعِهَا إِلى أَدَقِّ ما يكونُ مما يَجِبُ مع الزَّكاة فقال:
لو أعطوني الزَّكاة ومنعوني ذلك العِقَال علىْ تَفَاهَتِهِ، وطَفَافَتِهِ، ويَسَارَةِ خَطْبِهِ،
لقاتَلْتُهُم على مَنْعِهِ، هذا ظاهرٌ بَيِّنٌ شَاهِدُهُ منه، ما يَحتاجُ إلى شاهدٍ من غَيرِهِ.
قال عبدُالملكِ: وإنَّما ذَهَبَ أبوبكرٍ - رحمه الله - في هذا المَعْنى إلى
قَوْلِ رَسُوْلِ اللهِلهِ: (مَنْ كَذَّبَ بِحَرْفٍ من القُرآن فَقَدْ كَذَّبَ به كلِّهِ) فكذلك
تأوَّل أبوبكر منعهم للعِقَال من زكَاتِهِم لو مَنَّعُوْهُ وإنْ كان تَافِهاً؛ لأنَّ تَكْذِيْبٌ
بالزّكاة كلِّها إذا صَارَ العقالُ منها وَمَعَهَا، وَكَانَ ذُلِكَ مثل تَكْذِيْبٍ مَنْ كَذَّبَ
بِحَرْفٍ وَاحِدٍ من القُرآنِ وهو مُؤْمِنٌ بِجَمِيْعِهِ مَاعَدَا ذُلِكَ الحَرْف، أنَّه به مكذِّبٌ
بجمِيْعِهِ، وغيرُ مشفَّعٍ بما آمنَ به منه مَعَ تكذيِهِ بِذْلِكَ الحَرْفِ، فَكذلِكَ مَنْ مَنَعَ
مايعقلُ به البعيرُ وهو الصَّحيح .. )) وأورد اليفرُني في ((الاقتضاب)) أقوالهم في ذلك ولم
=
يرجح ولم يختر، ومن أغربها قوله: ((روى عيسىُ عن ابن القاسم أنه قال العقال: القَلُوْصُ.
ورواه القاسم وابن وهب عن مالكٍ)). ويراجع: مشارق الأنوار للقاضي عياض: ٢/ ١٠٠ .
٣٠٧
شَيْئاً مِنَ الزّكاةِ وإنْ كان تافهاً جُوْهِدَ عليه، وَإِنْ أَدَّى مِنْهَا مَا هُوَ أَكْبرُ من الَّذي
مَنَعَ مِنْهَا.
- وسألنا عبدالملكِ بنَ حَبِيبٍ عن شرحِ (البَعْلِ) في حَدِیْثِ مالكٍ
الذي رَوَاهُ عن سُليمان بنِ يَسَارٍ، عن بُسرِ بن سَعِيْدٍ: أنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَه
قَالَ: ((فِيْمَا سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ والبَعْلُ العُشْرُ، وفيما سُقِيَ بِالنَّضْحِ نِصْفُ
العُشُرِ) [١/ ٢٧٠ رقم (٣٣)].
قال عبدُالملكِ: الْبَعْلُ: ما شَرِبَ بِعُرُوْقِهِ ثَرىّ من الأَرْضِ من غَيْرِ سَقْيٍ
سَمَاءٍ وَلاَ غَيْرِهَا (١)، فإِذَا سَقَتْهُ السَّماءُ فهو عِذْيٌّ، وفي الْبَعْلِ قَالَ النَّابِغَةُ - في
(١) غريبُ أبي عُبَيْدٍ: ٦٧/١، وإصلاح غلط أبي عبيدٍ: / ٥٢، والغريبين: ١٨٨/١ (ط)
مصر، والفائق: ١١٨/١، وغريب ابن الجوزي: ٨٠/١، والنِّهاية: ١٤١/١. ويُراجع
العين: ١٥٠/٢، ومختصره: ١٧٦/١، وجمهرة اللغّة: ٣٦٥، وتهذيب اللُّغة للأزهري:
٤١٣/٢، والزَّاهر له: ٢٥٤، ٤٢٢، ومجمل اللغة: ١٢٩، والمحكم: ١٢٣/٢،
والصِّحاح والِّسان والتاج: (بعل).
وَتَقَلَّ ابْنُ قُتَبَةَ نَصَّ كلامٍ أَبِي عُبَيْدٍ وَعَقَّب عليهِ بِقَوْلِهِ: ((قال أبو مُحَمَّدٍ: وقد تدبَّرتُ
هذا التفسيرَ وناظرتُ فيه الحجازيين وغيرهم فلم أرَ له وجهاً؛ لأنَّ الحَدِيْثَ الأولَ: ((ما
سُقِيَ منه بَعْلاً)) وذكر هو أنَّ البعلَ لا تَسقيه السَّماءِ ولا غيرها. وهذا نقضٌ لذُلِكَ؛ ولأنَّ
البَعْلَ من النَّخْلِ وغيرِ البَعلِ وجميعَ الشَّجرِ يَشربُ بِعُرُوقِهِ لا بأَعاليه؛ ولأنَّ الغِذْيَ والمَسْقِيَّ
جميعاً تسقيها السَّمَاءُ، فأينَ هَذا النَّخل الذي لا تَسقيه السَّماء ولا غيرها؟! أفي أرضٍ لم
تُمطر قَطُّ؟!أم في ◌ِنَّ؟ هذا ما لا يُعرفُ، ولم أراهم يختلفون في البَعْلِ أَنَّه الغِذْيُّ بعينه .. )).
وَرَدَّ الأزهرُّ على ابن قُتَّةٍ فِي هَذَا فنقل كلامهما ثم قال: ((قلتُ: وقد ذكر القُتَِّيُّ
هذا في الحروف التي ذكر أنَّه أصلحَ الغَلَطَ التي وقع فيها [أبو عُبَيْدِ]، وأَلْفَيْتُهُ يتعجَّبُ من
قول الأَصْمَعِيِّ: ((البَعْلُ: ما شَرِبَ بعُرُوْقِهِ من الأرضِ من غيرِ سَقْيِ السَّماءِ ولا غيرِها))
وقال: ((ليت شعري أينما يكونُ هذا النَّخلُ الذي لا يُسقى من سماءٍ ولا غَيرِهَا؟!)) وتوهّم أنَّه =
٣٠٨
صِفَّةِ النَّخلِ -(١) :
يُصْلِحُ غَلَطاً فجاءَ بأَطِمِّ غَلَطٍ، وجَهِلَ ما قَالَهُ الأصمعيُّ، وَحَمَلَهُ جَهْلُهُ علىَ التَّخَبُّطِ فيما لا
=
يَعْرِفُهُ، فرأيتُ أن أذكرَ أصنَافَ النَّخْلِ لتقف عليها فيصحَّ لَكَ ما حكاهُ أبوعُبِّدٍ عن
الأصمعيِّ ... )) وذكر أصنافاً ثلاثةً ثم قال: ((وقد رأيتُ في جذيمةِ عبد القيس نَخْلاً كثيراً
عُروقُها راسخةٌ في الماءِ، وهي مُستَغْنِيَةٌ عن السَّقي وعن ماء السَّماءِ تُسَمَّىْ بَعْلًا)). وذكر
القاضي عياضٌ - رحمه الله - في ترتيب المدارك: ٢٥/٦ أنَّ يوسف بن عبد الله القِفْصِيَّ
التَّمِيْمِيَّ (ت ٣٣٢هـ) أَلَّفَ كتاباً نَصَرَ فيه أباعُبَيْدٍ بن سَلَّمٍ على ابن قُنَّةً، ولغيره مؤلفاتٌ
بهذا المعنى.
وَنَقَلَ أَبُو الوليد الباجيُّ في المُنْتَقَى: ١٥٨/٢ عن ابن حَبِيْبٍ فقال: ((قال ابن حَبِيْبٍ :
((الْبَعْلُ ما شربَ بعروقه من غير سَقِي سَمَاءٍ ولا غيرها، والسَّيْحُ ما سقته السَّماء. [قال]:
وهذا شيءٌ لا أراه يكون إلاَّ بمطر؟ [بمصر] لأنَّها على كلِّ يأخذُها سَفْيُ النِّلِ .. )، وعنه في
«الاقتضاب» لليفرُنيِّ.
(١) البيت من قصيدة للنّابغةِ الذُّبيانيِّ في ديوانه: ٩٩ يَنْهَى النُّعمان بن المُنْذِرِ أن يغزُوَ بني حُنَّ بن
حرامٍ من عُذرة أولها:
لَقَدْ قُلْتُ لِلُّعْمَانِ يومَ لقِيتُهُ
تَجَنَّبْ يَنِي حُنٍّ فَإِنَّ لِقَاءَهُمْ
عِظَامُ اللُّهَا أَوْلاَدُ عُذْرَةَ إِنَّهُمْ
هُمُ مَنَعُوا وَادِ القُرَىْ مِنْ عَلُوِّهِمْ
. ..
مِنَ الوَارِدَاتِ المَاءِ ..
بزاخيّةٍ أَلْوَتْ بِلِيْفٍ كأنَّه
صِغَارِ النَّوىْ مَكْتُوْنَةٍلَيْسَ قِشْرُها
هُمُ طَرَدُوا عَنْهَا بَلِيًّا فَأصْبَحَتْ
وَهُمْ مَنَعُوْهَا من قُضَاعةَ كلِّها
يُرِيدُ بنِي حُنَّ بِبُرْقَه صَادِرِ
كَرِيةٌ وَإِنْ لَمْ تَلْقَ إِلاَّ بِصَابِرِ
لَهَامِيْمُ يَسْتَلْهُونَهَا بِالحَنَاجِرِ
بِجَمْعٍ مُثِيرٍ للعَدُوِّ المُكَاثِرِ
...... البيت
عِفَاءُ قِلاَصٍ طَارَ عَنْهَا تواجِرُ
إِذَا طَارَ قِشْرُ الثَّمْرِ عنها بِطَائِرِ
بِلِيُّ بِوَدٍ مِنْ تِهَامَةَ غائرٍ
ومِنْ مُضَرِ الحَمْرَاءِ عِنْدَ التَّغَاوُر
٣٠٩
مِنَ الوَارِدَاتِ المَاءَبَالقَاعِ تَسْتَقِّيْ بِأَذْنَابِهَا قَبْلَ اسْتِقَاءِ الحَنَاجِرِ
فأخبرَ أنَّها تَشْرَبُ بِعُرُوقِهَا، وإِيَّاهَا أراد بأَذْنَابِهَا، أَيْ: بعُرُوقِها، وَقَالَ
عبدُاللهِ بنُ رَوَاحَةَ: (١)
هُنَالِكَ لاَ أُبَالِيْ سَفْيَ نَخْلِ وَلاَ بَعْلٍ إِذَا عَظُمَ الإِثَاءُ
وَالإِتاءُ: الغَلَّةُ والخَرَاجُ، وهي الإِثَاوَةُ أيضاً.
قال عبدُالمَلكِ: وما سَقَتِ العُيُونُ والأنهارُ فهو [٤١] سَيْحٌ وغَيْلٌ،
يَقولُ: فهو يَشْرَبُ غَيَلاً، وَيَشْرَبُ سَيْحاً؛ لأنَّه يَسِيْحُ في الأرضِ يَجري عليها.
قال: وَالِعِذْيُّ: هُوَ العَثَرِيُّ أَيْضاً. قال عبدُالمَلِكِ: وهو يَتَصَرَّفُ على ثلاثةِ
أَوجهٍ؛ بَعْلٌ، وعِذْيٌّ، وسَقْيٌّ، وكذْلِكَ صَدَقَةُ رَسُوْلِ اللهِنَّهِ فِي الحَدِيْثِ على
ثَلَاثَةٍ أَوْجُهٍ قال: ((فيما سَقَتِ السَّمَاءُ والعُيُونُ والبَعَلُ العُشْرُ))، فما سَقَتِ
السَّماءُ فهو ◌ِذِيٌّ وعَثَرِيٌّ، وما سَقَتِ العُيُوْنُ والأَنْهَارُ فهو غَيْلٌ وسَيْحٌ وسَقِيٌّ.
والبَعْلُ: مَا شَرِبَ بِعُرُوْقِهِ مِن ثَرَىُ الأرضِ.
قال عبدُالملكِ: وأمَّا النَّضْحُ فَمَا سُقِيَ بِالسَّوانِ، أو الزَّرَانِيقِ، وَالدَّلوِ
باليَدِ، هوكلُّ ماسُقِيَ بالعِلاَجِ والمَؤُونِةِ، فلذلك جَعَلَ زكاتَهُ نِصْفَ العُشْرِتَخْفِيْفاً
لِمَؤُونَتِهِ.
أَبَاجَابِرِ وَاسْتَنْكَحُوْا أُمَّ جَابِرِ
وَهُمْ قَتَلُوا الطَّائِيَّ بِالِحِجْرِ عَنْوَةً
=
قوله: (بالحناجر) في البيت الثالث تروى: (بالجَرَاجِرِ) وهي الحلوقُ أيضاً، وهذه الرِّوايةٌ
الأَخِيْرَةُ أولى؛ لئلا تكرر القافية. والشَّاهد في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٦٧/١، وتهذيب اللُّغة:
٢/ ٤١٣ وغيرهما من مصادر التَّخريج السَّابقة وغيرها.
(١) ديوان عبدالله بن رواحة: ١٥١ (وليد قصَّاب) ويُراجع: غريب أبي عُبَيْدٍ: ٦٩/١، وتهذيب
اللُّغة: ٤١٣/٢ وغيرهما. ويروى: (رواء).
٣١٠
(شرحُ غريبٍ كتابٍ الحَجِّ)(١)
(من موطأ مالك بن أنسٍ رحمه الله)
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرحٍ (الإِهلالِ بالحجِّ) في أحاديثٍ
مالكٍ في كتابِ الحَِّ
فقال: معنى الإِهلالِ بالحَجِّ: النَّبِيَةُ، فأمَّا نَفْسُ الكَلِمَةِ فإنَّ الإِهلالَ
الاستفتاحُ(٢)، وكذلك التَّلبيةُ، بها يُستفتحُ الحَُّ، وكلُّ مُسْتَفْتِحٍ شيئاً بكلامٍ
فهو مُهِلٌّ، ومنه الحَدِيْثُ في المَوْلُوْرِ (٣): ((لا يُصَلَّى عليه، وَلاَ يَرِثُ ولا يُؤْرَثُ
حتَّى يَسْتَهِلُّ صَارِخاً، يقولُ: حتَّى يَسْتَفْتِحَ صائِحاً، الصَّارِعُ: الصَّائِحُ،
ويَستهلَّ: يستفتحُ بالصِّياحِ، ومنه قَوْلُ اللهِ عزَّ وجلَّ - في الذَّبيحةِ -: (٤) ﴿وَمَّ
أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِهِ﴾ يعني: مَا ذُبِحَ للأَوْثَانِ، وَذُلِكَ أنَّ الذَّابِحَ يَسْتَفْتِحُ عند الذَّبِ،
(١) الموطأ رواية يحيى: ٣٢٢/١، ورواية أبي مُصعب: ٤٠٧/١، ورواية محمد بن الحسن: ١٣٣،
ورواية سُويد: ٣٧٩، والاستذكار: ٧/١١، والتَّعليق على الموطأ: ٣٥٣/١، والمُنتقى لأبي
الوليد: ١٩٢/٢، والقبس: ٥٣٩/٢، وتنوير الحوالك: ٣٠١/١، وشرح الزّرقاني: ٢٢٢/٢.
(٢) الإِهلالُ: رفعُ الصَّوتِ كذا قال أبوالوليد الوَقَّشِيُّ وغيره.
وشرح اللَّفظة في : غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٨٥/١، وغريب ابن قتيبة: ٢١٨/١، وغريب
ابن الجوزي: ٥٠٠/٢، والفائق: ١٠٩/٤، والنُّهاية: ٢٧١/٥. ويراجع: العين: ٣٥٣/٣،
ومختصره: ٣٤١/١، وما اتفق لفظه واختلف معناه لليزيديُّ: ٢٣٦، وجمهرة اللُّغة:
١٦٩، والزَّاهر للأزهري: ١٧١، وتهذيب اللُّغة: ٣٦٥/٥، والتَّمهيد: ١٦٦/١٣،
والصّحاح واللِّسان والتَّاجِ: (هلل).
(٣) النِّهاية: ٢٧١/٥.
(٤) سورة المائدة: الآية: ٣.
٣١١
فأمَّا المُؤْمنُ فَيَستفتِحُ باسمِ اللهِ، وأمَّا الكَافِرُ فَيَسْتَفْحُ باسمٍ ما يَعْبُدُ من دُونِ
الله، وَقَالَ النَّابغةُ الذُّبيانِيُّ - يذكر دُرَّة أخْرَجَهَا الغَوَّاصُ من البَحْرِ -: فقال: (١)
بَهِجٌّ مَتَّى يَرَهَا يَهِلُ ويَسْجُدِ
أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غوَّاصُهَا
يعني يَسْتَفْتِحُ عندَ رُؤْتَتِهَا بالصِّياحِ. بِحَمْدِ اللهِ والاسْتِشَارِ بِهَا، وَقَالَ الفَرَزْدَقُ: (٢)
(١) ديوان النَّبغة الذُّبياني: ٩٢ من قصيدته المشهورة في وصف المُتَجَرِّدةِ أولها:
عَجْلَانَ ذَا زَادٍ وَغَيْرَ مُزَوَّدٍ
أَمِنَ آلٍ منَّةٌ رائحٌ أو مُغْتَدِي
وقبل البيت وما بعده مما يتصل بمعناه ھکذا :
ريَّ الرَّوادِفِ بَضَّةُ المُتَجَرَّدِ
مَحْطُوطةُ المتَنَين غيرُ مُفَاضَةٍ
كَالشَّمِسِ يومَ طُلُوعِهَا بالأسعدِ
قَامَتْ تَرَاءَىُ بين سِجْفَىْ كَلَّةِ
. ...... البيت
أو درةٍ صَدَفيَّةٍ ..
يُنِيَتْ بآجُرِّ يُشادُ وقُرمُدِ
أو دُفِيَةٍ من مَزْمَرٍ مَرْفُوعَةٍ
نَظَرَ السَّقِيمِ إِلَى وُجُوه العُوَّدِ
نَظَرَتْ إليكَ بِحَاجّةٍ لم تَقْضِهَا
فَتَنَاوَلَتْهُ واتَّقَتْنَا بِالْيَدِ
سَقَطَ النَّصِيْفُ وَلَمْ تُرِدْ إِسْقَاطَهُ
عَنَمٌّ يكادُ من اللَّطَافَةِ يُعْقَدِ
بِمُخَضَّبٍ رَخْصٍ كأنَّ بَنَاتَهُ
والشَّاهد في غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ٢٨٥/١، وتهذيب اللُّغة: ٣٧٦/٥، والتَّمهيد:
١٦٨/١٣ ... وغيرها.
(٢) البيت ليس للفَرزدق كما ظَنَّ المؤلِّفُ، وإنَّما هو لعَمْرو بن أحمر الباهلي في ديوانه: ٦٦ من
قصيدة طويلة، وقبله:
لمَّاعَةٍ تُنْذِرُ فيها النُّدُرْ
كَمْ دُوْنَ لَيْلَى مِن تَنُوْفِيَّةِ
٠٠٠ ٠٠٠ ٠.٠ البيت
يَهِلُّ بِالفَرْقَدِ
وكذا أنشده له أبو عُبَيْدٍ في غريب الحديث: ١٨٦/١، وهو مصدرُ المؤلِّفِ، وعنه في
تهذيب اللُّغة: ٢١٧/١٠. وهو أيضاً في: التَّمهيد: ١٦٧/١٣، واللِّسان: (ركب) و(عَمَرَ)
و(هَلَّلَ) وفي هذه الأخيرة: قال: قال الرَّاجِز، والبيتُ من السَّريع لا من الرَّجز، لكنَّ
=
٣١٢
كَمَا يُهِلُّ الرَّاكِبُ المُعْتَمِرْ
يُهِلُّ بِالفَرْقَدِ رُكْبَانُها
يعني يَسْتَفْتِحُ بالنِّدَاءِ بالفَرْقَدِ؛ لأَنَّه به يُهْتَدَى(١)، وإِيَّهُ يُؤْمُّ فِي تِلْكَ الفَلَة
لِسَعَتِهَا، وما يُخْشَى من الحَيْرَةِ فيها، فالإِهْلَالُ والاسْتِهْلَالُ: هُوَ الاسْتِفْتَاحُ
بالصِّيَاحِ بِالشَّيْءِ، قَالَ عِبَّاسُ بنُ نَاصِحٍ: (٢)
=
السَّريعَ أُخَيَّ الرجز. وقد نَظَمَ الإِمامُ العلَّمَةُ ابنُ مُعْطِيْ النَّحْوِيُّ ((ألفيته)) من البَحرين معاً
الرَّجز والسَّريع قال:
إِذَا يُنِيْ عَلَى أَزْدِوَاجٍ مُوجَزٍ
لاَسِيَّمَا مَشْطُوْرِ بَحْرِ الرَّجْزِ
مُزْدَوَجَ الشُّطُوْرِ كَالتَّصْرِيْعِ
أَوْمًا يُضَاهِيْهِ مِنَ السَّيْعِ
قال شارح ألفيَّته الإِمام العلَّمة أحمدُ بنُ يوسف بن مالك الرُّعيني الغرناطيُّ الأندلسي
(ت٧٧٩هـ): ((ووجه مشابهة الشَّريع للرَّجز أنَّهما لا يفترقان إلاَّ في الجزء الأخير وهو
(مفعولاتُ) في السَّريع و(مستفعلن) في الرَّجز، ومع هذا الجزءان متقاربان لا فرق بينهما
إلَّ بالوَّدِ المَفروقِ في آخر (مفعولات) والوَكَدِ المجموع في آخر (مستفعلن) وهذا الفرقُ
يسيرٌّ، وإذا قطع (مستفعلن) في الضَّرب الثَّني من الرَّجز صار (مستغلْ) بسكون اللَّم يُنقل
إلى (مفعولن) فإذا أتبعت العَرُوضَ للضَّربِ لأجل التَّصْرِيْع صار البيت (مستفعلن)
(مستفعلن) (مفعولن) وذُلِكَ أنَّ (مفعولات) في السَّريع إذا كشف حذفت تاؤه فيبقى
(مفعولا) ... )) وأطال في شرحه تجده هناك مفصلاً.
(١) لشرَّاح معاني الشَّعر في هذا البيت تأويلان راجعان إلى معنى (الفَرقد) وهل المقصود به
(النَّجم المعروف) أو (ولد البقر الوحشيّ) وما ذكره المؤلِّف من أنَّه النَّجم المعروف هو رأي
الأصمعيّ. وقال غيره: يريد إنَّهم في مفازة بعيدة من المياه، فإذا رأوا فرقداً - وهو ولد
البقرة الوَحْشِيَّةَ - أَهَلُّوا؛ أي: كَبَّروا؛ لأنَّهم قد علموا أنَّهم قد قربوا من الماء)» (اللُّسان) ولا
تزال العامة بنجد تُسمِّي ولد بقر الوحش فرقداً و(أمّ الفرقدا) قصيدة مشهورة لشاعر عاميٍّ من
شعراء بَلدتنا عُنيزة اسمه (الشُّعيبي) عاش في القرن الحادي عشر - فيما أظن -.
(٢) عَبَّاسُ بن ناصِحِ، أبو العلاء الثََّفيُّ، مولاهم، كان والده عبداً لمزاحمة بنت مزاحم الثّقْفِيِّ
وهو من بيتِ عِلْمٍ، وفَضْلٍ، وشِعْرٍ، وقَضَاءِ، أصله بَرْبَرِيٌّ من نِفْزَةً من قبائل البربر، ويُقال : =
٣١٣
عباس بن نَاصح بن يلتت المَصمُودي. كذا قال نسَّابةُ أهل الجزيرة المفضّل المَذْحَجِيُّ.
=
رحل به أبوه إلى المشرق صَغيراً، فنشأ بمصر، وتردَّدَ على الحِجَاز طالباً لِلِسَانِ العَرَب، ثم
دخل العِراقَ فلقيّ الأصمعيَّ وغيرَه من عُلماء النَّحو البَصريين والكوفيين، ورَحَلَ ثانيةً لَمَّا
وَجَّهَهُ الأميرُ عبدالرَّحمن بن الحكم إلى العراق لالتِماسِ الكُتُب القَدِيْمَةِ، فَلَقِيَ الحسنَ بنَ
هانىءٍ (أبانُواسٍ) فاستنشده فيقال: إنَّ الحسنَ قضى له على نفسِهِ بالفَضْل، حكى ذلك ابن
الفَرَضيِّ وغيره، ورجع إلى الأندلس، ومدح ملوكها، وكان شاعراً مُصقعاً، وشعره مؤلّفٌ،
مَعْرُوفٌ، مَشروحٌ. قال ابن الفرضي: كان عبَّس من أهلِ العِلْمِ بِاللُّغَةِ والعَرَبيَّةِ، وله حَظٌّ من
الفقهِ والرَّوايةِ، لم يُشهرْ عنه؛ لغلبة الشِّعرِ عليه، كان يسلك في أشعاره مسالِكَ العربِ
القديمةِ، واستقضاهُ الحكم على شَذُوْنَةَ والجزيرة. هذا ما ذكره القاضي عياض في (ترتيب
المدارك)) في ترجمة ابنه عبدالوهاب، قال عن ابنه: وكان من كبار الفقهاء، رحل مع ابن
مُزَيٍِّ، وابنٍ مَطْرُوحٍ وغيرهما.
وذكر القاضي عياض - رحمه الله - حفيده محمد بن عبدالوهاب بن عَبَّاسٍ، وابنَ
حفيده عبدالوهاب بن محمد بن عبدالوهاب بن عبَّاس. وكلاهما من الفقهاء، والقُضاة
والشُّعراء، وقال القاضي عياضٌ - رحمه الله -: ((والنَّبَاهَةُ والعلمُ باقيان في بيتهم هذا
بالجزیرة، أدركنا منهم: أباعبدالله محمد بن عبدالوهاب، وکان من فقهائها المشاورِین بها،
وتوفي بها)).
روىُ الزُّبيديُّ في طبقات النَّحويين: ٢٦٢ قال: ((أخبرني محمَّد بن عُمر بن
عبدالعزيز، أخبرني عُفَيْرُ بن مسعودٍ، أخبرني عبدُالوَهَّاب بن عبَّاسِ بن ناصحٍ قال: كان أبي
لا يقدِمُ من المشرق قادمٌ إلا كشفه عن مَنْ نَجَمَ في الشُّعراء بعد ابن هرمة، حتى أتاه رجلٌ من
التُّجارِ فأعلمه بظهور حسن بن هانىءٍ، وارتحاله من البَصرة إلى بغداد، والمحل الذي حلَّه
من الأمين وبني بَرْمَك فأتاه من شعره بقصيدتين ... فقال أبي: هذا أشعر الجنِّ والإنس،
والله لا حَبَسَّنِي عنه حابسٌ، فَتَجَهَّزَ إلى المشرق)). وذكر قصَّة لقائِهِ له وهي مثيرة جدًّا، قال
ابن سعيدٍ في ((المُغْرِبِ): ((وجعله الرَّزي فحلَ شُعَرَاءِ الأندلس)) وقال السُّيوطي في
٣١٤
هِلَّةً مِنْ قَصِيْدَةٍ غَرَّاءِ
نَشَرَتْ هِمَّتِيْ قَبْتُ أُناچِيْ
يعني: فبُثُّ أناجِي استِفتاحاً من قَصِيْدَةٍ غَزَّاءَ.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (القَرْنَيْنِ) [٤٢] في(١) حديث
مالك
الذي رَوَاهُ عن أَبي أيُّوبَ الأَنْصَارِيِّ: ((إذْ كان يَغْتَسِلُ بالأَبْوَاءِ بينَ القَرْنَيْنِ
وهو يَسْتُرُ بِثَوْبٍ)). [٣٢٣/١ رقم (٤)]. ما القرنانُ؟
قال [عبدُالملك]: هُمَا العَمُودان الَّلذانِ تَكونُ عليهما سانيةُ البثْر. (٢)
(البغیة)): (ومات بعد ثلاثین ومائتين)).
=
أخباره في طبقات النَّحويين واللُّغويين: ٢٦٢، وترتيب المدارك: ٢٦٨/٦، وتاريخ
علماء الأندلس: ٢٤٥/١، والمُغْرِب: ٣٢٤/١، وإنباه الزُّواة: ٣٦٥/٢، وبغية الوعاة:
١٢/٢، ونفح الطيب: ٣٤٣/١، ٣٤٤، ٢٦١/٢، ٤٢٤/٣.
إنَّما توسعتُ في ذكره؛ لأنَّ المؤلّف استشهدَ بشعره، وهو ممن لا يحتجُّ به؛ فأردت
أن يُعْرَفَ قدرُهُ وتمكُّنُهُ من العلم، وما قيل عن شاعريته، فلعلَّ ذلك يكونُ شافعاً للمؤلّف في
ذلك. والله تعالى أعلم.
(١) بقية الكلام في الورقة رقم ٥٥ من الأصل.
(٢) كتاب البئر لابن الأعرابي: ٦٩، ٧٠ قال: ((والشَّجارُ: خَشَبَتَان على جانِبَي البِثْرِ عليهما
عارِضَةٌ، ودُون العَارضةِ بقدرِ ذِرَاع أو ذِرَاعين عارضةٌ أُخرَى ... )). ثم قال: وإذا كان
الشِّجاران من بناءٍ، طينٍ أو حِجَارَةٍ فَهما: الزُّنُوقَانِ والقَرْنَانِ قال الشَّاعِرُ:
تأمَّل القَرْنَيْنِ فَانظُرْ مَاهُمَا
أَحَجَراً أمْ مَدَراً تَرَاهُمَا
ويُراجع نوادر أبي زيد: ٤٧٧، وتهذيب اللُّغة: ٨٨/٩، والمُخصَّص: ٤٤/١٠،
والفائق: ٣٣٥/٢، والصِّحاح واللَّسان والتاج (شجر) و(قون). و(الزّرنوقان) هكذا يُطلق
=
٣١٥
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (الثَّفَثِ) حيثُ جَرَى ذكره في
كتاب (الحَجِّ)، وفي (القُرآن) حيثُ يقول [عزَّ وجَلَّ] (١): ﴿لَيَقْضُوْتَفَنَّهُمْ﴾
قال [عبدُالملك]: التَّقَثُ: (٢) كلُّ ما حُرِّمَ علىُ المُحرم بالحَجِّ من حَلقِ
عليهما في عاميَّة أهل نجد الآن.
=
والبيتان من الرَّجز اللَّذان أَنشدهما ابن الأعرابي لراجٍ مجهولٍ، أنشدهما أيضاً أبوزيدٍ
الأَنْصَارِيُّ - رحمه الله - في («نوادره) كما أشرتُ، وأنشدَ بعدّهُما:
إِنَّكَ لَنْ تَذِلَّ أَوْ تَغْشَاهُمَا
وتَبُّكَ اللَّيْلَ إِلَىْ ذُراهُمَا
و(الأَبْوَاءُ) التي ذكرها مالك - رحمه الله - ولم يتعرَّضْ لها الشَّارِحُ - رحمه الله -؛ لأنَّه
إنَّما سُئِلَ عن القرنين فحسبُ، وتتميماً للفائدة أقول: قال أبو الوليد الوَقَّشِيُّ في تعليقه على
الموطأ: ٣٥٣/١: ((الأبواءُ: مَوضحٌ بجهة مكةً وهو مَمْدُودٌ». أقول: ولو قال: بجهة
المدينة لكان أولى، وفي نهاية ابن الأثير: ٢٠/١، هو بفتح الهمزة، وسكون الباء والمدّ:
جَبَلٌ بين مكة والمدينة، وعنده بلدٌ يُنسب إليه)). أقول أيضاً: هذا أقربُ إلى الصَّوابِ من
الأوَّلِ. فالأبواء من أعمالِ المدينةِ الشَّريفةِ، على ساكنها الصَّلاة والسَّلام.
ويُراجع عن الأبواء: معجم ما استعجم: ١٠٢، ومعجم البلدان: ٧٩/١، والرَّوض
المعطار: ٦، والمغانم المطابة: ٦ أيضاً، ووفاء الوفاء: ١١١٨، وهي الآن معروفةٌ قريبٌ
من مُستُورة، وبها قبرٌ يقال: إنَّه قبر آمنة أمِّ النَّبِيِّ ◌َ﴿، وجاء في غريب الحديث للخَطَّابِيِّ:
٣١٦/١: ((قال أبوسُلَيمان: وفي حديث النبيِّ صلى الله عليه [وسلم] أنَّ قريشاً لمَّا خرجت
في غزوة أحدٍ فنزلوا الأبواء قالت هندُ بنتُ عتبة لأبي سفيان بن حَرْبٍ: لو نجثُم قبرَ آمنةَ أمّ
محمَّدٍ فإِنَّه بالأبواءِ».
ويُراجع: أخبار مكة للأزرقي: ٢٧٣/٢، وفي وفاتها بالأبواء أو بمكة خلافٌ ليس
هذا موضع ذكره، وإن كان الرَّاجح أنَّه بالأبواءِ.
(١) سورة الحج: الآية: ٢٩.
(٢) شرحُ الَّلفظة في: معاني القُرآن للفرَّاء: ٢٢٤/٢، ومجاز القرآن لأبي عُبَيْدَةَ: ٥٠/٢، =
٣١٦
الشَّعْرِ وقَصِّ الشَّاربِ، وتَقَليمِ الأَظفارِ، ونَتْفِ الإِبطِ، وَحَلْقِ العَانِةِ، وَقَتْلِ
القَمْلِ، ولُبْسِ الثَّابِ، ومَسِّ الطِّيبِ، فَالتَّقَثُ: اجتِنَابُ ذُلِكَ كُلِّهِ.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (المِشْقِ) في حدیثِ مالك
الذي رَوَاهُ عن نافعٍ، عن أَسلمَ مولىْ عُمَرَ بن الخَطَّابِ: ((أنَّ عُمَرَ رأى
علىْ طَلحةَ بنِ عُبيد الله ثوباً مَصْبُوغاً بِمِشْقِ وهو مُحْرِمٌ فقال: ما هذا
يا طَلحةُ؟! فقال: يا أميرَ المؤمنين إنَّما هو مَدَرٌ، فقال له عُمَرُ: إِنَّكُم أيُّها
الرَّهْطُ أَئِمَّةٌ يَقْتَدِيْ بِكُمُ النَّاسُ، فلو أنَّ رَجُلاً جَاهِلاً رأىْ هَذا الثَّوْبَ عَلَيْكَ
لَقَالَ: إِنَّ طَلْحَةَ كان يلبسُ الثَّابَ المُصَبَّغَةَ في الإِحرامِ، فَلاَ تَلْبِسُوا أيُّها الرَّهْطُ
شَيْئاً من هَذه الثّابِ المُصَبَّغَةِ في الإِحْرَامِ)) [٣٢٦/١ رقم (١٠)]
قال عبدُالمَلكِ: الِمِشْقُ: المَغْرَةُ(١) المَدَنِيَّهُ التي يُصبَغُ بها الثِّابُ فيأتي
لونُها يُشْبِهُ الوَرْسَ، ولم يَكْرَةِ عُمَرُ الصَّبِغَ بالمِشْقِ للمُحْرِمِ، وَلَكنَّه يَخَافُ أَنْ
يَحْمِلَهُ الجَاهِلُ بهِ عَلَى غَيْرِ المِشْقِ إِذَا رَآهُ عَلَى مثلٍ طَلْحَةَ، فيستجيز لبسَ
الثَّبِ المَصْبُوع بغَيرِ الِمِشْقِ مثل الوَرْسِ أَوْ الزَّعْفَرَانِ، فإنَّ رَسُوْلَ اللهِ لِ نَهَى
أنْ يلبسَ المُحرِمُ ثَوْباً مَصْبُوغاً بوَرْسٍ (٢) أو زَعفرانٍ؛ لأنَّهما من الطِّبِ
ومعاني القرآن وإعرابه للزَّجاج: ٤٢٣/٣، والمُحرَّر الوجيز: ٢٦٩/١٠، وزاد المسير:
=
٤٢٦/٥. وهي مشروحةٌ في كتب غريب الحديث والمعاجم اللُّغوية، ولكنها في كتب
التفاسير أكثر وضوحاً. وتحدث عنها الفقهاء وشرحها شراح غرائب ألفاظ الفقهاءِ.
(١) في الأصل: ((المغرا)). والمَغْرَةُ: الطِّينُ الأحمرُ كذا في اللُّسان (مَغر) وكذا جاء في التَّمهيد
لأبي عمر بن عبدالبرٌّ: ١٢٣/١٦ وغيره.
(٢) الوَرْسُ: نبتٌ أصفرُ يكونُ باليَمَنِ الصِّحاح: (ورس). أقول - وعلى الله أعتمد - جاء في
كتاب النَّبات لأبي حنيفة الدِّيْنَوَرِيِّ: ١٦٥ قال: «هذا بابٌ نذكر فيه ما حضرنا ذكره مما
يكون بأرض العرب من النَّبات الذي يُصبَع به أو يختصبُ ... فمنه: (الوَرْسُ) وهو يزرعُ =
٣١٧
ما هُما، وإن لم يبقَ في الثَّبِ من صبغِ الوَرَسِ والزَّعفرانِ إلَّ دَرْسُهُ بعد
غَسْلِهِ، فإنَّه لا يَجُوْزُ للمُخْرِمِ لُيسُهُ. فأمَّا مَا صُبِغَ بغيرِ الوَرْسِ والزَّعْفَرَانِ من
جميع الأصْبِغَةِ كلِّها فلا بأسَ أَن يحرمَ فيها المُحْرِمُ، إلاَّ ما كانَ من المُعَصْفَرَاتِ
والمُفَدَّمَاتِ، فإنَّ مَالِكاً كَرِهَ للرِّجالِ أن يُحْرِمُوا فيها، انتَقَضَ صُبْغُهَا أو لم
يَنْتَقِّض، وَأَجَازَ للنِّساءِ أنْ يُحْرِمْنَ فِيْهَا، مَا لَمْ يَنْتَقِضْ صِبْغُهَا، وخَفَّفَ في
المُوَرَّدِ من المُعَصْفَرِ أنْ يُحرِمَ فيه مَنْ احْتَاجَ إليه من الرِّجَالِ، وَكَانَ تَركُ
المَصْبُوغِ كلِّه في الإِحرامِ أَحَبَّ إلى مالكِ.
قال عبدُالملك: والمُفَدَّمُ الشَّدِيْدُ الحُمْرةِ من المُعَصْفَرِ(١)، والبَهْرَمَانِ (٢)
زَرْعاً وليس بيرِّيٍّ، ولستُ أعرفه بغيرِ أرضِ العَرَب، ولا من أرض العرب بغير بلاد اليمن.
=
قال الأصمعيُّ: ثلاثةُ أشياءٍ لا تكون إلاَّ باليمنِ وقد ملأتِ الأرضَ؛ الوَرْسُ، والُّبَانُ
والعَصْبُ. أخبرني ابنُ بنتِ عبدِ الرَّزَّاق قال: الوَرْسُ عندنا باليَمَنِ بِحُفَاش، ومِلْحَان،
وبِطْمَام، وشِجْنَان، وبالرُّقعة، ونجران، وبهَوْزَن، وبجبال ابن أبي جعفر كلِّها. وقال:
يزرعُ سنةٌ فيجلسُ عشر سنين، أي: يقيمُ في الأرض ولا يَتْعَطَّلُ. وقال: ونباتُهُ مثلُ نباتٍ
السّمسم، فإذا جَفَّ عند إدراكِهِ تفتَّقَتْ خرائطُهُ فَيُنْتَفَضُ فينتِفِضُ منه الوَرْسُ ... )).
(١) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٤٢١/٣، والفائق: ٩٤/٣، وغريب ابن الجوزي: ٢/ ١٨١، والنِّهاية:
٤٢١/٣. ويُراجع: تهذيب اللُّغة: ١٤٨/١٤، والتَّمهيد: ١٢٣/١٦، واللِّسان: (فدم).
(٢) في الأصل: ((النَّهرمان)) والتَّصحيح من المصادر.
وقوله هنا: ((والبَهْرَمَانُ دونه في الحُمرة)) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((الأُرجوان: هو الشَّديدُ
الحُمرةِ، ولا يُقال لغير الحُمرة: أرجوان. والبَهْرَ مَانُ دونه بشيءٍ في الحُمرةِ، والمُفْدَمُ:
المُشبَعُ حُمْرَةٌ ... )) وعنه في اللِّسان. وفي الجمهرة: ١١٢٤ : ((البَهْرَمَانُ: صبغٌ أحمر،
وليس بعربي صَحِيْحٍ)). وفي ص١٣٢٤ : «وقالوا: البَهْرَمَانُ: لونٌ أحمر، وكذلِكَ الأرجُوان،
وهو فارسيٌّ معرَّبٌ)). وعنه في المعرَّب للجَوَاليقي: ٥٥. وفي قصد السَّبيل للمحِبِيِّ:
٣١٣/١ (البَهْرَمَان: ياقوتٌ أحمرُ، وقع في شعر المولَّدين كابن النَّبيه، فارِسِيٍّ).
٣١٨
دُونَهُ في الحُمْرَةِ، وهُمَا جائزانِ للمُحْرِمِ أَنْ يلبَسَهُمَا في إحْرَامِهِ، جَاءَ [٥٥]
ذلكَ عن عُثمان بنِ عِقَّان، وكَانَ ابنُ عُمَرَ يَسْتَثْقِلُ الحُمْرَةَ كلَّها للمُحْرِمِ.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (النِّعال السِّبْتِيِّ)في حدیثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن المَقْبَرِيِّ، عن ابنٍ عُمَرَ أنَّه قَالَ: ((رَأَيْتُ رَسُوْلَ الهِلَهُ
يَلْبَسُ النَّعالَ السِّبتِيَةَ وَيَتَوَضَّأُ فيها)) [٣٣٣/١ رقم (٣١)].
قال عبدُالملكِ: كَانَ مالكٌ يَقُولُ: النِّعَالُ السِّبْتِيَّهُ هِيَ الَّتِي لَا شَعْرَ لَهَا(١)،
(١) اختلف المفسِّرون لههذا الحديث بالمقصود بـ(النِّعَالِ السِّبتية)) فروَى أبوعُبَيْدٍ وغيره عن
الأصمعيِّ، أنَّها المَدبُوغةُ، وعن أبي عمرو الشَّيباني: أنَّها المدبوغةُ بالقَرظِ. قال أبو حَنِيْفَةً
الدِّينَوَرَيُّ: ((فما كان منها من جُلُودِ البقرِ خاصَّةً فإنَّ الأَصْمَعِيَّ زَعَمَ أَنَّهُ سِبْتٌ. وأمَّا أبو عمرو
فزعم أنَّ كلَّ جلدٍ مدبوغٍ سِبْتٌ، بالقَرِظِ دُبغ أو بغيره، وقد اختُلِفَ علينا في ذُلِكَ، فرويّ ما
حَكيناه عن الأَصْمَعِيِّ عن أبي عمروٍ، وما حكيناه عن أبي عمروٍ عن الأَصْمَعِيِّ. قال
أبو زِيّادٍ: السِّبتُ جلودُ البَقَرِ، قال: ولا نقولُ للجلدِ سِبْتُ حتَّى يصيرَ حذاءً، فذلك حين
ننسبه إلىّ السَّبت فنقول: نَعْلٌ سِبْتٌ ونِعَالٌ سِبْتٌ وأنشدَ بيتَ عنترة. ثم قال: أبوزَيِّدٍ: نَعْلٌ
سِبْتٌ وهي من جُلودِ البقرة خاصةً ... )) ونقل في خزانة الأدب: ١٤٧/٤ كلام أبي حنيفة
كلَّه أو أَغلبه. وكلُّ هذا ذكره أبوالوليد الوَقَّشِيُّ في (تعليقه)) مختصراً، ومثله في ((الاقتضاب
في غريب الموطأ» لليَفْرُنِيِّ وزاد: ((وقال الخليلُ: هي جلودُ البقر المدبوغةُ بالقرظ، وقال
ابنُ وهب: هي الشُّورِ التي لا شعرٌ عليها أيَّ لونٍ كانت، ومن أي جلدٍ كانت، وبأيِّ دباغٍ
دُبِغَت، وهو ظاهرُ كلامِ ابنِ عُمر في هذا الكتاب، وهي مأخوذٌ من السَّبت وهو الحلقُ.
سّبْتَ: حَلَقَ. وقال بعضهم: فعلى هذا ينبغي أن يقول: سَيْئِيَّةٌ - بفتح السين - ولم يُرْوَ إلاَّ
بالكسرِ. قال الأزهريُّ: ((كأنَّها من تَسَبََّتْ بالدّباغ، أي: لانّتْ)). وقال الدَّاوُدِيُّ: ((هي
منسوبةٌ إلى موضع يقال له: سوقُ السَّبْتِ».
وفي غريب الحديث للأندلسيِّ المجهولِ نقل أغلبَ هذا ثم قال: ((قال يعقوب:
=
٣١٩
وَتَفْسِيْرُ قَوْلِهِ: كَانَ يَلْبَسُهَا سَاعَةً يَتَوَضَّأُ، والبَلَلُ برجْلَيْهِ، يَقِي بهما رِجْلَيْه مِنَ
التُّرابِ.
قال عبدُالملكِ: وهي مثلُ هذه النِّعَالِ الَّتِي يُقَالُ لَهَا: السِّنْدِيَّةُ(١) الَّتِي لا
شَعْرَ لَهَا، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ: (٢)
السَّبتُ: الحَلْقُ، يقالُ: سَبَتَ رَأْسَهُ يَسْبِتُهُ سَبًْ». قال أبوعُبَيْدٍ: ((وإِنما ذُكرت السَّبِيَّة؛ لأنَّ
=
أكثرهم في الجاهليّة كان يلبسها غيرَ مدبوغةٍ إلَّ أهل السَّعة منهم والشَّرف؛ لأنَّهم كانوا لا
يُحسنون، ولا يلبسها إلاَّ أهل الجِدّةِ منهم، كانوا يشترونها من اليمن والطائف ... )).
أقول - وعلى الله أعتمدُ -: قال النَّابغةُ الذُّبيانِيُّ فِي مَدْحٍ يَتِي غَسَّان مُلُوكِ الشَّامِ:
يُحَيَّوْنَ بِالرَّيْحَانِ يومَ السَّاسِبِ
◌ِقَاقُ النِّعَالِ طَيِّبٌ حُجُزَاتُهُمْ
يُراجع: غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٥٢/٢، وغريب ابن قُتيبة: ٢/ ٣٨٠، والفائق: ١٤٨/٢،
وغريب ابن الجوزي: ٥٤٢/١، والنُّهاية: ٣٣٠/٢، وغريب الحديث للأندلسي المجهول:
ورقة: ١٣٨ (تقريباً). ويُراجع أيضاً: العين: ٢٣٧/٧، ومختصره: ٢١٣/٢، والنَّبات لأبي
حنيفة الدِّيْنَوَري: ١٠٥، وجمهرة اللُّغة: ٣٤١، ٣٦٨، وتهذيب اللُّغة: ٣٥٨/١٢،
والصِّحاح والِّسان والتَّاجِ: (سبت).
(١) لم أجد من ذكرها غير المؤلِّف. ولعلها مألوفة في بيئته آنذاك خاصَّةً.
(٢) هو عنترةُ بن شدَّادِ العَبْسِيُّ، والبيت في ديوانه: ٢١٢. وهو من معلقته المشهورة. يُراجع:
شرح القصائد السَّبع لابن الأنباري: ٣٥٢، وشرح القصائد التسع لابن النَّحاس: ٥١٨،
وأدب الكاتب: ٣٩٤، وجمهرة اللُّغة: ١٥٢/١، ١٣١٥، والمُنصف: ١٧/٣، والخصائص:
٣١٢/٢، وشرح المفصَّل: ٢١/٨، ومغني اللَّبيب: ١٦٩، والخزانة: ١٥٤/٤، وهو موجودٌ
في أغلب مصادر التَّخريج السَّابقة، غريب أبيٍ، عُبَيْدٍ وكتاب النَّبات ... وقبله في الدِّيوان:
بالسَّفِ عَنْ حَامِيْ الحَقِيقَةِ مُعْلِمٍ
وَمَشَكِّ سَابِغَةٍ هَتَكْتُ فُرُوْجَهَا
هُنَّاكِ غَايَاتِ التِّجَارِ مُلَوَّمٍ
رَبِذٍ يَدَّهُ بِالقِدَاحِ إِذَا شَنَا
البيت
بَطَلٍ كَأَنَّ ثِيَابَهُ.
٣٢٠