النص المفهرس

صفحات 201-220

قال عبدُالملكِ: وتَصديقُ قولِ مالكِ أنَّ كان كالصَّاعِ أو أكثرَ منه قليلاً: أنَّ أسدبن
موسى وعبدالله بن المُغيرة(١) حدَّثاني عن الرَّبيع بن صُبَّحِ، عن الحَسَن: ((أَنَّ رَسُولَ الله
وتهذيب اللُّغة للأزهري: ١٠٣/٩، والزّاهر له: ٢١٠، والصِّحاح واللَّسان والتَّاج: (فرق).
=
قال الحربي: ((مكيالٌ مقداره ثلاثة آصع، والصَّاعِ كيلاً كَيْلَجَةٌ ... )). وقال ابن الأثير
في النّهاية: ((الفَرَقُ - بالتَّحريك - مكيالٌ يسع ستة عشر رطلاً، وهو اثنا عشر مُدًّا، أو ثلاثة
اصُعِ عند أهل الحجاز، وقيل: الفَرَقُ: خمسةُ أقساطٍ، والقِسْطُ نصفُ صاعٍ، فأمَّ الفَرْق
- بالشُّكون - فمائةٌ وعشرون رطلاً». وأغلبُ العُلماءِ على أنَّ الفَرَقَ ثلاثةُ أصوعٍ، ولم يَقُلْ
أحدٌ منهم أنَّه صاعٌ سوى المؤلّفِ رحمه الله وغفر له، ولا أدري ما صِحَّةُ ذُلك؟! قال الحافظ
ابن عبدالبَرِّ في الاستذكار: ٣٣٦/١ ((أمَّا الفَرَقُ فبِتَحْرِيكِ الرَّاءِ، وقد رُوي عن يحيى وغيره
بإسكان الرَّاءِ، قال الخليلُ بن أحمد: الفَرَقُ مكيالٌ. وقال ابنُ وهبٍ: الفَرَقُ: مكيالٌ من
خشبٍ. وكان ابنُ شهابٍ يقول: إنَّه يسع خمسة أقساطٍ بأقساط بني أميّة. وقد فسَّر محمد بن
عيسىُ الأعشى الفَرَقُ بثلاثة أصوع، قال: وهي خمسة أقساطٍ. قال: وفي الخمسة أقساط
اثنا عشر مُدَّا بمدّ التَّبِّ ◌َِّهَ. قال ابنُ مُزَيِّنٍ: قال لي عيسى بن دينارٍ: قال لي ابن القاسم
وسفيان بن عيينة: الفَرَقُ يحمل ثلاثة أصوع، وهذا كلُّه قريبٌ بَعْضُهُ من بعضٍ)). أقول: ابن
مزين وابن دينار من شرَّاح الموطأ.
يراجع: العين: ١٤٨/٥، ومختصره للزُّبيدي: ٥٧٠/١ وضبطه فيه بإسكان الرَّاء
ولعلَّها من سهوِ المُحَقِّقِ أو على لغة؟! كما مرَّ في نصِّ الحافظِ ابنِ عبدالبَرِّ.
(١) عبد الله بن المُغيرة هذا من شُيُوخِ المؤلّف أسندَ عنه روايات أخرى هكذا: ((حدَّثني ابن
المغيرة)). وربما جاء في بعض كتبه (حدَّثني المغيرة) وسياق السَّند يدلُّ على أنه ابن المغيرة
هذا، وفتَّشَت عنه في الكتب فلم أجده، إلاَّ أن يكون عبدالله بن محمد بن المغيرة الكوفي.
قال ابن أبي حاتم: سكن مصر، وروى عن عمّه حمزة بن المغيرة، وروى عنه الفضل بن
يعقوب الرُّخامي، سمعت أبي يقولُ: هو عمُّ علان بن المغيرة المصري، وليس بالقوي.
الجرح والتَّعديل: ١٥٨/٥. ويُراجع: الكامل لابن عدي: ١٥٣٣، ولسان الميزان:
٣٣٢/٣. ومما يرجح أنَّه المقصود؛ روايته عن مِسْعَرٍ في كثير من أحاديثه التي رواها ابن =
٢٠١

﴿: كان يَتَوَضَّأُبقَدْرِ المُدِّ» [١١]. وَيَغْتَسِلُ بِقَدْرِ الصَّاعِ).
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیبٍ عن شرح (مَسّ الختانِ الختان) في حدیث مالكٍ
الذي رواه عن ابن شهاب، عن سَعِيْدِ بن المُسَيّب: ((أنَّ عُمَرَ بنَ
الخطَّب، وَعُثْمانَ بنَ عقَّان، وعائشةَ زَوْجَ النَّبِيِّ وَّهِ كانوا يَقُولُونَ: إذا مَسَّ
الخِتَانُ الخِتَانَ فقد وَجَبَ الغُسْلُ)) [٤٥/١ رقم (٧١)].
قال عبدُالملكِ: معناه أن يمسَّ الختانُ الختانَ معتدلاً في الثُّقب، فأمَّا
أنْ يَمَسَّ الختانُ الختانَ من ظاهرٍ وهو زاهق إلى أسفل أو إلى فوق ولم تغب
الحَشَفَةُ فلا يجبُ الغُسلُ. هكذا فسَّره لي مُطرِّفٌ وابنُ الماجشون وغيرُهُمَا
عن مالك.
قال عبدُالملك: ومسُّ الختانِ الختانَ معتدلاً في الثُّقُب مثل قولهم: ((إذا
جَاوَزَ الختانُ الختانَ وَجَبَ الغُسْلُ)) ومثل قولهم: ((إذا التَّقَى الختانان وَجَبَ
الغُسلُ))؛ لأنَّ الخِتانين لا يَلتقيان ولا يَمَسُّ الخِتَانُ الخِتَانَ مُعتدلاً في الثُّقبِ
إلاّ بعدَ المُجَاوَزِةِ وَغَيْيُوْبَةِ الحَشَفَةِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِك فقد وَجَبَ الغُسْلُ عليهما
جَمِيْعًا أَكْسَلاَ (١) أَوْ أَنْزَلاَ.
حبيب في مؤلفاته، وقد أسند إليه ابن عدي أحاديث عن مِسْعَرٍ، وذكر الحافظُ المزيُّ في ترجمة
=
(مسعر) في تهذيب الكمال: ٤٦٤/٢٧ من بين الآخذين عنه عبدالله بن محمد بن المغيرة.
يقول الفقير إلى الله تعالى عبدالرَّحمن بن سُليمان العُثيمين - عفا الله عنه -: ((رأيت ترجمته
في كتاب ((طبقات علماء إفريقيَّةً)) لأبي العَرَبِ التَّمِيْمِيِّ: ٨٠ قال: ((ومن القادمين إلينا
عبدُالله بن المُغيرة الكوفيُّ. سمع سفيان الثَّوريّ، ومن كبارٍ من الكوفيِّين: مسعر بن کدامٍ،
وعمر بن ذَرٍّ، وفطر بن خليفة، روى عنه من أهل إفريقية جماعة، منهم سُليمان بن عمران.
وهو الذي يحدِّث عنه ابن حَبِيْبٍ في ((واضحته)) وذكر أخباراً غير حَسَنةٍ عنه والله تعالى أعلم.
(١) الإكسالُ: الفُتُوْرُ عن الجِمَاعِ.
٢٠٢

مغيبُ الحشفةِ يوجبُ سبعًا من السُّنة؛ يوجب الغُسلَ، ويُوجِبُ الحَدَّ،
ويُوجِبُ المَهْرَ، ويُوجِبُ الحِصْنَ، ويُفْسِدُ الحَجَّ، ويُفَطِّرُ الصَّائِمَ، ويُحِلُّ
المُطَلَّقةً.
- وسألنا عبدَ الملكِ بن حَبيبٍ عن شَرْحٍ حَدِيثٍ مَالكِ
الذي رواه عن إسماعيل بن أبي حَكِيْمٍ، عن عَطَاءِ بن يسارٍ : ((أَنَّ رَسُوْلَ
اللهِ ﴿ كَّرَ في صَلَةٍ من الصَّلَوَاتِ، ثُمَّ أشارَ إليهم بِيَدِهِ أَنِ امْكُنُواْ، فَذَهَبَ ثُمَّ
رَجَعَ وعلى جِلْدِهِ أثرُ الماءِ فأتمَّ الصَّلاَةَ بِالنَّاسِ)) [٤٨/١ رقم (٧٩)].
قال عبدُالملكِ: كان هذا خاصًّا لِرَسُوْلِ الله [9َّ] وليس بجائزٍ لَغَيْرِهِ
وهذا من خاصِّ حديثه فإنَّ من حديثه صَلواتُ اللهِ عليه خاصًّا وعامًّا، وناسخاً
ومنسوخاً، ومن أصابه مثل هذا من الأئمة قدَّم مَنْ يُمُّ بهم، وقد أخطأ من
حَكَى عن ابن نافع أنَّ ذلك جائزٌ لمَنْ بعدَه، ومن الدَّليل على خطئه أنَّ الإِمامَ
الذي يَذْكُرُ وقد أَحرمَ وأحرمَ الناسُ خلفَهُ أنَّ عليه غُسْلاً أو وُضُوْءًا فَرَجَعَ
فاغتَسَلَ أو تَوَضَّأَ قد انتقضَ عليه إحرامه الأول، وصارَ أن رَجَعَ إلى إمامةِ القومِ
مُخْرِماً بعدهم، فكيفَ يجوزُ لقومٍ أن يكونَ إحرامُهُم قبلَ إحرامِ إمامِهِم إذنْ
تكونُ صلاتُهم فاسِدَةً مُنْتَقِضَةً، إنَّما كان هذا خاصًّا لِرَسُوْلِ [١٢] اللهَِّ،
ولعلَّه قد أمرَهُم بنقضٍ إِحْرَامِهِم الأوَّلِ، وابتدأَ الإِحرامَ بعد إحرامِهِ الثّاني،
وهكذا فسَّره لي مُطرِّفٌ وابنُ الماجشون وغيرُهُمَا من قولِ مالكِ أيضًا.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (قَرِبَتْ بَمِينُكَ) في حدیثِ مالكٍ
الذي رواه عن ابن شهاب، عن عُرْوَةَ: أَنَّ أَمَّ سُلَيْمٍ قالت لرَسُولِ اللهِ
وَّر: المرأة تَرَى في المَنَامِ مثلَ مايرىُ الرَّجُلُ أَتَغْتَسِلُ؟ فقال لها رَسُولُ اللهِِّ:
نَعَمْ فِلتَغْتَسلْ. فقالتْ لها عائشةُ: أَفِّ لَكِ، وهل تَرَى ذَلِكَ المَرْأَةُ؟! فقالَ لها
٢٠٣

رَسُوْلُ اللهِلَهَا: تَرِبَتْ يَمِيْتُكِ، وَمِنْ أَيْنَ يَكُوْنُ الشَّبَهُ؟» [٥١/١ رقم (٨٤)].
قال عبدُالملكِ: أمَّا قَوْلُهُ: ((تَرِبَتْ يَمِيْنَك)) فإنَّ مالكًا كان يقولُ: معناه:
اسْتَغْنَتْ يَمِيْنُكِ، ذَهَبَ إلى أنَّ رَسُولَ اللهِوَّه لم يكنْ يَدعُو على عائشةَ ولكن
دُعَاءٌ لَهَا .
قال عبدُالملك: وأصلُ الكلمةِ في كَلاَمِ العَرَبِ أنَّ الرَّجلَ إذا استَغْنَى
قالوا: أَتْرَبَ فُلَانٌ بالألفِ(١)، ومنه قولهم: غَنِيٌّ مُتْرِبٌ، معناه: كثيرُ الغِنَى،
وإِذا افْتَقَر قالُوا: تَرِبَ فلانٌ بغيرِ الألفِ، ومنه قولُ اللهِ عزَّ وجلَّ: (٢) ﴿أَوْ
مِسْكِيْنَا ذَا مَتْرَةٍ﴾ يقول: ذا مَسْكَنَةٍ وحاجَةٍ فمعنى قولِهِ: ((تَرِبَتْ يَمِيْنُكَ)) افتقرتْ
يَمِيْنُكَ، ولو أرادَ الغِنَى لقالَ: أَثْرَبَتْ يَمِيْنُكَ، فوجهُ الحَديثِ عندنا: (٣) أنَّ
رسولَ الله ◌ِوَيهِ لم يَتَعَمَّدْ الدُّعَاءَ عليها بالفقرِ، ولم يَقْصُدْ قَصْدَ ذُلك ولكنَّها
كلمةٌ جاريةٌ على أَلْسِنَةِ العَرَبِ يَقُولُونَها وهم لا يريدون وقوعَ العُقُوبةِ، يدلُّ
على ذلك قَوْلُهُ في زَوْجَتِهِ صفيّة: (٤) - حين قيل له يومَ النَّفرِ بمنىٌ في حَجَّةٍ
الوَدَاعِ وقد حَجَّ معه أزواجه يومئذٍ - إنَّ صَفيَّةَ حائضٌ فظنَّ رَسُوْلُ اللهِ أَنَّها
لم تَكُنْ أَفَاضَتْ بالبَيتِ قبلَ أَنْ تَحيضَ فقال مُغْضَبًا : - حين خافَ أن تحبِسَهُ
عن النَّفْرِ حتَّى تطْهُرَ فتُفِيْضَ بِالبَيْتِ - ((عَقْرَى حَلْقَىُ ما أُراها إِلاَّ حَابِسَتَنَا، قَيلَ
(١) اللَّفظةُ مفسَّرَةٌ فِي غَريب أبي عُبِدٍ: ٩٣/٢، ٩٤، وغريب ابن الجوزي: ١٠٥/١،
والنُّهاية: ١٨٤/١، ويراجع: فعلت وأفعلت للزَّجاج: ١٣، وتهذيب اللُّغة: ٢٧٢/١٤،
والاستذكار: ٣٦٩/١، والصِّحاح، واللِّسان، والتَّاج: (ترب).
(٢) سورة البلد: الآية: ١٦.
(٣) هو توجيه أبي عُبَيْدٍ في غريب الحديث.
(٤) هي أمُّ المؤمنين صَفِيَّةُ بنتُ حْتَيٌّ بن أخطب - رضي الله عنها - كذا في المصادر.
٢٠٤

له: إنَّها قد فاضَت قبل أَنْ تَحِيْضَ، قال: فَلاَ بأسَ إذاً).
قالَ عبدُالملك: وهذه الكَلِمَةُ جاريةٌ على أَلْسِنَةِ العَرَبِ عندالغَضَبِ على
المرأة أن يقولوا عَقْرَى حَلْقَى (١)، أي: عَقَرَها الله، حَلَقَها الله، فَقَالَ لهَا رَسُوْلُ
اللهِو ◌َل﴿ وهي منه بالمَكَان الذي به الزَّوجةُ، فلم يُحْمَلْ ذُلك منه على إرادةِ وُقُوعِ
ذُلك بها، إلاَّ على ما قد جَرَىْ من كلامِ العَرَبِ، غيرَ مُريد إنزالَ ذلك بها، أولاً
تَرَىُ أنَّ مِنْ كَلاَمِ العَرَبِ الجَارِيْ عَلَى أَلْسِنَتِهِمْ فِي الحَبيبِ، والْبَغْيضِ،
والقَرِيْبِ والْبَعيدِ، وعندَ المَدْحِ والذَمِّ، لا أمَّ لَكَ، لا أَبَ لَكَ، لا أرضَ لَكَ،
وهو في أشعارِهم كثيرٌ قال كعْبُ بنُ سَعْدِ الغَنَوِيُّ - يَرِثِي أَخَاهُ(٢) -: [١٣]
(١) قال أبو عُبَيْدٍ في غَريب الحديث: ٩٤/٢ ((قال أبوعُبَيْدٍ: إنَّما هو عندي: عقراً وحلقاً
وأصحابُ الحديث يقولون: عَقْرَى حَلْقَىْ)) وعنه في الفائق: ١٠/٣ وزاد: ((أي: عُقِرَ
جسدُها وأصيبت بَداءٍ في حَلْقها، وقال سيبوية: يقال: عقَّرته أي: قُلت له: عقراً، وهذا
نحو سقَّيتُهُ وفدَّيْتُهُ. ويُحْتَمَلُ أن يكونا مصدرين على (فَعْلَىْ) بمعنىُ العَقْرِ والحَلْقِ كما قيل:
الشَّكْوَىْ الشَّكوِ، ودَغْرَى لا صَفَّى، بمعنى، اذغروا [ذغراً] ولا تُصافُّوا صَفًّا ... )).
(٢) البيتُ من قصيدة له في رثاء أخيه أبي المِغْوَارِ، أوردها الأَصْمَعِيُّ في الأصمعيات: ٩٣ فما
بعدها، قال: ((قال أبو سَعِيْدٍ: عن حَبِيْبَ بن شَوْذَبٍ - رجلٌ من أهل نجدٍ مُسِنٌّ - عن أبيه قال:
أنشدنيها كعبُ بنُ سَعْدِ الغنويُّ موافقاً لي براذان:
ولا وَرَعٌ عندَ اللِّقاءِ هَيُوْبُ
أَخِيْ مَاأَخِيْ لا فَاحِشٌ عِنْدَ بِيْتِهِ
ولَيْثٌ إِذَا يَلْقَى العَدُوَّ غَضُوْبُ
هُوَ الْعَسَلُ الماذِيُّ حِلْماً ونَائِلاً
عَلَيْنَا وَأَمَّا جَهْلُهُ فَعَزِئْبُ
لَقَدْ كَانَ أَمَّا حِلْمُهُ نمُرَوَّحٌ
حُبَىْ الشَّيْبِ لِلنَّسِ اللَّجُوْجِ غَلُوْبُ
حَلْمٌ إِذَا مَا سَوْرَةُ الجَهْلِ أُطِقَتْ
·البیت
... ..
هَوَتْ أُُهُ.
والشَّاهدُ في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٩٥/٢، وتهذيب الألفاظ: ٥٧٦، وجمهرة اللُّغة: ٢٢٩/١،
وتهذيب اللُّغة: ٦/ ٤٩٢، ٢٧٤/١٤، ٦٠٢/١٥، ٦٤١، والَّلَآلي: ٧٧٣، والمخُصَّص : =
٢٠٥

هَوَتْ أَمّهُ مايَبْعَثُ الصُّبْحَ غَادِياً
ومَاذَا يُؤَدِّيْ الَّليلُ حِيْنَ يَؤُوْبُ
ومثلُهُ فِي كَلَامِ العَرَبِ وأَشْعَارِهِمْ كثيرٌ.
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح قول مالك في «موطَّته»
((لا بأسَ بالصَّلاة في السِّباخ والتَُّّمُ منها)) [١/ ٥٧ رقم (٩٢)].
قال عبدُالملكِ: السِّباخُ من الأرضِ: الأرضُ المالحَةُ التي لا تنبتُ
شيئًا، وواحدتها سَبِخَةٌ، وليست الرَّدَغَةُ ولا الرِّداغ كَمَا يَقُولُ مَنْ ليس يَعرِفُ.
ـ وسألنا عبد الملكِ بن حَبيبٍ عن شرح حديث مالك
الذي رَوَاهُ عَنْ زَيْدِ بنِ أَسْلَمَ: ((أنَّ رجلاً سألَ رسولَ اللهِوَّه فقال:
ما يَحِلُّ لي من أمرأتي وهي حائضٌ؟ فقال رَسُولُ اللهِوَّهِ: لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إِزَارَهَا ثُمَّ
شَأْتُكَ بِأَعَلَاهَا)) [١/ ٥٧ رقم (٩٣)].
قال عبدُالملكِ: يعني: عُكّنَهَا وَبَطْنَهَا وصَدْرَهَا وَفَمَهَا يَصْنَعُ بذلك ما
شاءَ من قُبَلٍ، أو التِصَاقِ، أو عِنَاقٍ، أو مُبَاشَرَةٍ، أو جَسِّ، أو مُعالَجَةٍ مَا بَدًا
له، ولا يَقْرَبُ الأَسْفَلَ مِنْ مَوْضِعِ الإِزَارِ، لاَ عَلَى الإِزَارِ ولا مِنْ تَحْتِهِ، وَإِنِ
اجْتَنَبَ الفَرْجَ؛ وذلك للتَّقِيَّةِ والخَذَّرِ .
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (القِصَّةِ البیضاء)في حديث مالك
الذي رَوَاهُ عَنْ عَلْقَمَةَ بن أبي عَلْقَمَةَ، عن أُمِّه مولاةٍ عائشةَ أنَّها قالتْ:
((كان النِّساءُ يَبْعَثْنَ إلى عَائِشَةَ [أمِّ المُؤْمِنِيْنَ] بالدِّرَجَةِ (١) فيها الكُرْسُفُ، فيه
١٨٢/١٢، والصِّحاح واللَّسان والتَّاج: (هوى). قال أبو عمربن عبد البرِّ: ((وأمَّا قوله: (تَرِبَتْ
=
يَمِيْنُكَ) فمعلومٌ من دُعَاءِ العربِ بعضهم على بعضٍ مثل: ((قاتله الله)) و((هَوَتْ أمُّه)» و«ثَكِلَتْهُ
أُّه)) و(عَقْراً وحْلْقاً) و(لليَدَيْنِ وللفَمِ، ونحو هذا».
(١) الدِّرَجَةُ: جَمْعُ دُرْجٍ: وعاءٌ تَضَعُ فيه المرأةُ ما خَفَّ من متاعها.
٢٠٦

الصُّفْرَةُ من دَمِ الحَيْضَةِ يَسْأَلْنَهَا عن الصَّلاةِ، فَتَقْوْلُ لَهُنَّ: لا تَعْجَلْنَ حَتَّى تَرَيْنَ
القِصَّةَ البَيْضَاءَ [تريدُ بذلك الطُّهْرَ مِنَ الحَيْضَةِ)][٥٩/١ رقم (٩٧)].
قال عبدُالملكِ: يعني حتَّى تَرَيْنَ الظُّهرَ؛ وذلك أنَّ الدَّمَ إذا انقَطَعَ عن
الحائضِ أَدْفَقَتِ الرَّحِمُ ماءً أبيضَ كالرِّيقِ، فشُتَّه بياضُهُ بالقِصَّةِ، والقِصَّةُ يعنى
الجُص. وحديث مالكِ: ((أنَّ رَسُولَ اللهِ﴿ه نَهَى عن تَقْصِيْصِ القُبُورِ)) يعني:
عن أن تُبَيِّضَ بالقِصَّة، فإنَّمَا عَنَتْ عائشةُ بقولها: ((حتى تَرَيْنَ القِصَّةِ البَيْضَاءَ»
حتى تَخْرُجَ القُطْنَةُ أو الخِرْقَةُ التي تحتَشِيْ بها المَرْأَةٌ كأَنَّهَا قِصَّةٌ فِي بَيَاضِ الماءِ
الذي فيها، الذي تَدْفُقُهُ الرَّحِمُ على أثرِ [١٤] الدَّمِ، لايُخالِطُهُ حُمْرَةٌ ولا صُفْرَةٌ،
فمِنَ النِّسَاءِ مَنْ ذلك عَلَامَةُ طُهرِهَا، ومِنهنَّ من لاَ تَرَىْ ذلك ولا تَعرِفُهُ، وعلامةُ
◌ُهرهَا الجُفُوفُ، وهو أن تستدخلَ الخِرقةَ أو الكُرْسُفَةَ فتُخرجَها جافَّةٌ كما
أدخلتها، فإذا كانت علامةُ طُهرِ المرأةِ الجُفُوفَ، فَرَأَتِ القِصَّةَ البَيْضَاءَ، فلا
تَغْتَسِلُ حتى تَرى الجفوفَ، وإذا كانت علامةُ طُهرها القصَّةَ البيضاءَ فرأت
الجُفُوفَ قبلَ أن تَرَى القِصَّةَ الْبَيْضَاءَ فلتغتسلْ وتُصلِّي، وذلك أنَّ الجُفُوفَ أبرأ
للرَّحِمِ، وأذهبُ للحَيْضِ من القِصَّة؛ لأنَّ الحَيْضَ يكونُ أولاً دمًا، ثم يصيرُ
صُفرةً، ثم ثرية، ثم كُدرة، ثم يكون ريقًا كالقِصَّة، ثم ينقطعُ، فإذا انقَطَعَ قبلَ
هذه المَنَازلِ وجَفَّ أصلاً فذلك أبرأُ وأوعبُ من عَلَمِ القِصَّةِ، ولم تَنْتَظِرْ شَيئاً؛
لأنَّ الدَّمَ والعَلَمَ قد انْقَطَعَا جميعاً.
- وسألنا عبدَالملكِ بن حَبيبٍ عن شَرْحٍ قوله - في المُسْتَحَاضَةِ -:
(«تَسْتَذْفِرُ(١) بثَوپٍ» في حديث مالكٍ
(١) في المُوَطَّأ: ((لتَسْتثفر)).
٢٠٧

الذي رواه مالك عن نافع، عن سُليمان بن يَسَارٍ، عن أمِّ سلمة زَوْجِ
النَّبِّ ◌َّهُ: ((إنَّ امرأةٌ كَانَتْ تُهْرَاقُ الدِّمَاءَ في عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ◌ّهِ فَاسْتَفْتَتْ لها أمّ
سَلَمَةَ رَسُولَ اللهِلهفقال: لِتَنْظُرَ إِلى عَدَدِ الَّلَيَالِيْ والأيَّامِ الَّتِيْ كانَتْ تَحِيْضُهُنَّ
مِنَ الشَّهْرِ قبلَ أَنْ يُصِبَهَا الذِي أَصَابَهَا، فلتَتْرُكِ الصَّلاَةَ قَدْرَ ذَلِكَ من الشَّهْرِ، فَإِذا
خَلَّفَتْ ذَلِكَ فلتَغْتَسِلْ، ثم لتَسْتَدْفِرُ(١) بِثَوبٍ ثُمَّ لتُصَلِّي)) [٦٢/١ رقم (١٠٥)]
قال عبدُالملكِ: اختلف الَّلفظ في هذه الكلمةِ بالدَّالِ والثَّاءِ فأمَّا مطرِّفٌ
فَأَخبرني بها مُشافهةً عن مالكِ أنَّه قال له: (تستدفر) بالدَّالِ. وأمَّا غيرُ مُطرِّفٍ
فَرَواهُ عن مالكِ وغيره بالثاء (تستثفر).
قال عبدُالملكِ: كلتاهما [جائِزَتَانِ] فمن قال: (تَستدفر) بالدَّالِ فمعناه:
تَتَجَفَّفُ من الدَّم بالخرقةِ أو بالكُرسُفَةِ، الاستدفارُ: التَّجقُّفُ. أمَّا من قال:
(تستثفر) بالثّاءِ فالاستثفارُ فيه معنيان(١)؛ أمَّا أحدُهما: فمأخوذٌ من الثَّفَرِ؛
لأَنَّه يكون تحتَ ذَنَبِ الدَّابةِ فشبّه به، وأمَّا الآخرُ: فمأخوذٌ من الثَّفَرِ، والثََّرُ:
حَيَا الْبَهِيْمَةِ من الدَّوَابِّ والسِّاعِ، قالَ الأَخْطَلُ(٢):
(١) المعنيان في غريب الحديث لأبي عبيد: ٢٧٩/١، وعنه في غريب الحديث لابن الجوزي:
١٢٤/١، وهناك معنيان آخران هما: الاستثفارُ بالثَّب، وهو أن يدخلَ مؤخرة ذيله بين
رجليه. أو من استثمارِ الكَلْبِ، وهو أن يدخلَ ذيله بينَ رجليه. يُراجع غريب الحديث لابن
قتيبة: ١٥٥/٢، وتعليقُ أبي الوليد الوَّقَّشِيِّ: ١/ ١٠٧، والفَائق: ١٦٨/١، والنُّهاية: ٢١٤/١
قال أبو الوَِّيْدِ الوَقَّشِيُّ: ((ورُوِيَ (استدفر) بدالٍ مُهملةٍ وغيرِ مُهملةٍ، مأخوذٌ من الذَّفْرِ وهو
النَّن أو الدَّفر وهو مثله؛ لأنَّه يُقالُ: دفرٌ بِدَالٍ مهملةٍ ساكنةِ العين للنَّتَنِ خاصةً، وبذالٍ مُعجمة
وفتح الماء لكلِّ رائحة ذکیّةٍ من طِيبٍ أو نتنٍ، نقل ذلك عن أبي عُبيدٍ في غريب الحديث:
٢٣٦/٣، ٢٣٧.
(٢) البيتُ في شعر الأخطل: ٥٠٦، وغريب أبي عُبيد: ٢٨٩/١، ٨/٢، وتهذيب اللُّغة : =
٢٠٨

وَفَرْوَةَ ثَفْرِ الثَّوْرَةِ المُتَضَاجِمِ
جَزَى اللهُ عَنَّا الأَعْوَرَيْنِ مَلَامَةً
وقال النَّابغةُ الجَعْدِيُّ: (١)
فَقَدْ رَكِبَتْ أمرًا أغَرَّ مُجَجَّلاً
أَلاَ حَيَِّا لَيْلَىُ وقُولاً لها هَلَاَ
وَقَدْ رَكِبَتْ فِيْ أَوَّلِ الدَّهْرِ أَيَّلا
بُرَيْدِيْنَةٌ حَكَّ البَرَاذِيْن ◌ِفْرَهَا
٨٦/١٥، واللِّسان: (تفر) جاء في شرح هذا البيت في شعره: ((هؤلاء تغلبيُّون ولم يكونوا
=
أعانوه على حمالته. والثّقْرُ: الحياءُ، والمتفاجمُ: المائلُ، يُقَالُ: ثورٌ وثورةٌ، وبِرْذَوْنٌ
وِبِرْذَوَنَةٌ وَرَجُلٌ ورجلٌ، وغلامٌ وغلامٌ ... )).
(١) ديوان النَّابغة الجَعْدِيِّ: ١٢٣، ١٢٤ وبيهما في الدِّیوان:
عَلَى أَذْلَغِيِّ يَمْلأُ اسْتِكِ فَيْشَلاَ
دَعِي عَنْكِ تَهْجَاءَ الرِّجالِ وَأَقْبِيْ
وهما من قصيدة يهجو بها ليلَى الأَخيليَّة الشَّاعرة، وقدردت عليه بقصيدة منها [ديوانها: ١٠٢]:
وَكُنْتَ ضُنِيًّا بَيْنَ ضِدَّيْنِ مَجْهَلا
أَنَابِغُ لَمْ تَبُّغْ وَلَمْ تَكُ أَوَّلا
لِلُؤْمِكَ إلَّ وَسْطَ جَعْدَةً مَجْعَلَاً
أَنَابِعُ إِن تَنبَغْ بِلُؤْمِكَ لا تَجِدْ
أعيَّرتَنِي دَاءَ بأمِّكَ مثلُهُ
وأُّ جَوَادٍ لا يُقَالُ لَهُ هَلاَ
واستعدّى عليها بنو جَعْدَةَ أميرَ المدينةِ فقالت [ديوانها: ١٠٠]:
بِشَورَانَ يُزْجُوْنَ المَطِيِّ المُنَعَّلاَ
أَتَانِيْ مِنَ الأَبْنَاءِ أَنَّ عَشِيْرَةً
ليَسْتَجْلِدُوا لِيْ سَاءَ ذلِكَ مَعْمَلاً
يَرُوْعُ ويَغْدُو وَفْدُهُمْ بِصَحِيْقَةٍ
يَعِيْشُ أَبُوهُمْ فِيْ ذَرَاهُ مُغَفَّلا
عَلَى غَيِ جُزْمٍ غِيرَ أَنْ قُلْتُ عَمُّهُمْ
وأَعْمَى أتاهُ بالحِجَازِ نَثَاهُمُ
فَجَاءَ بِهِ أَصْحَابُهُ يَحمِلُونَهُ
وكانَ بِأَطَرافِ الْجِبَالِ فَأَسْهَلاَ
إِلَى خَيْرِ حَيِّ آخِرِيْنَ وَأَوَلاَ
وخبرها معه مشهورٌ مذكورٌ في ((الأغاني)) وغيره. ومن جيّد شعرها قولها [ديوانها: ٦٩]:
نَحْنُ الأَخَائِلُ مَايَزَالُ غُلامُنَا
حَتَّى يَدِبَّ عَلَى العَصَا مَذْكُورًا
جَزَعاً وتَعْلَمُنَا الرَّفَاقُ بُحُورًا
تَبْكِيّ الرِّمَاحُ إِذَا فَقَدْنَ أكفَّنا
حَرَّانَ إِذْ يَلقَىُ الْعِظَامَ بَتُوْرَا
والسَّيْفُ يَعْلَمُ أَنَّنَا إِخْوَانَهُ
مِنكُمْ إِذَا بَكَرَ الصُّراغُ بُكُوْرَا
وَنَحْنُ أَوْثُ فِيْ صُدُوْرِ نِسَائِكُمْ
٢٠٩

فقيل للمرأة: استثفِرِيْ من هذا، كناية عن الفرج وذكره.
قال عبدُالملكِ: وقد حدَّثني أبو معاوية [١٥] المَدَنِيُّ، عن شَريك بن
عبد الله، عن محمد بن عبدالله بن عقيل، عن عمران بن طلحة، عن أُمِّهِ
حَمْنَةَ(١) بِنْتِ جَحْشٍ: أَنَّها استَحاضت فَسَأَلَتْ عن ذلك رَسُوْلَ اللهِوَ لِ فقال
لها: ((اخْشِيْ كُرْسُفًا، قالت: إنَّه أكثرُ من ذلك، إِنّيْ أَثْتُهُ ثَجًا، قال: تَلَجَّمِيْ
وتحيضيْ ستًّا أو سبعًا، ثم اغتَسِلِيْ وصَلِّيْ)).
قال عبدُالملكِ: فالكُرْسُفُ: القُطنُ، أمرها باستدخاله والتَّجقُّفِ به،
وهو الاستدفارُ، فلمَّا قالت: إني أتُّه ثجًا، وهو مأخوذٌ من الماءِ الشَّجاجِ وهو
السَّائِلُ المُندفعُ قال لها: (تَلَجَّمي)) وهو مأخوذٌ من اللِّجام، وهو مثل قوله:
استثفري، فشبَّهه بالِّلجام كما شبَّهه بالَّلفظةِ الأُخْرَى بالثََّرِ، وكلُّ هذا كنايةٌ
عن الفَرجِ وذكره، وهو كلُّه كلامٌ جيّدٌ من كلامِ العرب مشروحُ المعاني. وأمَّا
قوله: (تَحِيْضِيْ)) فيعني أُقعدِيْ أَّامِ حَيْضَتكِ افعلِيْ فِيها ما تَفعلُ الحائضُ،
أي: أنت فيها حائضٌ ولست مُستحاضةٌ، فَدَعِيْ فيها الصَّلاةَ والصِّيامَ والمَسيْسَ
فذلك التَّحَيُّصُ.
۔ وسألنا عبدالملك بن حبیبٍ عن شرح حديث مالك
(١) جاء في التَّوضيح لابن ناصر الدين: ٣٢٤/٣: ((حَمْنَةٌ بفتح المهملة، وسكون الميم، وفتح
التُّون، تليها هاءٌ، ... صحابيَّةٌ مشهورةٌ، أختُ أمِّ المؤمنين زينب، وأمِّ حَبِيْبَةَ بناتُ جَحْشٍ،
كان الثَّلاثةُ يستحضنَ، وقيلَ: لم يستحِضْ منهنَّ إلَّ أُمُّ حَبِيْبَةَ. ذكره ابن عبدالبرِ)). وفي
الاستيعاب لابن عبدالبرِّ: ٤٤٢/٤: ((الصَّحيحُ عندَ أهلِ الحديثِ أنَّهما (يعني حَمْنَةَ وأمَّ
حبيبة) كانتا تستحاضان جمیعاً».
٢١٠

الذي رواه عن سُمَيٍّ مولَى أبي بكرٍ [بن عبدالرَّحمن](١)، أنَّ القَعْقَاعَ بن
حَكِيْمٍ، وزيدَ بن أَسْلَمَ أَرسلاهُ إلى سَعْيدِ بن المُسيَّب يَسألُهُ: كيفَ تَغْتَسِلُ
المُسْتَحَاضَةُ؟ فقال: ((تَغْتَسِلُ من طُهرٍ إلى طُهرٍ، وَتَتَوضَّأُ لكلِّ صَلَةٍ، فإنْ
غَلَبَهَا الدَّمُ اسْتَنْفَرَتْ)) [٦٣/١ رقم (١٠٧)].
قال عبدُالملكِ: أمَّا روايةُ مالكِ: ((فمن طُهْرِ إلى طُهْرٍ) يعني من صَلاَةِ
◌ُهْرٍ إِلَى صَلَةِ طُهْرٍ، إلاَّ أنَّ مالكًا قال: ما أرى الذي حدَّثني هذا الحديث إلاَّ
وَاهِماً، وَلاَ أَرَىْ سَعِيْدَ بنَ المسيِّبِ كان يريدُ إلَّ الإِطِّهارَ، يعني مثلَ قولٍ
رَسُوْلِ اللهِوَ﴾ِ لَّتِي سألته وقد استُحِيْضَتْ فقال لها: إِذَا أقبلتِ الحيضةُ فَدَعِيْ
الصَّلاةَ فَإِذَا أَذْبرِتْ فَاغْتَسِلِيْ، وعليه فُتيا مالكٍ وجَمِيْعٍ أَصْحَابِهِ.
ــ وسألنا عبدالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح حديث مالك
الذي رواه عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن عائشةَ: أنَّها قالَتْ: ((أُتِيَ
رَسُوْلُ اللهِهِ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَدَعَا رَسُولُ اللهِوَيهِ بِمَاءِ [فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ])»(٢) .
وفي حَذِيْثِ أمّ قَيْسٍ أيضاً: ((فَدَعَا بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ ولم يَغْسِلْهُ) [٦٤/١ رقم (١٠٩)].
قال عبدُالملكِ: قد جاءت هذه(٣) [١٦] الرّوايةُ هكذا والله أعلمُ بها. فأمَّا
العَمَلُ، والمَعْمُولُ به، وفُتْيًا مالكٍ وأَصْحَابِهِ، فَأَنْ يُغْسَلَ، أَكَلَ الصَّبِيُّ الطَّعامَ
أو لم يَأْكُلُهُ، ذَكَراً كان أو أُنْتِى، وبولُ الصَّغيرِ كبولِ الكَبِيرِ فِي وُجُوبٍ غَسْلِهِ.
وسألنا عبدَالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (الذَّنُوبِ) في حديثِ مالكٍ
الَّذي رَواه عن يحيى بن سعيد أنَّه قال: دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ المَسْجِدَ فكشفَ عن
(١) عن (الموطأ)).
(٢) في الأصل: ((فنضحه)).
(٣) تأخرت بقية الصفحة في الأصل إلى أوائل ص٢٥ من الأصل.
٢١١

فَرْجِهِ ليبولَ، فَصَاحَ الناسُ به حتَّى علاالصَّوتُ، فَقَالَ رَسُوْلُ الله ◌َيِ: اترُكُوْهُ
فتركوه فبال، ثم أمرَ رَسُوْلُ اللهِ لَّه] بذَنُوْبِ من ماءٍ فصُبَّ على ذلكَ المكان)).
[٦٤/١ رقم (١١١)].
قال عبدُالملكِ: الذَّنُوبُ: الدَّلوُ(١)، وكانت فوقَ دلوِ النَّاس اليوم. وَالسَّجْلُ:
الدَّلوُ أيضًا، وهي أَصْغَرُ من الذَّنوبِ. وَالغَربُ: الدَّوُ أيضًا، وهي أكبرُ من الذَّنوبِ.
[ شرحٌ غريب كتاب الصَّلاة](٢)
[من موطأ مالك بن أنس رحمه الله]
- وسألنا عبدالملكِ بن حَبيبٍ عن شَرحٍ حدیثِ مالكٍ
(١) اللَّفظةُ مشروحة في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٣٤٥/١، وغريبِ ابن قتيبة: ٣٨٨/١، والغَريبين: ٣١٦/٢،
والنُّهاية: ١٧١/٢. وقال: ((الذَّنوبُ: الدَّلْوُ الكبيرةُ، ولا تُسمَّى ذنوباً إلاَّ إذا كان فيها ماءٌ) وفي تعليقِ
أبي الوَلِيْدِ الوَّقَّشَيِّ: (الذَّنوبُ: الدَّلْوُ المَمْلُوْءَةُ ماءً، وإن كانت فارغةً لم تُسمَّ ذنوباً، ويُضربُ مثلاً
للحَظُّ والنَّصيبِ، وإن لم يكن هُناكَ دلوٌ، ومنه قوله تعالى: ﴿ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبٍ أَصْحَيِهِمْ﴾ [الذَّاريات:
الآية: ٥٩]. أقولُ - وعلىُ اللهِ أعْتَمِدُ -: ومنه أيضاً قول علقمةَ الفَحلِ التَّميميِّ:
فَحُقَّ لِشَأْسٍ مِنْ نَدَاكَ ذَنُوْبُ
وَفِي كُلِّ حَيٍّ قد خَبَطْتَ بِنِعْمَةٍ
وهذه اللَّفظةُ أيضاً مفسَّرةٌ في مفردات القرآن وغرائبه ومعاجم اللُّغة .. وغيرها.
والغَرْبُ معروفٌ، وهو بلُغةِ العامَّة الآن بنجدٍ كذلك، وفي شعرِ ابن الدُّمَيْنَة:
بِغَرْبَيْنِ مِنْ خِرْزِ العِرَاقِ شَعِيْبُ
وَقَفْتُ بِهَا أَصْرَى الدُّموعَ كَمَاصَرَى
(٢) الموطأ رواية يحيى: ٦٧/١، ورواية أبي مصعب: ٧٠/١، ورواية محمد بن الحسن: ٥٤،
ورواية سويد: ٧٧، ورواية القعنبي: ١٣٢، والاستذكار: ٧٤/٢، والتعليق على الموطأ
لأبي الوليد الوقشي: ١١١/١، والمتقى لأبي الوليد: ١٣٠/١، والقَبَس لابن العربي: ٢٥٢/١،
وتنوير الحوالك: ٨٦/١، وشرح الزُّرقاني: ١٣٤/١، وكشف المغطى: ٨٨. وفي ((الموطأ) رواية
يحيى: ((عن العلاء بن عبدالرحمن ابن يعقوب، عن أبيه وإسحاق بن عبدالله، أنهما أخبراه
أنهما سمعا أباهريرة .. )).
٢١٢

الذي رواه عن العلاء، عن أبيه(١)، عن أبي هُرَيْرَةَ: ((أنَّ رَسُولَ الله ◌َ﴾
قال: إِذَا تُوِّبَ بالصَّلاةِ فلا تأتُوها وأنتم تَسعَوْنَ، وأتُوها وَعَلَيْكُمُ السَّكِيْنَهُ فَمَا
أَدْرَكْتُمْ فَصَلَّوْا وما فَاتَكُمْ فَأَتْقُّوا، فإنَّ أحدَكُمْ في صَلَةٍ ما كان يَعْمَدُ إلى
الصَّلاةَ(٢)، وأنَّ تُكْتَبُ له بإحدَى خُطْوَتَيْهِ حَسَنَةٌ وتُمْحَى عنه بالأُخْرَى سَيّةٌ،
فإِذَا سَمِعَ أَحَدُكُمُ الإِقَامَةَ فَلاَ يَسْعَ (٢)) [٦٨/١ رقم (٤)].
قال عبدُالملكِ: مَعْنَى التَّغْوِيْبِ في هذا الحَدِيثِ(٣)، وفي الآخر الذي
(١) في المُوَطَّأ: ((وإسحق بن عبدالله أنهما أخبراه أنَّهما سمعا أباهُرَيْرَةَ».
(٢) -(٢) لم يرد في ((المُوطَّا» رواية يحيىُ.
(٣) اختلف العلماءُ بالمقصود بالتَّويب، فذهب أبو عمر بن عبدالبر في ((الاستذكار)) و((التَّمهيد»
إلى أنَّها الإِقامةُ كما ذكر المؤلِّفُ - رحمه الله - ومثله في ((غريب الوَقَّشِيِّ)) و(«النّهاية)) لابن
الأثير. وقال الأزهري - رحمه الله - في ((الزَّاهر)): التَّويبُ قولُ المُؤذِّن: ((حيَّ علىْ الفَلَاَحِ»
و ((الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم)» وذُلك في صلاة الفجر، وفي غير صلاة الفجر: ((الصَّلاة يَرحَمُكُمُ
اللهُ. وقال ابن قُتَبَةَ: الَّويبُ: ((الصَّلاةُ خيرٌ من النَّوم)، وفي (الزَّاهر» لابن الأنباري
الَّويبُ: قول المؤذِّنِ ((الصَّلاةُ خيرٌ من النّومِ)) ومثله في ((الفائق)) للزَّمخشري. قال أبوعمر
ابن عبدالبَرِّ: ((الَّويبُ ههُنا الإِقامةُ ولا يُحتملُ غير هذا التّأويل عندي والله أعلم. وإنَّما
سُمِّيَتِ الإِقامةُ في هذا الموضع تَتَوِيباً؛ لأنَّ الشَّريبَ في اللُّغةِ معناه العَوْدَةُ يقالُ منه ثابَ إليَّ
مالي بعدَ ذهابه، أي: عادَ ... وإنَّما قيل للإِقامة: تثويبٌ؛ لأنَّها عودةٌ إلى معنى الأذان .. »
ثم قال: ((ولا خلاف - علمته - أنَّ التَّويب عندَ عامَّة العلماءِ وخَاصَّتهم قول المؤذِّنِ:
((الصَّلاة خَيْرٌ من النَّومِ)) ولهذا قال أكثرُ الفقهاءِ: لا تثويبَ إلاَّ في الفَجْرِ. وقال الحسن بن
حي يشوِّ في الفَجْرِ والعِشَاءِ. وقال حمَّدٌ، عن إبراهيم: التَّويبُ فِي صَلاةِ العِشَاءِ والصُّبِحِ
لا في غيرهما» ونقل عن ابن الأنباري سبب تسميته تنويباً فليراجع هناك.
فبذلك يتبين أنَّ كلَّ ماتقدَّم صحيحٌ لا تعارض فيه؛ لأنَّ معناه على حسب السَّياق في
الحديث؛ وكلها تحمل معنى التَّويب اللغوي وهو العودةُ وذكر نحو ما تقدَّم إمَّا بلفظه أو معناه . =
٢١٣

ذُكِرَ فيه إدبارُ الشَّيطانِ عندَ التَّغْوِيِبِ بِالصَّلاةِ: الإِقامةُ، وليس الأذانُ كَذَلِكَ.
قال [عبدُ الملك](١): وأمَّاقولُهُ: ((فلا تَأْتُوُها وأنتُم تَسْعَوْنَ)) فمعناه: وأنتُم
تَجُرُون، السَّعْيُ هاهنا: الجَرْيُ والخَبَبُّ هو الذي نُهِيَ عنه، ولا بأسَ بالإِسرَاعِ
والحَرَكَةِ في ذلك، ما لم يكن خَبَباً أو جَرْياً. وقد رُوِيّ عن مالكِ(٣) عن نافعٍ:
أنَّ عبدَالله بن عُمَرَ سَمِعَ الإِقامةَ وهو بالبَّقِيْعِ فأسرَعَ المشيَ إلى المَسْجِدِ .
وسألنا عبدالملكِ بن حَبيبٍ عن شرح (القَسِّيّ) في حدیث مالكٍ
رواه عن نافعٍ، عن إبراهيم بن عبدالله بن حُنَيْنٍ، عن أبيه، عن علي بن
أبي طالب: ((أَنَّ رَسُوْلَ اللهِلَِّ نَهَى عن لُبْسِ القَسِّيِّ وعن تَخَتُّمِ الذَّهبِ، وعن
قراءةِ القُرآن في الرُّكُوعِ)) [١/ ٨٠ رقم (٢٨)]. وعن شَرْحٍ ما [٢٥] أشبه القَسِّيَّ
من التِّبِ التي جَرَى ذِكْرُها في أَحَادِيثِ مَالكِ وغَيِرِهِ من الخَمَائِصِ، والمَطَارِفِ،
والمَسَائِقِ، والمَيَائِرِ، والمُرُوْطِ، والمَنْطِقِ، والحُلَّةِ السِّيَرَاءِ، والبُرُودِ،
والمُمَشَّقِ، والمُمَصَّرِ، ومثلُ الأَنْرَبِيِّ والزِّيْقَةِ، والسَّبَايِبِ، وما أَشْبَهَ هذا.
فقال: أمَّا القَسِّيُّ(٣): فَتِيَابٌ مُضَلَّعةٌ بالحَريرِ كانت تُعْمَلُ بالقَسِّ وهو
يراجع: غريب الحديث لابن قتيبة: ١٧٣/١، والنّهاية لابن الأثير: ٢٢٦/١، وجمهرة
اللُّغة: ٢٦٢، ٢٦٣، والزَّاهر لابن الأنباري: ١٤٣/١، والزّاهر للأزهريّ: ٧٩، ٨٠،
وتهذيب اللُّغة له: ١٥١/١٥، وَتَعْلِيْقُ الوَقِّشِيِّ: ١١٢/١ ومثله في ((الاقتضاب)) لليفرُني،
والفائق للزمخشري: ١/ ١٨٠، والصحاح واللسان والتاج: (ثوب).
(١) في الأصل: ((قال مالكٌ».
(٢) التَّمهيد: ٢٨٢/٢٠.
(٣) اللَّفْظَةُ مشروحةٌ في: غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٦/١، وغريب الوَقَّشِيْ: ١١٤/١، والفائق:
١٩٢/٣، وغريب ابن الجوزي: ٢٤٢/٢، والنِّهاية: ٥٩/٤، ويراجع التَّمهيد: ١١٦/١٦،
والاستذكار: ١٤٧/٢، ومعجم البلدان: ٣٩٣/٤، وفتح الباري: ٢٩٢/١٠، وفي غريب =
٢١٤

المأخود(١) (؟) الذي يَلِي الفَرَما بِمصْرَ فُنُسَبَتْ إليه.
قال: وأمَّا الخمائصُ(٢) التي رَوَى مَالكٌ، عن عبدالله بن أبي بكر بن
حَزْمِ أَنَّه قَال: ((مَا أَدْرَكْتُ النَّاسَ إِلاَّ وَهُمْ يَغْدُوْنَ فِي البَرَانِسِ وَيَرُوحون في
الخَمَابِصِ)) فإنَّهَا أَكْسِيَةُ الصُّوفِ والمَرْعزاء المُعْلَمَةِ بالصَّنائف.
قال: وأمَّا المَسَاتقُ(٣) في الحَديثِ الَّذِي حَذَّثني ابنُ المُغِيْرَةِ، عن
مَنْدَلِ بن عَليٍّ، عن إبراهيم النَّخَعيِّ: ((أَنَّه كانَ يؤمُّهُم في المُسْتَقَّةِ)) فإنَّها فِرَاءٌ
مُغَشَّةٌ طِوَالُ الأكمَّةِ، كان النَّاسُ يَلْبَسُونها فيما مَضَىْ، وأصلُها فارسيَّةٌ، وهي
بالفَارسيّةِ بالشِّين المنقوطة فعرّبتها العربُ بالسِّين (٤).
قال: وأمَّا المُرُوْطُ(٥) في حديثِ مالكِ الذي رواه عن يَحْيَى بن سَعِيْدٍ،
عن عَمْرَةَ، عن عائشةَ أنَّها قالت: ((إنْ كان رَسُولُ اللهِ وَّهَ لْيُصَلِّي الصُّبْحَ
الوَقَّشِيِّ: ((وقيل: بالصَّعيد). وفي الفائقِ: أنَّ القَسِّيَّ القَزِيُّ أبدلت الزّاي سِيْئاً؟!
=
(١) في التعليق على الموطأ لأبي الوليد الوقشي: ١٣٣/٢: ((خور الفرما)).
(٢) اللَّفظة مشروحةٌ في: غريب أبي عُبَيْد: ٢٢٦/١، والتَّمهيد: ١٠٩/٢٠، قال: ((من لباس
أشراف العَربِ))، والفائق: ١٢٥/٣، وغريب ابن الجوزي: ٣٠٨/١، والنُّهاية: ٢/ ٨٠، ٩١.
(٣) اللَّفظة مشروحةٌ في: غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٧/١، والفائق: ٣٦٧/٣. وفيه («تفتح التَّاء
وَتُضَمُّ) وهو تعریب مُشْتَه.
(٤) عن أبي عُبَيْدٍ، ويُراجع: المُعرَّب للجَوَاليقي: ٣٠٨ وأنشد:
إِذَا لَبِسَتْ مَسَائِقُهَا غَنِىٌّ فَيَا وَيْحَ المَسَائِقُ مَا لَقِيْنَا
قال ابنُ الأعرابي: هو فروٌ طويلُ الكمِّ، وكذلك قال الأصمعيُّ. وقال النَّضر: هي الجُبَّةُ
الوَاسِعَةُ)). ويراجع: قصد السبيل: ٤٦٦/٢.
(٥) تقدَّم ذكرها في أول كتاب (وقوت الصَّلاة)، ويراجع: غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٧/١، والتَّمهيد:
٣٩٠/٢٣، والفائق: ٢٤٧/٢، ٣٢٣/٣.
٢١٥

فينْصَرِفُ النِّساءُ مُتَلَفِّعات بِمُرُوطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلس)» فإنَّ المُرُوْطَ: أَكسيةٌ
صُوفٍ رِقاقٌ خِفَافٌ مُرَيَّعةٌ، كان النِّساءُ يَتَلَفَّعْنَ بها ويَأْتْزِرْنَ بها في ذلك الزّمان.
قال: وأمَّا المَطَارِفُ(١) فَأَكْسِيَةُ الخَزِّ، كان مَنْ مَضَىْ مِنْ أَهْلِ الفَضلِ
والعِلْمِ من قُريشٍ وَغَيرِهِمْ يَلْيَسُونَهَا، وكانت مُربَّعةً، لها أعلامٌ، وواحدُها
مِطْرَفٌ، وبعضها كانت مُدَوَّرَةً عَلَى هيئةِ الطَّيْلَسَانِ، كان النِّسَاءُ يَلْبَسْنَهَا،
وكانت تلك المُدَوَّرَةُ تُسمَّى خَبِيَّةٌ(٢).
[قَالَ] وأمَّا القَراقِلُ(٣) فَقُمُصُ النِّساءِ التي لا جُيُوبَ لها، وواحدُها:
قُرْقُلٌ، وهي باللام وليست بالرَّاءِ.
قال: وأمَّا الشّابُ المُمَشَّقَةُ(٤): فهي المَصْبُوْغَةُ بالمِشْقِ، وهي المَغْرَةُ.
قال: وأمَّا الشِّابُ المُمَصَّرة (٥): فهي الَّتي فيها شَيْءٌ من صُفْرَة ليس بالكَثِير
قال: وأَمَّ الحُلَّةُ السِّيَرَاءُ (٦): فكانت مَسَيَّرةً بالحَرِيْرِ، السِّيَرَاءُ وَالمُسَيَّرةُ
(١) غريب أبي عُبَيْدٍ: ١/ ٢٢٧، والنّصُّ له، والفائق: ٣٥٨/٢، والنِّهاية: ١٢١/٣. والصِّحاح
والِّسان والتَّاجِ: (طرف). وأَنْشَدَ النَّحوِيُّون:
وَعَجَّتْ عَجِيْجاً مِنْ خُذَامَ المَطَارِفُ
تَفَىُ الخَزُّ عَنْ رَوْحٍ وأنكَرَ جِلْدَهُ
(٢) في الأصل: ((جنيه)) والتَّصحيح من غريب أبي عُبَيْدٍ.
(٣) في الأصل باللام كما أثبت، ويُراجع: غريب أبي عُبَيْدٌ: ٢٢٧/١، وفيه: ((هو الذي يُسَمِّيه
النَّاسُ قُراقراً».
(٤) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٧/١، وغريب ابن الجوزي: ٣٦٠/١، والمُغرة يأتي شرحها: ص٣١٧.
(٥) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٨/١، وغريب ابن الجوزي: ٣٦١/٢.
(٦) غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٨/١، وغريب ابن الجوزي: ٥١١/١، والتَّمهيد: ٢٤٠/١٤، ٢٤١،
والفائق: ١٤/٢، والنُّهاية: ٤٣٣/٢. وحُلَّ عُطَارِدٍ المذكورة، جاء ذكرها في حديث رواه
الحافظ ابن عبدالبرِّ في التَّمهيد: ١٤/ ٢٤٠، ٢٤١، قال: ((أمَّا أهلُ اللُّغة فإنَّهم يقولون : =
٢١٦

الحُلَّةُ السِّيرَاءُ: هي التي يخالطها الحرير، قال الخليل بن أحمد: السِّيَرَاءُ: برودٌ يخالطها
=
حريرٌ، وقال غيره: هي ضروبٌ من الوَشي واليُرُودِ. وأمَّ الحُلَّةُ عندهم فئوبان اثنان لا يقع
اسم الحُلَّةِ على واحدٍ، وأمَّا الُلَّهُ المذكورة في الحديث فحريرٌ كُلُّها بنقل النَّات لذلك،
ومن الدّليل على ذلك ((أيضاً ما حدَّثناه عبدالوارث بن سُفيان، قال: حدَّنا قاسم بن أصبغ،
قال: حدَّثنا مُضَرُّ بن محمدٍ، قال: حدثنا محمد بن خالد بن عبدالله الواسطي، قال أخبرنا
أبي، عن هشام بن حسَّان، عن محمد بن سِيْرين، عن ابن عُمر، عن عُمر أنَّه خَرَجَ من بيته
يريد الشَِّيَّ ◌َ﴿ فمرَّ بالسُّوق فرأَىْ عُطَارِدَ يُقَيِمُ حُلَّةٌ من حَرِيرِ - وكان رجلاً يَغْشَى المُلُوكَ -
فَأَتِى النّبِيَّل ◌َهُ فقال: هذا عُطارد يُقِيمُ حلَّةً من الحَرِيْرِ فلو اشتريْتَهَا فلبستهَا إذا أتاكَ وفودُ
النَّاسِ؟ فقال رسولُ اللهِوَله: «إِنَّمَا يَلْبَسُ الحَرِيْرَ من لا خلاق له في الآخرة)».
وعُطَارِدُ المذكور هُنا هو: عُطارد بن حاجب بن زرارة بن عُدس بن زيد بن عبدالله بن
دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تَميمٍ، أبوعكرمة. كذا قال الحافظ ابن
حجرٍ - رحمه الله - وقال: وفدَ علىْ النَّبِّلَّه واستعمله على صَدَقَاتِ بني تَميمٍ، ثبت ذكره
في الصَّحيح من طريق جرير بن حازم، عن نافعٍ، عن ابن عمر، قال: ((رأى عُمر بن الخَطَّاب
عُطارداً الثَّمِيْمِيَّ يبيعُ في السُّوق حُلَّةٌ سِيَرَاءَ، وكان رجلاً يَغْشَىْ المُلُوكَ، ويُصِيْبُ منهم .. )).
ولعلَّ هذه الحُلَّة هي التي أهداها كِسْرَىْ إلى عُطَارِدٍ حين طَالَبَ بقوسٍ أبيه حاجٍ بن
زُرَارَةَ التِي رَهَنَهَا ثم ماتَ قبل أخذِها، فوفدَ عطارد إلى كِسْرَى وطلبَهَا منه، فردَّها عليه
وكَسَاهُ حُلَّةٌ، وكان ذلك بعد الإِسلام وقبل إسلام عُطارد، ثم ارتَدَّ عطارد مع من ارتَدَّ من
قبائل العرب، وتبع سَجَاحِ التي تَبَاتْ واتبعها جماعةٌ من قومها منهم عُطارِدٌ، لكنَّ نَدِمَ على
ذُلك ورَجَعَ إلى الإِسلام. وقال:
وَأَصْبَحَتْ أنْبِيَاءُ النَّاسِ ذُكْرَانًا
أَضْحَتْ نُِّّا أُنْتِى نُطِفُ بِهَا
علىْ سَجَاحٍ ومن بالكُفْرٍ أَغْوَانًا
فَلَعْنَةُ اللهِ رَبِّ الناسِ كلِّهِمُ
له أخبار في: الاستيعاب: ٣١٠/٣، وأسد الغابة: ٤١١/٣، والإصابة: ٥٠٧/٤.
وأمَّا سَجَاحٍ فذكر الحافظ ابن حَجَرٍ أَنَّها تَزَوَّجَتْ مُسيلمة، وبعد مقتله عادَت إلى
٢١٧

والمُشَطَّبَةٌ واحدٌ؛ وهي المُخَطَّطَةُ(١) بالحَرِيْرِ أو بغيره، غير أنَّ تلك التي في
الحديثِ، وهي حُلَّهُ عُطَارِدٍ كانت حَرِيْراً.
قالَ: وأمَّ المَيَاثرُ(٢) الحُمْرُ التي جاء فيها النَّهيُّ في الحديث، وواحدها
مَيْثَرَةٌ: فإنَّها كانت من ديباجٍ أو حَريرٍ، وكانت من مَرَاكبِ العَجَمِ .
قال: وأمَّا الخُلَلُ: (١) فإنَّهَا بُرُوْدُ الْيَمَنِ من المُوشية، ولا يكونُ الثَّوبُ
الواحدُ حُلَّةٌ حتى يكونَ رَداءً وإزاراً يؤْتَزَرُ به، أو رداءً وجُبَّةً كما جاء في
الحَديثِ: ((مَنْ جَمَعَ الحِلْمَ والمُرُوْءَةَ فقد استَجَادَ الخُلَّةَ سرْبَالَهَا وَرِدَاءَهَا))
ومما يَدُلُّ على ذلك حديثُ عمر إذْ بَعَثَ إلى أُسَيْدِ بنِ الحُضَيْرِ(٤) بحلَّةٍ فباعها،
واشترى بثمنها خَمْسَةً أَرْؤُسٍ فأعتَقَهُمْ، ثم قالَ: ((إنَّ رَجُلاً آثرَ قِشْرَتَيْنِ يلبسهما
على عِثْقِ هؤلاء لَغَبِيْنُ الرَّأي)) فقوله: ((قِشرتين)) يَدُلُّ على أنَّهما ثَوبان، وقد
الإِسلام فأسلمت، وعاشت إلى خلافة معاوية قال: ذكر ذلك صاحب ((التاريخ المظفري)).
=
الإِصابة: ٧٢٣/٧. أقول: ((التاريخُ المظفريُّ)) لإبراهيم بن عبدالله بن أبي الدَّمِ الهَمْدَانِيِّ
الحَمَوِيِّ (ت ٦٤٢هـ).
وذكر أبوعُبَيْدٍ في غريب الحديث: ٢٢٨/١ بعد الحُلة السِّيراء (القَهْزُ): ((ثيابٌ بيضٌ
يخالطها حَرِيْرٌ أيضاً، قال ذو الرُّمَّة - يصف البُزاةَ والصُّقورَ بالبَيَاضِ -: [ديوانه: ٧٩٠/٢]
من القِّهْزِ والقُوْهِيِّ بِيْضُ المَقَانِعِ
من الزُّزْقِ أو صُفْع كأنَّ رُؤُوْسَهَا.
(١) كذا جاء في الأَصل: ((المُخطَّطة)) ولعلَّ صوابَها ((المُخَلَّطة)) جاء في غريب أبي عُبَيْدٍ: ((برودٌ
يُخالطها حرير» والمؤلّف إنَّما نقل عن أبي عُبَيْدٍ فَرَحِمَ اللهُ أباعُبَيْدٍ.
(٢) في غريب الحديث لأبي عُبَيْدٍ: ٢٢٨/١، والاستذكار: ١٤٧/٢، والتَّمهيد.
(٣) تقدَّم تخريجها في (الخُلَّة السِّيَرَاءِ).
(٤) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٢٨/١ ((ومن ذلك حَديثُ مُعَاذ بن عَفْرَاءَ: أنَّ عُمر بَعَثَ إليه بحُلَّةٍ
فباعها واشتَرَى بها خمسةَ أرؤسٍ ... )) وأُسَيْدُ بنُ حُضَيْرٍ، ومُعاذ بن عفراء، صحابيان
معروفان رضي الله عنهما، لهما أخبارٌ: الأول في الإصابة: ٨٣/١، والثاني فيها: ١٤٣/٦.
٢١٨

سَمَّاهُما حُلَّةً فِي صَدْرِ الحَدِيْثِ.
قال عبدُالمَلكِ: وأمَّا الأنْرَبِيُّ فئِيَابٌ تُعملُ بقَريةٍ من قُرَى [٢٦] مِصْرَ (١)
يُقَال لَهَا: أَثْرِيْبُ(٢) .
قال: وأمَّا الزَّقةُ(٣): فالصَّعِيْدِيُّ الغَلِيْظُ من الثّابِ.
قال: وأمَّا الشقائقُ(٤): فالأُزُرُ الضَّيَّقَةُ الرَّدِيْتَةُ.
قال: وأمَّا السَّبائِبُ(٥): فهي العَمَائِمُ.
ثم قال: وأمَّا المُعصفرُ(٦): الذي نُهِيَ عَنْهُ في الحَدِيْثِ فهو المُقدَّمُ
الشَّديدُ الحُمْرَةِ، ذُلك مكروهٌ للرِّجال إظهارُهُ في المساجدِ والجَمَاعاتِ. وقد
بَلَغَنَي أنَّ عُمَرَ بنَ الخَطَّاب رأى ثوبًا مُعَصْفَراً مُفَدَّمًا عَلَى رَجُلٍ في المسجدِ
(١) تكملة الكلام هنا يعود إلى ص١٧ من صفحات الأصل.
(٢) في معجم البلدان: ١/ ١١١: ((بالفتح ثم السُّكون))، وفي تاج العروس : (ترب) کاِزِمِیْل.
(٣) في غريب أبي عُبَيْدٍ: ٢٤٢/٣: ((قال أبوزيد: المُزَوَّرُ من الكلام والمزوَّق واحدٌ، وهو
المُصلح المُحسِّن، وكذلك الخَطُّه ويُراجع النّهاية: ٣١٩/٢، ولم أجد من ذكر أنَّهَا النَّابُ.
(٤) النِّهاية: ٢/ ٤٩٢ ((جنسٌ من الثِّاب)).
(٥) الغريبين: ٨٥٢، وفي النّهاية: ٣٢٩/٢ «السَّبائب: جمع سَبِيْبَةٍ، هي شقّةٌ من الثَّابِ أَيَّ نَوْعِ
كان، وقيل: هي من الكتّانِ».
(٦) يظهر أنَّه الثَّبُ المصبوغُ بالعُصْفُرِ، و((العُصْفُرُ: نباتٌ سلافته الجريال، وهي معربة)). كذا
في العين: ٣٣٥/٢، ومختصره: ٢٢٢/١، وجمهرة اللُّغة: ١١٥٣، وتهذيب اللُّغة: ٣٣١/٣
وفي «الجمهرة)): ((عربيٌّ معروفٌ، وقد تكلَّمت به العَرَبُ، قال الرَّاجُ:
قد كنتُ حَذَّرتُكِ لقطَ العُصْفُرِ
باللَيْلِ قبلَ تُصْبِحِيْ وتُشْفِرِيْ
أقول: لم يذكره الجواليقي - رحمه الله - في ((المعرَّب)) فلعله متأثرٌ بكلام ابن دُرَيْدٍ وهو كثير النَّقُل
عنه والإفادة منه. وذكره المحبي في قصد السبيل: ٢٩٤/٢، وأحال إلى (الجريال): ٣٨٣/١.
٢١٩

فضَرَبَهُ بالدِّرَّةِ حتَّى أخرجَه من المسجدِ، ثم قال: ذَرُوا هذه البرَّاقاتِ للنِّساءِ.
قال عبدُالملكِ: ولا بأسَ بالمُوَرَّد وفوقَه قَليلاً للرِّجالِ في المَسَاجدِ
وَالجَمَاعَاتِ، قَالَ: ولا بأسَ للرِّجالِ أيضًا بالمُفَدَّمِ في الأَفنيةِ والدُّورِ .
قال عبدُالملكِ: وأمَّا قولُهُ في الحديثِ: ((وعن تَخَتُّمِ الذَّهب)) فهي أن
يَتَّخِذَ الرَّجُلُ خَاتَماً من ذَهَبٍ، الذَّهبُ حليةُ النِّساءِ، والفِضَّةُ حليةُ الرِّجالِ،
والحَديدُ لأهلِ النَّارِ، التَّحِّي به مَكْرُوْهٌ، هكذا سَمِعْتُ مَنْ لَقِيْتُ من أهلِ
العِلْمِ يَقُوْلُوْنَ في ذلك كلَّهُ.
- وسألنا عبدالملكِ بن حبيبٍ عن شرح (الخداجِ) في حديث مالكٍ
الذي رواه عن العلاءِ بن عبدِ الرَّحمن، عن أبي السَّائبِ، عن أبي
هُرَيْرَةَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُوْلَ اللهِ لهِ يقولُ: ((مَنْ صَلَّىُ صَلاةً لم يَقْرَأ فيها بأمّ القُرآن
فهي خِدَاجٌ غيرُ تمامٍ)) [٨٤/١ رقم (٣٩)].
قال عبدُالملكِ: الخِدَاجُ(١): النَّاقصةُ، مثلُ النَّاقة أو الشَّةِ إذا ولدت
ولداً ناقصَ الخَلْقِ، أو لغير تَمامٍ فهو خِدَاجٌ، تقولُ منه: أَخْدَجَ الرَّجُلُ صَلاَتَهُ
فَهو مُخْدِجٌ صَلاَتَهُ، وَصَلاَتُهُ مُخْدَجَةٌ، والفِعْلُ منه الخَدْجُ، ومنه قيل لذي
الثُدَّةِ (٢): مُخْدَجُ اليَدِ، أي: مَنْقُوْصُ اليَدِ، تقولُ: خَدَجَتِ النَّاقَةُ أو الشَّاةُ: إِذا
(١) اللَّفظة مشروحة في غريب أبي عبيد: ٦٥/١، وغريب ابن قتيبة: ٤٠٦/١، وتَعليق
الوَقَّشِيِّ: ١٢٦/١، وعنه في غريب اليفرني، والفائق: ٢٥٦/١، وغريب ابن الجوزي:
١/ ٤٧، ١٧٥، والنُّهاية: ١٢/٢. ويُراجع: العين: ١٥٧/٤، ومختصره: ٤٢١، وتهذيب
اللُّغة: ٤٥/٧، والجمهرة: ٤٤٣، والتَّمهيد: ٨٧/٢٠، والاستذكار: ١٤٣/٢، والصِّحاح
واللِّسان، والتَّاج: (خدج).
(٢) ذو النُّية هذا من أوائل الخَوَارج، خَرَجَ في زمنٍ أميرِ المُؤمنين عليٍّ بنِ أبي طالبٍ - رضي =
٢٢٠