النص المفهرس

صفحات 221-240

أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ أَوَانِ النََّاجِ وإنْ كان تامّ الخَلْقِ، وأَخْدَجَتْهُ: إِذَا أَلْقَتْهُ نَاقِصَ
الخَلْقِ وإن كان لِتَمَامِ الحَمْلِ هكذا تفرِّقُ العَرَبُّ بَينَهُمَا في كلامها(١).
قال عبدُالملك: وإِنَّما أدخلوا الهاء في الثُّديَّةِ والثَّدِيُّ مذكرٌ؛ لأنَّهم كأنَّهم
أَرادوا لَحْمَةٌ من ◌َدْيٍ، أو قِطْعَةً من ثديٍ فَصَفَّرُوها على هَذَا المَعْنَى فَأنَّثوا(٢).
۔ وسألنا عبدالملكِ بن حبیبٍ عن شرحٍ حدیثِ مالك
الذي رواه ابنُ شهابٍ، عن ابن أُكَيْمَةَ الَّيْئِيِّ، عن أبي هريرة: ((أنَّ
رَسُوْلَ اللهَِّه انصرفَ من صلاةٍ جَهَرَ فيها بالقِراءَةِ، فَقَالَ: هَل قَرَّأَ مَعِي أَحَدٌ
منكم فَقَالَ رَجُلٌ: نَعَم أنا يارَسُوْلَ اللهِ، فقال رَسُولُ اللهِلَّا إِنِّي أَقُول: ما لي
◌ُنازِعُ القُرآن فانتَهَى النَّاسُ عَنِ القِرَاءَةِ» [٨٦/١ رقم (٤٤)].
قال عبدُالملكِ: يُريدُ [١٧] إذا جَهَرْتُ بِالقِرَاءَةِ أَنَا فَإنْ قَرَأْتُمْ وَرَائِي
الله عنه - واسمُهُ نافعٌ، وقيل: حرقوص ولعلَّ الأوَّلَ اسمٌ والثَّانِي لَقَبٌّ، وعرف بـ«ذو النُِّيَّة))
==
روى ابنُ الجَوْزِيِّ بسنده في كتابه ((كشف النِّقاب في الألقاب)، قال: (( ... قال أبوجُخَيفة:
قال عليٍّ رضي الله عنه - حين فرغنا من الحَروريَّة -: إنَّ فيهم رَجُلاً مُخدَجاً ليس في عضده
عظم، عضده كحلمةِ الثَّى عليها شَعَرَاتٌ طوالٌ غففٌ، فالتَمَسُوه مراراً فوَجَدُوه قال:
فنظرتُ في عَضُدِهِ ليس فيها عَظُمٌ، وعليها حلمةٌ كحلمةِ ثدي المرأة عليها شعرات طوال
غفف)) تخريج ذلك في صحيح مسلم وغيره في هامش كشف النِّقاب: ٢٠٦/١، ونزهة
الألباب: ٢٨٢/١. وله ذكرٌ في جمهرة أنساب العرب: ١٦٨، وتاريخ الطبري: ٤٨/٥،
والمرصَّع: ١١٧، والإصابة: ٤٨٤/١، وغيره.
(١) كله عن أبي عُبَيْدٍ - رحمه الله - إلا هذه العبارة الأخيرة.
(٢) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٤٤٦/٣. والثَّيُّ مذكَّرٌ دَائِماً، ومثله الصَّدْرُ، وَالبَطْنُ، والظَّهْرُ ...
بخلافِ الكَّفِ، وَالعَضُدِ، وَالذِّرَاعِ، والكَفِّ، والِيَدِ.
٢٢١

فكأنَّما تُنَازعُوني في القُرآن الذي أقرأ، ولكن أَنْصِتُوا.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (التَّحيَّاتِ للهِ) في حدیثِ مالكٍ
الذي رواه عن ابن شهابٍ، عن عُروةَ بنِ الزُبيرِ، عن عبدِ الرَّحمن بن
عَبْدِ القَاري، أنَّه سَمِعَ عُمَرَ بن الخَطَّاب وهو على المِنْبَرِ يُعَلِّمُ الناسَ التَّشَهُدَ
يَقُولُ: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ للهِ، الزَّاكياتُ [لله] الطَِّّاتُ الصَّلَوَاتُ اللهِ، السَّلامُ
عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ ورَحْمَةُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عبادِ اللهِ الصَّالحين، أشهدُ أنْ
لا إله إلاَّ الله وأنَّ مُحمَّداً عَبْدُ اللهِ وَرَسُوْلُهُ)) [٩٠/١ رقم (٥٣)].
قال عبدُالملكِ: تفسيرُ ((التَّحِيَّاتِ الله): أنَّها جِمَاعُ التَّحيَّةِ (١)، تَحِيَّةُ
السَّلَامِ تَقُولُ: السَّلَامُ للهِ.
وقد حدَّثني عبدُ الله بنُ مُوسى، (٢) عن الأعمش، عن أبي وَائلٍ، عن
عبدِ الله بنِ مَسْعُوْدِ أَنَّه قال: ((كنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ﴿ قُلْنا في موضعٍ
التَّشَهُدِ: السَّلامُ على الله. فَقَالَ لَنَا رَسُوْلُ اللهِ لَّه]: قُولُوا: التَّحِيَّاتُ اللهِ
الزَّاكِيَاتُ للهِ، الطَّيَّاتُ الصَّلَوَاتُ اللهِ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ
وَبَرَكَاتُهُ إِلى تَمَامِ التَّشْهُّدِ)).
قال عبدُالملكِ: وتَفْسيرُ ((الزَّاكيات له)) أنَّها الأعمالُ الصَّالحةُ التي تَزْكُو
(١) الزّاهر لابن الأنباري: ٥٤/١، والتَّعليق على المُوَطَّأَ: ١٣٢/١، وفيهما فوائد.
(٢) من شيوخ المؤلِّف وهو عبدالله بن مُوسى بن إبراهيم بن طلحة بن عبيدالله القُرشِيُّ، التَّميُّ،
الطَّلْحِيُّ، أبو محمد الحجازِيُّ. قال الوليد بن أبي الجارود، عن يحيى بن معين: ((صدوقٌ،
وهو كثيرُ الخطأ)). له أخبارٌ في: الجرح والتَّعديل: ١٦٦/٥، والمجروحين لابن حبان:
١٦/٢، وتهذيب الكمال: ١٨٤/١٦، وتهذيب التَّهذيب: ٤٤/٦. وغيرها، وهو غير
عُبَيْدِ الله بن مُوسَى الآتي.
٢٢٢

لِصَاحِبِهَا بِالثَّوابِ في آخرتِهِ، تقولُ الأعمالُ الصَّالحةُ للهِ، وَكَذَلِكَ تَفْسِيرُ (الطَّيباتُ
الله) يعني: طَيباتِ القَولِ، تَقُوْلُ: الكَلِمَاتُ الطَِّّبَاتُ للهِ، وهي التَّسْسِيحُ، والتَّحْمِيدُ،
والتَّمْجِيدُ، وَالتَّهْلِيْلُ، وَالتَّكْبِيْرُ، وَالكَلامُ الحَسَنُ أيضاً من كلامِ النَّاسِ بعضِهِمْ
لبَعضٍ، تَقُوْلُ: هو كُلُّه للهِ، وهو مثلُ قَوْلِهِ [عَزَّ وَجَلَّ](١): ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ
الطَّيْبُ﴾.
قال عبدُالمَلكِ: والتَّحيَّةُ أيضًا في كلامِ العَرَبِ: المُلْكُ قالَ زُهَيْرُ بنُ
جَنَابِ الكَلْيُّ(٢) :
مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الفَتَى
قَدْ نِلْتُهُ إلَّ التَّحِيَّة
(١) سورة فاطر: الآية: ١٠.
(٢) سَيِّدُبَنِي كُلْبٍ وقائدهم في الجاهليَّة، شاعرٌّ معمَّر، ملَّ عمره فشرب الخَمْرَ صِرْفاً حتَّى مات.
أخباره في: الشِّعر والشُّعراء: ٣٧٩/١، والمؤتلف والمختلف: ١٩٠، وحماسة البُحتري:
١٠١، والأغاني: ٢٢/١٩ (دار الكتب)، والرَّوض الأنف: ٦٦/١ ... وغيرها.
والبيتُ من قصيدةٍ رواها أبو الفرج في الأغاني، ومنها:
سي قد بنيتُ لكم بنيَّه
أَبَنِيَّ إِنْ أَهْلَكْ فَإِنْـ
داتٍ زِنَادُكُمُ وَرِيَّةْ
وجعلتُكُمْ أولادَ سّا
.... ... البيت
مِنْ كُلِّ مَانَالَ ...
فَلْيَهْلِكَنْ وَبِهِ بَقِيَّهْ
والمَوْتُ خَيْرٌ لِلْفَتَّى
ويُراجع: أمثال أبي عكرمة: ٢٤، والمعمَّرون: ٢٦، وحماسة البحتري: ١٤٦،
والزِّينة: ٨٨/١، والفاخر: ٢، والزّاهر: ١٥٥/١، وشرح القصائد السَّبع: ٢٩٧، ونُسب
الشاهد في المزهر: ٤٧٦/٢ إلىْ لُجَيْم بن صَعْبٍ. وهو من شواهد إصلاح المنطق: ٣١٦،
يُراجع: تهذيبه: ٦٧٠، وترتيبه (المشوف المعلم .. ): ٢٢٦، وشرح أبياته: ٥١٧،
وتهذيب الألفاظ: ٥٨٤، وشرح أدب الكاتب للجواليقي: ١٥٣.
٢٢٣

يعني: المُلْك، وَقَالَ عَمْرُو بنُ مَعْدي كَربٍ : (١)
أُنِيْخَ على تَحِِّهِ بجُنْدِ
أُسَيُِّهَا إِلى النُّعمانِ حَتَّى
يعني: على مُلكهٍ، إلاَّ أنَّ مَعْنَى النَّحِيَّاتِ لله في التَّشْهُّدِ إِنَّما هي تَحِيَّاتُ
السَّلاَمِ، وَمَنْ جَعَلَهَا في معنى المُلكِ للهِ لَمْ يُخْطِىءٌ؛ لأنَّ ذُلك كُلَّه للهِ.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (ذي الشِّمالين) في حديث مالك
الذي رواه ابن شِهَابٍ، عن أبي بكر بن سُليمان بن أبي حَثْمَةَ: ((أنَّ
رَسُوْلَ اللهِ لَهُ رَكَعَ (٢) [١٨] ركعتين من إحدى صلاتي النّهارِ، الظُّهرِ أو العَصْرِ،
فسلَّم من اثنتين فقال له ذو الشِّمالَين - رَجُلٌ من بني زُهرة بن كِلابٍ -: أُقُصِرتِ
الصَّلاةُ يَارَسُوْلَ اللهِ أَمْ نَسِيتَ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِوَهِ: ما قُصِرتِ الصَّلاةُ ولا
نَسِيْتُ، فقال له ذُو الشِّمالَين: قد كان بَعْضُ ذُلك يَارَسُوْلَ اللهِ فَأَقْبَلَ رَسُوْلُ اللهِ
(١) شاعرٌ، فارسٌ، مُخَضْرَمٌ، مُعمَّرٌ، مَشهورٌ بالشَّجاعة والإقدام، له سَيفٌ مشهورٌ اسمُهُ
الصِّمصَامةُ، أدرك الإِسلامَ فأسلمَ، وله صُحبةٌ، وشهدَ القادسِيَّة ... أخباره في: المحبِّر:
٣٠٣، والمؤتلف والمختلف: ٢٣٣، ٢٣٤، والشِّعر والشُّعراء: ١/ ٢٤٠، والأغاني:
٢٥/١٤، والإصابة: ٦٨٦/٤، والخزانة: ٤٤٤/٢. وله شعر جمعه هاشم الطَّعان وطبع
في بغداد سنة ١٣٩٠ هـ وجمعه أيضاً مُطاع الطرابيشي وطبع في مجمع اللغة العربية بدمشق
سنة ١٣٩٤ هـ. والبيتُ في شعره طبع دمشق ص ٨٠، وطبع بغداد ص٧٥، وروايته فيهما.
أحلّ على تحيّته بجُنْدِ
اؤُ بها أباقابُوس حتى
و(جُنْدُ) المذكور في البيت - بضَمِّ أوله وإسكان ثانيه وبالدَّال المُهملة - جَبَلٌ باليَمَنِ، كذا
قال البكريُّ في معجم ما استعجم: ٣٩٧، وأنشد لعمرو بن معدي كرب أيضاً:
كأنَّ عرَامَهَا تَوْشِيْمُ بُرْدِ
لِمَنْ طَلَّلٌّ بِيَّمَاتٍ فَجُنِدٍ
وأنشد البيت المذكور هنا، وأنشد له أيضاً غيرهما. ويراجع: معجم البلدان: ١٩٧/٢،
وهي غير (الجَنَدِ) بالتحريك من بلاد اليمن أيضاً.
(٢) تأخرت بقية الصفحة إلى ص٤٣.
٢٢٤

﴿] على النَّاس فَقَالَ: أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ؟ فقالوا: نَعَمْ، فَأَتَمَّ رَسُوْلُ اللهِ وَهُ
مَّا بقيَ من الصَّلاةِ ثُمَّ سَلَّمَ)) [٩٤/١ رقم (٦٠)] (١) وَسَجَدَ سَجْدَتَيْن بعد
السَّلامِ(١). لِمَّ يُسمَّى في الحَدِيْثِ باسمَيْنٍ؛ بِذِي الشِّمَالَيْنِ وَبِذِي الْيَدَيْنِ (٢)؟
(١) -(١) لم يرد في الموطأ رواية يحيى، وهو موجودة في التّمهيد وغيره.
(٢) ما قال المؤلِّف - رحمه الله وعفا عنه - غيرُ صَحِيْحٍ فـ«ذو الشّمالين)) الذي قال إنَّه من بني
زهرة بن كلابٍ؟! (حليف بني زهرة) هو ذو الشِّمالين، وهو غير مقصودٍ هنا؛ لأنَّ ذا
الشِّمالين قتل ببدر، وحديث السَّهو بعد ذلك بزمنٍ، والمؤلِّفُ متابعٌ في ذلك الزُّهريّ
- رحمه الله - وقد أخطأ فيه الزُّهْرِيُّ. أمَّا ذو اليَدِيْنِ المقصود بهذا الحَدِيثِ فهو رَجُلٌ من
سُليم، اسمُهُ الخِرْباقُ. وأنا أذكر لك ما قال الحافظُ ابن عبدالبر - رحمه الله تعالى وأثابه
الجنَّة بحوله وقوته - في ((الاستذكار)) ٢/ ٢٣٢ ففيه بيانٌ ظاهرٌ: ((قال أبو عمر: ذُو اليَدَيْنِ غيرُ
ذي الشِّمالين المقتولِ ببدرٍ، بدليل ما في حديث أبي هريرة ومن ذكرنا معه من حضورهم
تلك الصَّلاة، ممن كان إسلامه بعد بدر، وكان المتكلم يومئذٍ رجلاً من بني سُليمٍ، ذكر ذلك
يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هُريرة. وقال عمران بن حُصين: رَجُلٌ طويلٌ
اليدين يُقالُ له: الخِرْباقُ، وممكن أن يكونَ رجلان أو ثلاثة أو أكثر يُقال لكلِّ واحدٍ منهم:
ذو اليدين، وذو الشِّمالين، ولكنَّ المقتولَ ببدرٍ غيرُ المُتكلم في حديث أبي هريرة حين سلَّم
رسول الله [#] من اثنتين. وقال أبوبكر الأثرمُ: سَمِعْتُ مُسدّد بن مُسرهدٍ يقول: الذي قتل
يبدر إنَّما هو ذو الشِّمالين بن عبد عمرو حليف بني زُهرة، وذو اليدين رَجُلٌ من العَرَبِ كان
يكون بالبادية فيجيء فيُصلِّيَ مع النَِّ﴾.
قال أبوعُمر: وقول مُسَدّدٍ هذا قول أئِمةِ الحديثِ والسِّيَّرِ، وهذا على ما ذكرنا
عنهم. أمَّا قولُ الزُّهريّ في هذا الحديث إنَّه ذو الشِّمالين فلم يتابع عليه، وحمله الزُّمري
على أنَّه المقتولُ يومَ بدرٍ فوهِمَ فيه وغَلطَ، والغَلَطُ لا يَسلمُ منه أحدٌ، وقد اضطرب الزُّهري
في إسناد حديث أبي هريرة في قصة ذي اليدين اضطراباً كثيراً، قد ذكرناه في (التَّمهيد))
يراجع التَّمهيد: ١/ ٣٥٧ فما بعدها، ٢٠٤/١١ فما بعدها.
=
٢٢٥

قال عبدُالملكِ: كان رَجُلاً من بني سُلَيْمٍ وحَلِيْفاً لبني زُهْرَةَ، وكان
يَبْطِشُ بَيَدَيْهِ جَمِيْعًا، فَكَانَ يُقالُ له: ذُو الشِّمالين، فَكَرِهَ رَسُوْلُ اللهِ الَّه] أن
يَقُوْلَ ذُلك؛ لأنَّ أَحَداً لا يكون ذا شَمالين. فَقَالَ رَسُوْلُ اللهِ لِ] ((أَصَدَقَ ذو
الْيَدَيْنِ؟)) فكان أولَ مَنْ سُمِّيَ ذَا الْيَدين. وقد كَانَ آخرُ يُقالُ له: ذُو اليَدَين قُتِلَ
وبهذا يبدو الأمرُ ظاهراً ومن أراد المزيد من البَسطِ والتَّحقيقِ والاستدلالِ فليُراجع
=
(التَّمهيد) ففي كلامه طولٌ واستيفاءٌ. وكان مما قاله: ((قال أبو عُمر: ولا أعلم أحداً من أهلٍ
العلمِ والحديثِ المُصنِّين فيه عوَّلَ على حديثِ ابن شِهَابٍ في قصّة ذي اليدين لاضطرابه
فيه، وأنَّه لم يتم له إسناداً ولا متناً، وإن كان إماماً عظيماً في هذا الشَّأن، فالغَلَط لا يَسْلَمُ
أحدٌ منه، والكمال ليس لمخلوقٍ، وكلُّ أحدٍ يؤخذ من قوله ويترك إلاَّ النَّيِ وَّ، فليس قول
ابنُ شهابٍ أَنَّه المقتولُ يومَ بَدْرٍ حجَّةً؛ لأنَّه قد تبيَّن غَلَطُهُ في ذلك ... ».
ثم قال: ((قال أبو عمر: ذو الشِّمالين المقتول يوم بدرٍ خزاعيٌّ، وذو الیدین الذي شهد
سهو النَّبي عليه السلام سُلَمِيٍّ، ومما يدلُّ على أنَّ ذا اليدين ليس هو ذا الشِّمالين المقتولَ
بدرٍ ما أخبرناه عبدالله بن محمد ... )) وذكر جُملةً من الأحاديث والرِّوايات ثم قال: ((وفيما
قدَّمناه من الآثارِ الصِّحاحِ كفايةٌ لمن عُصِمَ من العَصَبِيِّ. وقد قيل إنَّ ذا اليدين عُمِّر إلى
خلافة معاوية و ((أنه توفي بذي خَشَبٍ)).
أقول: ذو خَشَبٍ من مخاليف اليمن. يراجع: معجم البلدان: ٤٢٦/٢.
وذو الشِّمالين المقتول ببدر - رضي الله تعالى عنه - له أخبار في جمهرة أنساب
العرب: ٣٣٤، والاستيعاب: ١٩٧/٣، وأسد الغابة: ١٧٥/٢، والإصابة: ٩٣/٣.
ويراجع: ألقاب ابن الفرضي: ٦٩، وكشف النِّقاب لابن الجَوْزي: ٢١١/١، ونُزهة
الألباب للحافظ ابن حجر: ٢٩٦/١.
وذُو اليدين: له أخبارٌ في: الاستيعاب: ٤٠/٢، وأسدُ الغابة: ١٧٩/٢، والإِصابة:
٤٢٠/٢. ويُراجع: التُّحفة اللَّطيفة: ٤٩/٢، والعقد الثمين: ٣٦٥/٤، ألقاب ابن
الفرضي: ٦٩، وكشف النِّقاب لابن الجوزي: ٢٢٢/١، ونزهة الألباب للحافظ ابن حجر:
٣١٣/١.
٢٢٦

يومَ بَدْرٍ، كان اسمُهُ عُمَيْرَ بنَ عَبْدِ عَمْرٍو، من خُزَاعَةَ(١).
قال عبدُالملكِ: ومن عرضَ له اليوم مثل هذا فجائزٌ له العملُ بما عَمِلَ
به رَسُوْلُ اللهِ لَه] وَذلكَ مالم يَكْثُرُ الكَلَامُ من الإِمامِ وَمِمَّنْ كَلَّمَهُ من النَّاسِ
وَالتَّرَاجُعُ بِهِ حَتَّى يَقَعَ اللَّغَطُ والمِراءُ، وَكَلَامُ بَعْضِهِم بَعْضًا، فَلاَ يَجُوْزُ له عند
ذِلْكَ الِنَاءُ عَلَى مَا كَانَ صَلَّى، بَل يَجِبُ عليه وَعَلَى مَنَ وَرَاءَهُ الابتداءُ لِصَلَتِهِمْ
- وسألنا عبدالملك بن حَبِيبٍ عن شرح (التّخِيْ) في حديث مالكٍ
الذي رواه عن عمر بن محمد بن زیدٍ، عن سالم بن عبدالله بن عُمر، عن
أبيه: أنَّه كان يقولُ: من شَكَّ في صلاةٍ فليتوَخَّ الذي يظنُّ أنَّه نَسِيَهُ في صلاته
فَلْيُصَلَّهْ [ثم](٢) لِيَسْجُدْ [سَجدتَي السَّهوِ](٢) وهو جالسٌ)) [١/ ٩٥ رقم (٦٣)]
قال عبدُالملك: التَّوَخِّي(٣): هو النَّحرِّيْ، وسجودُهُ بعدَ السَّلامِ.
وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (الأنْبِجَانیة) في حديث مالك
الذي رَواه عن هشام بن عُروة، عن أبيه: ((أنَّ رَسُوْلَ اللهِ لَه لَبِسَ
خَمِيْصَةً لَهَا عَلَمٌّ، ثم أعطاها أباجَهْمٍ، وأخذَ من أبي جَهْمٍ أنْبِجَانيَّةٌ له، فقالَ:
يَارَسُوْلَ اللهِ ولِمَ؟ فقالَ: إِنِّي نَظَرْتُ إِلى عَلَمِهَا فِي الصَّلاَةِ فَكَادَ يَفْتِيُِّيْ)) [٩٨/١
رقم (٦٨)].
قال عبدُالملكِ: الخَمِيْصَةُ(٤): كِسَاءُ صُوْفٍ أو مَرْعِزٍ معلَّمُ الصِّفةِ.
(١) هذا هو الذي كان حليفاً لبني زُهْرَةَ، لا السُّلَّمِيَّ كما أوضحنا.
(٢) في الأصل: ((حتى)) و((سجدتين)) والتَّصحيحُ من الموطأ.
(٣) تهذيب اللُّغة: ٦١٧/٧، والأفعال للسّرقسطي: ٤/ ٢٨٤.
(٤) ويراجع: العين: ٢٢٦/١، ومختصره: ٤٣٣/١. والتَّمهيد: ١٠٨/٢٠، ١٠٩، ٣١٥/٢٢،
والاستذكار: ٢٥٦، والصِّحاح، والِّسان، والتَّاج: (خمص).
٢٢٧

والأنْبِجَانيُّ(١): الكِسَاءُ الغَلِيْظُ الذي يُشْبِهُ الشَّمْلَةَ، يكونُ سُداهُ قُطْناً غَلِيْظاً أو
كَّانًا غَلِيْظًا، وَطُعْمَتُهُ صُوْفٌ لَيْسَ بِالمُبْرَمِ فِي فَتْلِهِ لَيِّنٌ غَلِيْظٌ، فَتِلْكَ الأَتْبِجَانِيَّةُ
تُلْتَحَفُ في الفِراشِ، وقد [٤٣] تُشْتَمَلُ من شِدَّةِ البَرْدِ.
وسألنا عبدالملك بن حَبِیپٍ عن شرح (الُبْسِيِّ) في حديث مالكٍ
الذي رواهُ عن عبدِ اللهِ بنِ أبي بكرٍ، أنَّ أباطَلْحَة الأَنْصَارِيّ: كان يُصلِّيَّ
في حَائطه فطارَ دُبْسِيُّ فَطَفِقَ يَتَرَدَّدُ يَلْتَمِسُ مَخْرَجاً، فَأَعْجَبَهُ ذُلِكَ فَجَعَلَ يُتْبِعُهُ
بَصَرَهُ سَاعَةٌ، ثمَّ رَجَعَ إلى صَلاَتِهِ، فَإِذَا هُوَ لا يَدْرِيْ كَمْ صَلَّى؟ فقال: لَقَدْ
أَصَابَتْنِي فِي مَالي هذا فِتْنَةٌ فجاءَ إلى رَسُوْلِلهفقال: يَارَسُولَ اللهِ: هُوَ صَدَقَةٌ
الله فَضَعْهُ حَيْثُ شِئْتَ) [٩٨/١ رقم (٦٩)].
قال عبدُالملك: الدُّبْسِيُّ: هُوَ الْيَمَامَةُ بِعَيْنِهَا(٢)، وَإِنَّما تَرَدَّدَتْ تَلْتَمِسُ
(١) أدب الكاتب: ٤١٧، وشرحه الاقتضاب: ٢٣٣/٢، والتَّمهيد: ١١٠،١٠٩/٢، والاستذكار: ٢٥٦/٢.
قال الوَقَّشِيُّ في تعليقه ١٣٠/١ ((كان الأَصْمَعِيُّ يُنكرها ويقولُ: لا يُقالُ: كِسَاءٌ
أَنْبِجَانِيُّ، وإنَّما يُقالُ: مَنْبِجَانِيُّ منسوبٌ إِلى مَنْبِجَ، وفُتحت باؤُهُ في النَّسبِ؛ لأنَّه خُرِّج
مخرج مَنظراني ومَخبراني يُريد: إنه جاء على غير قياسٍ، وأجاز غيره أنبجاني، وأنشد
المبرِّدُ - في لحيةٍ -: [الكامل: ٦٥٣]
كالأَنْبِجَانِيِّ مَصْقُوْلاً عَوَارِضُهَا
سَوْدَاء فِيْ لِيْنِ خَدِّ الغَادَةِ الرُّوْدِ
وحكىْ ثعلبٌ: أَنْبِجَانِيَّةَ وأَنْبَجَانِيَّةٌ [بكسر الباء وفتحها]، كلما كلف والتَّفَّ، قالوا: شاةٌ
أنبجانيةٌ أي: كثيرة الصُّوف مُلْتَقَتُهُ، ووقع في بعض نسخ ((الموطأ)) (إنبجانيَّةٌ) ولا أعرِفُ
أحداً حكاه، ولا أبعدُ أن تكونَ لغةً؛ لشُذوذ هذه الكلمةِ عن القياسِ في النَّسب؛ لأنَّها
منسوبةٌ إلى مَنْبِجٍ، والقياسُ فيها: مَنْبِجِيَّةٌ)).
وحكايةُ ثَّعْلَبِ في الاستذكار: ٢٥٧/٢، وشرح الزّرقاني ... وغيرهما.
(٢) يراجع: جمهرة اللّغة لابن دريد: ٢٩٨/١، وتهذيب اللُّغة: ٣٧٣/١٢، ومجمل اللُّغة:
٣٤٥، والتَّمهيد: ٣٩٥/١٧، والاستذكار: ٢٦١/٢، والتَّعْليق على المُوَطَّأ: ١١٤/١، =
٢٢٨

مَخْرَجاً من خِلالِ النَّخل، لالتِفَافِهَا، والتِفَافِ جَرَائِدِهَا وَسَعَقِها.
وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ حدیثِ مالكٍ
الَّذِي رَوَاهُ عن عبدِ الله(١) . بن أبي بكرٍ: أنَّ رَجُلاً من الأنْصَارِ كان يصلِّي
في حائِطِهِ والنَّخْلُ قد ذلَّلَتْ فهي مُطوَّقَةٌ بَثَمَرها، فَنَظَرَ إِليها فَأَعْجَبَهُ ما رَأى من
ثَمَرِهَا، ثُمَّ رَجَعَ إِلى صَلاَتِهِ، فَإِذَا هُوَ لا يَدْرِيْ كَمْ صَلَّى؟ فَقَالَ: لقد أَصَابَتِي
في مالي هذا فِتْنَةٌ، فَجَاءَ عُثمانَ وهو يَوْمَئِذٍ خَلِيْفَةٌ فَذَكَرَ ذُلك لَهُ، وَقَالَ: هُوَ
صَدَقَةٌ فاجْعَلْهُ فِي سُبُلِ الخَيْرِ، فَبَاعَهُ عُثمانُ بِخَمْسِينَ أَلْفًا فَسُمِّي ذُلك المالُ
الخَمْسِيْن)) [٩٩/١ رقم (٧٠)].
قال عبدُالملك: أمَّا قوله: ((والنَّخْلُ قد ذَلَّلتْ)) فتذليلُها أنَّها في زَمَان ثَمَرِهَا
إِذَا طَابَ وَدَنَا جَدَادُها، يُصْعَدُ فيها فتُقْتُلُ عَراجينُها بمافيها من قِنْوَانِهَا فَيُذَلِّلُ الثَّمَرُ
مِن ذُلك الفَتْلِ فَيَصَيْرُ ثَمَراً، فَإِذَا فُتِلَتِ العَراجين تَقَطَّعَتْ(٢) وَتَدَلَّتْ قِنْوَانُهَا بالتَّهْرِ
حَوْلَ جَرائِدِ النَّخْلِ مُستديرةً بِهَا فَذْلِكَ تَطويقُها. وأمَّا قوله: ((فسُمِّي ذلِكَ
المالُ ... )) فإنَّما يعني بالمالِ: الحائطَ، يقولُ: سُمِّي ذُلك الحائطُ الخمسين
والنِّهاية: ٩٩/٢، والصِّحاح واللِّسان والتاج: (دبس).
(١) في الأصل: ((عبدالملك)).
(٢) كذا في الأصل: ((تقطعت))، فلعلَّ فيها تحريفاً لم يظهر لي؟! وفي المنتقى لأبي الوليد
الباجي: ١٨١/١: قال محمد بن عيسى: معنى ذلَّلتْ: مالَت الثمرة بعراجينها فبرزت
وصارت كالطَّوقِ للنَّخلةِ. وقال ابن مُزَيِّن: معنى ذلك: أنَّ النَّخْلَ تجمع عراجينها بحبل أو
شيء فتبرز الثمرة فتبين للخرصِ وغير ذلك. وقيل: معناهُ: إن الثمرة تفتل عراجينها لتثمرَ.
وروى عيسى أنهم كانوا يفعلون ذلك ليتمكن الخَرْصُ. قال القاضي أبوالوليد رضي الله عنه:
والأظهر عندي في ذلك أنَّ الثَّمرةَ إذا عظمت وبلغت حد النُّضج ثقلت فمالت بعراجينها،
فهو معنى تذليلها وهو فيما يقع في نفسي معنى قوله تعالى: ﴿ وَ ؤُلِّلَتْ قُطُوفُهَا نَذْلِلًا (®
٢٢٩

لبلوغُ ثمنه خمسين ألفاً، كما سُمِّي (الفَيُّوم) لخَرَاجِهِ كل يومٍ ألفَ دينارٍ .
[ شرحٌ غريبٍ كتابِ الجُمُعة ](١)
[من موطأ مالك بن أنسٍ رحمه الله]
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الذي رَوَاه عن سُمَّيٍّ، عن أبي صَالِحٍ، عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ وَلَه
قال: ((مَنِ اغتَسَل [٤٤] يومَ الجُمُعَةِ ثم رَاحَ في السَّاعَةِ الأُولىُ فكأنَّمَا قَرَّبَ
بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثّانيةِ فَكأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ
الثّالثةِ، فَكأَنَّما قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، ومَنْ رَاحَ في السّاعة الرَّابعةِ فكأنَّما قَرَّبَ
دَجَاجَةٌ، وَمَنْ راحَ في السَّاعَةِ الخَامسةِ فكأنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فإذَا خَرَجَ الإِمامُ
حَضَرَتِ المَلائِكَةُ يَسْتَمِعُوْنَ الذِّكْرَ)) [١٠١/١ رقم (١)].
قال عبدُالملك: قد كان بَعضُ العُلماء (٢) يقولُ: إنَّماعَنَى بهذه السَّاعات
(١) الموطأ رواية يحيى: ١٠١/١، ورواية أبي مُصْعَب: ١٦٦/١، ورواية محمد بن الحسن:
٨٦، ورواية سُوَيْدٍ: ١٢٣، والمُنتقى لأبي الوليد: ١٨٣/١، والاستذكار: ٢٦٥/٢،
والقَبس: ٢٥٩/١، وتنوير الحوالك: ١/ ١٣١، وشرح الزُّرقاني: ٢٠٦/١.
(٢) يقصدُ به الإمام مالك بن أنس - رحمه الله -، قال أبو الوليد الباجي في المنتقى: ١٨٣/١
(ذهب مالكٌ - رحمه الله - إلى أن هذا كله في ساعة واحدةٍ وأنَّ ههذه أجزاء من السَّاعة
السَّادسة، ولم يَرَ التَّكير لها من أول النَّهار، رواه ابنُ القاسم وأشهبُ عن مالكِ في
((العُتَبيَّة)). وذهبَ عبدُالملك بن حَبيبٍ والشافعي إلى أنَّ ذلك في السَّاعات المعلومات ...
والدَّليل على صحة ما ذهب إليه مالك ...
وقال الحافظ أبو عمر بن عبدالبَرِّ في الاستذكار: ٢٦٦/٢: ((قال ابن وَهْبٍ: سألت
مالكاً عن هذا فقال: أما الذي يقع في قلبي فإنَّه إنَّما أراد ساعةً واحدةً تكون فيها هذه =
٢٣٠

ساعةٌ واحدةً تكون فيها هذه السَّاعاتُ، وذلك في قُرْبِ الزَّوال مَنْ راحَ في
أَوَّلِ تِلكَ السَّاعَةِ أو الثَّنيةِ أو الثَّالثةِ، وزَعَمَ في قَوْلِهِ هَذَا أن لو لم يَكُنْ ذُلِكَ
كذلك ماصُلِّيَتِ الجُمُعَةُ حَتَّى يكونَ النَّهَارُ تِسْعَ سَاعَاتٍ، ويَحْضُرُ وَقْتَ العَصرِ.
قال عبدُالملك: هذا من التَّعسير مُحالٌ من وُجُوهٍ (١)؛ من ذلك قَوْلُهُ:
((إِنَّمَا هِيَ سَاعةٌ واحدةٌ تَجْتَمِعُ فيها هَذه السَّاعاتُ كلُّها)» فكيفَ تكونُ ساعات
في ساعةٍ واحدةٍ، هَذَا لا يتكوَّن على حَالٍ، ومن ذلك قوله: ((ولو لم يكن
هَكَذَا ما صُلِّيت الجُمُعَةُ حتَّى يَمضيَ من النَّهارِ تسعُ ساعاتٍ؟!))، وكيفَ،
وإنَّما ذَكَرَ في الحَديثِ خَمْسَ سَاعَاتٍ فقط؟ ثمَّ ذَكَرَ خُرُوجَ الإِمَامِ فِي السَّاعةِ
السَّادِسَةِ، وكذلك تَزُولُ الشَّمْسُ في السَّاعَةِ السَّادِسَةِ منَ النَّهارِ وهو وقتُ
الأَذَان وخُرُوجِ الإِمامِ إلى الجُمُعةِ، بل إِنَّمَا عَنَى بالحَدِيْثِ السَّاعَاتِ كلَّهَا الَّتِي
ذَكَرَ كُلَّ سَاعٍ فيها على حِدَةٍ، فبدأ بأوَّلِ سَاعَاتِ الْيَوْمِ فَقَالَ: ((مَنْ رَاحَ في
السَّاعَةِ الأُولَى فكأنَّما قرَّبَ بدنةً»، ثُمَّ في الثانيةِ بَقَرَةٌ، ثُمَ في الثَّالثةِ كَبْشاً أقرنَ،
السَّاعات ... )) وذكر ما ذكره المؤلّف هنا ثم قال: ((وكان ابن حبيب ينكر قول مالك هذا،
=
ويميل إلى القول الأول، وقال: قول مالك هذا تحريف في تأويل الحديث ومحال من
وجوه ... )) ونقل أبوعمر كلام ابن حبيب من كتابنا هذا ثم قال: ((قال أبوعُمر: هذا كلُّه
تحاملٌ منه على مالكٍ فهو الذي قال القول الذي أنكره وجعله خُلفاً من القول وتحريفاً من
التأويل، والذي قاله مالك تشهد له الآثار الصّحاح من رواية الأئمة، ويشهد له أيضاً العمل
بالمدينة عنده، وهذا مما يصح فيه الاحتجاج بالعمل؛ لأنه أمر متردد كل جمعة، لا يخفى
على عامَّة العلماء)» وأورد الآثار التي يحتج بها مالك وفصَّلها واحتجَّ لها أكثر في التَّمهيد:
٢٢،٢١/٢٢.
(١) في الأصل: ((من وُجُوه غير واحدة)).
٢٣١

ثُمَّ فِي الرَّابعةِ دجاجةً، ثم في الخامسة بَيْضَةٌ، ثم انقطعَ التَّهجيرُ وحانَ وقتُ
الأذانِ، وخُروجِ الإِمامِ في السَّادسة، فشرحُ الحَديثِ [بَيِّنَّا فِي لَفْظِهِ، وإنَّما
حُرِفَ عن وجهه، وشُرِحَ بالخلفِ [مِنَ القَوْلِ] وبما لا يتكونُ، وزَهَّدَ شَارِحُهُ،
[النَّاسَ] فيما رَغَّبَ فيه رَسُوْلُ اللهِوَ ﴿ه من التَّهْجِيْرِ من أوَّلِ النَّهارِ، وَزَمَّدَ هو
فيه، وَزَعَمَ أنَّ ذُلِكَ كلَّه إنَّما يَجتَمِعُ في سَاعةٍ وَاحدةٍ عند زَوَالِ الشَّمسِ، وزهَّد
في التَّهجيرِ قبل تلك السّاعةِ، وقد جاءتِ الآثار بالتَّرغيبِ في التَّهجير من أولِ
النَّهارِ إلى وقتِ الزَّوالِ وقد سُقنا ما بَلَغَنَا من ذلك في موضِعِهِ من كتابٍ
(واضِحِ السُّنَنِ في الصَّلاَةِ). (١) [لِمَا فِيه بَيَانٌ وَكِفَايَةٌ](٢).
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حديث مالكٍ
الذي رواه عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة: ((أنَّ رَسُولَ الله
﴿﴿ قَالَ: إذا قُلتَ لأَخِيْكَ يومَ الجُمُعَةِ والإِمامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْتَ))
[١٠٣/١ رقم (٦)].
قال عبدُالملكِ: معناه [٤٥]: فَقَدْ تَكَلَّمْتَ بِلَغْوٍ، واللَّغْوُ: الكَلامُ
المَنْهِيُّ عنه، وكذلك الكَلامُ والإِمامُ يَخْطُبُ مَنْهِيٌّ عنه، فمَنْ تَكَلَّمَ فِي ذُلِكَ
الوَقْتِ فقد لَغَى، أي: تكلَّمَ بمالا يَنْبَغِي له أن يتكلَّمَ به. وقد رَوَى ابنُ
وَهْبٍ: (٣) أنَّ رَسُوْلَ اللهِوَلِ قَالَ: ((مَنْ تَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ عندَ الخُطبةِ أَو لَغَى
(١) يقصد كتابه: ((الواضحة .. )) تُراجع المُقدِّمة.
(٢) عن الاستذكار.
(٣) هو عبدالله بن وَهْب بن مُسلمٍ القرشيُّ بالولاء (ت ١٩٧ هـ). روى عن مالك، واللَّيْث، وابن
أبي ذئب، والثَّوري، وابن عُيَيْنَةَ، وابن جُريجٍ وغيرهم من مصريين، وشاميين، وعراقيين،
وطالت صحبته لمالكٍ، وكان يدعوه بافقيه مصر)) وله تآليف منها الجامع المنسوب إليه : =
٢٣٢

عندَ الذِّكْرِ كَانَتْ لَهُ ظُهْراً، ولم تَكُنْ له جُمُعَةٌ)).
قال عبدُالملكِ: وقد بَلَغَنِي(١) ذلك عن رَسُوْلِ اللهِ وَلِّ فِي غیرِ حَدِيْثٍ،
وقد بَلَغَنِي ذلِكَ أيضاً عن عَلِيٍّ، وابن عُمَرَ، وأُبيِّ بن كَعْبٍ، وعُبَادَةَ بنِ
الصَّامِتِ، وعَبدِ اللهِ بنِ مَسْعُودٍ، وعنِ الحَسَنِ وَغَيْرِ وَاحدٍ.
قالَ عبدُالملكِ: وإنَّما معناه: أَنَّ اللَّغِيَ والإِمامُ يَخْطُبُ يَحْبَطُ عنه أجرُ
الجُمْعَةِ ويُصِيْرُ أَجْرُهُ كَأَجْرٍ مَنْ شَهِدَ ظُهْراً ولم يَشْهَدْ جُمْعَةٌ، وليسَ مَعْنَى قَوْلِهِ:
(فَلاَ جُمْعَةً لَهُ) أَنْ يُعِيْدَ صَلاَتَهُ ولكن لا جُمْعَةً له في الثَّوَابِ الَّذِي يكونُ لمَنْ لم يلغَ.
وسألنا عبدالملك بن حبیپٍ عن شرح حدیث مالكٍ
الذي رَواه عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُريرة: ((أنَّ رَسُوْلَ الله
وَّهِ ذَكَرَ يَوْمَ الجُمُعَةِ فَقَالَ: فيه سَاعَةٌ لا يُوافقها عَبْدٌ مُسْلِمٌ وهو قائمٌ يُصَلِّي
يَسأَلُ اللهِ شَيْئًا إِلاَّ أَعْطَاهُ إِيَّاهُ، وأشارَ رَسُوْلُ اللهِ الرَها بِيَدِهِ يُقَلِّلُها)) [١٠٨/١
رقم (١٥)].
قال عبدُالملكِ: يعني بتقلِيْلِهَا: سُرْعَةَ انِقِضَائِهَا، يَقُولُ: إنَّما هي سُويْعَةٌ.
قال عبدُالملكِ: وقد رَوَى مالكٌ أنَّ عبدَالله بن سَلَامٍ كان يَقُولُ: هِيَ آخرُ
((جامع ابن وَهْبٍ)) (مطبوع) و ((المُوطَأ)) من روايته يوجد منهما قطع جيِّدة (مطبوع)، وله
=
شرحٌ حافلٌ للمُوطَّأ. وثَّقْه يحيى بن معين، وأبوزُرعة وغيرهما. قال أبوزُرعة: سمعتُ ابنَ
يُكيرٍ يقول: ((ابنُ وَهْبٍ أفقهُ من ابن القاسم)، وقال ابنُ عديٍّ: ((عبد الله بن وَهْبٍ من أجلة
النَّاسِ ومن ثقاتهم، وحديث الحجاز ومصر وما إلى تلك البلاد يدورُ على رواية ابن وهبٍ».
أخباره في: طبقات ابن سعدٍ: ٥١٨/٧، وطبقات خَلِيْفة: ٢٩٧، وعلل أحمد: ٣٤٥/١،
٤٠١، والجرح والتَّعديل: ١٨٨/٥، وترتيب المدارك: ٢٢٨/٣، والمنتظم: ٧٧/٥،
وسير أعلام النبلاء: ٠٢٢٣/٩ .. وغيرها.
(١) مكررة في الأصل.
٢٣٣

ساعةٍ من يومِ الجُمُعةِ .
قال عبدُالملكِ: وقد جَاءَ عن رَسُوْلِ اللهِوَ له فيها تَصْرِيْحٌ أَغْنَى عن قَوْلِ
عبدِالله بنِ سَلاَمٍ. حدَّثني إسماعيل بن أبي أُوَيْسِ المَدَنِيُّ(١)، عن كثير بن
عبد الله المُزَنِيِّ، عن أبيه، عن جَدَّهِ، عن رَسُوْلِ اللهِ ﴿ أَنَّه قال: ((في يومٍ
الجُمُعَةِ سَاعةٌ مِنْ نَهَارٍ لا يَسألُ فيها عَبْدٌ مُسلِمٌ شَيْئاً إلاَّ أُعْطِيَ سُؤْلَهُ، فقيل
لِرَسُولِ اللهِ: أيَّهُ سَاعَةٍ هيَ يَارَسُولَ الله؟ قال: هِيَ من حينٍ تَحِيْنُ صَلَةُ الجُمُعَةِ إلى
انْصِرَافٍ مِنْهَا .
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (المُصِيْخَةِ) في حدیثِ مالكٍ
الذي رَوَاهُ عن يزيدَ بنِ [عبدِالله بنٍ] الهادي [عن محمد بن إبراهيم بن
الحارث التَّمِيِّ] عن أبي سَلَمَةَ، عن أبي هُريرةَ: ((أَنَّ رَسُوْلَ اللهِوَلّ قال: ما
مِنْ دَابَةٍ إلَّ وهي مُصِيْخَةٌ يومَ الجُمُعةِ من حِيْنٍ تُصْبِحُ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ شَفَقاً
[٤٦] من السّاعةِ إلَّ الجِنَّ والإِنْسَ)). [١٠٨/١ رقم (١٦)].
(١) إسماعيل بن عبد الله بن عبدالله بن أُويس بن مَالِكِ بن أبي عامرِ الأَصْبَحِيُّ، أبو عَبد اللهِ المَدَّنِيُّ
حليفُ يَنِي تَيِّمُ بْنِ مرَّةَ، وهو أخوعبد الحميد بن أبي أويس، وابن أخت مالك بن أنسٍ رحمه
الله. روى عنه المؤلِّف ابن حَبِيْبٍ في كتابنا هذا وغيره من مؤلَّفاته وربّما قال: حدَّثني الأويسي،
أو حدَّثني ابن أبي أويس، فيشكلُ الأمرُ؛ لأنَّ في شُيُوخه (عبد العزيز بن أبي أويس) تقدَّم
ذكره، ويلقب أيضاً (الأويسي) و(ابن أبي أويسٍ) روى إسماعيل هذا عن والده، وعبدالعزيز بن
الماجشون، وعبدالعزيز الدَّراوردي، وروى عنه البُخاريُّ، ومسلمٌ، وإبراهيم الجوهري، والحارث
ابن أبي أسامة وغيرهم. وذكر الحافظ المزي - رحمه الله - أنَّ ممن أخذ عنه صاحبنا عبدالمَلكِ بن
حَبِيْبِ المَالِكِيّ. واختلف فيه عند المحدِّثين، وهم إلى تَضعيفه أقربُ. (توفي سنة ٢٢٦هـ).
تراجع ترجمته في: تاريخ البخاري: ١٣/٦، والجرح والتَّعديل: ٣٨٧/٥، وتهذيب الكمال:
١٢٤/٣، وسير أعلام النبلاء: ٣٨٩/١٠، وتهذيب التَّهذيب: ٣٤٥/٦.
٢٣٤

قال عبدُالملكِ: المُصِيْخَةُ: المُستمعةُ(١) استماعَ إطراقٍ وَشَفَقَةٍ وحَذَرٍ
من قيام السَّاعةِ؛ لأنَّها إنَّما تقومُ يومَ الجُمُعة، وكذلك قال رَسُوْلُ اللهِ لَليم]:
((تقومُ السَّاعة يومَ الجُمُعة)).
قال عبدُالملكِ: فالمُصِيْخُ من كلِّ شيءٍ: المُستمعُ استماعَ إطراقٍ وشفقةٍ
وحَذَرٍ من شيءٍ يُفاجِتُهُ، قال الشَّاعِرُ: (٢)
مِنَ النَّاسِ حَتَّى مَايَمَؤُّ وَمَايَحُلُو
أَصَاخَ كَذِيْ القُوْبَى وكلُّ صَنِيْعَةٍ
۔ وسألنا عبدالملكِ بن حَبِیبٍ عن شرحٍ حدیثِ مالكٍ
أَنَّ رَسُوْلَ اللهِنَّهقال: ((إِنِّي لأَنْسَى أو أُنَشَّى لأسُنَّ»(٣). [١/ ١٠٠ رقم (٢)]
قال عبدُالملكِ: تفسيرُهُ: أَنِّي لأَنْسَى أو يُنَسِِّيْ رَبِّي لأَعْمَلَ من أجْلِ ما
نَسيتُ عَمَلاً يَكُونُ سُنَّةٌ.
[ شَرْحُ غَريبٍ كتابٍ صَلاةِ الجماعة ](٤)
[من موطأ مالك بن أنس رحمه الله]
۔ وسألنا عبدالملك بن حَبِیپٍ عن شرح (سَهْمِ جَمْعٍ) في حدیث مالكٍ
الذي رواه عن عَفِيْفِ بنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ، عن رَجُلٍ من بني أَسَدِ: أنَّه
سأل أبا أيُّوبَ الأنصاريَّ فقال له: إنِّي أُصَلِّي في بَيْتِي، ثُمَّ آتي المَسْجِدَ فَأَجِدُ
(١) يراجع: تهذيب اللُّغة: ٤٧٩/٧، والنهاية: ٦٤ .
(٢) لم أجده في مصادري.
(٣) من كتاب السّهو.
(٤) الموطأ رواية يحيى: ١٢٩/١، ورواية أبي مُصعب: ١٢٦/١، ورواية محمدبن الحسن: ٨٦،
ورواية سُويد: ٩٩، والمنتقى: ٢٣٤/١، وتنوير الحوالك: ١٥٤/١، وشرح الزُّرقاني: ٢٦٣/١.
٢٣٥

الإِمامَ يُصلِّي أَفَأُصَلِّي مَعَهُ؟ فقالَ له أَبُوأَيُّوبَ: نَعَمْ فَصَلِّ مَعَهُ، فإِنَّ من صَنَعَ
ذُلكَ فإِنَّ له سَهْمَ جَمْعٍ، أو مثلَ سَهْمٍ جَمْعٍ)[١٣٣/١ رقم (١١)].
قال عبدُالملكِ: يعني: يُجْمَعُ له الأجرَ مرَّتين(١).
وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرحٍ (فُحِشَ شِقُهُ) في حدیثِ مالكٍ
الذي رواه عن ابن شهابٍ، عن أنس بن مالك: ((أنَّ رَسُولَ اللهِوَ رَكِبَ
فَرَساً فصُرِعَ عنه فجُحِشَ شِقْه الأَيمنِ، فَصَلَّى صَلَاةً من الصَّلَوَاتِ، وهو
قاعِدٌ)). [١/ ١٣٥ رقم (١٦)].
قال عبدُالملكِ: الجَحْشُ: كالخَدْشِ(٢) أو فوقه قليلاً، وكثيرُهُ:
جُحُوشٌ مثل خُدُوشٍ، وخُمُوشٍ، ومُرُوش، وكُدُوحٍ، وكلُّه من الخَدشِ
والمَرشِ وما أشَبَهَهُ، ويكادُ معناهُ أن يكونَ وَاحِدًا(٣) .
قال عبدُ الملك: وقد حدَّثني مُطرِّفٌ وغيرُهُ، عن سُفيان، عن ابن سَعِيْدٍ،
عن الشَّعبيِّ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِقَالَ: ((لاَ يَؤُمَّنَ أحدٌ بَعْدِيْ جَالِسًا)».
قال عبدُالملك: فَكَأَنَّ هَذا الحَدِيْثَ ناسخٌ للحَدِيْثِ الأَوَّلِ. وَكَذَلِكَ قَالَ
صَلَوَاتُ الله [وَسَلَامُهُ عليه]: ((إنَّ مِنْ حَدِيْثِيْ نَاسِخاً ومَنْسُوخاً فخُذُوا بآخرِ
حَدِيْثَيَّ فَبِذْلِكَ أُمِرْتُ)).
(١) النّهاية: ٢٩٦/١ قال: ((أي: له سهم من الخير جمع فيه حظّان، والجيمُ مفتوحةٌ. وقيل:
أراد بالجمع: الجيش؛ أي: كَسَهْمِ الجيش من الغَنِيْمَةِ».
(٢) غريب أبي عُبَيْدٍ: ١/ ١٤٠، وعنه في غريب ابن الجوزي: ١٣٩/١، وتهذيب اللُّغة:
١٢٢/٤، والنَّهاية: ١/ ٢٤١. وفي تعليق الوَقَّشِيِّ: ١٨٣/١: ((الجَحْشُ: الخَدْشُ والأَلَمُ
يحدثُ في العُضْوِ عن صَدْمَةٍ وضَغْطِ)). ويراجع الصِّحاح واللِّسان والتَّاجِ: (جَحَش).
(٣) كذا في الأصل، والأجود حذف ((أن)) من خبر (كاد)).
٢٣٦

قال عبدُالملكِ: فَمَنْ جَهِلَ اليومَ وَأَمَّ قوماً جَالِساً من عِلَّةِ أعادُوا الصَّلاة
في الوقت وبعده، ولم يُعدِ الإِمامُ إلاَّ أن تكونَ حالةُ القوم [٤٧] في العلَّةِ
كحالةٍ إمامِهِمْ، مثل أن يكونُوا كلُّهم مَرْضَى أو قَيْدَى فلا بأسَ أن يؤمّهم واحدٌ
منهم جالساً؛ لأنَّ حالتَهُمْ قد استَوَتْ، كذلك سَمِعْتُ عبداللهِ بن عبدِالحَكَمِ(١)،
وأَصبغَ بن الفَرج(٢) يقولان.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (المِّرْمَاتَیْنِ) في حدیث مالكٍ
(١) هو عبدُالله بن عبدالحَكّم بنِ أعين بن لَيث، أبو محمدِ المِصْرِيُّ الفَقِيَهُ، مولى عثمان بن عفّان
(ت٢١٤هـ) سمع مالكاً، ومسلم بن خالد الزِّنجي، وابن وَهْبٍ، وابن القاسم. وكان شَيخ
مصر، ثقةً، ممَّن يعقلُ مذهبَ مالكِ، وفرَّعَ على أصوله، وُصِفَ بأنه كان (مُتحشماً، نبيلاً،
متمولاً، رفيعَ المنزلةِ)) وأنَّه أعلم أصحاب مالكِ بمُختلف قوله، أفضت إليه الرئاسة بمصر
بعد أشهب، له أربعة أولاد، سمعوا عليه وتميَّرُوا بالعلم. أخباره في: طبقات ابن سعدٍ :
٥١٨/٧، والتَّاريخ الكبير: ١٤٢/٥، والجرح والتَّعديل: ١٠٥/٥، والولاة والقضاة: ٤٣١،
٤٣٣، ٤٣٦، ٤٤٠، ٤٤١، وترتيب المدارك: ٥٢٣/٢، وتهذيب الكمال: ١٩١/١٥،
وسير أعلام النبلاء: ٢٢٠/١٠، والدِّيباج المذهب: ٤١٩/١، حسن المحاضرة: ٣٠٥/١،
والشَّذرات: ٣٤/٢.
(٢) هو أصبغُ بن الفَرَج بن سَعيدٍ بن نافعِ الأُمويُّ، مولى عمرَ بن عبدالعزيز، لم يلقَ مالكاً، ولقي
اللَّیٹ، وتفقّه على ابن وهب، وعبدالرحمن بن القاسم وغيرهما (ت٢٢٥هـ). قال یحیی
بن معينٍ: «وكان من أعلم خلق الله برأي مالك، يعرفها مسألةً مسألةً، متى قالها؟ ومَنْ
خالفه فيها؟)) وقال أبوحاتم: ((كان من أجلّ أصحاب ابن وهبٍ)). أقول: شَرَحَ أصبغُ هذا
غريب ((الموطأ)) ولم أقف عليه بَعدُ. يُراجع شروح الموطأ في المقدمة. أخباره في: تاريخ
البخاري الكبير: ٣٦/٢، وأخبار القضاة: ١١/١، ١٦، ٢٠١/٢، ٢٢٢، والجرح
والتَّعديل: ٣٢١/٢، وترتيب المدارك: ١٧/٤، وسير أعلام النُّلاء: ٦٥٦/١ ...
٢٣٧

الذي رواه عن أبي الزِّناد، عن الأعرج، عن أبي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُوْلَ اللهِ
وَّ : ذَكَرَ النَّخَلُّفَ عن صَلَةِ العشاءِ فَقَالَ: والذي نَفْسِي بِيَدِهِ لو يَعْلَمُ أَحَدُهُم
أَنَّه يَجِدُ عَظْمًا سَمِيْنَا، أو مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الِعِشَاءَ) [١٢٩/١ رقم (٣)].
قال عبدُّالمَلِكِ: العَظْمُ: عَظْمُ اللَّحْمِ، وَالمَرْمَاتَيْنِ: السَّهْمَانِ (١).
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبِيبٍ عن شرح (المُنَافِقِینَ) في حدیثِ مالكٍ
الَّذي رَوَاهُ عن عبدِ الرَّحمن بن حَرْمَلَةَ، عن سعيدٍ بن المُسَيِّبِ: ((أَنَّ رَسُوْلَ
الله ◌َ﴿ قَالَ: بَيْنَنَا وَبَيْنَ المُنَافقين شُهُوْدُ العِشَاءِ وَالصُّبحِ، لا يَستَطِيْعُونَهُمَا، أو
نَحْوِ هَذَا)) [١/ ١٣٠ رقم (٥)] ما تَفْسيرُ المُنَافِقِيْنَ؟ ومن أينَ اشْتُقَّ اسمُ النِّفاقِ
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - قاصرٌ لا يَقِي بالمطلوب، يراجع: غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٠٢/٣،
وغريب الحديث للحربي: ١١١٤، والتَّعليق عَلَى الموطأ: ١٨١/١، والنّهاية: ٢٦٩/٢،
والعين: ٢٩٣/٨، ومختصره: ٣٩٨/٢، وتهذيب اللُّغة: ٢٧٦/١٥، ومجمل اللُّغة:
٣٩٧، والتَّمهيد: ٣٣٩/١٨، والمخصَّص: ١٩٢/٧، والصِّحاح واللّسان والتَّاجِ: (رمىْ).
قال أبوعُبَيْدٍ: ((ويُقال: إنَّ المِرماةَ ما بينَ ظلفي الشَّاة. قال أبو عُبَيْدٍ: وهذا حرفٌ لا أدري ما
وجهه، إلاَّ أنَّه هكذا يُفَسَّرُ والله أعلم). وفي (النّهاية)) لابن الأثير: ((المِرماةُ ظلفُ الشَّاة،
وقيل: ما بين ظلفيها، وتُكْسَرُ ميعُهُ وتُفْتَحُ. وقيل: المِرماةُ - بالكسر - السَّهمُ الصَّغير الذي
يُتَعَلَّمُ به، وهو أحقرُ السِّهام وأدناها) وفي هامش ((النّهاية)) عن ((الدُّر النَّير)) وهو مختصر
النّهاية السَّابقِ الذِّكرِ: ((وقيل: هي لعبةٌ يلعبون بها بنصال محدَّدةٍ يرمونها في كومٍ تُرابٍ،
فأيّهم أثبتها في الكوم غَلَبَ. حكاه ابنُ سيِّدِ النَّاسِ في ((شرح التر مذيِّ)) عن الأخفش)).
ونقل الوقَّشِيُّ في تعليقه ما قال أبو عُبَيْدٍ وزاد: ((وقال بعضهم: حديدةٌ شبهُ السِّنانِ كانوا
يجعلونها غَرَضاً، وهذا غيرُ معروفٍ، والمَشْهُورُ في هذه اللَّفظة أنَّها السَّهمُ الذي يُرمَى به.
والمَرْمَاةُ - بالفتح - الغَرَضُ الذي يُرْمَىُ إليه وهو المَرْمَىَّ أيضاً)).
ونقل اليقرُنِيُّ في غريبه ((الاقتضاب)) مثل ما تقدم ثم قال: ((ويروى بفتح الميم وكسرها
مثل مِّدْحَاةٍ ومِذْكَاة فعلى هذا الميم أصليّةٌ. وقال الدَّودي: ((هما بِضْعَتَاً لَحْمٍ .. )).
٢٣٨

واسمُ الكُفرِ؟ ولِمَ افْتَرَقَا في اللَّفْظِ وكلاهما كافرٌ؟
قال عبدُالملكِ: سُمِّيَ المنافِقُ منافقًا (١)؛ لاستِسْرارِهِ بالكُفرِ وإعلانِهِ
بِالإِسْلامِ، وإنَّما هو مأخوذٌ من النَّفَقِ، والنَّفَقُ السَّرَبُ، وهو الحُفَيْرَةُ تحتَ
الأرضِ الَّذي يُسْتَتَرُ فيه. وسُمِّي مُنافقًا حينَ صارَ يُسرُّ غيرَ ما يُعلِنُ. وسُمِّيَ
الكافرُ كافرًا (٢): حين أَسَرَّ الْكُفْرَ وأعلَنَهُ فَصَارَ كالمُتَكَفِّرِ به، ومنه قيل للرَّجُلِ :
- إذا لَبِسَ السَّلاَحَ وعَمَرَ بِهِ جَسَدَهُ ولم يُوَارِهِ بغيرِهِ - مُتَكَفِّرٌ بالسِّلاحِ فَكَذَلِكَ
سُمِّي الكافرُ كافرًا حينَ أظهرَ الكُفْرَ وأسرّه، وبدا منه ولم يَسْتَتِرْ به .
وسألنا عبدَالملكِ بن حَبِيبٍ عن شَرْحِ (المِنْطَقَ) في حدیثِ مالكٍ
الذي رَواه عن هشامٍ بنِ عروةً، عن أبيه: ((إِنَّ امرأةً استفتهُ فقالَتْ: إنَّ
المِنْطَقَ يَشُقُّ عليَّ أَفَأُصَلِّي فَي دِرْعٍ وَخِمَارٍ؟ فقال: نَعَمْ، إِذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغاً.
قَالَ عبدُالملك: المِنْطَقُ: هو الإِزارُ الذي [٤٨] تَأَتَزِرُ به المَرْأَةُ،
فَأَرخصَ لها في الصَّلاَةِ بغيرِ إِزَارٍ، وقد صَلَّى بغير إِزَارٍ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِّ ◌َله.
(١) اللَّفظةُ في: غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٣/٣، وغريب ابن قتيبة: ٢٤٩/١، وغريب ابن الجوزي:
٤٢٧/٢، والنّهاية: ٩٦/٥ ويراجع: العين: ١٧٧/٥، ومختصره: ٥٧٧/١، وجمهرة
اللُّغة: ٩٦٧، وتهذيب اللغة: ١٩٢/٩، ومجمل اللُّغة: ٨٧٧، والصِّحاح والُّسان والتَّاج:
(نفق) والمشهور أنَّ المنافق مأخوذٌ من نافقاء اليربوع وهي معروفة.
(٢) اللَّفظةُ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ١٣/١، وغريب ابن قتيبة: ٢٤٧/١، وغريب ابن الجوزي:
٢٩٥/٢، والنّهاية: ١٨٦/٤، ويُراجع: تهذيب اللُّغة ١٩٣/١٠، والصِّحاح واللُّسان،
والتَّاج: (كفر). والكفر - في اللُّغة -: السَّر والتغطية، ومنه سُمِّي الزُّارعِ كُفَّاراً لتغطيتهم
الأرض بالزّرع.
٢٣٩

[شرحُ غريب كِتَابٍ قَصْرِ الصَّلاَةِ فِي السَّفَرِ](١)
[من موطأ مالكِ بنِ أَنَس رحمه الله]
وسألنا عبدالملك بن حَبیپٍ عن شرح (البصِیْصِ) في حدیث مالكٍ
الذي رواه عن رَسُوْلِ اللهِّهِ((حينَ نزلَ على العَيْنِ بطريقٍ تَبُوك وهي
تَبِصُّ بَشْيءٍ من مَاءٍ)) [١٤٣/١ رقم (٢)] ما البَصِيْصُ؟
قال [عبدُالملك]: هو السَّيلانُ(٢) الرَّقيقُ من الماءِ الضَّعيفِ في تَدَفُقِهِ،
(١) الموطأ: رواية يحيى: ١٤٣/١، ورواية أبي مُصعب: ١٤٨/١، ورواية محمد بن الحسن:
٨١، ورواية سُويد: ١١٢، ورواية القعنبيُّ: ١٩١، والاستذكار: ٧ /٩، والتَّعليق على
الموطأ: ١٨٧/١، والمنتقى لأبي الوليد: ١/ ٢٥٢، والقَبس لابن العربي: ٣٢٧، وتنوير
الحوالك: ١٦٠/١، وشرح الزُّرقاني: ٢٩١/١، وكشف المغطى: ١١٧.
(٢) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٣٣٣/٤، وغريب ابن قتيبة: ٤٩٩/٢، وغريب ابن الجوزي: ٧٣/١،
ويراجع: العين: ٩٧/٧، ومختصره: ١٧٤/٢، وجمهرة اللُّغة: ١٧١/١، وتهذيب اللغة:
١٢٥/١٢، ومجمل اللُّغة: ١١٢/١، والتَّمهيد: ١٠٨/١٢، والصِّحاح واللُّسان والتَّاج:
(بَصّبصَ).
قال أبو الوليد الوَقَّشِيُّ: («تبصُّ: بصادٍ مهملةٍ، وبضَادٍ مُعجمةٍ وهو الصَّوابُ ومعناه: أنَّه كان
ينبعُ منها ماءٌ قليلٌ، يُقال: بضَّ الحَجَرُ بَبِضُّ: إذا رشح منه الماءُ، وكذلك: بضت البثر،
وبَضَّ الجرح. قال ابنُ القاسم - رحمه الله -: قال لي مالكٌ: هو البضض والبَصَصُ أيضاً،
فمن روى تبضُّ بضادٍ معجمة أراد تجري، وبصادٍ مهملةٍ أراد لَمَعَان الماءِ وقلَّته. ورواه
القَّعْتَِّيُّ بضادٍ معجهةٍ)). وفي (التَّمهيد)) للحافظ ابن عبدالبر نحو ذلك، قال: ((وأمَّا قوله في
الحديث: ((والعينُ تبضٌّ بشيءٍ من ماءٍ)) فمعناه: أنَّها كانت تسيلُ بشيءٍ من ماءٍ ضَعيفٍ، قال
حُمِيْدُ بن ثَوْرٍ [ديوانه: ١٧]:
=
٢٤٠